تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».

مقتل نحو ألف سوداني في انزلاق أرضي دفن قرية نائية في دارفور.. الأهالي يقودون جهود الإنقاذ وسط مخاوف من غياب المساعدات

مقتل نحو ألف سوداني في انزلاق أرضي دفن قرية نائية في دارفور.. الأهالي يقودون جهود الإنقاذ وسط مخاوف من غياب المساعدات
آثار الانزلاقات بقرية ترسين في جبل مرة، 1 سبتمبر. المصدر: مني أركو مناوي على فيسبوك

في ساعة متأخرة من مساء الأحد الماضي، تلقى أهالي قرية سوني، شرقي جبل مرة، في ولاية وسط دارفور السودانية، أنباءً أن انزلاقًا أرضيًا ضرب قرية ترسين الواقعة إلى الغرب منهم. وعندما هرعوا للمساعدة، بالكاد تعرفوا على مكان «ترسين» بعد أن غطتها التربة والصخور بشكل كامل، بحسب أحد أهالي «سوني». 

لا يزال عدد الضحايا الذين قضوا في الكارثة التي محت القرية النائية غير مؤكد، فبينما قدّرت السلطة المدنية التابعة لحركة جيش تحرير السودان، بقيادة عبد الواحد نور، التي أعلنت الخبر أولًا أمس، الثلاثاء، أن عدد القتلى يفوق الألف، قدرّت الأمم المتحدة في بيان عدد الذين لقوا مصرعهم بما يتراوح بين 300 وألف قتيل. إلا أن مصادر تحدثت لـ«مدى مصر»، بينها مصدر محلي وعضو في لجنة طوارئ جبل مرة، قدّرت عدد سكان «ترسين» بأكثر من ألف شخص، نجا منهم شخص واحد فقط، في كارثة إنسانية تعد الأكبر في تاريخ سلسلة جبل مرة البركانية.

[فيديو محاولات الإنقاذ من الأهالي]

كانت أيام من الأمطار الغزيرة أدت إلى تشبع التربة بالمياه، ما دفع كتلًا ضخمة من الصخور والطين للانزلاق، لتدفن القرية التي كان الكثير من سكانها من الأسر النازحة جراء العنف في الفاشر ومحلية الطويلة في ولاية شمال دارفور منذ فرضت قوات الدعم السريع حصارها على الفاشر منتصف عام 2024، وفقًا لمصدر محلي من جبل مرة، وهو ما أكّده عضو غرف طوارئ جبل مرة، عبد الحفيظ علي، موضحًا أن حوالي نصف سكان القرية كانوا من النازحين.

وشيدت معظم الأسر النازحة مساكنها في مجاري السيول، لأنها غير مأهولة ولا تستخدم في الزراعة، وبالتالي لم ينازعهم عليها أهالي القرية من المحليين، لتجرف جميع بيوتهم في الانزلاق الأرضي الذي ضرب القرية الأحد. 

وتقع قرية ترسين في منطقة نائية ومعزولة من الجزء الشرقي من هضبة جبل مرة، المنفصلة إداريًا عن السلطة المركزية لأكثر من عقدين، وتعد من القرى التي نشأت في حزام النزوح المتشكل في الثمانينيات على وقع الصراع الذي نشب بين القبائل العربية والفور على المناطق الزراعية في وسط دارفور، ويمكن اعتبار موقعها المرتفع نتيجة لمحاولة المزارعين البحث عن مناطق زراعية بعيدًا عن المواشي والنزاعات التي تحدث بسبب توغلها في الأراضي الزراعية. ومنذ اندلاع حرب دارفور الأولى في عام 2003، تقع معظم مناطق جبل مرة تحت سيطرة حركة جيش تحرير السودان، فيما تسيطر «الدعم السريع» وميليشيات محلية على المناطق المحيطة بها.

ورغم دفن «ترسين» بالكامل، إلا أن الجهود المحلية لانتشال الجثث محدودة للغاية، حسبما قال مسؤول في حركة تحرير السودان لـ«مدى مصر»، مضيفًا أن الأهالي والسلطة المحلية للحركة على حد سواء لا يملكون المعدات والإمكانات للتعامل مع كارثة بهذا الحجم.

وناشد قائد حركة تحرير السودان، عبد الواحد نور، أمس، جميع الجهات المحلية والإقليمية والدولية لبذل الجهود لانتشال الجثث من تحت ركام الصخور، مضيفًا أن هناك توقعات بحدوث كوارث مماثلة في بعض المناطق والقرى المجاورة، ما يتطلب وضع خطة لإجلاء المواطنين وتوفير السكن اللازم، موجهًا نداءه للأمم المتحدة ووكالات الإغاثة للتدخل.

رغم مناشدة نور إلا أن وصول الإغاثة الإنسانية يظل غير أكيد، حيث قال مصدر بحكومة اقليم دارفور إن المساعدات قد تواجه عوائق، إذ أن مناطق سيطرة حركة جيش تحرير السودان شهدت عددًا من الحوادث الأمنية بينها وبين «الدعم السريع» خلال العام الماضي، مما أدى الى عزل منطقة شرق جبل مرة عدا بعض المنافذ التي تسيطر عليها «الدعم السريع»، فمن الشمال، تقع الفاشر الواقعة تحت حصار «الدعم السريع»، ومن الجنوب، نيالا، المعقل الرئيسي لـ«الدعم السريع».

وعلى الرغم من أن «الدعم السريع» أصدرت بيانًا الثلاثاء، دعت فيه إلى جهود إغاثة عاجلة، فإنها لا تزال تمنع وصول المساعدات إلى مناطق أخرى في دارفور، على رأسها الفاشر، فيما تتعرض القوافل الإنسانية للاستهداف في الإقليم.

ومع ذلك، أعلن مكتب رئيس الحكومة الموازية التي تقودها «الدعم السريع» في غرب السودان أن رئيس الحكومة، محمد حسن التعايشي، أجرى اتصالًا هاتفيًا مع رئيس حركة جيش تحرير السودان لمناقشة الوضع الإنساني ومعرفة الاحتياجات الضرورية من أجل تقديم المساعدة. في حين أكد المسؤول في حكومة الإقليم أن الحكومتين الإقليمية والاتحادية على استعداد تام لتقديم المساعدة سواء بالتنسيق مع وكالات الأمم المتحدة أو حركة جيش تحرير السودان من أجل إيصال المساعدات الإنسانية.

في ذات الوقت قد تضع عزلة «ترسين» نفسها عقبة إضافية، فطبيعة تضاريسها الجبلية الوعرة تجعل من الصعب الوصول إليها بالسيارات، ولا يمكن دخولها إلا بعربات تجرها الحمير. ورغم أن هذه العزلة حمتها لعقود من النزاع، إذ صمدت في وجه التحولات الواسعة التي طالت إقليم دارفور في حرب 2003 بين الحركات المسلحة والحكومة، إلا أنها قد تعيق اليوم وصول جهود الإغاثة، خصوصًا مع توقعات بمزيد من الأمطار الغزيرة الأيام المقبلة.

وتضاف إلى العوامل التي جعلت الانزلاق الأرضي مدمرًا إلى هذه الدرجة، الطبيعة الجيولوجية للمنطقة وتوزيع القرى في جبل مرة، إلى جانب الأمطار غير المسبوقة. 

caption

 

وأوضح باحث في هيئة الأبحاث الجيولوجية السودانية أن الأمطار الغزيرة التي هطلت الأسبوع الماضي أدت إلى تآكل التربة ما تسبب في انزلاقات طينية دفعت إلى تدحرج للكتل الصخرية مؤدية إلى «انهيار مركب» كما وصفه. وليست «ترسين» الوحيدة المعرضة لهذه العوامل، فالمزارع في جبل مرة تمتد حول الجبال فيما تتجمع البيوت والقرى عند سفوحها، وهو ما يعرض الكثير من القرى الأخرى في المنطقة لخطر مماثل.

وقال مصدر في هيئة الأرصاد الجوية السودانية لـ«مدى مصر» إن الهيئة تتوقع استمرار حدوث كوارث بهذا الحجم في ظل وصول فصل الأمطار إلى ذروته، خصوصًا في تلك المناطق الواقعة بالقرب من مجاري السيول أو في الأودية أو بالقرب من المرتفعات الصخرية والتربة الانجرافية غير المستقرة. 

ورغم أن قرية ترسين تقع خارج نطاق نفوذ الحكومة في الخرطوم، إلا أن مسؤولين لهم علاقة بالجيش السوداني أعربوا عن استعدادهم لتقديم المساعدة لـ«ترسين»، بدءًا برئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، الذي عزى ضحايا الانزلاق الأرضي، مؤكدًا تسخير كل الإمكانيات المتاحة لتقديم الدعم والإغاثة للمتضررين جراء هذه الكارثة، فيما شدد حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، على أن ما وقع بقرية ترسين «مأساة إنسانية» تفوق حدود الإقليم و«أكبر من طاقة أهل المنطقة».

عن الكتّاب

أخبار ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن