تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».

في تقرير عن معاناة «المحتجزين السياسيين» وأسرهم.. «الجبهة المصرية» تطالب «الداخلية» بالتوقف عن التربح من «كانتين السجن»

في تقرير عن معاناة «المحتجزين السياسيين» وأسرهم.. «الجبهة المصرية» تطالب «الداخلية» بالتوقف عن التربح من «كانتين السجن»

طالبت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، وزارة الداخلية بالتوقف عن تحويل السجون إلى أماكن تجارية واستغلال حاجة المحتجزين إداريًا «المحبوسين احتياطيا»، ومنعهم من الزيارة، لتحقيق أرباح جنونية من أجل توفير احتياجاتهم الأساسية، والتوقف كذلك عن نبذهم اجتماعيًا وتجريدهم من حقوقهم الأساسية بأحكام ومبادئ قضائية تجعل مجرد توجيه اتهام لشخص في قضايا سياسية سببًا كافيًا لانتفاء شرط حسن السمعة عنه.

وقالت «الجبهة» في تقرير أصدرته اليوم، بعنوان: «خرجت من السجن ولم يخرج مني»، إن الاحتجاز التعسفي الذي يطال المعارضين السياسيين في مصر يصاحبه مشاكل اقتصادية وخللًا ماديًا عند عائلات السجناء، يتفاقم إذا كان المحتجز هو عائل الأسرة الوحيد.

بخلاف إشارته للاستنزاف المادي والاقتصادي للمسجونين وأسرهم، أشار التقرير إلى ما يتعرضون له من ضرر في العلاقات والمكانة الاجتماعية، فضلًا عن تدهور الوضع التعليمي للمحتجز وأسرته، كما تطرق في أحد فصوله إلى الإشكاليات الصحية التي يتعرض لها المحتجز، نفسيًا وجسديًا، مع عدم قدرة كثير منهم وأسرهم على الاستمرار في تلقي الدعم النفسي أو الصحي نتيجة تدهور وضعهم الاقتصادي كأثر لفترة الحبس.

المدير التنفيذي لـ«الجبهة»، أحمد عطا الله، أوضح في حديثه لـ«مدى مصر» أن كثيرًا من الأسر تعاني اقتصاديًا بسبب احتجاز أحد أفرادها في السجون على ذمة اتهامات سياسية، لاضطرارهم لتوفير الاحتياجات اليومية لإعاشته، إلى جانب نفقات تقديم الدعم القانوني له، مشددًا على أن معاناة الأسر لا تنتهي بالإفراج عن ذويهم، خصوصًا في ظل وجود مبدأ قضائي أرسته محكمة النقض في مايو 2023، يجعل مجرد اتهام شخص في قضية سياسية، مثل التظاهر، سببًا لفصله من عمله حتى ولو صدر حكم ببرائته في وقت لاحق، وهو ما اعتبره عطا الله إهدارًا لمبدأ أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، وضياع لحقوق المحبوسين احتياطيًا على ذمة قضايا سياسية، في الحصول على تعويض في حال تعرضهم للفصل خلال  الحبس الاحتياطي، ما يساهم في وصم السياسيين اجتماعيًا واقتصاديًا.

في تقريرها، وثقت المؤسسة الحقوقية، التي تأسست عام 2017 في جمهورية التشيك، شهادة 14 شخصًا تعرضوا لـ«الاعتقال التعسفي»، بحسب وصفها للحبس الاحتياطي، في الفترة من 2015 حتى 2022، ومحامي أحد المفرج عنهم، في محادثات صوتية تمت عبر الإنترنت، واكتفت بالإشارة إليهم بالأحرف الأولى من أسمائهم حرصًا على سلامتهم.

في تقريرها، الذي حصل «مدى مصر» على نسخة منه، أشارت «الجبهة» إلى تأثر المحتجزين السياسيين والجنائيين بظروف الاحتجاز السيئة في السجون المصرية، إلا أن حدتها تتزايد مع المحتجزين السياسيين نظرًا لنوعية الاتهامات الموجهة لهم، وطبيعة التعامل (اللا قانوني) معهم من خلال ما يعرف بمشكلة الحبس الاحتياطى المطول الذي يصل لسنوات، تستمر خلالها، وبعدها أسر السجناء في دوامة الاستنزاف المالي حتى تستطيع تلبية احتياجاتها واحتياجات ذويهم داخل السجون.

وإلى جانب المصاريف القانونية اللازمة، مثل أتعاب المحاماة ودفع الكفالات والرسوم القضائية وغيرها، حدد التقرير أمثلة على الانتهاكات التي يتعرض لها المحبوسين احتياطيًا وتثقل كاهل أسرهم اقتصاديًا في: كثرة الحبس الانفرادي ومنع الزيارة، ما يجعل اعتماد السجين الكلي في تلبية احتياجاته على كانتين السجن بأسعاره المرتفعة.

وذكر التقرير أن «نظام السجون المصرية لا يلبى احتياجات النزلاء الآدمية ويجردهم من جميع الأشياء الأساسية بما فيها ببعض الأحيان ما يلزم للبقاء على قيد الحياة»، موضحًا أن عدم توافر الغذاء اللازم للسجين يدفع أسرته لإيداع مبلغ مالي بشكل أسبوعي في أمانات السجن، ليتمكن من شراء مستلزماته من الكانتين، والذي تسعر فيه السلع بأضعاف أثمانها بالخارج في عملية تجارية خالصة لصالح إدارات السجون في مصر، بحسب التقرير.

أما الطريق الآخر لتقديم الإعاشة اللازمة للسجين، عن طريق توفير أسرته لاحتياجاته من خارج السجن، فقالت «الجبهة» إنه لا يضمن حل اﻷزمة بشكل فوري، وإنما تُصاحبه ميزانية شهرية مستقلة، تصل إلى ثلاثة آلاف جنيه شهريًا، تدفعها الأسرة ما بين «إكراميات للعاملين داخل أماكن الاحتجاز للسماح بإدخال الزيارة أو الطبلية دون إرجاع أشياء منها. أو لتخفيف حدة التفتيش الذي يتعرضون له أثناء الزيارة، أو تقديمها على شكل خراطيش سجائر وهي العملة السائدة داخل السجن لتلبية بعض الاحتياجات من مُسيّر العنبر الجنائي أو أمين الشرطة النبطشي».

كانت «الجبهة» رصدت في تقرير بعنوان «معاك جنيه تساوى جنيه»، أصدرته في مايو 2022، تجاهل عدد من مراكز الاحتجاز لقرار وزير الداخلية رقم 691 لسنة 1998 وتعديلاته حتى عام 2019، بشأن كيفية معاملة المسجونين ومعيشتهم والوجبات الغذائية التي يحصلون عليها.

بحسب «الجبهة»، تتراوح أقسام الشرطة ما بين أقسام لا تقدم للمحتجزين بها أي طعام على الإطلاق، وأخرى تقدم الخبز والجبن فقط، وأقسام تقدم بعض أصناف الطعام المطبوخ بـ«كميات قليلة جدًا ورديئة جدًا لا تكفي احتياجات المحتجزين».

وفي ما يتعلق بالسجون، رصدت «الجبهة» التزام أكبر بتقديم وجبتي الإفطار والغداء دون العشاء، مع تفاوت في كميات الطعام وجودته من سجن لآخر.

وبحسب قرار وزير الداخلية رقم 468 لسنة 2017 وتعديلاته، لا بد أن يصرف للمحتجزين ثلاث وجبات يوميًا، تتغير في حال كان السجين مريضًا ويلزمه نظامًا غذائيًا خاصًا، من بينها وجبة عشاء من رغيف خبز و50 جرامًا من الفول أو العدس أو الجبن، كما نص القرار على أن يقدم الطعام جيد الإعداد والطهي والأصناف المطهية ساخنة، وأن تضاعف الكمية المقدمة من اللحوم والفاكهة في الأعياد والمناسبات الدينية.

إلى جانب ميزانية تدبير احتياجات المحتجز من الطعام داخل محبسه، تتكبد أسر المحبوسين عناء السفر إلى مسافات طويلة وتحمل نفقاته الطائلة عند الزيارة، ما يضع أعباء مالية هائلة على المحتجزين من أصحاب الدخول المتوسطة والضعيفة وكذلك الكبيرة مع طول مدة الحبس، بحسب تقرير «الجبهة».

أشار التقرير إلى اضطرار العائلات من المحافظات البعيدة عن العاصمة للانتقال بشكل أسبوعي، أو مرتين فى الشهر على الأقل، إلى القاهرة من أجل الزيارة، أو لمجرد إدخال طبلية (طعام وأدوية وملابس) أو إيداع مبلغ مالي فى الأمانات. مشددًا على أن الوضع زاد سوءًا بعد تشغيل السجون الجديدة، التى شيدت فى مدن جديدة وبعيدة عن العمران ووسائل المواصلات العامة، حتى أصبحت لعملية الانتقال إلى السجن تكلفة إضافية، خاصة في ظل الحاجة لتأجير سيارة مخصوصة ذهابًا وإيابًا لهذه المقرات.

كان الرئيس عبد الفتاح السيسي أطلق في سبتمبر 2021 الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، متضمنة في ما يخص حقوق السجناء عدة أهداف على رأسها «تطوير وتحديث منشآت السجون وإنشاء سجون جديدة، لتقليل الكثافة العددية وتحسين مستوى إعاشة السجناء ورعايتهم الصحية». تبع هذا إعلان إنشاء أكبر مجمع سجون في مصر في منطقة وادي النطرون، ثم مجمعات أخرى قال السيسي إنها مصممة على «الطريقة الأمريكية»، دون توضيح ما يعنيه ذلك على مستوى بنية السجن ومساحة الزنازين أو الممارسات داخله.

وسبق حديث السيسي وقتها إعلان «الداخلية» في أغسطس 2021 تبنيها سياسة جديدة في التعامل مع قطاع السجون، بدأتها بتغيير اسمه إلى قطاع الحماية المجتمعية، وتغيير مسمى السجون إلى «مراكز الإصلاح والتأهيل»، ومأمور السجن إلى «مدير المركز»، والسجين إلى «نزيل/ة»، فيما تم تسمية السجان/ة بـ«المشرف/ة».

وتسارعت وتيرة تنفيذ السياسة الجديدة بعد ذلك، بافتتاح «الداخلية» الكثير من مراكز الإصلاح والتأهيل، في مناطق صحراوية بعيدة عن المدن.

وفي مقابل محدودية خيارات الأسرة لتوفير نفقات للسجين، رصد التقرير تأثر العائلات باختلاف طبقاتها الاجتماعية اقتصاديًا، وتضحياتها ببعض بنود الإنفاق لصالح تدبير احتياجات السجين، فرغم أن الطبقة العليا استطاعت الصمود لفترة طويلة، إلا أنها تأثرت مع طول مدة الاحتجاز، وخفضت نفقاتها حتى لا تضطر إلى الاستدانة. في حين لم تصمد الطبقة المتوسطة والفقيرة كثيرًا، ما اضطر عدد من  زوجات السجناء للبحث عن عمل، حتى ولو لم يتناسب مع قدراتهن لتوفير احتياجاتهم الأساسية وتسديد الديون التى تراكمت عليهن.

وتطرق التقرير إلى اضطرار بعض العائلات إلى بيع ممتلكاتها حتى تتمكن من الاستمرار في تغطية النفقات المفروضة عليها خاصة مع تكرار تجربة الاحتجاز التعسفى لأكثر من مرة، والتوسع فى تدوير المحتجزين السياسيين على أكثر من قضية، وطول أمد التقاضي. ورصد قيام زوجة محبوس احتياطي، قُبض عليه أربع مرات فى الفترة من 2015 وحتى 2022، وحُبس لمدد مختلفة أقلها عام، ببيع شقتهم بثمن أقل من ثمنها الحقيقي حتى تستطيع الإنفاق على عائلتها وعلى زوجها المحبوس.

كما أشار التقرير إلى اضطرار الأهالي لتقليل نفقات ضرورية مثل وقف الدروس الخصوصية لأبناء المحبوسين احتياطيا أو تقليلها إلى أقل ما يمكن نتيجة استيلاء تكلفة الدعم القانوني على ميزانيات اﻷسر.

وذكر التقرير أنه رغم طبيعة القضايا السياسية التي يُسجن على خلفيتها المحتجز، والتي لا ترتبط بجرم بعينه، إلا أن العائلات تلجأ للدعم القانوني للبحث عن سبيل لإنقاذ المعتقل.

وقدر عدد من العائلات أتعاب الفريق القانوني المسؤول عن الدفاع عن ذويها بما لا يقل عن 50 ألف جنيه، وصولًا إلى 150 ألف جنيه في بعض الأحيان، الرقم الذي يرتفع في حال الحصول على إخلاء سبيل بكفالة مالية، يُشترَط سدادها لتنفيذ القرار، مع وجود إمكانية لإعادة تدوير الشخص مرات أخرى.

ولا تتوقف المعاناة الاقتصادية لأسرة المحبوس احتياطيًا بخروجه من محبسه، نتيجة جملة من القرارات والأحكام والمبادئ القضائية، بحسب تقرير «الجبهة» الذي أشار إلى أن الخلفية السياسية للشخص يترتب عليها في بعض الأحيان آثار «سلبية وانتقامية»، مثل حرمان السجين من وظيفته أو ممتلكاته بعد تعرضه للاعتقال والسجن، إما بموجب أحكام قضائية مثل الإدراج على قوائم الإرهاب، وقرارات التحفظ على الأموال والشركات، والتى تمتد لمدة خمس سنوات، قابلة للتجديد بأحكام جديدة، أو من خلال إجراءات تعسفية تصدر بالفصل عن العمل، أو الشطب من النقابات لأصحاب المهن الحرة. 

ورصدت «الجبهة» في يونيو العام الماضي إدراج ثمانية آلاف مواطن ومواطنة على قوائم الكيانات الإرهابية لمدة خمس سنوات، وذلك فى 91 قرار إدراج خلال الفترة من 2016 وحتى 2023.

وبموجب قانون قوائم الإرهاب رقم 8 لسنة 2015، يترتب على إدراج الأشخاص على قوائم الكيانات الإرهابية الوضع على قوائم المنع من السفر، وترقب الوصول، وسحب جواز السفر أو إلغاؤه أو منع إصدار جواز سفر جديد، وفقدان شرط حسن السمعة والسيرة اللازم لتولي الوظائف والمناصب العامة أو النيابية، وتجميد الأموال. يُضاف لذلك عدد من الآثار التي تترتب على إدراج أشخاص في هذه القوائم مثل تجميد الأموال، والأصول المملوكة للأشخاص بشكل كامل، ووقف عضويتهم في النقابات أو الشركات والجمعيات شبه الحكومية، والأندية، والاتحادات، وحظر ممارسة الشخص أية أنشطة أهلية أو جمع الأموال أو التبرعات.

إضافة إلى قرارات التحفظ والادراج، تتخذ بعض الشركات والهيئات الحكومية سياسة الفصل التعسفي ضد المحبوسين على ذمة قضايا ذات طابع سياسي. ورغم مخالفة هذا التصرف للقانون إلا أن المحتجزين السابقين لا يمكنهم العودة إلى وظائفهم بسببه.

وأوضح عطا الله أن كثيرًا من المخلى سبيلهم على ذمة قضايا سياسية كانوا يلجأون إلى الطعن على قرارات الفصل التعسفي أمام القضاء الإداري إذا كانت الجهة التى يعملون بها حكومية، والتي كانت تصدر أحكامًا لصالح عودة المحتجزين السياسيين السابقين إلى العمل؛ إلا أن تلك الأحكام لم تُنفذ لرفض جهات التنفيذ الالتزام بها أو إدخالها نطاق التفعيل والعمل، ما أفقدها جدوى.

أما العاملون بالقطاع الخاص فقال عطا الله إن اﻷمر ينتهي إلى بحث غالبيتهم عن فرصة عمل جديدة عقب الخروج من السجن، مشددًا على أن محكمة النقض عززت هذا الأمر بإصدارها مبدأ قضائي، في 30 مايو 2023، تضمن إلغاء حكم أول درجة بتعويض عامل في شركة خاصة بمبلغ 300 ألف جنيه بعد قرارها بفصله خلال حبسه احتياطيًا على ذمة قضية تتعلق بالتظاهر واتهامه بالانضمام لجماعة إرهابية، وتأييد قرار الشركة بفصله.

عن الكاتب

رنا ممدوح

صحفية مصرية متخصصة في الشؤون القضائية والبرلمانية.  عملت لصالح عدد من الصحف المصرية والعربية، منها «الدستور»  و«التحرير» و«المقال» و«الأخبار» [اللبنانية] و«السفير العربي». وذلك بالإضافة إلى عملها كمراسلة لوكالة الأنباء الروسية…

أخبار ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن