تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
شاب الغيطاني والكتابة عن الهزيمة

شاب الغيطاني والكتابة عن الهزيمة

هذا النص ضمن العدد 11# من «مُنتهى الأدب»

كتابة: أمل إدريس هارون 8 دقيقة قراءة

عندما صدرت مجموعة «أوراق شاب عاش منذ ألف عام» القصصية عام 1969 كان كاتبها جمال الغيطاني (1945-2015) في الـ24 من عمره . ومما هو واضح صدرت المجموعة في أجواء النكسة التي زلزلت المخيلة والحياة المصرية والعربية. هل كان لتلك الأجواء السياسية والوطنية وما تلاها من أحداث أثر ما في معالجة الغيطاني الأدبية داخل العمل؟

تلك المجموعة التي خرجت للنور بصدفة سعيدة -ولها قصة صدور مشوقة عن سلسلة كتاب الطليعة يرويها يوسف القعيد- تقع غالبًا في ظل عمله الأشهر «الزيني بركات» الصادر عام 1974 الذي ربما لا يفسح المجال كثيرًا للحديث عن «أوراق شاب»، رغم أنها كعمل أول تتيح التأمل والتحليل لبعض السمات المميزة لما سيصبح عليه أدب الغيطاني، المعروف عنه لاحقًا استحضار روح التراث التاريخي والمعماري، وآلياته، وتقنياته كمرآة للمجتمع والسياسة. يمكننا في تلك المجموعة رؤية الغيطاني الشاب وهو يتحسس مسارات عدة في التكنيك، وبالأخص في التعاطي مع خطي الزمان والمكان وكذلك في الصوت. ورغم أنه عمل أول، فإنه يشتمل على نضوج ملفت ووعي أدبي كبير ببناء القصص، وكذلك مسافة مثيرة للفضول متخلية عن العاطفة الجياشة والتخبط الفني والمبالغات سواء لغوية أو فنية مما قد يظهر في الأعمال الأولى.

تنقسم المجموعة إلى خمس قصص (مقدمة وأربع قصص معنونة) تدور في أزمنة مختلفة ومتداخلة، تجمع بين الحاضر والماضي والمستقبل. قصتان تدوران في لحظة راهنة، تتعلق الأولى بشخصية جنوبي هائم في أكثر أحياء القاهرة ازدحامًا وزخمًا هربًا من الثأر، أما الثانية فبطلها رجل عادي من الجنوب أيضًا يستسلم لسير الأيام وتدوين للحظة ما بعد الهزيمة في أوراقه من تفاعله مع الأخبار التي تأتي من الراديو بلا حكم عليها ، فقط بعض المخاوف مما يخلفه العدوان من خسائر مثل «انهيار السد»، دون أن تُذكر تلك الهزيمة صراحة، ولا حتى تلميحًا. ثم تُوضَع هذه القصة في مستقبل بعيد، بعد ألف عام، هذا المكان غير واضح المعالم «فيما كانت تُسمى المنيا أو أسيوط» حيث لم يعد «الكيان/العدو» معروفًا أو موجودًا، كأنما اندثرت تلك الأماكن من ذاكرة العالم.

الثلاث قصص المتبقية تروى عن قاهرة المماليك، إحداها على لسان ابن إياس، مؤرخ القاهرة والشاهد عليها، المدينة الأهم التي رآها تنتقل من عصر المماليك إلى عصر العثمانيين، قاهرة تقع على مرحلة عتبية (liminal) مصيرية متأرجحة بين نارين. والثانية باحث معاصر يقرأ في أوراق أمر سجن مملوكي، والأخيرة ستكون بذرة «الزيني بركات».

يمكننا إذن التسليم بأن السياق العام الذي خرجت فيه «أوراق شاب» يقع في قلب حدث جلل، في أعقاب هزيمة يونيو 1967، وجد عدد من الكتّاب العرب أنفسهم أمام مأزق وجودي وسردي: كيف يمكن التعبير عن لحظة الانكسار دون الوقوع في المباشرة، أو الاصطدام برقابة الدولة، أو استثارة جرح الهزيمة بشكل فجّ؟ إجابة السؤال نجدها في حوار يتحدث فيه الغيطاني عن منطلقات كتابة «الزيني بركات» وأجواء صدورها، بعد نصر 1973 «عانينا من الرقابة في الستينيات، وأسلوب التعامل البوليسي، وأتصور أن هذا كان أحد أسباب علاقتي القوية بالتاريخ، حيث كنت مهمومًا بالبحث في تاريخ مصر، وبقراءة هذا التاريخ خاصةً الفترة المملوكية، التي وجدت تشابهًا كبيرًا بين تفاصيلها والزمن الراهن الذي نعيش فيه، وأنا عندما أقول الفترة المملوكية، أعني الفترة المملوكية التي كانت مصر فيها سلطنة مستقلة تحمي البحرين والحرمين، وقد انتهت هذه السلطنة عام 1517 بهزيمة عسكرية كبيرة في مرج دابق شمال حلب».

و هنا مربط الفرس تمامًا، فـ«أوراق شاب» صدرت في عز الأزمة، وتعد نموذجًا فنيًا جيدًا للعب بالزمن والمكان لتقديم سرد يتجاوز اللحظة دون أن يغادرها حقًا. الزمن هنا يقع في قلب الأدوات التي يطرحها الغيطاني، لكنه يقدمه بشكل مميز، فيفككه تمامًا ويكسر جريانه الخطي المتوقع ويجعل معه المكان بلا ذاكرة أيضًا ليمكنه التحدث والسرد بلا خدوش للألم، ولكن كيف أمكنه ذلك؟ يخفف الغيطاني من وطء وزخم ما يستدعيه المكان المحور للعمل وهو القاهرة -المدينة بألف لام التعريف- وفي زمن ما بعد النكسة، فخلق عبر السرد تداخلًا زمنيًا مربكًا ليفصله عن المكان. الزمن كما نعرفه -حاضر وماضي ومستقبل- له ثلاثة أبعاد في العمل، أقلها أهمية هو الحاضر، بينما يتبادل المستقبل والماضي الأدوار.

تبدأ القصة الأولى أو المقدمة بوعد سردي قوي بدخول عالم مستقبلي، لكنه سرعان ما يفقد ملامحه. ما يتبدّى للقارئ ليس توصيفًا لمستقبل ممكن، بل إعادة تسكين الحاضر ذاته، أو تجاوزه، حتى أصبح أثرًا لأجداد لا يترك حضوره أي تأثير في الوجدان. فتبدأ المجموعة بجملة تحيل إلى مستقبل بعيد: «ألف عام من تاريخه». هذا الاستهلال ليس فقط تمريرًا زمنيًا، بل هو محاولة لتسكين الجراح وتجاوز اللحظة الآنية دون إنكارها. فكل ألم سياسي أو نفسي ناتج عن الواقع المرتبك يبدو كما لو رُحل إلى زمن سحيق. لكن هذا الزمن-المستقبل لا يلبث أن يقوم بردة في الأوراق الشابة إلى ماضٍ أسطوري يستدعي صلوات لرع وإيزيس وذكر الملك سوريد من تاريخ مصر الخرافي، ويحيل إلى عدة خطابات منها التاريخي والديني، ما يخلق بنية سردية زمنية متراكبة ومشتتة: الماضي يحل في الحاضر، والحاضر يُتخيل كماضٍ بعيد ولا نعرف لأي خطاب نستند.

يظهر المستقبل مجددًا، لكنه هذه المرة مستقبل ابن إياس، في قاهرة 1967 وما تلاها. الرجل الذي كان يُدوِّن الأحداث التاريخية يعود ليشهد ما حلّ بـ«قاهرته»، ويتتبعها سيرًا وتوثيقًا. تبدو القاهرة غريبة عنه، وهو نفسه يبدو حائرًا، مرتبكًا، يواصل تسجيل تفاصيل سير طويل، لا ينتهي، فيما يبدو نقطة مستقبلية بالنسبة له، لكنها مألوفة، قاهرة عتبية تتأرجح، ويوثق هو ذلك التأرجح بينما يهيم في ركابها وبينما نلتزم الحياد رغم فهمنا لكل الإشارات والإحالات.

ثم هناك الماضي، رِدّة بعيدة يأخذنا إليها الغيطاني من خلال شخصيات تبدو تراثية «خارجة عن الزمن»، السجان وابن إياس، ثم الزيني بركات الذي يستقر في الماضي، ليس كراوٍ للتاريخ مثل ابن إياس بل صانعه ومحركه، وهو يروي حكايات مروّعة عن السلطة، والتعذيب، والتلاعب، والقدرة الغاشمة على تحديد مصائر البشر وإدراجهم في لعبة السياسة والتوازنات، بلا صوت ولا قدرة على الفعل. الماضي أيضًا يُستعاد في مونولوج آمر سجن المقشرة المملوكي، حيث لا ينجو أحد «ولا يعلو إنسان على المقشرة»، رمز للبطش والتصفية، وحالة القهر الجماعي التي لا تستثني أحدًا.

هذا التراوُح بين الأزمنة: مستقبل وماضٍ فمستقبل، في حاضر يستدعي ماضيه، يشبه في بنائه تعرُّج العمارة القاهرية التقليدية التي تحدث عنها الغيطاني مرارًا. هو لا يقدّم سردًا خطّيًا، بل يخترق الزمن كمَن يتجوّل في دروب متعرجة، تُخفّف من وطأة الطريق، وتداعب أمل الوصول، وتُلطّف حرّ اللحظة. إنها تقنية تسمح للكاتب بالاقتراب من الجرح دون ملامسته مباشرة، وتمنح القارئ مسافة أمان من وطأة الهزيمة وهول الأحداث.

حين يقترب الغيطاني من الحدث السياسي، فإنه يظل يتموضع في لغة الزمن الآخر، في نصوص تُقرأ كما لو كانت قد كُتبت في القرن العاشر الهجري (ونقرأها بعد نحو خمسة قرون) وبهذا، فإن الزمن لا يصبح فقط وعاءً للحكي، أو استعارة بائسة للمحاكاة، بل حيلة سردية ونفسية لحماية الذات الجمعية من الصدمة. بل في لحظة عتبية يتحول الزمن نفسه إلى حالة من التشظي والمكان المنزوع الهوية. فالسرد التراثي يشكّل وعاءً مراوغًا، يسمح بالتدفق السلس للمعنى في فضاء مفهوم، لكنه بعيد، دون الوقوع في فخ الشكوى أو العري السياسي.

ففي إحدى القصص، يقول السارد: «لو الأيام تمشي إلى الوراء، 1967 و1966، العام القادم 1965». الجملة تنطوي على رغبة مجنونة في التراجع الزمني وفي عكس مسيرة الأيام، وهي ليست مجرد حنين، بل محاولة للهرب من حاضر فقد تماسكه وتجنب مفاجآت مستقبل مجهول، العودة للماضي كمستقبل يمنحنا هدوء المعرفة ولو توقف الزمن.

حتى الأماكن الهامشية، مثل الصعيد، تتحول إلى رموز هشة للهوية. فالبطل الذي ينتمي إلى الصعيد يهرب منه ولا يعود إليه، بل يهرب إلى «اللامكان القاهري»، حيث لا تاريخ، ولا هوية، ولا جذر، وحيث التيه الذهني والنفسي. كأن المكان نفسه، مثل الزمن، قد فُرغ من معناه، ليصبح فضاءً مراوغًا للحكي أكثر منه سياقًا للأحداث.

أما المكان، ففي كل القصص تقريبًا هو القاهرة بحضورها الطاغي الذي لا يمكن التشكيك فيه. لكنها ليست المدينة المألوفة، ذات طبقات الذكرى والتاريخ والقلب من الحدث، فهي تُحكى بالمراوغة، تُرسل في لا زمان ولا مكان، في لحظة طقسية انتقالية، بين بين. ليست قاهرة الهزيمة ولا قاهرة الزيني بركات المُرعبة، بل قاهرة مُعلَّقة في مرآة بين الاثنتين، حائرة، مثل السارد، مثل القارئ، ومثل الزمان نفسه في هذه المجموعة.

يرى جاستون باشلار أن المكان ليس مجرد فضاء فيزيائي، بل هو تجربة شعورية عميقة مرتبطة بالذاكرة والخيال والحنين انطلاقًا من بيت الطفولة. يمكننا أن نقرأ أماكن الغيطاني هنا -القاهرة، الصعيد، الزنزانة، الزقاق، باب زويلة- بوصفها رموزًا للحالات النفسية للذات الساردة والمجتمعية، لكنها مراوغة في استعارتها ومحايدة في تجربتها الشعورية البشرية لتنتج انفصالًا يبدو عتبيًا لكنه غير محدد الاتجاه، فتستمر حالة اللايقين والبين بين بلا أي حسم ممكن.

يقوم الغيطاني بتحييد تلقينا للقاهرة إذن، بلا وطأة كبيرة، لأننا لا نستطيع تمركز التلقي في مكان وزمان محددين، وبالتالي لا ذاكرة، ولا تاريخ، ولا أمل واضح، بل نتأرجح في مسافات شاسعة، زمنًا ومكانًا، فتتخلخل اللحظة وتصبح غير خالصة، غير خاصة، وغير شاملة للهزيمة، لأنها غير مترسخة تمامًا في لحظة يمكن إمساكها أو مكان خاص له ذاكرة محددة.

يحيل النص المعنون بـ «مقدمة» إلى النكسة، لكن نجدها تدور في الصعيد، القصة الوحيدة التي يمكن القول إنها تتطرق بشكل أساسي للنكسة، حدثت هناك في مكان ما في مستقبل بعيد وتدور الأوراق الألفية حول مخاوف الرجل العادي من توارد الأخبار، رجل مجرّد من الأيديولوجيا، ومن أنوار مركزية القاهرة المتضخّمة، هنا أيضًا تجديد في معالجة المكان بتجريده من صوته وذاكرته الآنية، بل إخفاء موقعه، مثل مكان ما كان «يُسمى المنيا أو أسيوط»، حتى العنوان نفسه يسحبنا إلى هذه الحالة السائلة في التلقي كشهود نفهم الإشارات دون الانخراط في الزخم العاطفي. هذا التناول يخلق كرونوتوبًا (علاقة الزمان والمكان في السرد كما يراها باختين) مركبًا يخلخل التجربة الزمنية للقارئ، فلا يعود يعرف أين يقف بالضبط، ثم يفرغ الغيطاني الأمكنة من واقعها الجغرافي والتاريخي، فالقاهرة لا تظهر كمدينة بعينها، بل كأنها أثر، ذاكرة زئبقية. هذا ما يمكن تسميته بـ«كرونوتوب اللامكان». مكانٌ ذاكرته متوقفة حتى وهو يعبر عن زمن النكسة، دون تطرق مباشر. يسير الغيطاني في خلق الحالة الزئبقية في الزمكان حتى يهدم فيزياء المكان في حالته المطلقة بعدما تلاعب بخطوط الزمن، لتصبح القدرة على تجاوز المكان بسرعة كبيرة هي مطلق السعادة «سعيد هذا الإنسان الذي ينطلق بسرعة ألف كيلومتر في فضاء نهائي سحيق».

ما يفعله الغيطاني في هذه المجموعة هو بناء سردية عتبية تتنقل بسلاسة ملفتة بين الماضي والمستقبل، بين الأمل والانكسار، بين الحكي والمراوغة، ليُصبح الحاضر مكانًا يمكن احتماله. بهذا المعمار السردي القائم على التعرّج، والمراوغة، والانزلاق بين الأزمنة، يصبح «أوراق شاب عاش منذ ألف عام» نصًا عن الهزيمة دون أن يذكرها، وعن السياسة دون أن يصرّح، وعن الألم دون أن يئنّ.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن