شركة تقاوي جديدة لـ«مركز البحوث» تثير قلقًا من تهديد القطاع الخاص للسيادة الغذائية
قرر مركز البحوث الزراعية، التابع لوزارة الزراعة، إنشاء شركة مساهمة لإنتاج التقاوي، وفق إعلان داخلي أصدره رئيس المركز، عادل عبد العظيم، الأسبوع الماضي، واطلع عليه «مدى مصر»، وهي خطوة يرى خبراء وباحثون أنها ستغير جذريًا الدور التاريخي للمركز، وتحوله إلى ذراع يخدم مصالح الشركات التجارية، بدلًا من أن يظل مؤسسة بحثية وطنية تسعى لتوفير أصناف وتقاوي للفلاحين بأسعار شبه مدعمة.
الشركة الجديدة ستضم بين مساهميها عددًا من كبار اللاعبين في السوق، بحسب ثلاثة مصادر من داخل المركز، طلبوا عدم ذكر أسمائهم. أبرز هؤلاء المساهمين هي الشركة الدولية لإنتاج التقاوي، المملوكة للرئيس السابق للجنة الزراعة بمجلس الشيوخ والقيادي بحزب مستقبل وطن بالدقهلية، عبد السلام الجبلي، الذي سبق واتهمه جهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكار، في قضية احتكار، سواها الجبلي بدفع غرامة مليوني جنيه.
في الوقت نفسه، بحسب مصدر مسؤول بالإدارة المركزية لإنتاج التقاوي التابع لوزارة الزراعة،، تجري مناقشات مع «جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة»، المولود من رحم القوات الجوية، لتحديد ما إذا كان سينضم كمساهم في الكيان الجديد أو يؤسس شركة منفصلة خاصة به، ضمن مساعٍ متواصلة للجهاز للتمدد والسيطرة على قطاعات الأمن الغذائي في البلاد.
وأنشئ مركز البحوث الزراعية في 1971، بهدف تطوير التقنيات والممارسات الزراعية، من خلال 16 معهدًا في تخصصات مختلفة، بالإضافة إلى عشرة معامل مركزية. إلا أن المركز يعاني منذ عقود من نقص حاد في التمويل، أعاق باحثيه عن إنتاج وتطوير أصناف من التقاوي، باستثناء محاصيل بعينها مثل القمح والأرز التي ينتجها المركز بكثافة تسمح للمزارعين بالاعتماد عليه دون الحاجة للشركات.
بحسب المصادر التي تحدثت إلى «مدى مصر»، ستبدأ الشركة عملها بإنتاج تقاوي الخضروات، التي تستورد مصر نحو 98% من احتياجاتها منها، قبل أن تتوسع لاحقًا إلى محاصيل أخرى.
خطوة الشراكة مع القطاع الخاص أثارت مخاوف بين خبراء وباحثين، رأوا فيها تحوّلاً جذريًا في الدور المفترض لمركز البحوث، في توفير تقاوي بأسعار شبه مدعمة للفلاحين، ما يهدد بوضع أكثر هشاشة لقطاع الأمن الغذائي، نتيجة الارتفاع المحتمل في أسعار التقاوي، فضلًا عن تهديد السيادة الغذائية بوضع غذاء المصريين في أيادي القطاع الخاص.
رئيس وحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وائل جمال، يرى أن دمج المركز في شركة هادفة للربح بالشراكة مع القطاع الخاص يأتي ضمن توجه أوسع للنظام الحالي لتمكين القطاع الخاص في مجالات كانت مغلقة أمامه لعقود، «بعد المياه، جاء الدور على البذور».
كان الرئيس عبد الفتاح السيسي صدّق، مطلع سبتمبر، على قانون مرفق مياه الشرب والصرف الصحي، الذي يتضمن تحولًا في السياسات العامة، بما يفتح الطريق أمام دخول القطاع الخاص إلى مجال تقديم خدمة مياه الشرب والصرف الصحي منافسًا الشركات الحكومية، ما يرجّح بارتفاع التكلفة على المستهلكين.
جمال أوضح أن دخول الأصناف الأجنبية لصناعة التقاوي بدأ في مصر عبر مشروعات مختلفة غير منتظمة، بالشراكة مع مركز البحوث، لكن مع تأسيس الشركة الجديدة «تصبح العملية مقننة ورسميّة، وكأن مركز البحوث سيعمل في النهاية لخدمة مصالح الشركة».
أما الباحث في قضايا البيئة والتنمية، عبد المولى إسماعيل، فيشير إلى أن أخطر ما في الخطوة هو احتمالية انتقال البذور من الملكية العامة، وهي التقاوي الأصلية التي يتداولها الفلاحون في ما بينهم، أو التي تملكها مراكز أبحاث الدولة، إلى الخاصة، بما يفتح الباب أمام «قرصنة التقاوي» ورفع الأسعار، موضحًا: «الشركات هدفها الأساسي الربح، وبالتالي أسعار التقاوي هتعلى، ووقتها الفلاح اللي محتاج بذور بأسعار مناسبة مش هيلاقيها، وده هيزود بالتبعية أسعار الغذاء».
ورصد تقرير سابق لـ«مدى مصر» توسع شركات خاصة محلية وأخرى عالمية، في طرح التقاوي بأسعار تفوق بكثير أسعار وزارة الزراعة، التي تعجز بدورها عن توفير التمويل الكافي لإنتاج كميات مناسبة تغطي احتياجات الفلاحين. ما حمّل الفلاحين تكاليف إضافية رحلوها بالتبعية على أسعار المحاصيل. بخلاف ذلك تروّج غالبية الشركات لما يُعرف بالبذور «العقيمة»، وهي أصناف لا تنتج إلا لموسم واحد، ما يجبر الفلاحين على شراء بذور جديدة كل عام. هذا إلى جانب ما تفرضه الشركات المنتجة للتقاوي من قيود صارمة، قد تصل إلى عقوبات بالحبس، ضد من يستخدم بذورها دون شرائها مباشرة منها، مع وضع إتاوات على أي صادرات زراعية نمت من تقاويها. وهي الممارسات التي أكد إسماعيل أنها تحرم الفلاحين من حقهم التاريخي في حفظ وتبادل بذورهم، وتدفعهم إلى تبعية دائمة للشركات.
أستاذ متفرغ في الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة، طلب عدم ذكر اسمه، لخّص المخاوف لـ«مدى مصر» في أن «دخول القطاع الخاص، وربما جهاز بحجم مستقبل مصر، في شراكة مع مركز البحوث يعني أن الأسعار ستُحدد وفق منطق السوق، فيما يظل الفلاح الصغير الحلقة الأضعف». وأضاف أن هذه التحولات قد تجعل المركز، بدلًا من أن يحمي حقوق المزارعين، جزءًا من معادلة تجارية تزيد تكلفة الزراعة، وبالتالي تكلفة الغذاء على المواطنين عامًا بعد عام.
أخبار ذات صلة
«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
وجبة تعكس علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا
ليالي قطاف الياسمين
ذهبنا إلى حقول شبرا بلولة ليلًا وسجّلنا تجربة قطاف الياسمين الشاقة كما هي في الواقع
+%170 زيادة في إيجارات أراضي «الأوقاف» و«الإصلاح الزراعي».. «تعظيم إيرادات الدولة» يهدد صغار المزارعين
هدف الزيادات كان تعظيم العائد من الأصول التي تديرها الدولة
فيضان النيل يُغرق أراضي طرح النهر.. الأهالي يستغيثون بالدولة والدولة تهاجم إثيوبيا
لم يعد هناك طريق آخر للخروج أو العودة، فالقارب الصغير أصبح الوسيلة الوحيدة التي تربط البيت بالعالم
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن