تراجع محدود في أسعار السجائر.. وأزمة المعروض مستمرة
شهدت الأيام القليلة الماضية انفراجة محدودة في المعروض من السجائر وأسعارها، بتراجع سعر الصنف الأكثر شعبية «كليوباترا» إلى ما بين 40-45 جنيهًا بعدما وصل نهاية الشهر الماضي إلى ما بين 60-65 جنيهًا، وإن كان السعر الحالي لا يزال أكثر من السعر الرسمي بحوالي 24 جنيهًا، كما أن المعروض أقل من احتياجات السوق.
الانفراجة جاءت بالتزامن مع تحركات شملت تعليمات حكومية بزيادة أوامر توريد التبغ، ورفع شركة «الشرقية للدخان» حجم إنتاجها، إلى جانب حملات رقابية استهدفت التجار وصغار الباعة، لم تخلُ من تجاوزات.
كان رئيس الشعبة العامة للدخان، إبراهيم إمبابي، اقترح في مداخلة تليفزيونية، الأسبوع الماضي، ثلاث خطوات للتعامل مع الأزمة، تمثلت في: سرعة إصدار التشريع الضريبي لزيادة الأسعار الرسمية، وإعادة توزيع المضبوطات المُصادرة من التجار على محطات «وطنية» للوقود، المملوكة للقوات المسلحة، وتعديل سياسة التوزيع لدى شركات السجائر، على أن يبدأ التوزيع بمحطات «وطنية»، «لأن المصريين يثقون فيها»، على حد قوله، ثم سلاسل السوبر ماركت الشهيرة، وهي المقترحات التي طالب إمبابي بـ«إعدامه» حال فشلها في حل أزمة السجائر.
مصادر متعددة في حلقات مختلفة بسوق السجائر، رأت أن مقترحات رئيس شعبة الدخان لا ترقى لاعتبارها حلولًا للأزمة.
مصدر في إدارة شركة «فيليب موريس»، طلب عدم ذكر اسمه، استبعد إمكانية تطبيق حلول إمبابي، وتساءل: «كيف سيكون الحل في تطبيق الضريبة، والأزمة سببها الرئيسي الدولار ونقص الخامات؟ وكيف يكون الحل في تغيير سياسة التوزيع بإدخال محطات «وطنية» ضمن نقاط التوزيع، بالتأكيد لن تكون كافية ولن تُعوض الأكشاك والمحال الصغيرة التي يعتمد عليها أغلب الجمهور».
فيما أوضح مصدر من إدارة شركة «الشرقية للدخان»، أن أساس الأزمة يعود إلى نقص واردات التبغ نتيجة احتجازها في الموانئ على خلفية أزمة توفر العملة الصعبة، وليس آليات وسياسات التسويق، وإن كانت الأخيرة تسمح في بعض الأوقات بانتشار الفساد لعدم وجود رقابة كافية على الأسواق، حسبما قال لـ«مدى مصر»، بعدما طلب عدم ذكر اسمه.
وفق آخر بيانات متاحة على موقع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، اطلع عليها «مدى مصر»، هبطت قيمة واردات التبغ المخصص لصناعة السجائر، في الفترة من يناير إلى مايو 2023، إلى 20 مليون و656 ألف دولار، مقارنة بـ38 مليون و212 ألف دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، بنسبة انخفاض نحو 46%.
كان رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، التقى مع مسؤولي «الشرقية للدخان»، في 14 أغسطس الجاري، لبحث الأزمة التي استفحلت على مدار الأشهر الخمسة الماضية، وكلّف عقب اللقاء بزيادة أوامر توريدات خامات التبغ بما يسهم في زيادة حجم الإنتاج اليومي، وإتاحة المزيد من المعروض سعيًا لاستقرار السوق وضبط أسعار السجائر.
الرئيس التنفيذي لـ«الشرقية للدخان»، هاني أمان، كان قد أعلن بداية الشهر الجاري أن الشركة سترفع حجم الكميات التي تضخها في السوق بما يتراوح بين 20-30% يوميًا، لزيادة المعروض وإجبار تجار السوق السوداء على التخلي عن الأسعار المرتفعة، بالتوازي مع الالتزام بالبيع بالفواتير الإلكترونية للتجار المسجلين لديها، متوقعًا في الوقت نفسه استمرار الأزمة حتى نهاية العام الجاري.
في تصريحاته أوضح أمان أنه بداية من اﻷسبوع الجاري «الشركة سترفع الإنتاج اليومي إلى 150 مليون سيجارة، ما يُعادل 7.5 مليون علبة من الأصناف المحلية». وهي الكمية البعيدة إلى حد كبير عما تحتاجه الشركة يوميًا لتغطية حصتها السوقية التي تصل إلى 70% من سوق قوامه نحو 18 مليون نسمة، وفق بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك 2021-2022 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء. مصدر في «الشرقية للدخان» قدّر احتياجات السوق اليومية بما يتراوح بين 9-10 ملايين علبة يوميًا، فيما توفر الشركة أقل من 75% حاليًا.
المصدر السابق قال لـ«مدى مصر»، إن الشركة لا تستطيع زيادة قدرات الإنتاج فوق هذا الحد حاليًا، خاصة مع استمرار أزمة تكدس الخامات في الموانئ وعدم القدرة على استخراج إفراجات جمركية.
لكن الرئيس التنفيذي لـ«الشرقية للدخان»، قال إن زيادة المعروض وحده لا تكفي، مشيرًا إلى أهمية تفعيل الدور الرقابي جنبًا إلى جنب مع ما ستتخذه الشركة من آليات من أجل القضاء على الأزمة. «لا يمكننا العمل وحدنا، بالتوافق بين الأجهزة الرقابية والمسؤولين في الدولة، سيتم زيادة الإنتاج تدريجيًا لخفض الأسعار»، يقول أمان.
كانت وزارة التموين قد شنّت، بداية من أغسطس الجاري، حملات مكثفة ضمن خطتها لمواجهة السوق السوداء.
صاحب كشك في حي الكيت كات بمحافظة الجيزة، روى لـ«مدى مصر» وقائع تعرضه لإحدى تلك الحملات، قائلًا: «دخل عليّ واحد قالي هات علبة «إل آند إم» [وسألني] بكام؟ قولته 55 جنيه [...] نده على الناس اللي معاه وبقت شغلانة». مضيفًا: «دفعت مراضية [رشوة] عشان يسيبوني آكل عيش واديتهم سجاير بلوشي».
حملات التفتيش لم تقصد الأكشاك فقط، لكنها طالت أيضًا تجار الجملة. أحد هؤلاء التجار في محافظة الغربية أقنع الحملة المكونة من أربعة مفتشين بعدم اتخاذ أي إجراءات قانونية مقابل حصول كل منهم على ثلاث «خراطيش» سجائر من الأصناف الأجنبية، وبنفس الأسلوب تصرف تاجر آخر بالقليوبية، لكنه قدم «خرطوشتين» (الخرطوشة عشر علب) لكل مفتش، بحسب قول التاجرين لـ«مدى مصر».
وفي حين رفض مفتشون رشوة قدمها تاجر نصف جملة بمحافظة الغربية، أجبروه على إخراج أكثر من 15 كرتونة من مخزنه ليبيعوها بأنفسهم أمام المارة بالأسعار الرسمية. ما اعتبره المصدر بشركة «فيليب موريس» «حاجة غريبة»، موضحًا: «هذه ليست عقوبات، وما جرى تطبيقه يخالف العقوبة الرسمية للاحتكار والبيع بأعلى من التسعيرة الرسمية، كما أنها لن تُساعد في أي شيء سوى تضخيم الأزمة وليس حلها».
في الغربية أيضًا، ألقت إحدى الحملات القبض على بائع تجزئة يعمل دون رخصة في السوق السوداء، وأجبرته على اصطحاب أفرادها لمقر التاجر الذي يشتري منه، حيث صادرت الحملة كل الكميات المخزنة لديه.
صاحب كشك بحي الدقي في محافظة الجيزة قال لـ«مدى مصر»: «هما [الحكومة] لموا التجار الكبار وقالوا لهم هَدّوا الدنيا عشان الناس مش مستحملة»، مشيرًا إلى أن سيارات «فيليب موريس» عادت لتوزيع الحصص الأسبوعية مرة أخرى على الأكشاك، بواقع خرطوشتين «إل آند إم، مارلبورو، ميريت» التي تنتجها الشركة، فيما لا يزال المعروض من «كليوباترا» غير كافٍ، ما يضطر الباعة للاستمرار في الاعتماد السوق السوداء، بحسب صاحب الكشك.
بائع تجزئة بشارع باب البحر في حي رمسيس بالقاهرة قال لـ«مدى مصر» إن «أصحاب الأكشاك بيكونوا واقفين طوابير من الصبح. نبيع لهم خرطوشة واحدة من الأنواع اللي لها زبون بالسعر الرسمي، وباقي البضاعة بالتسعيرة اللي حطها المعلم».
أضاف البائع، الذي يعمل لدى تاجر جملة شهير في «باب البحر»: «إحنا نزّلنا السعر عشان كذا هجمة تفتيش حصلت لنا على التسعيرة اللي بنبيع بها. دلوقتي بنبيع لأصحاب الأكشاك بالسعر اللي المفروض الزبون يشتري به السجاير، وصاحب الكشك يبيع بالسعر اللي هو عايزه عشان يكسب». لكن صاحب الكشك بحي الكيت كات يقول إنه يبيع للمستهلك «بحسب السعر اللي بشتري به من تجار السوق»، مؤكدًا أن «تجار السوق السودا حاطين حد معين للأسعار الفترة دي عشان رفعهم للأسعار سَمّع فوق، وإحنا مضطرين نلتزم بالأسعار اللي هما بيبيعوا بيها لينا».
لمزيد من التفاصيل، يمكنكم قراءة تقريرنا: هكذا اشتعلت الأسعار واختفى الدخان.
أخبار ذات صلة
«الأمور المستعجلة» تنظر دعوى عمال سابقين في «الشرقية للدخان» لوقف التصرف في أسهم «اتحاد العاملين»
أحمد عشماوي تنظر محكمة الأمور المستعجلة، الثلاثاء المقبل، دعوى أقامها 200 عامل سابق بشركة الشرقية للدخان لوقف التصرف في أسهم اتحاد العاملين…
اتحاد العمال المساهمين في «الشرقية للدخان» يبيع نفسه لـ«هيرمس»
وافقت الجمعية العمومية العادية لاتحاد العمال المساهمين في شركة الشرقية للدخان، اليوم، على تصفية الاتحاد بقبول العرض الوحيد لشراء جميع أسهمه، والمقدم…
مدبولي: «لا تعويم جديد.. ولا أعباء جديدة» | زيادة رابعة في أسعار «السجائر الشعبية» | عودة ترامب
المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تطالب بالتحقيق العاجل في وفاة محبوس احتياطي داخل السجن
«فيليب موريس» تستحوذ على 14.7% من «الشرقية للدخان»
الشركة لم تمتنع عن إعلان قيمة الصفقة فقط، بل لم تُعلن كذلك عن هوية مالك الحصة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن