بدء الإعادة الثلاثينية في «الحلزونة الانتخابية».. إقبال محدود وتنافس قَبَلي
مع زيادة مراحل الانتخابات وإعاداتها، بدا مشهد غياب الناخبين أكثر وضوحًا عند بدء مرحلة الإعادة في 30 دائرة على مستوى الجمهورية، اليوم، وكان ملحوظًا بقوة في جولتين على عدد من اللجان في الإسكندرية وأسوان، وعكسته تقارير إعلامية في دوائر محافظات أخرى.
هذا التراجع الملحوظ في المشاركة، الذي سيتحدد حجمه عند إعلان النتائج، لم يمنع وجود منافسة في عدد من الدوائر، على خلفية اجتماعية قبلية، وسط غياب الدافع الحزبي، وضعف تأثير وسائل الحشد المختلفة، التي ما زالت حاضرة جزئيًا في المشهد، وإن ساهم أداء وزارة الداخلية في التقليل منها، خصوصًا مع اكتفائها بتوقيف الحلقة الأضعف من آلة الحشد، دون المساس، من جانب الشرطة أو أية جهات قضائية، بالمرشحين المستفيدين من تلك العملية والمُحركين لها بالأساس.
وبدأ، اليوم، التصويت داخل البلاد في الدوائر الثلاثين التي سبق وألغت نتائجها المحكمة الإدارية العليا، لعدم تقديم الهيئة الوطنية للانتخابات مستندات تُفنّد الطعون التي قدمها مرشحون في المرحلة الأولى للانتخابات، وهو الحكم الذي صدر بعد تدخل رئيس الجمهورية إثر الأحداث التي شهدتها تلك المرحلة، والذي أعاد ترتيب شكل انتخابات مجلس النواب 2025 جذريًا، وغيّر تعامل هيئة الانتخابات والقضاء والشرطة والأحزاب مع كل العملية الانتخابية.
وبينما يتنافس 623 مرشحًا على 58 مقعدًا في الدوائر الثلاثين في عشر محافظات، تجرى الإعادة في محافظة الإسكندرية في دائرة المنتزه فقط، بين 27 مرشحًا يتنافسون على مقعد واحد، بعد حسم المقعد الثاني بالدائرة من الجولة الأولى.
ومع موجة الأمطار التي غمرت المدينة أمس، وما تبعها من انخفاض ملحوظ في درجة الحرارة، ظهر محيط أغلب اللجان فارغًا حتى من أكشاك «اعرف لجنتك» التي ميّزت المرحلة الماضية من الانتخابات في الإسكندرية، ورغم تغطيات إعلامية تشير إلى «توافد الناخبين»، مثلما قال «مصراوي»، لكن مراسل «مدى مصر» لم يجد إقبالًا يُذكر على أغلب لجان الدائرة، وإن ظهر عدد من الميكروباصات تنقل ناخبين وتنتظرهم قُرب لجان منطقة الإصلاح.
وسط هذا الفراغ الانتخابي، كانت بيانات «الداخلية» بالقبض على عدد من جامعي البطاقات الشخصية أو موزعي النقود، هي الإثبات الأبرز على استمرار المخالفات الانتخابية في الدائرة.
كان «المصري اليوم» وصف المنتزه بـ«أحد أكثر دوائر الإسكندرية صعوبة في التنافس الانتخابي»، لاتساع نطاقها الجغرافي، مشيرًا إلى أن الجمعيات الأهلية تشكّل عاملًا مهمًا في الدائرة، لاحتوائها على قُرى وظهير ريفي للجمعيات تأثير واضح فيه، فضلًا عن العصبيات القبلية التي يعتمد عليها عدد من المرشحين، بعائلات لها امتداد كبير.
تأثير الانتماء القبلي لم يقتصر على الإسكندرية بطبيعة الحال، وإنما يمتد جنوبًا مرورًا بالجيزة ووصولًا إلى الصعيد، ليُعد الممثل الأبرز في هذه المرحلة الإعادية.
في العمرانية، إحدى الدوائر السبع التي تشهد إعادة في محافظة الجيزة، قال مسؤول بإحدى حملات المرشحين إن التجاوزات قلّت جدًا، نظرًا لخوف المواطنين من حملات القبض التي تشنها الشرطة، مشيرًا إلى أنها «لمّت النهارده أنصار وأقارب عدد من المرشحين من الشوادر الانتخابية، ابن اخت المرشح المستقل، محمد علي، النائب السابق عن مستقبل وطن، ومدير حملة المرشح المستقل، سيد زغلول، وأنصار المرشح المستقل جرجس لاوندى، ومجموعة من البنات في حملة محمود لملوم».
بحسب المصدر نفسه، تتأثر الدائرة بسيطرة عصبيات من قرى محافظات الصعيد، وتحديدًا سوهاج وأسيوط وقنا والمنيا، مشيرًا إلى أن المرشحين الأقرب لحسم مقعدي الدائرة، من بين 24 مرشحًا، منحدرون من سوهاج، وهم، بحسب ترتيبه: سيد زغلول (مستقل)، محمد علي (مستقل)، إبراهيم العجمي (العدل)، جرجس لاوندى (مستقل)، ومحمود لملوم (حماة الوطن).
كان المدير التنفيذي للهيئة الوطنية للانتخابات أعلن، صباح اليوم، عن شكاوى من وجود نقاط حشد وشراء أصوات في الطالبية، مؤكدًا التواصل مع مدير الأمن ومسؤولي المباحث لإنهاء تلك الظاهرة، حسب قوله.
حسم هذه الجولة قَبَليًا يمتد إلى دائرة مركز ومدينة أسوان، إحدى ثلاث دوائر بالمحافظة، حسبما يقابل المحامي مصطفى الحسن، ابن قبيلة الجعافرة في أسوان، والذي قال إن التدخلات والتجاوزات في الدائرة أقل حدة بعد حكم المحكمة الإدارية العليا بإعادة الانتخابات.
الحسن أوضح أن الصراع في الدائرة سيكون بين قبيلة الجعافرة، ممثلة في المرشح عن حزب حماة الوطن، شرعي صالح، العضو السابق في مجلس الشورى 2010 والنواب 2015، ومدحت ركابي عن «المصري الديمقراطي الاجتماعي»، بعدما اتفقت القبيلة على تنازل المرشح المستقل عامر الحناوي، في مقابل أبناء المحافظات في المدينة، ممثلين في المرشح المستقل جلال أبو الحسن، ابن محافظة قنا، والذي ترشح عن حزب مستقبل وطن في الدورة الماضية، ولم يستطع هزيمة تحالف «الجعافرة» خلف مرشحيّن آخرين، في حين أشار الحسن إلى أن تمثيل النوبة في الدائرة، حُسم باختيار على أبا زيد، الذي حسم أحد مقعدى الدائرة في الجولة الأولى.
وفي ظل تنقل المرشح شرعي صالح بين الحزب الوطني، في 2010، ثم حزب مصر بلدي، في 2015، ثم «حماة الوطن» حاليًا، أرجع الحسن التحولات الحزبية للمرشحين إلى ضعف الحياة الحزبية، فضلًا عن كون النائب في الأقاليم «نائب خدمات»، بحسب وصفه، مضيفًا: «مش هتقدر تمرر الخدمات غير لما تبقى قريب من السلطة، لما نائب النوبة التاريخي على مقعد مركز نصر النوبة طول التمانينات كان مختار جمعة، معارض من حزب التجمع، السلطة همشت نصر النوبة في الخدمات».
رغم هذا التنافس القبلي، أكد الحسن استمرار استخدام بعض المرشحين للمال السياسي، استغلالًا لحاجة الناس، خصوصًا في ظل الإقبال الضعيف، الذي أرجعه لانعدام ثقة الناس في العملية الانتخابية، ليس فقط لتجاوزات الجولة المُلغاة، و«إنما كمان بسبب الفرز المسبق اللي فرز المرشحين قبل تقديم أوراقهم»، وهو توصيفه لعملية الهندسة التي قامت بها الأجهزة الأمنية للانتخابات.
كانت بيانات وزارة الداخلية، اليوم، أشارت إلى ثلاث حالات قبض على أشخاص، اثنان منها لتوزيع مبالغ مالية على المواطنين للتصويت لمرشحين، فيما أعلنت الوزارة عن ثمانية حالات في محافظة الأقصر، كان بعضها توزيع كروت دعاية، وبعضها جمع بطاقات شخصية من المواطنين، وحالتي حيازة مبالغ مالية بنية توزيعها للتصويت لمرشح بعينه.
شاذلي البحيري، مرشح حزب العدل المُنسحب من انتخابات دائرة إسنا في محافظة الأقصر، قال لـ«مدى مصر» إن التجاوزات في هذه المرحلة قلّت، بعدما بدأت الداخلية في القبض على المخالفين، مؤكدًا ضعف إقبال الناخبين في المركز، فيما زاد بعض الشيء في المطاعنة وجنوب وإسنا وقرى الشرق.
وبينما أرجع ضعف الإقبال إلى فقدان المواطنين الثقة في العملية الانتخابية، الذي قال إنه كان سبب انسحابه، أوضح البحيري أن النظام في إسنا ليس قبليًا، وإنما قروي وعائلي، لافتًا إلى حدوث تفكك حتى في النظام العائلي، انتهى إلى أن عائلتين فقط من العائلات الكبيرة دفعت بمرشحين، ليتبقى الرهان على اعتزاز أهل كل قرية بأن يكون النائب منها، وإن كانت القرى لا تستقر عادة على مرشح بعينه إلا إن وصل إلى مرحلة الإعادة، مشيرًا إلى تنازل ستة من مرشحي الشرق لصالح مرشح منها، وتنازل أربعة من المطاعنة لصالح مرشح.
بخلاف تكرار ظاهرة غياب الناخبين، تكررت في هذه الجولة الشكوى من قيام عدد من رؤساء اللجان بمنع وسائل الإعلام من تأدية دورها، بحسب مؤتمر «الوطنية للانتخابات»، والتي كرر مديرها التنفيذي إعلان توجيه رؤساء اللجان للسماح للصحفيين الحاصلين على تصاريح بممارسة عملهم، وهو التوجيه الذي سبق وقاله في يومي تصويت الجولة الماضية.
منع ممثلي وسائل الإعلام لم يمنع بعضها من رصد المشاركة الكثيفة في الانتخابات، ووجود «طوابير طويلة» وشباب «حرصوا على المشاركة بكثافة» مثلما رصد «المصري اليوم» عندما تحدث عن إقبال الناخبين على لجان الدقي والعجوزة، أو «اليوم السابع» الذي أشار إلى إقبال الناخبين الشباب في الشيخ زايد، مع تأكيد «الشروق» على إقبال ملحوظ في كوم حمادة بالبحيرة، ومقابل هؤلاء الشباب، ورغم تأكيد مصادرنا على ضعف الإقبال في أسوان، وملاحظة مراسل «مدى مصر» حالة الخواء الانتخابي في المدينة، إلا أن «الأهرام» أكدت أن «كبار السن يتصدرون المشهد.. إقبال لافت في انتخابات أسوان»، ما سيتضح أكثر بنهاية التصويت، غدًا، وبدء إعلان أعداد المشاركين.
أخبار ذات صلة
«الوطنية للانتخابات» تطالب «النقض» بالرجوع عن إبطال عضوية «نائبين».. ومحامي الطاعن: لا يوقف التنفيذ
كانت النقض، وبناء على طعن الأشقر، أبطلت عضوية النائبين، محمد شهدة، وخالد مشهور
هشام بدوي رئيسًا لـ«النواب».. قضاة «أمن الدولة» على رأس المشرعين
يعد بدوي ثاني رئيس غير منتخب للسلطة التشريعية بعد رفعت المحجوب
تغيير وزاري أم لا؟
«المبادرة المصرية»: استمرار الملاحقات الأمنية ضد أصحاب الآراء الدينية المُخالفة للسائد
الموال الانتخابي مستمر.. انسحابات وأموال واتهامات كثيرة وقليل من الناخبين
كان أول أيام الإعادة، أمس، شهد انسحاب مرشحين مستقلين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن