هشام بدوي رئيسًا لـ«النواب».. قضاة «أمن الدولة» على رأس المشرعين
في تعريفه بنفسه خلال ترشحه لرئاسة مجلس النواب، الاثنين الماضي، أغفل المستشار هشام بدوي أكثر من عشرين عامًا من مسيرته المهنية، قضاها داخل نيابة أمن الدولة العليا، متنقلًا بين العمل محققًا ثم محاميًا عامًا.
وخلال كلمته المقتضبة، انتقل بدوي مباشرة من تعيينه في النيابة العامة إلى تعيينه قاضيًا بمحكمة الاستئناف، متجاوزًا مرحلة محورية امتدت من أواخر ثمانينيات القرن الماضي وحتى عام 2012، شارك خلالها، بل وقاد، عمل نيابة أمن الدولة في التعامل مع المعارضين السياسيين، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، سواء في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك أو خلال العام الذي أعقب رحيله.
قد يبدو هذا الإغفال غير متعمّد، أو بدافع عدم تكرار ما هو معروف بالفعل عن مسيرته، غير أن إعلان فوز بدوي برئاسة الغرفة الأولى للبرلمان، بعد أشهر قليلة من فوز رئيس محاكم أمن الدولة، عصام فريد، برئاسة الغرفة الثانية بالتزكية، قد يعكس توجهًا عامًا للدولة وأجهزتها. فكما منحت السلطة، خلال الدورة البرلمانية السابقة، رئاسة البرلمان بغرفتيه إلى رئيسين سابقين للمحكمة الدستورية العليا، عبد الوهاب عبد الرازق لمجلس الشيوخ، ثم حنفي جبالي لمجلس النواب، جاء الدور اليوم على رموز محاكم ونيابات أمن الدولة العليا لتولي قيادة البرلمان.
تباينت آراء قضاة وبرلمانيين ومراقبين في قراءة اختيار بدوي رئيسًا لمجلس النواب، وهو المنصب الذي يلي رئيس الجمهورية، ويتولى صلاحياته مؤقتًا في حال خلو المنصب بسبب الاستقالة أو الوفاة أو العجز الدائم، وفقًا لأحكام الدستور واللائحة الداخلية للمجلس. ففي حين رأى البعض في هذا الاختيار امتدادًا لنهج تبنته السلطة بالاعتماد على القضاة داخل السلطتين التنفيذية والتشريعية، بما يضفي مسحة من الحياد والشرعية على القرارات السياسية، اعتبر آخرون أن تصدّر رموز أمن الدولة المشهد التشريعي يعكس توجّهًا مقصودًا لإحكام سيطرة العقلية الأمنية على مختلف السلطات.
وفي اليوم المحدد لانتهاء الفصل التشريعي الثاني لمجلس النواب، 11 يناير الجاري، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارين جمهوريين: الأول، رقم 16 لسنة 2026، بتعيين 28 عضوًا وعضوة بالمجلس، والثاني رقم 17 للعام ذاته بدعوة المجلس للانعقاد في اليوم التالي، إيذانًا ببدء دور الانعقاد الأول من الفصل التشريعي الثالث.
تعيينات الرئيس التي شملت بدوي، ضمن نسبة الـ5% التي يخولها له قانون مجلس النواب، جاءت بمثابة تراجع عن قرار سبق اتخاذه بحجز رئاسة المجلس لرئيس محكمة النقض السابق، محمد عيد محجوب، الذي دخل البرلمان عبر «القائمة الوطنية»، بحسب عضوين من الأحزاب الممثلة بالقائمة تحدثا لـ«مدى مصر» بشكل منفصل. وجرى اتخاذ هذا القرار داخل دوائر حزب مستقبل وطن، وتوافقت عليه باقي أحزاب «القائمة الوطنية» في أكتوبر الماضي.
وبحسب مصدر قضائي مقرّب من محجوب، تحدث لـ«مدى مصر» طالبًا عدم ذكر اسمه، فإن الأخير كان يتلقى التهاني بتوليه رئاسة مجلس النواب منذ أكتوبر الماضي، وحتى إعلان الرئيس قرار التعيين، الأحد الماضي، الذي تضمن اسم بدوي. وفي المقابل، فاز محجوب، اليوم، برئاسة لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، بعد توافق أحزاب القائمة الوطنية على إسناد رئاستها له.
ولم تتوقف «لعبة الكراسي الموسيقية» عند منصب رئاسة البرلمان، فبحسب عضو في الأمانة العامة لمجلس النواب، تحدث لـ«مدى مصر» مشترطًا عدم ذكر اسمه، تكرر المشهد ذاته مع منصب وكيل المجلس. وأوضح المصدر أن النواب تلقوا، قبل صدور القرار الجمهوري بالتعيينات، تعليمات تقضي باختيار محجوب رئيسًا للمجلس، ورئيس حزب الجبهة، عاصم الجزار، وكيلًا أول، ونائب رئيس حزب مستقبل وطن، المستشار أحمد سعد الدين، وكيلًا ثانيًا.
إلا أنه، بحسب المصدر نفسه، بعد تعيين بدوي ضمن قائمة الـ28 عضوًا الذين عينهم الرئيس، صدرت تعليمات جديدة باختيار بدوي رئيسًا للمجلس، مع الإبقاء على الجزار وسعد الدين وكيلين، قبل أن تتغير هذه التوجيهات مجددًا خلال انعقاد الجلسة الأولى، إذ تلقى النواب رسائل نصية في أثناء عملية التصويت تطالب باختيار الجزار والنائب عن حزب مستقبل وطن، محمد الوحش، وكيليْن، مع استبعاد عضو مستقبل وطن، سعد الدين، دون إبداء أسباب.
وأكد المصدر أن اختيار المناصب القيادية داخل البرلمان يخضع، تاريخيًا، لحسابات اللحظات الأخيرة، مستشهدًا بما جرى عام 2016، حين عيّن السيسي، رئيس محكمة النقض السابق المستشار سري صيام، عضوًا بالمجلس، ما دفع الجميع وقتها إلى توقع توليه رئاسة البرلمان، قبل أن تنتهي تفاهمات اللحظة الأخيرة إلى اختيار أستاذ القانون الدستوري، علي عبد العال، ممثل تحالف «دعم مصر» آنذاك، وتكرر السيناريو في عام 2021، حين كانت المؤشرات تتجه نحو استمرار عبد العال لفصل تشريعي ثانٍ، قبل أن يُستبدل في اللحظات الأخيرة بزميله في القائمة الوطنية، رئيس المحكمة الدستورية السابق، المستشار حنفي جبالي.
يعد بدوي ثاني رئيس غير منتخب للسلطة التشريعية بعد رفعت المحجوب، الذي عينه الرئيس الأسبق حسني مبارك، عضوًا بمجلس الشعب عام 1984 ليتم انتخابه رئيسًا للمجلس لدورتين متتاليتين امتدتا من عام 1984 حتى اغتياله عام 1990.
بدأ بدوي مسيرته داخل نيابة أمن الدولة العليا منذ تعيينه بالنيابة العامة عام 1981، واستمر فيها حتى توليه منصب المحامي العام لنيابات أمن الدولة العليا، وهو المنصب الذي شغله خلال الفترة من 2005 إلى 2012. ومع وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم، جرى استبعاده من «أمن الدولة»، ليُعيَّن قاضيًا بمحكمة استئناف القاهرة بين عامي 2012 و2015. ومع تولي المستشار أحمد الزند وزارة العدل في مايو 2015، انتدب بدوي للعمل مساعدًا له لإدارة مكافحة الفساد.
اسم بدوي برز على نطاق واسع منذ عام 1992، حين تولى التحقيق مع قيادات بارزة في جماعة الإخوان المسلمين في القضية المعروفة إعلاميًا آنذاك باسم «سلسبيل»، نسبة إلى شركة «سلسبيل للمشروعات» التي أسسها خيرت الشاطر وحسن مالك للعمل في مجال الحاسبات ونظم المعلومات، قبل أن تقبض وزارة الداخلية عليهما، إلى جانب 85 عضوًا من الجماعة، وتوجه إليهم اتهامات بغسل الأموال وتلقي تمويل من الخارج.
وخلال مسيرته، باشر بدوي التحقيق في عدد كبير من القضايا ذات الطابعين الأمني والسياسي، من بينها قضايا الحركات الجهادية والتكفيرية، مثل قضية «خلية حزب الله» عام 2009، و«خلية مدينة نصر» عام 2012. كما أشرف على ملفات شغلت الرأي العام لسنوات، من بينها قضايا الجماعات الإرهابية، وقضية «عبدة الشيطان»، وقضايا التجسس التي أعقبت ثورة يناير، إضافة إلى قضية ضابط الموساد الإسرائيلي إليان، وقضية «البلاك بلوك».
وفي ديسمبر 2015، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارًا جمهوريًا بتعيين بدوي نائبًا لرئيس الجهاز المركزي للمحاسبات آنذاك، هشام جنينة، وبعد إقالة الأخير، عُيّن بدوي رئيسًا للجهاز في الفترة الممتدة من أغسطس 2016 وحتى أغسطس 2024.
وسبق تعيين بدوي بالجهاز المركزي للمحاسبات، بأشهر قليلة، تقليص صلاحيات الجهاز الرقابية على عدد من الجهات، بينها صندوق «تحيا مصر»، إذ أجرى السيسي في 2015 تعديلات على قانون الصندوق ألغت رقابة الجهاز على أمواله، وقصرت دوره على إعداد «مؤشرات» عن الأداء استنادًا إلى قوائم مالية يعدّها الصندوق عبر أحد مكاتب المحاسبة التي يختارها مجلس أمنائه. ومع تولي بدوي رئاسة «المركزي للمحاسبات»، تراجع حضور الجهاز الرقابي وغابت تقاريره عن الرأي العام، كما توقّف العمل بالتقليد الذي أرساه رئيس الجهاز الأسبق، جودت الملط، والمتمثل في المثول السنوي أمام مجلس النواب لعرض ملاحظات الجهاز بشأن أوجه إنفاق الموازنة العامة والحسابات الختامية للجهات الحكومية.
وفي مايو 2024، انتقد أحد نواب البرلمان عدم حضور رئيس الجهاز إلى المجلس لمدة عشر سنوات، في إشارة إلى فترة رئاسة بدوي، وهو ما أعقبه قيامه بزيارة «النواب» في اليوم التالي، لتكون أول زيارة له منذ توليه رئاسة الجهاز، وقبل تعيينه لاحقًا رئيسًا لمجلس النواب.
وفي تعليقه على التطورات الأخيرة، اعتبر رئيس المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، ناصر أمين، أن تعيين بدوي، الذي وصفه بـ«نجم نيابة أمن الدولة في التسعينيات والألفينيات» رئيسًا لمجلس النواب، وقبله تعيين رئيس محكمة أمن الدولة، عصام فريد، رئيسًا لمجلس الشيوخ «يغلق الباب تمامًا أمام أي خيالات أو أي طموح أو أمل في تغيير العقلية الأمنية التي تُدار بها البلاد».
وأوضح أمين أن الإدارة الأمنية أصبحت قائمة على مستويين: الأول ميداني، يتمثل في تعامل الأجهزة الأمنية مع المواطنين، والثاني تشريعي، من خلال تصدّر قضاة أمن الدولة رئاسة المجالس النيابية، مضيفًا أنه منذ عهد مبارك وحتى الآن يتم الاستعانة بالقضاء لإضفاء شرعية على القرارات السياسية، غير أن تطور هذا النهج بترؤس قضاة أمن الدولة للسلطة التشريعية يحمل رسائل واضحة للداخل والخارج، وكذلك لأعضاء البرلمان أنفسهم، مفادها أن هؤلاء القضاة، الذين يصدرون أحكامًا ضد المعارضين السياسيين، هم من يتولون التشريع، لا بوصفهم نتاج اختيار شعبي، وإنما بقرار سلطوي مباشر.
وشدد أمين على أن تصدر قضاة نيابات ومحاكم أمن الدولة المشهد التشريعي لا يمكن فصله عن طبيعة برلمان تشكّل بإرادة خالصة من السلطة، عبر تعيين نصف أعضائه من خلال قوائم حُجزت مقاعدها دون منافسة، إلى جانب نظام انتخاب فردي أفرز نوابًا لا ينتمون فعليًا إلى الدوائر التي يمثلونها. وخلص إلى أن تشكيل البرلمان الحالي يحمل رسالة «بالغة الخطورة»، مفادها أن لا فضل لأي فاعل سياسي أو مجتمعي في بناء أو وجود مؤسسات الدولة.
ومع انعقاد مجلس النواب الجديد، ستكون المدة الرئاسية للسيسي على رأس القضايا المطروحة، خصوصًا أن التعديلات الدستورية الأخيرة التي أُقرت في أبريل 2019 زادت عدد فترات حكمه إلى ثلاث فترات متتالية بدلًا من فترتين، وضاعفت سنوات الحكم من ثماني سنوات إلى ست عشرة سنة تنتهي في أبريل 2030. كما منحته الحق في الترشح لفترة رئاسية رابعة، بشرط تولّي رئيس جديد السلطة لفترة رئاسية واحدة على الأقل بعد انتهاء مدته الحالية، وهو الأمر المنتظر من البرلمان البت فيه سواء عبر التمهيد لخليفة للسيسي أو الذهاب نحو تعديل دستوري جديد يسمح بمدد إضافية.

تقارير ذات صلة
جدل حول نوايا الحكومة.. خفض الدين أم إخفاؤه؟
بلغ دين أجهزة الموازنة العامة في يونيو الماضي 85.6% من الناتج المحلي الإجمالي
هيثم الحريري: «الوطنية للانتخابات» نفّذت إعدامًا سياسيًا ضدي لمجرد أن والدي شخصية معارضة
تحدث الحريري عن تبعات الحكم
قانون «وضع اليد»: تحفيز التنافس بين الوزارات والمحافظات.. والإيرادات كلمة السر
القانون الجديد يتضمن تحولًا واضحًا في طريقة التعامل مع حصيلة إيرادات التقنين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن