البرهان يواصل جولاته الخارجية ويؤمن دعمًا عسكريًا وسياسيًا خلال مباحثات مع أردوغان في أنقرة.. حكومة الولاية الشمالية تحظر السلع الغذائية عن غرب السودان.. ومواجهات شمال دارفور تصل إلى الحدود التشادية واحتدام المعارك في كردفان
واصل رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، جولاته الخارجية في الشرق الأوسط، حيث أجرى، في 25 ديسمبر الماضي، مباحثات مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في العاصمة أنقرة، تناولت الصراع الدائر في السودان والتعاون الثنائي بين البلدين، بما في ذلك الصناعات الدفاعية.
تأتي زيارة البرهان إلى تركيا في وقت يشهد فيه الجيش السوداني تراجعًا مستمرًا في إقليم كردفان لصالح قوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية-شمال، إلى جانب ضغوط دولية على الحكومة السودانية للقبول بخارطة الطريق المقدمة «الرباعية»، التي تضم مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة، في 12 سبتمبر الماضي، لإنهاء النزاع. حيث تُصر الخرطوم على رفض مشاركة أبو ظبي، بسبب دعمها لقوات الدعم السريع، وهو الأمر الذي أعاد البرهان تأكيده في أنقرة، قبل أن يشير إلى تلقيه مكالمة من رئيس دولة الإمارات، محمد بن زايد، قال إنه تعهد خلالها بوقف دعم قوات الدعم السريع.
مصدر رفيع في مجلس السيادة أوضح لـ«مدى مصر» أن زيارة البرهان إلى أنقرة لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية معزولة، بل محاولة لاستكمال ما أسماه «المحور الدولي».
إنسانيًا، في ظل سيطرة ميدانية معقدة قسمت البلاد تجاريًا وإداريًا، فرضت الحكومة السودانية، منذ أواخر نوفمبر الماضي، قيودًا على الحركة التجارية، وعلى رأسها المواد الغذائية، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية في ولايات كردفان وإقليم دارفور، غربي البلاد.
وقال مصدر حكومي في الولاية الشمالية إن الحكومة المحلية حظرت عبور السلع والبضائع، بما في ذلك المواد الغذائية الأساسية، إلى ولايات دارفور وكردفان، مبررًا ذلك بدواعٍ أمنية تهدف إلى منع وصول الإمدادات إلى مناطق خاضعة لسيطرة «الدعم السريع».
من جهته، قال أحد تجار سوق مدينة الدبة بالولاية الشمالية إن تطبيق القرار على الأرض بدأ فعليًا مع نهاية نوفمبر واستمر طوال ديسمبر، دون التمييز بين الإمدادات العسكرية والاحتياجات المدنية، ما جعل تأثيره المباشر يقع على السكان والأسواق المحلية.
ميدانيًا، تصاعدت وتيرة المعارك في ولايات كردفان بين الجيش السوداني من جهة وقوات الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو من جهة أخرى، مع استمرار التأثيرات المباشرة على المدنيين وتدهور متسارع نحو مستويات أعلى من العنف والتشريد. ويوم الثلاثاء أعلنت الحركة الشعبية-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، استيلاءها على حاميات عسكرية للجيش في الطريق الرابط بين مدينتي الدلنج وكادقلي في ولاية جنوب كردفان.
وفي شمال دارفور، أفاد مصدر من القوة المشتركة أن «الدعم السريع» بدأت في الهجوم على مناطق كرنوي وأمبرو، في 26 ديسمبر الماضي، كما قصفت الطينة غرب ولاية شمال دارفور بطائرات مسيرة، وامتد الهجوم حتى الحدود التشادية. وفي بيان له، اتهم الجيش السوداني «الدعم السريع» باستخدام طائرات مسيرة تجاه بعض المناطق الحدودية من أجل زعزعة استقرار السودان مع دول الجوار. في المقابل، نفى مصدر ميداني بقوات الدعم السريع، رواية الجيش، مؤكدًا أن الجيش هو من قام بالهجوم.
البرهان يزور أنقرة بعد الرياض والقاهرة بحثًا عن دعم عسكري وسياسي

مثلت العاصمة التركية أنقرة المحطة الثالثة لرئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، في غضون عشرة أيام، والتي زارها في 25 ديسمبر الماضي، بعد زيارته إلى الرياض والقاهرة يومي 15 و18 من الشهر ذاته، في جولة خارجية تأتي وسط ضغوط خارجية متزايدة على الخرطوم، وتراجع ميداني للجيش في إقليم كردفان الذي يربط غرب وشرق البلاد.
مصدر رفيع في مجلس السيادة قال لـ«مدى مصر» إن زيارة البرهان إلى أنقرة تأتي بوصفها الحلقة الأحدث والأكثر دلالة في سلسلة تحركات خارجية مكثفة تهدف إلى إعادة تموضع القيادة العسكرية السودانية إقليميًا في خضم حرب مفتوحة واستنزاف سياسي طويل.
وأوضح المصدر أن الزيارة لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية معزولة، بل محاولة تهدف إلى استكمال «المحور الدولي» الذي بدأ السودان يشكله منذ اندلاع الحرب، مشيرًا إلى أن تركيا لم تتوقف عن دعم وإسناد السودان بشكل واسع في مجالات الأمن والدفاع.
وعلى خلفية اللقاء، أصدرت الرئاسة التركية بيانًا أوضحت فيه أنه سيتم تعزيز التعاون بين تركيا والسودان في مجالات عديدة، بدءًا من التجارة والزراعة، وصولًا إلى الصناعات الدفاعية والتعدين.
وأشار البيان إلى أن تركيا ستواصل تلبية احتياجات الشعب السوداني، الذي يواجه أزمة إنسانية، عبر تقديم المزيد من المساعدات الإنسانية.

ووفقًا لمصدر سابق في وزارة الخارجية السودانية، فإن تركيا أسست مسار تعاون مفتوح على احتمالات متعددة، مشيرًا إلى أن أنقرة وفرت للبرهان منصة اعتراف إقليمي خارج الإطار العربي، تسمح له بإظهار أنه لا يزال فاعلًا مقبولًا وأن العلاقات مع أنقرة ليست علاقات خارجية محصورة في دوائر ضيقة، بل هو قادر على توفير مساحة فعل دبلوماسي واسع.
وعلى المستوى العملي، قال المصدر نفسه، إن الزيارة أبقت الباب مفتوحًا أمام تعاون ودعم لوجستي مباشر، وتنسيق أمني أو تدريبي عالي السقف. معتبرًا أن محطة أنقرة تمثل «اكتمال الحلقة» التي يسعى البرهان إلى تثبيتها، لافتًا إلى أنه لم يتبق له إلا زيارة الدوحة، الحليف الذي يساند الحكومة اقتصاديًا.
وفي 15 ديسمبر الماضي، زار البرهان الرياض، والتقى ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في زيارة جاءت بعد استقبال بورتسودان، الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، كأول رئيس يزور البلاد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
كانت مصادر سودانية وإريترية وصفت زيارة أفورقي بأنها بداية تشكل محور إقليمي لا يستهدف الوصول إلى تسوية سياسية فورية للأزمة السودانية، بقدر ما يسعى إلى إدارة تداعياتها، لا سيما على امتداد البحر الأحمر. ووفقًا لمستشار سوداني حكومي ومسؤول استخباراتي سوداني سابقين، يجتمع الأطراف الثلاثة (السودان والسعودية وإريتريا) على تفضيل الاستقرار المفروض عنوةً على تحول ديمقراطي قد يؤدي إلى فوضى مفتوحة.
بعدها بثلاثة أيام فقط، في 18 ديسمبر الماضي، زار البرهان القاهرة، حيث التقى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في سياق مختلف وأكثر ارتباطًا بالهواجس الأمنية، إذ تنظر مصر للسودان من زاوية الأمن القومي المباشر، والحدود، ووحدة الدولة، ومخاطر التفكك. وساهمت الزيارة في تثبيت التحالف التقليدي بين الجيشين، ورسّخت الرهان المصري على المؤسسة العسكرية السودانية بوصفها الضامن الأخير لبقاء الدولة، في مقابل مخاوف من الفوضى أو تدويل الأزمة، بما يهمّش الدور المصري.
مصدر دبلوماسي بوزارة الخارجية السودانية أوضح لـ«مدى مصر» أن زيارة أنقرة تبدو امتدادًا -لا قطيعة- لزيارة السعودية ومصر، لكنها توسع دائرة التحالف الإقليمي لدعم السودان، مؤكدًا أن زيارة الرياض مثلت بوابة الشرعية السياسية والمسار التفاوضي، أما القاهرة فتمثل عمق الأمن والسيادة، بينما تقدم أنقرة مساحة حركة إضافية خارج الاستقطابات العربية المباشرة وتمنح البرهان ورقة توازن في مواجهة ضغوط متعارضة، لافتًا إلى أن خلال هذه الزيارات كانت المسألة الأمنية على رأس النقاشات.
وقال مصدر إعلامي سوداني مقرب من مجلس السيادة، لـ«مدى مصر» إن الجولات الخارجية المتتابعة تعكس إدراكًا متزايدًا لدى قيادة الجيش السوداني بأن الحرب لم تعد شأنًا داخليًا خالصًا، وأن استمرارها أو احتواء كلفتها بات مرهونًا بتشكيل شبكة علاقات إقليمية معقدة.
وأضاف المصدر أن زيارة تركيا لا يمكن فهمها إلا ضمن هذا الإطار الأشمل: محاولة لإعادة إنتاج موقع البرهان كلاعب إقليمي معترف به، عبر ربط العواصم العربية المحورية بفاعل إقليمي صاعد، في لحظة يتحدد فيها مستقبل السودان، ليس فقط عسكريًا، بل أيضًا في خرائط النفوذ والتحالفات.

كما عقد البرهان لقاءً مع الجالية السودانية في مقر السفارة السودانية بأنقرة، قدم خلاله إفادات حول العلاقات الدولية والإقليمية، مؤكدًا أنهم على علاقة استراتيجية وراسخة مع الصين وروسيا ويسعون إلى تطويرها، وفيما يخص الرباعية قال البرهان إنهم دعوا إلى ضرورة توسعتها، لتشمل كل من قطر وتركيا، مشددًا على أنه «لا هدنة مع قوات الدعم السريع».
حظر السلع الغذائية عن ولايات كردفان ودارفور يرفع الأسعار بنسبة 70%

في ظل سيطرة ميدانية معقدة أدت إلى تقسيم البلاد تجاريًا وإداريًا، فرضت الحكومة السودانية، منذ أواخر نوفمبر الماضي، قيودًا مشددة على حركة التجارة، خاصة المواد الغذائية، ما فاقم الأزمة الإنسانية في ولايات كردفان وإقليم دارفور، غربي البلاد.
مصدر حكومي في الولاية الشمالية أوضح أن الحكومة المحلية قررت منع عبور السلع والبضائع، بما فيها المواد الغذائية الأساسية، إلى ولايات دارفور وكردفان، مبررًا القرار بدواعٍ أمنية تتعلق بمنع وصول الإمدادات إلى مناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.
وبحسب أحد تجار سوق مدينة الدبة في الولاية نفسها، بدأ تطبيق القرار فعليًا مع نهاية نوفمبر واستمر طوال ديسمبر، دون تمييز بين ما يستخدم لأغراض عسكرية وما يحتاجه المدنيون، ما أثر مباشرة على السكان والأسواق المحلية. فيما قال تاجر في سوق الأبيض بولاية شمال كردفان، إن ولايات الإقليم الثلاث تعتمد على الطرق التجارية القادمة من الولاية الشمالية بعد سيطرة «الدعم السريع» على الطرق التي تربط مدينة الأبيض بولايات الخرطوم والنيل الأبيض، مشيرًا إلى أن ولايات كردفان اعتمدت على الطرق الصحراوية التاريخية التي كانت تستخدم قديمًا في توفير سلع أساسية مثل الدقيق والسكر والزيوت والبقوليات، إلى جانب الأدوية، غير أن توقف الشاحنات عند نقاط التفتيش ومنع عبورها أدى إلى تراجع المعروض في الأسواق خلال أيام قليلة، ما انعكس في ارتفاعات كبيرة بالأسعار.
وأدى قرار حظر السلع إلى ارتفاع كبير في الأسعار بنسب وصلت إلى 70%، إذ بلغ سعر جوال السكر في ديسمبر الماضي نحو 250 ألف جنيه سوداني في عدد من أسواق كردفان، بينما تجاوز سعر جوال الدخن 120 ألف جنيه، وارتفع سعر جوال دقيق القمح وزن 25 كيلوجرامًا إلى حوالي 110 آلاف جنيه، وهي أسعار تفوق بكثير القدرة الشرائية لغالبية الأسر، خصوصًا في ظل تراجع الدخول وانعدام مصادر الرزق جراء الحرب.
ولم تقتصر التداعيات على الغلاء، بل شهدت مناطق بعيدة عن مراكز المدن انعدامًا شبه كامل لبعض السلع. وأكد ثلاثة تجار محليون توقف وصول شحنات منتظمة من السلع الغذائية والأدوية، ما دفع بعض الأسواق إلى الإغلاق الجزئي، وترك المدنيين يعتمدون على مخزونات محدودة أو بدائل منخفضة القيمة الغذائية.
وفي مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، أفاد خمسة مواطنين لـ«مدى مصر» بأن بعض الأسر لجأت إلى استهلاك نباتات برية في محاولة لتفادي الجوع، في مؤشر على التدهور المتسارع في الأمن الغذائي.
في المقابل، قال مصدر أمني لـ«مدى مصر» إن قرارات الحكومة تستهدف البضائع التي تمر عبر الطرق البديلة «طرق التهريب»، مؤكدًا أن الحكومة تسمح بمرور السلع إلى ولايات كردفان وفق المسار الرسمي الذي تراقبه وتضبط حركته. وأضاف أن الحكومة زادت من تدفق السلع إلى ولاية شمال كردفان عبر الطريق القومي الخرطوم-كوستي-الأبيض، معتبرًا القرار يمكن الحكومة من ضبط الأسعار التي وصلت إلى أرقام فلكية، حسب تعبيره، نتيجة إدخال التجار سلع مهربة ومن ثم بيعها بأسعار تفاقم أزمة المواطنين.

ويتزامن هذا التضييق التجاري مع قرارات أخرى زادت من هشاشة الوضع الإنساني، من بينها تعليق عدد من المنظمات الإنسانية نشاطها منذ أبريل 2025، بحسب مصدر حكومي في جنوب كردفان، ما أدى إلى تقليص توزيع المساعدات الغذائية والطبية في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بشكل مستمر. ووفق تقديرات أممية محدثة حتى نوفمبر 2025، تشهد مناطق واسعة من كردفان ودارفور مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، مع وجود مئات الآلاف في ظروف قريبة من الطوارئ الغذائية، نتيجة استمرار القتال، وصعوبة الوصول، وانقطاع سلاسل الإمداد.
وأثار القرار الصادر عن حكومة الولاية الشمالية انتقادات واسعة، فقد حذر عضو لجنة طوارئ في ولاية شمال كردفان من أن استخدام الغذاء والتجارة كأدوات ضغط في سياق الحرب يهدد بتحويل الأزمة الإنسانية إلى كارثة أوسع، وأوضح أن القيود لا تطال فقط مناطق القتال المباشر، بل تمتد آثارها إلى المدنيين في المدن والقرى التي لا تملك بدائل لطرق الإمداد التقليدية، ولا قدرة على تعويض النقص عبر الإنتاج المحلي.
وأكد المصدر أنه مع استمرار القيود، تتزايد المخاوف من أن يؤدي هذا الوضع إلى تفشي سوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال والنساء، في ظل ضعف الاستجابة الإنسانية وصعوبة الوصول الآمن، وأضاف أنهم يخشون من أن يؤدي استمرار حظر حركة السلع والمساعدات إلى موجات نزوح جديدة داخل كردفان ودارفور، بحثًا عن الغذاء والحد الأدنى من مقومات الحياة، ما يضيف عبئًا جديدًا على مناطق تعاني أصلًا من ضغط سكاني وخدمات شبه منهارة، مشيرًا إلى أن القرارات الحكومية، رغم ما تعلنه من دوافع أمنية، تسهم في تعميق الأزمة الإنسانية، عبر تقويض الأسواق المحلية وحرمان المدنيين من الغذاء والدواء.
تأتي هذه التطورات وسط استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في كردفان بشكل حاد، نتيجة استمرار النزاع المسلح وتصاعد العنف. وتشير بيانات وتقارير أممية إلى أن ملايين المدنيين في المنطقة يعانون من نقص حاد في الغذاء والمياه والخدمات الأساسية، وأن العديد من المجتمعات أصبحت محاصرة عمليًا أو مضطرة للنزوح بحثًا عن الأمان.
ووفق تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في أكتوبر الماضي، لا تزال الاحتياجات الإنسانية في السودان بأكمله، بما في ذلك كردفان، شديدة، مع أكثر من 21.2 مليون شخص يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، وتسجيل ارتفاع ملحوظ في حالات سوء التغذية بين الأطفال، فضلًا عن محدودية الجهود لتحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل المياه الآمنة والتغذية والعلاج.
وفي تحديث إنساني صادر في 18 نوفمبر الماضي، أشارت «يونيسف» إلى استمرار انعدام الأمن الغذائي والتهجير في المناطق الشمالية والجنوبية من كردفان، نتيجة تصاعد الأعمال العدائية ونزوح السكان.
وخلال الفترة بين 26 أكتوبر و13 نوفمبر الماضيين، نزح ما يقارب 39 ألفًا و410 أشخاص من شمال كردفان بسبب القتال والانتهاكات الأمنية، بينما تواجه مجتمعات في جنوب كردفان مثل كادقلي والدلنج نقصًا حادًا في الغذاء والمساعدات الطبية نتيجة المعارك وحصار الطرق.
وتشهد مدن وقرى عديدة في كردفان ظروفًا شبيهة بالحصار، حيث يُمنع وصول الإمدادات الأساسية في ظل استمرار القتال والقيود على حركة المساعدات الإنسانية، ما يؤدي إلى تدهور سريع في الأمن الغذائي والصحي.
وذكرت الأمم المتحدة في أوائل ديسمبر الماضي أن المجتمعات في الدلنج وكادقلي في جنوب كردفان محاصرة فعليًا، وتُعاني من صعوبة بالغة في الحصول على الغذاء والمياه والرعاية الصحية، مع تفاقم حالات سوء التغذية وانتشار المرض نتيجة هذه الظروف.
كما حذر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين في إقليم كردفان جراء القصف والهجمات العشوائية منذ أواخر أكتوبر 2025، مع تسجيل مئات القتلى المدنيين وإصابات واسعة، مشيرًا إلى وجود تقارير عن انتهاكات جسيمة تشمل القتل والاعتقالات التعسفية وعمليات تجنيد قسري للأطفال في سياق القتال الدائر.
وعلى وقع هذه التطورات، يتواصل النزوح الداخلي من كردفان إلى ولايات أخرى، حيث يفترش النازحون الأراضي أو يلتحقون بعائلات مضيفة في ولايات مثل النيل الأبيض وكردفان الغربية، بينما يظل الدعم الإنساني غير كافٍ مقارنة بحجم الاحتياجات المتزايدة.
من جهتها، كررت الأمم المتحدة دعوتها إلى تأمين ممرات آمنة للمساعدات، وحماية المدنيين، والوقف الفوري للأعمال العدائية، مؤكدة أن تدهور الوضع في كردفان تجاوز حدود النزاع العسكري، ليصبح أزمة غذاء وصحة عامة تهدد حياة آلاف الأسر يوميًا.
وصول المواجهات في شمال دارفور إلى الحدود التشادية.. و«الشعبية» تعلن اقترابها من السيطرة على كادقلي

اشتدت وتيرة المعارك في ولايات كردفان بين الجيش السوداني من جهة، وقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو من جهة أخرى، مع استمرار التأثيرات المباشرة على المدنيين وتدهور الأوضاع إلى مستويات أعلى من العنف والتشريد.
وأعلنت الحركة الشعبية-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، في بيان الثلاثاء الماضي، سيطرتها على حاميات عسكرية تابعة للجيش على الطريق الرابط بين مدينتي الدلنج وكادقلي في ولاية جنوب كردفان.
وقالت الحركة إن «قوات تأسيس الجيش الشعبي لتحرير السودان- شمال وقوات الدعم السريع سيطرت على مناطق (التقاطع، البلف، وحجر دليبة) على طريق الدلنج-كادقلي، في خطوة ميدانية متقدمة تمهّد للسيطرة على مدينة كادقلي خلال الساعات المقبلة». وأوضح البيان أن هذه التطورات الميدانية تؤكد أن ميزان القوة يميل لصالح ما أسمتها «قوى الثورة».
وفي سياق متصل، قال ثلاثة مواطنين من مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان لـ«مدى مصر» إن الجيش شن في 26 ديسمبر الماضي، هجمات عبر الطائرات المسيرة على منطقة فيام جلد، التي تسيطر عليها فصائل الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال المتحالفة مع «الدعم السريع»، وتواصلت المعارك في محيط المدينة خلال اليوم نفسه، بحسب مصدر رابع من السكان، أفاد بنزوح 25 أسرة إلى مناطق ريفية حول المدينة، نتيجة تصاعد الأعمال القتالية بين الجيش وقوات الدعم السريع والفصائل المتحالفة معها، وسط مخاوف من توسع العمليات العسكرية المستمرة منذ نهاية أكتوبر الماضي في محيط المدينة.

وفي 27 ديسمبر، تصاعدت حدة المواجهات العسكرية في محيط مدينة الأبيض في شمال كردفان، حيث نفذ الجيش عمليات في المحاور الشمالية للمدينة، بينما قال مصدر ميداني من قوات الدعم السريع إن الأخيرة كسرت خطوط دفاع الجيش على بعد نحو خمسة كيلومترات من المدينة، الأمر ما نفاه مصدر حكومي بالمدينة، مؤكدًا أن الجيش موجود بكثافة في المحاور الشمالية، ويشن، بمساعدة القوات المساندة له، عمليات عسكرية نوعية في مناطق استراتيجية.
في السياق نفسه، واصلت قوات الجيش و«الدعم السريع» عملياتهما العسكرية قرب منطقة الدكونج وأطرافها، وهي منطقة استراتيجية لتأمين المناطق الشمالية المحيطة بمدينة الأبيض، مع استمرار استخدام الطائرات المسيرة في الهجمات الجوية، بالتوازي مع الاشتباكات البرية.
وقال مصدر عسكري في الجيش بمدينة الأبيض لـ«مدى مصر» إن الجيش تمكن، في 28 ديسمبر الماضي، من السيطرة على منطقة الدكونج شمالي الأبيض، والتي تبعد عن المدينة حوالي 15 كيلومترًا، بعد معارك عنيفة اندلعت في المنطقة، لكن مصدرًا ميدانيًا من «الدعم السريع» نفى هذه السيطرة، لافتًا إلى أن الجيش يحاول إخفاء حقيقة أن «الدعم السريع» سيطرت على مناطق أكثر أهمية في ولايات كردفان، موضحًا بأن القوات أسقطت، في 27 من الشهر ذاته، طائرة بيرقدار في منطقة «برنو»، مشيرًا إلى أن عملياتهم العسكرية تسير بوتيرة متسارعة في إقليمي كردفان ودارفور.
وفي شمال دارفور، أفاد مصدر من القوة المشتركة أن «الدعم السريع» بدأت، في 26 ديسمبر الماضي، الهجوم على مناطق كرنوي وأمبرو، كما قصفت الطينة غرب ولاية شمال دارفور بطائرات مسيرة، وامتد الهجوم حتى الحدود التشادية، حيث قال الجيش السوداني في بيان له إن «الدعم السريع» تستخدم الطائرات المسيرة تجاه بعض المناطق الحدودية من أجل زعزعة استقرار السودان مع دول الجوار.
لكن مصدر ميداني بـ«الدعم السريع» نفى بيان الجيش، مؤكدًا أن الجيش هو الذي بدأ بالهجوم، فيما قال مصدر في مدينة الطينة التشادية أن مسيرات حربية قادمة من الحدود السودانية قصفت معسكرًا للجيش التشادي، ما أسفر عن مقتل جنديين.
وفي ولاية شمال دارفور، شنت قوات الدعم السريع هجمات واسعة في عدة مواقع، من بينها أمبرو وسربا وأبو قمرة، ما أدى إلى مقتل أكثر من 200 مدني، بينهم أطفال ونساء، في هجمات اتخذت طابعًا عرقيًا وعلى نحو متسلسل استهدف القرى والمناطق السكنية، بحسب مصدر في شبكة أطباء السودان. وتعد مناطق أبو قمرة ومحيطها مناطق سكانية لجأ إليها سكان مدينة الفاشر بعد سقوطها.
واتهم مصدر حكومي بالسلطة الإقليمية لإقليم دارفور، «الدعم السريع» بمحاولة ارتكاب مجازر عرقية بحق «قبيلة الزغاوة» التي تعد هذه المناطق أراضٍ تابعة لها، ولجأ إليها أغلب السكان المنتمين للقبيلة بعد سقوط الفاشر.
وأضاف المصدر أن هجمات «الدعم السريع» لم تقتصر على الاشتباكات مع خصوم مسلحين، بل شملت استهداف مدنيين داخل منازلهم وملاحقتهم خلال محاولاتهم الفرار، ما دفع منظمات طبية ومصادر محلية إلى الحديث عن طابع عنف جماعي في تلك الهجمات.
وفي أعقاب هذه الهجمات، لفت المصدر إلى نزوح أكثر من سبعة آلاف شخص من مناطق مثل أمبرو وكرنوي في شمال دارفور، باتجاه جهات آمنة، نتيجة استمرار انعدام الأمن وعمليات القصف والاشتباكات.
وتأتي هذه الحوادث في سياق توسع نفوذ قوات الدعم السريع في دارفور، بعد سيطرتها على عدد من المناطق الاستراتيجية في الجزء الغربي من ولاية شمال دارفور، ما أثّر بشكل مباشر على توسّع رقعة العنف والعمليات العسكرية ضد السكان في الإقليم.
أخبار ذات صلة
تفشي حمى الضنك في الخرطوم، ومصادر طبية: العاصمة لا تزال غير مهيأة | تفش كبير للحصبة وسط نازحي شمال دارفور | انشقاق قائد من «الدعم السريع» وانضمامه للجيش | الجيش يفشل هجومًا على الدلنج
تجد الخرطوم نفسها مجددًا في مواجهة تفشٍ لحمى الضنك
إضرابات في القطاع الصحي في نيالا | البرهان يلغي منصب نائب القائد العام ومساعده | رئيس الاستخبارات العسكرية السودانية يزور طرابلس | الجيش يبدأ عملية استعادة الكرمك بولاية النيل الأزرق
في نشرة السودان: شهد هذا الأسبوع سلسلة من الإعلانات التي استكملت ملامح القرار الصادر في 2 أبريل الجاري عن رئيس مجلس السيادة…
تراجع الإمدادات الإماراتية لـ«الدعم السريع» عبر ليبيا في ظل الضربات الإيرانية على الخليج | الجيش يستهدف إمدادات لـ«الدعم السريع» في شمال دارفور دخلت عبر تشاد | «الدعم السريع» والحركة الشعبية تواصلان الضغط في النيل الأزرق.. واستمرار القتال يُنذر بأزمة غذائية | «الدعم السريع» تتوغل في الدلنج والجيش يصد الهجوم | البرهان يجري تعديلات في هياكل قيادة الجيش.. والعطا رئيسًا للأركان
البرهان يجري تعديلات واسعة في هياكل قيادة الجيش.. والعطا رئيسًا للأركان
«الدعم السريع» تستولي على الكرمك في النيل الأزرق | مقتل نحو 100 مدني في دارفور في هجمات نُسبت إلى الجيش | الحرب على إيران تضاعف أزمة الأدوية في السودان
بينما كان قائدا طرفي الصراع في السودان يوجّهان تهاني مسجلة بمناسبة عيد الفطر إلى المواطنين، واصلت قواتهما وطائراتهما المُسيّرة العمليات العسكرية، مخلفة…
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن