اعتقال ضباط بـ«وادي سيدنا».. اندلاع حرب الاتصالات و«تقدم» تطلب وساطة «كير» للقاء البرهان
رغم مرور عشرة أشهر على اندلاعها، ما زالت الحرب في السودان بين الجيش و«الدعم السريع» ترسم خريطة سياسية وعسكرية معقدة، فلا انتصار كلي أو هزيمة كلية وسط جمود الحلول التفاوضية.
عسكريًا، دفعت هذه الأشهر الطويلة من الحرب، الجيش، إلى تغيير استراتيجيته العسكرية من الدفاع إلى الهجوم خاصة في مدن العاصمة السودانية الخرطوم، مقابل حالة جمود عسكري لقوات الدعم السريع.
في سياق حرب الخرطوم، وصل قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، أمس، إلى خطوط المعارك المتقدمة في مدينة أم درمان، حيث تستمر قواته في التقدم منذ عدة أسابيع.
كما انتقلت الحرب إلى قطاع الاتصالات، بانقطاع شبكة الهواتف المحمولة لليوم الثاني على التوالي في جميع أنحاء البلاد.
أما سياسيًا، فقد اجتمعت وفود سودانية برئيس دولة جنوب السودان، سلفا كير، في مدينة جوبا، عاصمة جنوب السودان. بالإضافة إلى إجراء المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، رمطان لعمامرة، مباحثات مع مسؤولين سعوديين، في الرياض، بشأن الأزمة السودانية.
البرهان في خطوط النار الأمامية بـ«أم درمان».. والجيش يتحول إلى الهجوم
في معارك مركبة، اجتماعية وسياسية وعسكرية، وعلى جميع الأصعدة، تكاد الحرب المُندلعة منذ عشرة أشهر تُعيد تعريف السودان بصورة لم تحدث في تاريخ البلاد الحديث، رغم استمرار النزاعات المسلحة منذ استقلاله عام 1956، فعلى عكس حروبه الأهلية السابقة التي اندلعت في أطراف البلاد النائية، اشتعلت الحرب الحالية في قلب العاصمة السودانية الخرطوم، ومنها انتقلت إلى الأطراف.
وبينما تسيطر قوات «الدعم السريع» على مقار استراتيجية بينها القصر الرئاسي ومطار الخرطوم الدولي والمنشآت المدنية الحيوية مثل شركات الاتصالات ومقر الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، لا يملك الجيش السوداني الذي حارب التمردات المسلحة على مدى سبعة عقود، إلا معسكراته في مدن العاصمة الخرطوم.
بدأت «الدعم السريع» حربًا شرسة بمدن العاصمة الخرطوم وهي تمتلك عشرات آلاف المقاتلين، مقابل نحو عشرين ألف مقاتل للجيش، أما الآن فقد تغيرت المعادلة بعدما بدأ الأخير في إعادة ترتيب صفوفه وظهور أسلحة مؤثرة وسط جنوده، بينها مُسيرات مهاجر 6 الإيرانية في سماء المعركة.
بناءً على ذلك، تحولت استراتيجية الجيش من الدفاع إلى الهجوم للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب وسقوط أربع من أصل خمس ولايات في إقليم دارفور أقصى غربي البلاد وولاية الجزيرة المجاورة للعاصمة الخرطوم، في يد قوات الدعم السريع بين شهري أكتوبر وديسمبر.
خلال هذا التحول، غيّر الجيش تكتيكاته في مواجهة قوات الدعم السريع سريعة الحركة والانتشار وذات الطبيعة القتالية المختلفة عنه، وهو ما ظهر في الإعداد العسكري والعتاد الحربي الذي وفره لجنوده خلال الأسابيع الأخيرة، بالإضافة إلى عقده تحالفات عسكرية مع بعض الحركات المسلحة، وترقية بعض الجنرالات التابعين لها.
أيضًا، درب الجيش مجموعات قتالية على تكتيكات حرب المدن واستخدام المُسيرات، بجانب عقده اتفاقات مع بعض القيادات العسكرية في الجيش التشادي بخصوص قطع الإمدادات العسكرية عن «الدعم السريع»، ومهاجمة مطار أم جرس جزئيًا في الفترات الماضية، بالإضافة إلى الهجمات العسكرية الكبيرة التي استهدفت عددًا من المواقع العسكرية في دارفور آخرها قاعدة الزرق أمس.
تحول استراتيجية الجيش أكدها قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، ونائبه، مالك عقار، وأخيرًا مساعده، ياسر العطا، الذي أعلن خريطة طريق واضحة للعمليات العسكرية، بدايةً من الخرطوم والجزيرة، مرورًا بكردفان، وأخيرًا الزحف إلى إقليم دارفور.
في هذا السياق، أعلن الإعلام العسكري التابع للجيش السوداني، اليوم، تفقد البرهان للخطوط الأمامية بـ«أم درمان»، حيث يستمر الجيش في التقدم بوسط المدينة، بعدما سيطر على عدد من المناطق الجديدة خلال الأسابيع الماضية، مؤكدًا أن العطا كان في استقباله وقدم له ملخصًا عن سير العمليات العسكرية، كما تفقدا معًا بعض المواقع العسكرية. فيما نقل الإعلام العسكري عن البرهان قوله إن «الجيش والشعب في خندق واحد لاستئصال سرطان المليشيا المتمردة ومرتزقتها».
تأتي زيارة البرهان بعد أيام من اعتقال الاستخبارات العسكرية عددًا من ضباط الجيش في منطقة وادي سيدنا العسكرية شمالي أم درمان، فقد أكد مصدر عسكري بالمنطقة لـ«مدى مصر» اعتقال مجموعة من العسكريين بقيادة عقيد وعدد من صغار الضباط، دون الإفصاح عن الأسباب.
سياسيًا، جدد المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، رمطان لعمامرة، تحركاته، فبحث مع نائب وزير الخارجية السعودي، وليد الخريجي، جهود بلاده والأمم المتحدة فيما يخص الأوضاع الراهنة بالسودان، كما أجرى نفس المباحثات مع وكيل وزارة الخارجية السعودي للشؤون السياسية، سعود الساطي.
كان الأمين العام للأمم المتحدة قد عين لعمامرة، في نوفمبر الماضي، مبعوثًا شخصيًا له إلى السودان، والذي ابتدأ عمله بزيارة القاهرة حيث التقى بعدد من قيادات منظمات المجتمع المدني وشخصيات سياسية، قبل أن يصل إلى مدينة بورتسودان في يناير الماضي ويجري مباحثات مع رئيس مجلس السيادة ونائبه وعدد من المسؤولين الآخرين. كما التقى ضمن جولاته بالرئيس الكيني وليام روتو وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي».
حرب الاتصالات
في معركة أخرى اندلعت من تحت رماد الحرب، أصبح قطاع الاتصالات والإنترنت، ورقة ضغط في الصراع المسلح، ما غيب ملايين السودانيين داخل البلاد عن العالم.
بدأ انقطاع خدمة الاتصالات والإنترنت، الجمعة الماضي، في ولاية نهر النيل شمالي الخرطوم، ومدينة بورتسودان التي يتخذها البرهان عاصمة مؤقتة للبلاد، وعادت يوم الثلاثاء، قبل أن تنقطع البلاد، الأربعاء، عن الاتصالات والإنترنت كليًا، ما عدا الإنترنت الأرضي.
أدى انقطاع الإنترنت إلى توقف الخدمات المصرفية، ما تسبب في تضرر ملايين السودانيين وعدم قدرتهم على تحويل الأموال عبر التطبيقات البنكية، أيضًا توقف إصدار جوازات السفر داخل وخارج البلاد، فيما استمر مطار بورتسودان الدولي في العمل بشكل طبيعي.
وتسيطر قوات الدعم السريع على برج الهيئة القومية للاتصالات الذي يضم وزارة الاتصالات شرق العاصمة الخرطوم، وبرج شركة سوداتل بوسط الخرطوم، وبرج شركة زين بغرب الخرطوم، بالإضافة إلى خوادم التشغيل في منطقة جبرة وشارع الستين جنوب وشرق الخرطوم.
ومع ذلك، نفى المستشار القانوني في قوات الدعم السريع، محمد المختار النور، مسؤوليتهم عن قطع الاتصالات والإنترنت في السودان، وقال لـ«مدى مصر» إن الاتصالات مقطوعة منذ 9 شهور في إقليمي كردفان ودارفور، متهمًا الجيش بتعطيل عدد من مزودات الخدمة التابعة لشركات الاتصال، عبر القصف المدفعي والطيران.
وأكد النور سيطرة «الدعم السريع» على هذه المواقع ومزودات الخدمة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل، لكنها لم تقطع الاتصالات طيلة الفترة السابقة.
وردًا على الاتهامات الموجهة لـ«الدعم السريع» بقطع الإنترنت في أقاليم السودان الشمالية والشرقية، نتيجة عدم استقرار خدماتها في دارفور منذ عدة أشهر، قال: «نحن مع العدالة للجميع في كل ولايات السودان».
وأشار إلى أنهم لا يساومون على عملية إرجاع الشبكة لإقليم محدد، في إشارة إلى دارفور، مطالبًا بعودتها إلى كل ولايات السودان بالتساوي.
في المقابل، اتهمت وزارة الخارجية السودانية «الدعم السريع» بقطع الاتصالات الهاتفية وشبكة الإنترنت في أجزاء واسعة من البلاد، باستخدام وسائل الإرهاب والتخريب وابتزاز الشركات العاملة في هذا المجال الحيوي.
وأضافت الخارجية أن قطع خدمات الاتصالات والإنترنت يعني توقف التحويلات المصرفية والخدمات المالية الرقمية التي أصبحت شريان الحياة لقطاع كبير من المواطنين، في ظل توقف العديد من الأنشطة الاقتصادية ووسائل كسب العيش، كما أنه يعيق انسياب الخدمات الإنسانية من علاج ومساعدات وجهود إنقاذ العالقين، فضلًا عن تعذر التواصل بين السودانيين في الداخل والخارج وبين الولايات المختلفة.
وأشارت إلى سيطرة «الدعم السريع» على المراكز الرئيسية لشركات الاتصال ونهبها وتخريب عدد كبير من فروع ومعدات هذه الشركات، خاصة في ولايات دارفور، ما ألحق أضرارًا بعيدة المدى بالشبكات هناك.
ودعت وزارة الخارجية المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والإقليمية والإنسانية وحكومات الدول التي يهمها تحقيق السلام في السودان إلى إدانة هذه الجريمة البربرية والضغط على «الدعم السريع» ورعاتها لوقف هذا العدوان الذي ستكون تكلفته الإنسانية باهظة.
وفود سودانية في «جوبا»
بعد تعليق منبر جدة وتجميد السودان عضويته في منظمة «إيقاد»، زارت عدة قوى سياسية مسلحة مدينة جوبا، للاجتماع بالرئيس سلفا كير ومسؤولين كبار في حكومته، بحثًا عن مسار سياسي يبدو أنه في حكم الميت.
أواخر الأسبوع الماضي وصل وفدا الكتلة الديمقراطية بقيادة مني أركو مناوي، والحرية والتغيير - المجلس المركزي، لإجراء مباحثات منفصلة. والتقى وفد الكتلة الديمقراطية بالرئيس سلفا كير وبعض القيادات الأمنية.
قال مصدر بتنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «تقدم» إن التنسيقية طلبت من كير، حث البرهان على تحديد موعد للقائها بأسرع ما يمكن لإيجاد حل للحرب.
وأفاد المصدر أن الوفد خلال اجتماعاته مع كير ناقش معاناة السودانيين اللاجئين في دولة جنوب السودان، مطالبًا بتحسين أوضاعهم من خلال مناشدته للمنظمات الدولية بالتدخل، مضيفًا أن الاجتماع بحث مسألة التعليم من خلال فتح الجامعات الجنوب سودانية للطلاب السودانيين في ظل استمرار الحرب.
في المقابل يعقد كير اجتماعات مع الكتلة الديمقراطية، تبدأ غدًا الجمعة بـ«جوبا» وتستمر حتى الاثنين المقبل، لبحث مسألة إيقاف الحرب في السودان.
وقالت مصادر في الكتلة الديمقراطية لـ«مدى مصر»، إنها ستناقش خلال اجتماعها مع كير رؤيتها لإيقاف الحرب، المتمثلة في إجراء حوار شامل لا يستثني أحدًا، بجانب تخطى الأسباب التي أدت للحرب، فضلًا عن عدم سيطرة أي جهة أو مجموعة على قرار الحوار وآلياته، كما حدث في الاتفاق الإطاري.
وأضافت المصادر أن عملية وقف الحرب سابقة لأي عملية سياسية، وأن الحوار يجب أن يكون في نهاية المطاف «سوداني-سوداني» مع قبول الدور الإقليمي والدولي لتسهيل العملية.
أخبار ذات صلة
تفشي حمى الضنك في الخرطوم، ومصادر طبية: العاصمة لا تزال غير مهيأة | تفش كبير للحصبة وسط نازحي شمال دارفور | انشقاق قائد من «الدعم السريع» وانضمامه للجيش | الجيش يفشل هجومًا على الدلنج
تجد الخرطوم نفسها مجددًا في مواجهة تفشٍ لحمى الضنك
إضرابات في القطاع الصحي في نيالا | البرهان يلغي منصب نائب القائد العام ومساعده | رئيس الاستخبارات العسكرية السودانية يزور طرابلس | الجيش يبدأ عملية استعادة الكرمك بولاية النيل الأزرق
في نشرة السودان: شهد هذا الأسبوع سلسلة من الإعلانات التي استكملت ملامح القرار الصادر في 2 أبريل الجاري عن رئيس مجلس السيادة…
تراجع الإمدادات الإماراتية لـ«الدعم السريع» عبر ليبيا في ظل الضربات الإيرانية على الخليج | الجيش يستهدف إمدادات لـ«الدعم السريع» في شمال دارفور دخلت عبر تشاد | «الدعم السريع» والحركة الشعبية تواصلان الضغط في النيل الأزرق.. واستمرار القتال يُنذر بأزمة غذائية | «الدعم السريع» تتوغل في الدلنج والجيش يصد الهجوم | البرهان يجري تعديلات في هياكل قيادة الجيش.. والعطا رئيسًا للأركان
البرهان يجري تعديلات واسعة في هياكل قيادة الجيش.. والعطا رئيسًا للأركان
«الدعم السريع» تستولي على الكرمك في النيل الأزرق | مقتل نحو 100 مدني في دارفور في هجمات نُسبت إلى الجيش | الحرب على إيران تضاعف أزمة الأدوية في السودان
بينما كان قائدا طرفي الصراع في السودان يوجّهان تهاني مسجلة بمناسبة عيد الفطر إلى المواطنين، واصلت قواتهما وطائراتهما المُسيّرة العمليات العسكرية، مخلفة…
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن