تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».

أين المناخ في عالم ينفق على الذكاء الاصطناعي والتسلّح والحروب التجارية؟

أين المناخ في عالم ينفق على الذكاء الاصطناعي والتسلّح والحروب التجارية؟
وقفة احتجاجية من أجل فلسطين أمام مؤتمر الأطراف الثلاثين «COP30» بمدينة بيليم في البرازيل، 11 نوفمبر. تصوير: آن باك / آكتيف ستيلز

انطلقت، في 10 نوفمبر الجاري بمدينة بيليم في البرازيل، فعاليات مؤتمر الأطراف الثلاثين «COP30»، بمشاركة ممثلين عن 200 دولة. تزامن المؤتمر مع احتجاجات شهدتها المدينة نظمها المدافعون عن الغابات، والشعوب الأصلية، والنشطاء البيئيون، فيما انعقدت بالتوازي «قمة الشعوب». وقد أشار تقرير «متعقّب العمل المناخي» الصادر في 13 نوفمبر إلى أن الكوكب يتجه نحو ارتفاع في درجة الحرارة بمقدار 2.6 درجة مئوية، في وقت تواصل فيه الدول استخراج وحرق كميات كبيرة من الوقود الأحفوري.

وبينما تركز منظمات المجتمع المدني على مطالب «الانتقال العادل»، يبقى التمويل المناخي ضعيفًا، فما الذي يجب علينا وضعه في الاعتبار خلال مؤتمر هذا العام، في ظل استمرار الأزمات نفسها من المؤتمرات السابقة، إذا كان لدينا عشر دقائق فقط؟ المستشار البيئي والناشط، أحمد دروبي، يساعدنا في هذا الصدد.

«مدى مصر»: ما زالت قضية ارتفاع درجات الحرارة تهيمن على نقاشات المؤتمر. ورغم أننا لم نحقق بعد هدف اتفاق باريس لعام 2015 بحصر الزيادة عند 1.5 درجة مئوية، وشهدنا ارتفاعًا تاريخيًا في درجة حرارة صيف العام الماضي، فإن العقد الأخير يبدو أفضل نسبيًا. هل يوجد ما يدعو للأمل؟

أحمد دروبي: سياسيًا، ومع صعود اليمين في أوروبا وأمريكا الشمالية، وانتشار إنكار التغير المناخي، هناك الكثير من المخاوف، فضلًا عن تراجع الثقة بشكل عام، بسبب حرب الإبادة في فلسطين.

صحيح أننا قطعنا شوطًا كبيرًا منذ تبني اتفاق باريس، إذ كانت التقديرات السابقة تتحدث عن ارتفاع بأكثر من أربع درجات، أما الآن فهي عند 2.6 درجة، لكن هذا الارتفاع ما زال خطيرًا وله آثار كبيرة. تخطي 1.5 درجة يعني تهديدًا وجوديًا لبعض الدول، خصوصًا الدول الجزرية الصغيرة. والفرق بين درجتين و1.5 درجة يعني عمليًا ثلاثة أضعاف حجم التأثيرات المناخية.

ما نحتاج إليه هو خفض الانبعاثات بنسبة 45% بحلول عام 2030، لكننا متأخرون جدًا، لأن الموعد النهائي لتقديم تقارير «المساهمات المحددة وطنيًا» كان في فبراير 2025، ولم تقدم سوى قلة من الدول تقاريرها المحدثة. وحتى نهاية أكتوبر، كانت 64 دولة فقط من أصل نحو 190 قدمت نسخها المحدثة، وتشير تقديراتها إلى خفض لا يزيد على 17% فقط، وهو رقم بعيد جدًا عن المطلوب.

«م. م»: لا يمكن الحديث عن خفض الانبعاثات بمعزل عن التمويل المناخي. أين وصل التعهد الذي خرج به مؤتمر أذربيجان (COP29) بشأن توفير 300 مليار دولار؟

دروبي: المبدأ الأساسي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ هو «المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة»، أي أن هناك التزامًا على دول الشمال العالمي التي تتحمل المسؤولية الأكبر عن الانبعاثات وأزمة المناخ، بأن تتحمل نصيبها من المسؤولية، وعدم تحميل دول الجنوب أعباءً إضافيةً، رغم مساهمتها المحدودة جدًا في الأزمة.

ورغم وجود بعض التحسن، ما زلنا بعيدين جدًا عما يجب فعله. ومع التحولات الجيوسياسية الحالية، في ظل تركيز الشمال العالمي على التسلّح، وتقليص الإنفاق على المناخ، يبدو أن التمويل المناخي سيتراجع أكثر فأكثر.

هناك أيضًا مخاوف كبيرة تتعلق بالنمو الهائل في مجال الذكاء الاصطناعي، الذي يستهلك كميات هائلة من الطاقة، وقد يصبح عاملًا أساسيًا في استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري. 

الصراع بين الصين والولايات المتحدة على قيادة هذا القطاع يأتي على حساب أولوية التخفيف من آثار التغير المناخي. نرى أيضًا إدارة دونالد ترامب متعطشة لتوسيع صناعة الوقود الأحفوري، في سلوكٍ استعماري واضح، كما يتضح من الهجمات البحرية الأمريكية الأخيرة على فنزويلا ومحاولات السيطرة على احتياطاتها النفطية.

في المقابل، تتزايد احتياجات دول الجنوب للتكيّف مع التغير المناخي بسرعة كبيرة. وهذا ملف أساسي في مؤتمر هذا العام، إذ يجب التوصل إلى اتفاق حول مؤشرات «الهدف العالمي للتكيّف»، بما يضمن تمويل حقيقي وعادل.

تُقدر احتياجات القارة الإفريقية وحدها بـ70 مليار دولار سنويًا، بينما لم يتجاوز التمويل الفعلي 15 مليارًا في 2023، أما الاحتياج العالمي فيصل إلى 1.5 تريليون دولار سنويًا، في حين أن ما تم الاتفاق عليه في باكو بأذربيجان هو 350 مليارًا فقط بحلول 2035، أي أن الفجوة هائلة.

الأمر نفسه ينطبق على «صندوق الخسائر والأضرار»، الذي رغم الاتفاق على إنشائه في شرم الشيخ، والإعلان عن تأسيسه رسميًا في افتتاح مؤتمر دبي «COP28»، ما زال «صندوقًا فارغًا».

غياب التمويل المناخي لا يعرقل فقط قدرة دول الجنوب على الحد من الانبعاثات والتحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري، بل يقيد كذلك قدرتها على التكيّف مع آثار التغير المناخي نفسها.

دول الشمال لا تفي بالتزاماتها، والأسوأ أنها تقدم التمويل كعمل خيري، بينما هو في الحقيقة مسؤولية تاريخية، بل تعويضات مستحقة. هذا مقلق جدًا ونحن نتجه إلى مؤتمر هذا العام، خاصة مع تراجع الثقة في النظام متعدد الأطراف.

«م. م»: أشرت إلى الذكاء الاصطناعي كمثال على أولويات الدول المتقدمة التي تزيح التمويل المناخي إلى الخلف. لماذا ركزت عليه تحديدًا بدلًا من الحديث عن الإنفاق المستمر على الوقود الأحفوري مثلًا؟

دروبي: لأن استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة يتسع بوتيرة سريعة لا يمكن التنبؤ بها. وهذا مقلق جدًا، لأننا لا نستطيع حتى الآن تقدير حجم هذا الاستهلاك، وكلما اشتدت المنافسة، زاد الطلب على الطاقة.

نرى مؤشرات مثل توقيع شركة «ميتا» اتفاقًا مع شركة الطاقة النووية الأمريكية «كونستليشن إنرجي» لتزويد مراكز بياناتها بالكهرباء، في وقتٍ يمكن أن تُستخدم فيه تلك الطاقة لتغذية منازل المواطنين. شركة «مايكروسوفت» بدورها أبرمت صفقة مع محطة «ثري مايل آيلاند» النووية لتغذية مراكز بياناتها. العطش المتزايد للطاقة في هذه المراكز يضغط بشدة على شبكات الكهرباء الوطنية.

وبعيدًا عن الذكاء الاصطناعي، تشير التقديرات إلى أن الدول الخمس الأكثر توسعًا في استخراج الوقود الأحفوري حتى عام 2050 ستكون الولايات المتحدة، وكندا، والمملكة المتحدة، وأستراليا، والنرويج -أي دول الشمال التي غالبًا ما تُقدَّم باعتبارها «روّاد المناخ»-. في المقابل، نرى شخصيات، مثل آل غور وجون كيري، يظهرون بمظهر «الأبطال» الذين يحاولون إقناع الدول الإفريقية «المتخلّفة» بالتحول إلى الطاقة المتجددة. النفاق واضح جدًا. فالشركات التي تسعى إلى استخراج الوقود من الجنوب هي نفسها شركات الشمال.

تبقى دول الجنوب التي لم تسهم تاريخيًا في أزمة المناخ، لكنها عالقة في دوامة الديون. ثم يُطلب منها ألا تستخرج الوقود الأحفوري. لنأخذ موزمبيق مثالًا: ديونها تساوي 96.5% من ناتجها المحلي، و60% من سكانها بلا كهرباء، ومع ذلك اكتشفت احتياطيات ضخمة من الغاز والنفط. فكيف يمكن مطالبتها بعدم استخراجها من دون توفير تمويل مناخي كافٍ؟

«م. م»: تكرر حديثك عن تآكل مبدأ تعددية الأطراف في التعامل مع أزمة المناخ. 

دروبي: النموذج الاقتصادي النيوليبرالي السائد اليوم يكرّس حقوق الملكية الفكرية في دول الشمال، ويمنع نقل التكنولوجيا والمعرفة بشكل كامل، وهذا يشكل عقبة كبيرة أمام جهود التكيّف. كذلك، فإن السياسات التجارية الأحادية التي تطبقها بعض الدول، خاصة في أوروبا، تثير القلق، لأنها لا تصاغ في إطار آلية متعددة الأطراف، بل تفرض من طرف واحد. هذه الإجراءات قد تساهم في خفض الانبعاثات، لكنها تعزز أيضًا تنافسية الشمال وهيمنته الاقتصادية على حساب الجنوب.

«م. م»: ما الذي يجب أن يحدث في مؤتمرات الأطراف لتصبح أداة أكثر فعالية للتفاوض حول المناخ؟

دروبي: «COP30» يجب أن يركز على التنفيذ، لقد مضت عشر سنوات منذ اتفاق باريس، و33 سنة منذ اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية، وما زلنا نتحدث أكثر مما نعمل. ما نحتاجه الآن هو تحرك فعلي لخفض الانبعاثات، وهذا لم يحدث بعد.

نحتاج إلى تغيير جذري، وأعتقد أن مؤتمر الأطراف وحده لا يمكن أن يحقق ذلك، لقصر مساحة التفاوض المتاحة. 

«م. م»: وما الذي يمكن فعله لدفع التنفيذ؟ هل يكون من خلال تعزيز آليات الإبلاغ الوطنية مثلًا؟

دروبي: هناك فشل واضح في رفع مستوى الطموح في «المساهمات المحددة وطنيًا» لتتوافق مع هدف 1.5 درجة، وهذا بحد ذاته جزء من التنفيذ المطلوب.

كذلك، يجب أن نعمل على تحقيق التمويل المناخي عبر مختلف مسارات التفاوض.

نحتاج إلى إطار واضح للانتقال العادل. مطلب المجتمع المدني في مؤتمر هذا العام يتمثل في ما يُعرف بـ«آلية عمل بيليم»، التي تهدف إلى ضمان خطط انتقال ديمقراطية تُبنى من القاعدة إلى القمة، تركز على التنمية وخلق فرص العمل، ويجب أن تكون ممولة تمويلًا كافيًا.

وأخيرًا، يجب أن يتضمن «الهدف العالمي للتكيّف» مؤشرات واقعية مرتبطة بحياة الناس اليومية، وأن يحافظ على مبدأ «المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة»، أي العدالة النسبية والمسؤولية التاريخية. ويجب أن يأتي التمويل في هذا الإطار على شكل منح، لا قروض.

عن الكاتب

أخبار ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن