تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أراضينا المنهكة.. والجو المتقلب

أراضينا المنهكة.. والجو المتقلب

كتابة: ندى عرفات 19 دقيقة قراءة

هذا التقرير ضمن ملف يروي رحلة عبر «غيطان» مصر، من شمالها حيث يلتقي النيل بالبحر، وحتى أقصى جنوبها الذي أضحت شمسه أكثر حدة، لنرى كيف يئن خمسة ملايين فلاح مصري تحت وطأة سياسات اقتصادية لا تأبه بهم، في ظل احتياجات محلية متزايدة وإملاءات الاندماج في الاقتصاد العالمي، وتغيرات مناخية لم يكن لهم يد في خلقها، لكنهم يدفعون ثمنها بصمت وصبر، باحثين عن حلول تمكنهم من البقاء. كل هذا لا يؤثر على سُبل عيش الفلاحين فقط، لكنه يهدد قدرة مصر على تأمين غذاء نظيف ومستدام لشعبها، خصوصًا مع تكشّف مدى هشاشة الأمن الغذائي المصري تأثرًا بالاضطرابات العالمية.

***

ريف صعيد مصر-  تصوير: مدى مصر

شبّ عامر المصري في إحدى قرى مركز جرجا بمحافظة سوهاج، استقى من والده حرفة الزراعة التي ورثها بدوره عن أبيه. تعلم أصول الفلاحة؛ مواعيد زراعة وحصاد القمح والقصب والذرة، احتياجاتهم المائية، مواعيد النوّات، وحتى طرق مكافحة الأمراض. 

لكن خلال العقد الأخير، وقفت خبرة عامر، التي اكتسبها على مدار أعوام عمره الـ40، عاجزة أمام اختلال توازن الشهور القبطية الثابتة منذ آلاف السنين، والتي عوّل عليها هو وأجداده كمؤشرات لمواعيد الزراعة والحصاد والنوّات، كما قلّت قدرته على العمل في طقس يزداد حرارة يومًا بعد يوم، مع زيادة أجرة العمالة لرفضهم العمل في حرارة الجو المرتفعة، كذلك ظهرت أمراض لم يألفها في محاصيله. 

ما يحدث من تقلبات جوية مفاجئة وتغيرات في الطقس، هو خليط بين اضطرابات المناخ التي تسبب بها الإنسان بشكل مباشر، وبين التقلبات المناخية والتي تعتبر ظواهر طبيعية، تحدث كل فترة من تاريخ الكوكب نتيجة لدوران الأرض حول نفسها وحول المجموعة الشمسية. لكن تدخلات الإنسان تزيد من حدتها ومن تطرفها، حسبما يوضح لـ«مدى مصر»، الرئيس الأسبق لمعهد الأراضي والمياه التابع لوزارة الزراعة، علاء البابلي. 

«الفلاح المصري عنده خبرة في الزراعة تفوق عمره نتيجة تراكم المعرفة من جدوده، لكن الخبرة دي تقف عاجزة قدام تغيرات المناخ»، يقول رئيس مركز معلومات تغير المناخ التابع لوزارة الزراعة، محمد فهيم، لـ«مدى مصر»

لن يصمد أمام هذه التغيرات خمسة ملايين مزارع مصري، خصوصًا الصغار منهم والذين يمتلكون وحدهم نحو نصف حيازات مصر الزراعية، دون الوصول لطريقة للتكيف، الذي يعتمد بالأساس على وجود منظومة متكاملة؛ تبدأ من توفير المعلومات، مرورًا بالبحث العلمي، وانتهاءً بالتجربة والدعم المادي والفني، وكلها عوامل شبه غائبة عن قطاع الزراعة المصري.  

ريف دلتا مصر- محافظة كفر الشيخ. تصوير: مدى مصر

***

يظهر أثر تغيرات المناخ بصورة أوضح في اضطراب التقويم الزراعي المصري الممتد منذ قرون. الصيف بات أطول وأكثر حرارة، بينما يزداد الشتاء قصرًا ودفئًا. ورغم أن مصر تساهم بنسبة ضئيلة لا تتجاوز 0.73% من انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية، ارتفعت درجات الحرارة فيها بوتيرة أسرع من أي دولة أخرى في شمال أفريقيا، بزيادة 1.4 درجة مئوية خلال الـ40 عامًا الماضية. هذا الخلل يعبث بمواعيد الزراعة والحصاد، فيما يتحمل الفلاح المصري وحده الثمن.

«جدي كان بيقول في برمهات روح الغيط وهات قمحات وعدسات وبصلات»، يتذكر عامر، «لكن كل اللي اتعلمناه عن أهالينا لما نيجي نطبقه دلوقتي مش نافع». 

لا يعلم عامر العوامل العلمية وراء المثل الشعبي الذي اعتمد عليه، كأقرانه من ملايين الفلاحين طوال قرون.. برمهات القبطي يوافق شهر مارس في السنة الميلادية، والذي يتزامن مع اكتمال نمو القمح وانتهاء دورته الزراعية بموسم حصاده في وادي النيل. لكن العام الماضي، تأخّر نمو القمح وبالتالي حصاده، حتى منتصف أو نهاية شهر إبريل، نتيجة اختلال دورة الزراعة كلها على مدار العام تأثرًا بتغير الطقس، حسبما يوضح عامر. تستهلك مصر سنويًا نحو 20 مليون طن من القمح، فيما تُنتج نحو تسعة ملايين طن، وفقًا للتقديرات الحكومية.

يتراكم أثر تغيّر المناخ على الدورات الزراعية المتتالية على مدار العام. «لو هزرع 3 زرعات في السنة بقى لازم واحدة منهم تنضّرب لأنها متأخرة أو بدري عن ميعادها، ممكن تكون الفول السوداني أو السمسم أو الكركدية أو الريحان»، يقول المصري. 

أما في الأراضي التي لا تزرع فيها المحاصيل الحولية (تُزرع كل موسم)، وتعتمد على الزراعات المعمرة، فقد تقلصت إنتاجية المحاصيل بسبب تقلب الطقس والحرارة، وفقًا لعدد من المزارعين في أنحاء مصر.

ضربت تغيرات المناخ محصول المانجو، والذي بدأت مصر، مؤخرًا، في الترويج له بمهرجان سنوي في محافظة الإسماعيلية. التقلبات الطقسية العنيفة أثرت على المانجو بشكل لافت ومتكرر، وتسببت في انكماش الإنتاجية في أكبر مناطق إنتاجها في مصر؛ الإسماعيلية والشرقية والبحيرة والنوبارية، من 2008 حتى 2021 رغم توسع المساحات المنزرعة، وفقًأ لدراسة صادرة عن مركز البحوث الزراعية، العام الماضي. 

«المانجا عايزة طقس مستقر. صيف كامل أو شتاء كامل. لكن دلوقتي تيجي موجة حر وبعد يومين الجو ينزل 10 درجات، وفيه أيام الجو بيبقى حر الصبح وتيجي موجات صقيع بالليل. الطقس المتقلب ده بيقضي على المانجو، وبالذات العويسي والسكري، اللي هيختفوا في خلال كام سنة لو الطقس فضل كده»، يقول استشارى ومُزارع المانجو، محمد علي سليمان. 

تنتج مصر 278 ألف طن مانجو سنويًا، صدرت منها 68 ألف طن من سبتمبر العام الماضي، وحتى فبراير 2024.

تصوير: منعم سامي

***

لم يتوقف الضرر عند أراضي وادي النيل فقط، بل امتد إلى الأراضي الزراعية الجديدة، مثل إحدى المناطق القاحلة التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا، والتي هاجر إليها عشرات الشباب استجابة لمشروع مبارك القومي لشباب الخريجين، الهادف لتوزيع الأراضي الصحراوية على الشباب لاستصلاحها على عدة مراحل، بدأت عام 1985، بقرار من مجلس الوزراء. 

هناك، حوّل الشباب المنطقة النائية إلى جنة خضراء تتخللها أشجار الرمان بثمارها الحمراء، بفضل استصلاح مئات الأفدنة بمياه الآبار.

لكن، ومنذ خمس سنوات، بدأت حرارة الجو في الارتفاع، فتساقطت بعض زهور الرمان قبل تحولها لثمار. أما الثمار التي نجت، فتحول لونها من اللون الأحمر القاني إلى الأبيض الباهت، وتبدد مع ذلك البهتان حلاوتها. تنتج مصر 400 ألف طن من الرمان، صدرت منها 165 ألف طن. 

«مكناش فاهمين ده بسبب المياه ولاّ نوع الرمان نفسه، ولاّ الجو اللي كل شوية يتغير، لحد ما صاحب المزرعة جاب استشاري زراعي ونصحه بوقف زراعة الرمان علشان الجو هنا مبقاش مناسب، واستبداله بالنخيل والزيتون والتين الشوكي» يقول مشرف المزرعة، سعد عبد النبي. 

اضطر مزارعو أرض شباب الخريجين بالمنيا للانصياع لنصيحة الاستشاري، خاصة مع صعوبة تحديد احتياجات الأراضي على اختلاف خصوصياتها، فاقتلعوا أشجار الرمان وزرعوا محلها الزيتون، للتكيف مع المستجدات. لكن، لا يعني ذلك أن الزيتون أكثر تكيفّا مع تغيرات المناخ بالضرورة.

أحد أراضي الاستصلاح في محافظة المنيا- تصوير: مدى مصر

***

في جنوب المنيا، بمركز قفط بمحافظة قنا، اضطر عمرو سلطان، للتخلي عن زراعة الزيتون في مزرعته المُقامة على مساحة أكثر 100 فدان. خسر سلطان أشجاره من الزيتون بعدما عجزت عن تحمل ارتفاع درجات الحرارة، خاصة مع زيادة الملوحة في المياه الجوفية، ليقرر ترك الأشجار على حالها بعدما استحالت عيدانًا يابسة، وتوسع في زراعة تمور المجدول والبارحي، الأكثر طلبًا للتصدير، في المساحة الفارغة من أرضه. 

رغم ذلك، لم يسلم سلطان من الخسائر، إذ يعاني النخيل أيضًا من تغيرات الطقس والمناخ.

يقول سلطان لـ«مدى مصر» إن إنتاجه انخفض بفعل تقلبات الطقس وتغيّر مواعيد الفصول. «في آخر يناير، الذكور بتطرح الشماريخ اللي بيستخدمها المزارعين لتلقيح النخل الإناث يدويًا. ولكن بسبب تقلب الطقس تأخر إنتاج الشماريخ بالتالي تأخر التلقيح لحد مارس. كل حاجة ليها ميعاد، ولو ميعادها اتغير يعني انها هتحصل في طقس وظروف مختلفة وده بيأثر على الإنتاجية في النهاية»، يوضح سلطان.

تأثير تقلبات الطقس لم يتوقف عند 300 ألف نخلة في قنا، بل امتد إلى ربوع مصر المختلفة، ليصل إلى أكثر من مليوني نخلة في الواحات البحرية بالجيزة، وثلاثة ملايين أخرى في الوادي الجديد وأسوان، بحسب عشرين مزارعًا تحدث معهم «مدى مصر». 

وصل تأثير تقلبات الطقس إلى أغلب المساحات المزروعة بالنخيل في مصر، دون أن يواكبه أي دعم أو توجيه حكومي للمزارعين في مواجهتها أو التكيف معها، على الرغم من احتفاء الحكومة بمشروعات زراعة النخيل وبدء إنشاء أكبر مزرعة تمور في العالم في تشوكى بأسوان، أو ما يُعرف بمشروع الـ2.5 مليون نخلة. 

وحتى حين استضافت أسوان المهرجان السنوي للتمور المصرية في دورته السادسة، عام 2022، قبل قمة المناخ المصرية COP 27 بشهر واحد، ورغم اكتظاظ جدول الأعمال ين فتح أبواب تصديرية، وتحسين سبل التصنيع، ومحاضرات حول مكافحة سوسة النخيل، وإعادة تدوير مخلفاته، بقيت مشكلة التغيرات المناخية وتأثيرها، وكيفية مقاومتها أو توفير دعم مادي وتمويلات لذلك غائبة عن طاولات الحوار.

تغير المناخ لم يأت وحده، بل جلب معه أمراضًا جديدة تفشت في محاصيل مختلفة كالأرز والقطن، مثل المن والأكاروس، واللذان انتشرا بفعل تزايد مستوى الرطوبة، والأخطر دودة الحشد الخريفية التي تصيب الأرز والذرة، والبرسيم، والقطن، والبنجر، والقصب، والتي انتشرت بشكل غير مسبوق في أراضي مصر مؤخرًا، بحسب رئيس جمعية صندلا الزراعية الأسبق بمحافظة كفر الشيخ، فؤاد حجازي. 

وفي ظل غياب الموارد الفنية والمادية، اضطر المزارعون أن يكونوا أطباء أنفسهم، لكن ذلك لا يسعفهم كل مرة. 

على السواحل، يؤدي تسرب مياه البحر لرفع نسبة رطوبة التربة، ومعها انتشرت أمراض التعفن، التي تزايدت خلال العقد الأخير، دون حلول مجدية، خاصة في أشجار الجوافة، التي تنتشر في المناطق الساحلية الشمالية، مثل البحيرة، والإسكندرية، ومرسى مطروح، ودمياط، والنوبارية، بإجمالي مساحة بلغت 39 ألف فدان.  

في بلطيم بمحافظة كفر الشيخ، أقصى شمال مصر، لاحظ المزارعون ظهور تضخمات صغيرة أشبه بالأورام في أشجار الجوافة، سرعان ما تحول لونها إلى الأسود. ثم بدأت التضخمات في قطع إمدادات المياه والغذاء عن النبات، ضعفت وذبلت الأشجار، وبعد شهور ماتت. شّخص الفلاحون الإصابة المنتشرة في أشجارهم على أنها مرض النيماتودا بسبب تشابه الأعراض، وحاولوا معالجتها بالعلاجات المعروفة دون جدوى، حسبما يقول حسن سالم، المزارع بمركز بلطيم بكفر الشيخ. 

بعد عامين كاملين، اكتشف المزارعون أن الإصابة سببها مرضًا آخر وهو التدرن التاجي، ولا يوجد علاج له حتى الآن إذا أصاب أشجار الجوافة. اضطر مزارعي بلطيم إلى «تقليع» أشجارهم واستبدالها بمحاصيل أخرى كالمحاصيل الحقلية والخضر، التي لا توفر نفس عائد الجوافة، لمواجهة مشاكل تقلب الطقس وتأخر المواسم. 

سالم وجيرانه ليسوا الوحيدين الذين وصلوا إلى تشخيص خاطئ عن إصابة أشجارهم، في ظل غياب أي مساعدات رسمية أو غير رسمية تضيء لهم الطريق.

التدرن التاجي لا علاج فعال له في أشجار الجوافة بالفعل، ولكن التنبؤ بانتشاره أو حتى تشخيصه بشكل صحيح كان يُمكن أن يقلص أضرار المزارعين اقتصاديًا؛ يجنبهم زراعة محصول الجوافة ضعيف المقاومة أمام التدرن التاجي، أو على الأقل، يشخّص المرض بشكل سليم، فيوقف استهلاك غير المجدي لمبيدات زراعية تضر بالتربة وتستنزف المزارعين ماديًا.

وبالإضافة للتأثيرات المباشرة على الزراعة، تؤثر تغيرات المناخ والحرارة العالية على المزارعين أنفسهم، لتصيبهم بضربات الشمس والإجهاد الحراري. «مواعيد الشغل اتغيرت. بعد ما كانت من الفجر للظهر، بقت للساعة تسعة الصبح. وطبًعا العمالة بتاخد فلوس قليلة لأن مكسب الفلاح قليل. علشان كده الفلاح بقى بيضطر يبوّر جزء من أرضه لأنه مش قادر يشتغل فيها لوحده ولا معاه فلوس لعمالة تساعده»، يقول سعد خليل*، المهندس الزراعي بسوهاج. 

«الناس مكنتش كده زمان. كانوا مرتاحين. دلوقتي مش فاهمين اللي بيحصل ولا عارفين يتأقلموا، ودايمًا بيسألوا ومش لاقيين مصدر معلومة،» يقول حجازي.

تبدأ الوقاية، عادة، بما يُعرف بمنظومات الإنذار المبكر، وهي نظام متكامل يراقب الظروف الجوية ليتنبأ بظواهر الطقس والمناخ المستقبلية باستخدام نماذج حاسوبية متقدمة، ما يسمح بتوقع الكوارث الطقسية والمناخية لتستعد الحكومات لمواجهتها. لكن، هذه المواجهة تحتاج إلى نشر المعلومات والنصائح للمواطنين والمزارعين للاستعداد بدورهم لمواجهتها وبالتالي تقليل الأضرار قدر الإمكان. 

***

وفقًا للجنة العالمية للتكيف التابعة للأمم المتحدة، فإن إنفاق 800 مليون دولار على أنظمة الإنذار المبكر في البلدان النامية قد يجنبها خسائر ما بين ثلاثة و16مليار دولار سنويًا. وكان أمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، قد أعلن خلال قمة المناخ بشرم الشيخ، عام 2022، عن خطة العمل التنفيذية لمبادرة الإنذارات المبكرة. تسعى الخطة إلى استثمارات بين عامي 2023 و2027، بقيمة 3.1 مليار دولار، فيما تقف تكلفة الأنظمة المرتفعة حائلًا بينها وبين الدول النامية. 

يدرك رئيس مركز معلومات تغيرات المناخ بوزارة الزراعة، محمد فهيم، قيمة المعلومة وأثرها، يوميًا ورغم جدوله المزدحم، يحرص على نشر تحذيرات وتوجيهات حول الأحوال الجوية، والأمراض التي تهدد المحاصيل، مستعينًا بوحدة الإنذار المبكر الموجودة بالمركز منذ 2020.

هذه الوحدة تجمع بيانات الطقس من خلال 37 محطة أرصاد موزعة في أنحاء مصر؛ 30 تتبع معمل المناخ الزراعي، وسبع محطات تابعة لمركز معلومات تغير المناخ. لكن عدد المحطات لا يزال غير كافيًا لمساحة مصر الشاسعة، ما يصّعب من الوصول لمعلومات استباقية دقيقة، حسبما قال باحثون لـ«مدى مصر».

«محطة الأرصاد بتقيس درجة الحرارة والرطوبة وأشعة الشمس والمطر وسرعة الرياح واتجاهها. دي الأداة اللي بتوفرلي البيانات، علشان الكمبيوتر الرئيسي بوحدة الإنذار يحسب الحسابات الخاصة بالنبات والزراعة ويحدد إيه انسب وقت لزراعة نبات معين، أو إن المزراع محتاج يخلي باله علشان فيه أمراض معينة هتزيد بسبب الأمطار أو الرطوبة أو الحرارة»، يوضح فهيم لـ«مدى مصر». 

الخطوة الثانية والأهم بعد استنتاج الكمبيوتر لجميع السيناريوهات، أن يكون هناك مسار لتداول هذه المعلومات إلى الجهات المعنية ليستعد كل حسب مكانه، وفقًا لاستاذ تغيرات المناخ بالمركز، فضل عدم ذكر اسمه.

«الوزارات تبدأ تبني خططها بناء على المعلومات دي. المنطقة دي هيكون فيها سيول فنبني مخر سيل، أو نجدده، أو ناخد بالنا فمنشيلوش علشان نوسّع طريق. الحرارة في مصر هتزيد فنزرع شجر. أو فيه موجة حر أو سيول في وقت معين فوزارة التعليم تعطل الدراسة. المواطنين يعرفوا يسافروا ولا لأ لو فيه شبورة» يوضح أستاذ تغيرات المناخ. 

أما الفلاحين، فهم الجمهور الأكثر نهمًا لهذه المعلومات. «الفلاح لازم يعرف إنه فيه موجة صقيع جاية، فيحمي الزرع بأنه يروي أو يسمد أكتر. أو موجة حرارة، فيأخر أو يبّدر الزراعة. أو يفهم الأمراض المنتشرة عنده ويشوف هيواجهها إزاي، ولو مش هيقدر يواجهها، يبقى يفكر هيغير لمحصول تاني إزاي، في دول برة بتبعت رسايل للفلاحين على التليفونات بالمعلومات دي». 

لكن عمل وحدة الإنذار المبكر في الواقع غير مكتمل، إذ لا توجد منظومة رسمية واضحة لتمرير سيناريوهات وتحذيرات الطقس إلى المزارعين إلا من خلال صفحة أنشأها فهيم عبر فيسبوك، ويتابعها ما يقرب من 130 ألف شخص، تنشر معلومات ونصائح حول تقلبات الطقس وطرق مواجهته وأهم الإجراءات الزراعية في المواسم المختلفة.

مثل فهيم، يكرس مئات الزراعيين والاستشاريين دور توعوي مجاني، عبر مجموعات فيس بوك وواتساب أو قنوات يوتيوب، ينشرون فيها معلومات تهم المزارعين حول تقلبات الطقس المفاجأة وكيفية مواجهتها، فضلًا عن الرد على أسئلة المزارعين. 

تحاول هذه القنوات سد فجوة الدعم الحكومي، الذي كانت ميزته الأساسية مساعدة المزارعين في البحث عن حلول مصممة خصيصًا لهم، إذ لا توجد خريطة واحدة للتركيب المحصولي يمكن اتباعها لضمان التكيف مع التغيرات المناخية، وحتى في حالة وجود خريطة فيجب تحديثها باستمرار بناء على الظروف المتغيرة بسرعة.

وبينما اختفى دور المرشدين الزراعيين في ظل إيقاف التعيينات منذ 34 عامًا، ومع تقلص عددهم وضعف مرتباتهم، أصبح الإرشاد الزراعي غير قادر على متابعة كل الأراضي الزراعية. فيما يتوجه معظم خريجي كليات الزراعة والمرشدين الزراعيين إلى التعاقدات الخاصة مع الفلاحين للإشراف على أراضيهم بمقابل مادي، وهو ما لا يقدر عليه معظم الفلاحين. 

«كل قنوات يوتيوب اللي فيها استشاريين بيكون عليها مئات الأسئلة في التعليقات من المزارعين، حتى لو الاستشاري مش مصري والظروف اللي بيتكلم فيها مختلفة تمامًا. لكن علشان المزارع يائس ومش لاقي سبيل تاني يجيب منه المعلومة فبيدور في أي حتة،» يقول خليل*، مهندس زراعي بمحافظة سوهاج.

الحاج كارم، مزارع بمحافظة أسيوط، ورث الأرض عن جده الذي بدأ زراعتها منذ نحو 60 عامًا. لكن مع تغيرات الطقس السريعة تعرض كارم لخسائر متكررة في محصول القمح والذرة، ونصحه حفيده بالانضمام إلى «مجموعة واتساب»، يسأل عبرها المزارعون أسئلتهم ويجيبهم استشاريين زراعيين بلا مقابل، وأيضًا يرسلون تحذيرات مسبقة حول تقلبات الطقس. 

«أنا معايا تليفون قديم، بس حفيدي دخل عليه وبقى يقولي أعمل ايه والوضع اتحسن» يقول كارم لـ«مدى مصر». 

لكن حتى هذه المساعدة الضعيفة مهدد بالتوقف، بعدما أصدرت الحكومة قانونًا مطلع العام الماضي، لإعادة تنظيم الهيئة العامة للأرصاد الجوية. 

حظر القانون تداول معلومات الطقس، أو شراء أي أجهزة لقراءته دون ترخيص مسبق تكلفته عشرة آلاف جنيه. استثنى القرار وزارتي الداخلية والدفاع، والجامعات إذا كان النشاط لهدف بحثي. ونص القانون على عقوبة تصل لخمسة ملايين جنيه لأي شخص يقدم خدمات هيئة الأرصاد أو ينشر معلومات غير صحيحة خاصة بالأرصاد الجوية وحالة الطقس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو بأى وسيلة من وسائل النشر. 

القانون الجديد له جانب إيجابي، إذ سيوقف تداول معلومات غير دقيقة أو غير صالحة لكل منطقة بإختلاف ظروفها، قد تضر المزارعين أكثر من إفادتهم، وفقًا للاستشاري الزراعي محمد علي سليمان، لكن في الوقت نفسه يغلق القانون بابًا دون إيجاد بديل له.

«علشان ننفذ القانون ده محتاج يكون عندنا منظومة حكومية متكاملة بتوصل رسايل للمزارعين على هواتفهم بناء على المنطقة بتاعتهم وظروفها الطقسية. غير كده يبقى انا بعطّلهم مش بساعدهم»، يقول محمد الجوهري، مزارع بالدقهلية لـ«مدى مصر».

في ظل ضبابية المعلومات، يبقى تجريب طرق مختلفة للتكيف مع التغيير هو مسار بعض المزارعين، ولو أنه طريق وعر لا يسلكه الكثيرون. 

«المُزارع مبيحبش يخاطر لأنه دايمًا مديون، هو بيدفع إيجار الأرض، وزارع  بسماد وكيماوي بالسلف. لو الزراعة باظت يتسجن. علشان كده المزارعين بيتخوفوا من الحاجات الجديدة حتى لو القديمة مش شغالة وكلها مشاكل. بيقولوا اللي نعرفه أحسن من اللي منعرفوش»، يقول فؤاد. 

***

ولكن من بين كل ألف مزارع يخشى المخاطرة، هناك ناصر سلطان، الذي يعتبره أهل قريته «فأر التجارب». رغم صغر مساحة أرضه الزراعية البالغة نحو خمسة أفدنة في قرية الآمال بمشروع وادي النقرة، أحد مشاريع قرى الخريجين، يعمل سلطان على استكشاف طرق زراعية أكثر استدامة، محاصيل مختلفة تتحمل الجفاف وتوفر مياه، طرق ري أكثر كفاءة، آلات حديثة للزراعة والحصاد، سماد أكثر أمانًا على البيئة والنبات والصحة، كتأسيس مزرعة سمكية صغيرة يستخدم صرفها كمياه مليئة بالسماد العضوي لري الفدادين الخمسة التي يملكها.

بدأ سلطان رحلته وحيدًا وتحمل في سبيل ذلك خسائر مادية متكررة، حتى تواصل مع منظمة الزراعة والأغذية العالمية (فاو)، للتقدم للعمل كمنسق في مشروع «المدارس الحقلية».

ناصر سلطان- وادي النقرة محافظة أسوان. تصوير:مدى مصر

يختلف مشروع المدارس الحقلية عن أي مشروع إرشادي تقليدي، إذ تدعم «فاو» المزارعين ماديًا وفنيًا لاكتشاف مشاكلهم وحلولها بشكل ذاتي من خلال تجربة فعلية، تمتد لدورة إنتاجية كاملة، بناء على منهج يعتمد على الاستكشاف والتعلم وتبادل الخبرات فيما بينهم، ولا يتم الدفع بخبير إلا في حالة عدم وجود أي حلول من داخل المجموعة. 

 نجح سلطان في الظفر بوظيفة المنسق بمدرسة حقلية عُقدت في منطقته، وادي النقرة بجنوب مصر، كجزء من مشروع أكبر مماثل في خمس مناطق بأربع محافظات؛ كفر الشيخ، وبني سويف، والمنيا، وإدفو وأبو سمبل بأسوان، بإجمالي 172 مدرسة.

مهمة المنسق تبدأ بجمع نحو 20 مزارعًا من منطقته، يتشاركون في هدف واحد، أو مواجهة تحد واحد. 

«لو فيه مشكلة في الذرة، فكل واحد فيهم عنده خبرة خمس سنين في زراعتها. دا معناه إن المجموعة دي تملك خبرة 20 سنة في الذرة،» يقول سلطان لـ«مدى مصر».

بهذه الخبرة الطويلة، يبدأ عمل المدرسة، بتجربة محصول أو علاجات جديدة أو طريقة زراعة جديدة، ويتعاونون في تنفيذه. يتبرع أحد المشاركين بجزء من أرضه لتجربة الزراعة، أو يستأجرون قطعة أرض. 

تقسم المساحة إلى جزئين أو أكثر؛ الأول يزرع بالطريقة التقليدية، والثاني يجربون فيه الحلول أو الطرق المقترحة.

 يضع المزارعون خطة منذ الزراعة وحتى الحصاد. يبدأون بدراسة وضع التربة والمياه وقياس درجات الحرارة والرطوبة ونوع الأمراض المنتشرة، والتي يتأكد من دقتها المشرفون على المشروع بتحليل البيانات في المعامل المختصة. وبعد انتهاء الموسم الزراعي، تخرج المجموعات بتوصيات بناء على التجربة، والتي تسّلم في النهاية إلى وزارة الزراعة، حسبما يوضح مدير المشروع عماد اسماعيل لـ«مدى مصر». 

خلال النقاشات التحضيرية للزراعة، يقترح المشاركون تجاربهم الشخصية أو تجارب أخرى يتوسمون فيها النجاح، كتجربة مزارع من قرية السيد البدوي بمركز مطوبس.

 «واحد من المزارعين لاحظ إن المرات اللي بيزرع صفين توم لأكل بيته جنب الطماطم، إصابات العفن بتبقى أقل»، يقول إسماعيل. بناءً على هذه الملاحظة والتجربة، أقيمت مدرسة حقلية بقرية السيد البدوي بمحافظة كفر الشيخ. زُرعت الطماطم إلى جانب الثوم بنظام الري بالتنقيط، مع الحفاظ على استخدام الغمر مرتين في الموسم الزراعي لخفض ملوحة التربة. نجحت التجربة في رفع الإنتاجية من 12 طنًا للفدان في المنطقة، إلى 18 طنًا وخفضت الإصابات بالأعفان، وفقًا لاسماعيل. 

تساهم المدارس الحقلية والدعم المادي الذي تقدمه في تشجيع الفلاحين على التجارب الجديدة. فمنذ سنوات طويلة، دأبت الحكومة على حث المزارعين على زراعة القمح بالمصاطب، دون استجابة واسعة، رغم انخفاض تكلفة تجهيزاته، بسبب عزوف الفلاحين عن المخاطرة. 

طريقة الزراعة على المصاطب، تبدأ بتسوية التربة بحيث تكون على شكل خطوط طولية مرتفعة عن سطح الأرض، عرض الواحدة نحو 120 سم. تنثر البذور بطول الخطوط بإستخدام آلة «بلنتر زراعي» توزعها بشكل منظم وبكميات محددة سلفًا، وبعدها يتم الري. 

تحمي المصاطب عيدان القمح من تراكم المياه الزائدة حولها، وتسمح لأشعة الشمس بالنفاذ إلى كل المحصول، فتقلل الرطوبة وإصابات الأعفان الناتجة عنها، وتحسن وضع التربة والإنتاجية. وعلى جانب آخر، توزيع البذور بواسطة «البلنتر»، الذي لا يتجاوز سعره 2000 جنيه، يوفر هدر مئات الكيلوات من تقاوي القمح، يوضح سلطان.

وفقًا لسلطان، فقد نجحت أراض زراعية في قرية الآمال بمنطقة وادي النقرة، في إنتاج 22 أردب قمح للفدان، متجاوزة متوسط إنتاجية أراضيهم البالغة 15 أردبًا. واستخدموا في ذلك تقاوي أقل بأكثر من 46%، إذ استخدموا 24 كيلو طن تقاوي، مقارنة ب 45 كيلو في ظروف الزراعة العادية.  

***

ذاع صيت نجاح قرية الآمال، ما ساهم في نثر بذور طريقة المصاطب في القرى المحيطة لهم، حسبما يقول مزارعون بوادي النقرة لـ«مدى مصر». 

في النهاية، يؤكد خليل*، مهندس زراعي، أن «تغيير النظم الزراعية والتأقلم السريع مع كل التغيرات في الطقس محتاج فلوس، هتساعدك تعيّن استشاري زراعي، وأيادي عاملة تنفذ الإرشادات، توفر برامج تسميد قوية ومضمونة، وتتحمل الخساير اللي كده كده لازم تحصل مهما عملنا. لو معندكش كل ده هتبقى زي اللي واقفين يواجهوا العاصفة بالطوبة».

تغيير التركيب المحصولي والتحول إلى محاصيل أكثر ملائمة للطقس والظروف البيئية هو الحل الأسرع للمزارعين الأكثر ثراءً، والقادرين على تحمل تكلفة خسارة موسم، والاستثمار في زراعة محصول جديد في الموسم التالي، وتعويض الخسائر بزراعة محاصيل تصديرية ذات عائد مرتفع. 

أما الحل الآخر، فهو الاستثمار في صوب زراعية تحمي محاصيلهم، لكن قد تصل تكلفتها إلى نحو 2.5 مليون جنيه للصوبة الواحدة، وتحتاج إلى مساحة لا تقل عن فدانين ونصف لإقامتها. 

أما صغار المزارعين الذين لا تتجاوز حيازاتهم فدانًا واحدًا، والذين يستحوذون أكثر من 48% من إجمالي حيازات الأراضي، فلا يملكون هذه الرفاهية، فإما يستخدمون الصوب البلاستيكية البدائية التي لا تتحمل عاصفة ترابية واحدة، أو يتركون زراعتهم مكشوفة ما يجعلها أكثر تاثرًا بتقلبات الطقس.

هؤلاء الفلاحون يعتمدون على إنتاجهم من المحاصيل الأساسية، مثل القمح والأرز والذرة والفول كغذاء أساسي، وبيع الكمية المتبقية، التي توفر بدورها حوالي 47% من محاصيل الطعام الأساسية للمصريين.

 لذلك، فإن تعرضهم لخسائر مادية متكررة قد يدفعهم في النهاية إلى الاستغناء عن أرضهم الزراعية في ظل غياب الدعم والتمويل المناخي. 

أراضي تم تبويرها بصعيد مصر- تصوير: مدى مصر

محمد عيسى* أحد المزارعين غير القادرين على التكيف، قرر تبوير أرضه التي بدأ استصلاحها قبل عقد مضى، في المنيا، بعدما تكبد خسائر على مدار عدة مواسم زرع فيها محاصيل مختلفة من الفاكهة والنخيل. خسارته المادية وتبوّير أرضه الذي أنفق فيها «تحويشة العمر» دفعته لمحاولة الهجرة بشكل غير رسمي إلى إيطاليا، لكن تم إلقاء القبض عليه وزملائه على الحدود الليبية، وعاد إلى مصر مرة أخرى ليعمل كعامل زراعي في مزرعة بمحافظة قنا.

قدّر الصندوق الدولي للتنمية الزراعية حصول صغار المزارعين في العالم على 1.7% من تمويلات المناخ، رغم أنهم الأقل إنتاجًا للانبعاثات، ورغم أن الزراعة تساهم في خفض درجة حرارة الكوكب عبر امتصاص الكربون من الجو وتخزينه بالتربة، ورغم أن المزارعين هم الأكثر تضررًا، والأضعف قدرة على التكيف. وفي مصر، أطلقت الحكومة استراتيجية وطنية للتصدي لتغير المناخ لعام 2050 ، ستنفق فيها 113 مليار دولار لبرامج التكيف، يستحوذ قطاع الزراعة فيها على 52 مليار دولار، فيما تم تخصيص نحو 60 مليار دولار لقطاع المياه. لكن، بحسب الاستراتيجية، لا تمتلك مصر سوى النذر اليسير من تلك التكلفة، إذ تصل الفجوة التمويلية إلى حوالي 94.7 مليار دولار.

*أسماء مستعارة

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن