تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أراضينا المُنهكة.. تُربة مسممة ومحاصيل هزيلة

أراضينا المُنهكة.. تُربة مسممة ومحاصيل هزيلة

كتابة: ندى عرفات 15 دقيقة قراءة

هذا التقرير ضمن ملف يروي رحلة عبر «غيطان» مصر، من شمالها حيث يلتقي النيل بالبحر، وحتى أقصى جنوبها الذي أضحت شمسه أكثر حدة، لنرى كيف يئن خمسة ملايين فلاح مصري تحت وطأة سياسات اقتصادية لا تأبه بهم، في ظل احتياجات محلية متزايدة وإملاءات الاندماج في الاقتصاد العالمي، وتغيرات مناخية لم يكن لهم يد في خلقها، لكنهم يدفعون ثمنها بصمت وصبر، باحثين عن حلول تمكنهم من البقاء. كل هذا لا يؤثر على سُبل عيش الفلاحين فقط، لكنه يهدد قدرة مصر على تأمين غذاء نظيف ومستدام لشعبها، خصوصًا مع تكشّف مدى هشاشة الأمن الغذائي المصري تأثرًا بالاضطرابات العالمية.

في قلب دلتا النيل، الأرض التي كانت تُعرف بخصوبتها وكرمها، تعاني اليوم آلاف الأفدنة بصمت. هذه المنطقة، التي أطعمت المصريين بخيراتها لقرون، باتت تربتها منهكة تتراجع كفاءتها وإنتاجيتها، يومًا بعد يوم، نتيجة سياسات زراعية خاطئة وممارسات بشرية غير مدروسة، تحاول جاهدة التكيف مع تغيرات المناخ والطقس، لكنها تزيد وضع الأرض سوءًا. 

***

نُسجت أزمة خصوبة التربة في مصر على مهل عبر عقود، منذ توقف تدفق طمي النيل بسبب بناء السد العالي في الستينيات. كان هذا الطمي يُعيد الحياة للتربة، ويسرّع من عملية تجديدها التي تستغرق عادة آلاف السنين لإعادة إنتاج سنتيمترات فقط من التربة السطحية. ولكن، مع توقف تدفقه، بدأت التربة تفقد قدرتها على التجدد، ولجأ الفلاحون إلى المبيدات والأسمدة في محاولة لإعادة الخصوبة المفقودة. هذه المواد الكيميائية، التي دخلت السوق المصري بكثافة في فترة الانفتاح الاقتصادي، لم تحل المشكلة، بل زادت تفاقمها. 

تزايُد عدد السكان وارتفاع الطلب على الغذاء، أدى إلى ضغوط كبيرة على الأراضي الزراعية. لكن هذه الأراضي، التي تفتت بفعل قوانين الملكية الزراعية، منذ الستينيات، لم تعد قادرة على العطاء كما كانت، وزاد احتياجها للمبيدات والأسمدة، خصوصًا مع غياب تنظيم وتنسيق زراعة هذه الحيازات بشكل مُتسق لا يُرهقها ويضمن إنتاجيتها. تدريجيًا، ركّز الفلاحون على زراعة محصول أو اثنين أكثر كفاءة من غيرهما: الأقل تكلفة والأعلى إنتاجية والأكثر صمودًا والأقل إصابة بالأمراض، لضمان توفير الربح كل عام. لكن «الزراعة الأحادية» وعدم تطبيق دورة زراعية لعقود استنزف خصوبة التربة بالكامل. فاقم الوضع أيضًا تراجع منظومة الصرف بالأراضي، الذي يسبب تراكم المياه المُحمّلة بالمخلفات الزراعية في الأراضي، رافعة معها مستويات الأملاح.

مؤخرًا، تعقدت مشكلات التربة مع ازدياد حدة التغيرات المناخية التي ترفع مستوى سطح البحر تدريجيًا، فتتسرب المياه المالحة إلى الأراضي، ثم ترتفع إلى سطح التربة، لتتبخر المياه مخلفة طبقة من الملح، ضمن ما يعرف بظاهرة «تملح التربة». خلال السنوات الأخيرة، ظهرت آثار التملح بوضوح في دلتا النيل، التي يتركز فيها 50% من المساحات الزراعية، وبشكل خاص في الأراضي الأقرب للسواحل، ليلتهم الملح نحو 40% من أراضي الدلتا حتى الآن، وفقًا لدراسات حديثة.  

caption

في ظل هذه الظروف، أصبحت المزروعات أضعف، وغير قادرة على مقاومة الأمراض الجديدة التي ظهرت نتيجة ارتفاع درجات الحرارة ومستويات الرطوبة، مثل دودة الحشد. الأرض التي كانت تقدم غذاءً غنيًا للنبات، أصبحت عاجزة عن توفير احتياجاته الأساسية، ما عرّض المحاصيل لمخاطر متزايدة، وجعل المزارعين في سباق دائم مع الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

***

دودة الحشد في محصول الذرة

مطلع العام الماضي، استخدم سيد عبد الحليم مبيدًا من مركب الكبريت لوقاية فداني البطاطس، اللذين يملكهما بمحافظة كفر الشيخ، من الأمراض الفطرية التي تزايدت مؤخرًا. عبوة واحدة اشتراها عبد الحليم بـ30 جنيهًا كلفته خسائر بآلاف الجنيهات، بعدما احترقت شتلات البطاطس بسبب المبيد، الذي اكتشف لاحقًا أنه كان مغشوشًا.

الخسائر لم تطل عبد الحليم وحده. شكا العديد من المزارعين بمحافظات مختلفة من تلف محاصيلهم المختلفة، وخصوصًا البطاطس الذي تُصدّر مصر منها ما يقارب مليون طن، من أصل خمسة ملايين طن تنتجها، في ظل انتشار أسمدة ومبيدات مغشوشة أغرقت الأسواق والأراضي، خلال العامين الماضي والجاري، وذلك مع نقص مثيلاتها المستوردة إثر أزمة نقص الدولار، التي أعقبها أزمة غاز أثرت على إنتاجية مصانع الأسمدة، فتسببت في نقص الأسمدة في الجمعيات الزراعية والسوق، وارتفاع أسعارها لمعدلات تاريخية، حسبما يقول عدد من المزارعين لـ«مدى مصر». 

نقص الأسمدة وغشها قد يكون له خطورة على صحة التربة وخصوبتها وإنتاجيتها، أما المبيدات فضررها يمتد لصحة البشر. 

أستخدمت مصر المبيدات الكيماوية للمرة الأولى عام 1950، بعدما بدأت الحكومة استيرادها وصناعتها لحماية محصول القطن. ظلت الحكومة مسؤولة بشكل كامل عن توزيع المبيدات حتى عام 1989، حين سمحت للشركات الزراعية بالاستيراد والتصنيع وبيع المبيدات مباشرة إلى المزارعين، لتتحول الحكومة إلى مُراقب ومنظم لسوق المبيدات فقط. 

تنظم الحكومة هذا السوق من خلال قوانين تُقيّد إتاحة المبيدات في مصر، إذ تُلزم المستوردين والمنتجين بعملية طويلة تستغرق أكثر من عامين من التجارب الزراعية والاختبارات المعملية، تتحقق خلالها «لجنة مبيدات الآفات الزراعية» التابعة لوزارة الزراعة من صلاحية المبيد وتأثيره على التربة والصحة العامة. وبناء على ذلك، تُحدد اللجنة قائمة بالمبيدات المسموح والمحظور تداولها، وتنشرها في كتاب سنوي.

في الوقت نفسه، يوجد باب جانبي أقصر وأقل تكلفة للتسجيل، وهو تسجيل المبيدات عبر هيئة الدواء المصرية التابعة لمجلس الوزراء، باعتبارها مبيدات حشرية، وهو ما يلجأ له معظم مستوردي ومصنعي المبيدات في مصر، حسبما يقول أستاذ بقسم الأراضي  بمركز البحوث الزراعية لـ«مدى مصر»، طلب عدم ذكر اسمه.  

لصناعة مبيد زراعي تأثيره قوي، وفي نفس الوقت، ضرره منخفض على البيئة والصحة، تحتاج الشركات العالمية إلى سنوات طويلة وميزانية طائلة في مجال البحث والتطوير، ما ينعكس بشكل مباشر على أسعارها، وفقًا للمصادر. يحد ذلك من قدرة دول بأكملها، مثل مصر، على تصنيع المبيدات محليًا، على الأقل بشكل رسمي. لذلك يحتاج المزارعون إلى استخدام مبيدات مستوردة، عبر وكلاء شركات عالمية أو مستوردين، أو مبيدات مُعاد تعبئتها أو تصنيعها في مصر بعد استيراد مكوناتها. وفي كل الأحوال، كانت أسعار المبيدات مرتفعة بالنسبة لمعظم المزارعين المصريين، قبل أن تصبح عبئًا حقيقيًا على مدار العامين الماضيين، بعدما انخفض سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، حسبما يقول أستاذ سمية المبيدات بكلية زراعة، جامعة دمنهور، محمد مبروك لـ«مدى مصر».

نشّط هذا الوضع سوق المبيدات المغشوشة التي تأتي في أشكال مختلفة ومتنوعة. ولذلك، فإن سوق المبيدات المغشوشة في مصر أكبر من السوق الشرعي، بحسب مصادر مختلفة بقطاع الزراعة والمبيدات. 

***

قبل سنوات، كان الشكل الأكثر رواجًا هو تهريب المواد المطلوبة لتصنيع مبيدات يُحظر تداولها في مصر ومعظم دول العالم، منها مواد مصنفة كمادة مسرطنة بشرية محتملة مثل مبيد «التيمك»، حسبما قال رئيس لجنة مبيدات الآفات الزراعية محمد عبد المجيد في تصريحات صحفية سابقة. 

تمكنت مصر من السيطرة، نسبيًا، على عمليات تهريب المبيدات المحظورة، بعدما بدأت في تطبيق منظومة التسجيل المسبق للشحنات «ACI»، عام 2021، والتي شدّدت الرقابة على الواردات من خلال الإفصاح عن مكونات الشحنة، وفحصها قبل وبعد الوصول، حسبما يؤكد مبروك لـ«مدى مصر». 

«دلوقتي الحاجات المحظورة متطلعش إلّا لو التاجر عارفك كويس، ولو واثق فيّا واتعامل معايا كذا مرة. لو طلبت منه حاجة محظورة، بيقولي إنها متاحة بس في المخزن مش المحل. وبيوفّرها لي تاني يوم» يقول مزارع اشترط عدم ذكر اسمه، مبررًا احتياجه إلى المبيدات المحظورة، بأنها الوحيدة القادرة على القضاء على بعض الأمراض التي تزايدت مع تغير الطقس والمناخ.

محاولات غلق منافذ التهريب، وأزمة الاستيراد، فتحا الباب على مصراعيه للتوسع في الغش المحلي بأشكال متعددة، لتعويض نقص السوق، حسبما يقول أستاذ كيمياء وسمية المبيدات بكلية زراعة، جامعة سوهاج، أحمد سلام، لـ«مدى مصر».

هذا الغش له أشكال مختلفة، حسبما أوضحت المصادر، قد يكون عبر إنتاج مُبيدات مٌقلدة تحت اسم منتجات عالمية مستوردة، مستخدمين نفس شكل العبوة، أو العبوة نفسها أحيانًا، يقومون ببيعها بسعر أرخص أو حتى بنفس سعر الأصلية. «في ناس بتلف على المزارعين تجمّع منهم فارغ علب المبيدات وبياخدوها يبيعوها للمصانع اللي بتعيد تعبئتها بمواد مغشوشة»، يقول سلام.  

المهندس الزراعي، ومالك محل مبيدات، طه عرفة، يوضح لـ«مدى مصر» أن مندوبي شركات استيراد وتصنيع المبيدات والمهندسين الزراعيين يعرضون عليه أحيانًا هذه المبيدات المغشوشة.

«الفلاح بيقول نص العمى ولا العمى كله. بدل ما يمنع  المبيدات خالص والآفة تقضي على المحصول كله، بيتخيل أنه لو جاب مبيد بنص كفاءة هيحارب الآفة بس أضعف، وده مش حقيقي إطلاقًا وخطير جدًا»، يقول عرفة، مضيفًا: «هما بيقنعوه في المحلات إنها شركات محلية وعلشان كده أرخص، لكن في الواقع هي مغشوشة، ومستحيل مبيد أصلي يبقى بالسعر ده حتى لو تم تصنيعه بكامل مكوناته في مصر».

المبيدات مثل الطبخة المتقنة. كل مقاديرها يجب خلطها بدقة، إذا كانت المادة الفعالة في المركب 10%، فيجب أن تكون النسبة المتبقية من المركبات ملائمة تمامًا لهذه الطبخة. وفي المبيدات، يجب أن نصنّع المبيد بعناية وحذر لضمان تفتت كل عناصر المبيد في التربة أو على المزروعات خلال فترة قصيرة من انتهاء الغرض منه، حسبما يوضح محمود سعيد، المدير التنفيذي لشركة توزيع مبيدات وأسمدة.

«متخيلين لو حد بيعمل خلطة بالتعقيد ده في مخزن تحت بير السلم ممكن تبقى عاملة إزاي؟ الضرر مستحيل يكون مجرد غش تجاري، الضرر هيكون قاتل لكل الأطراف على المدى البعيد»، يقول سعيد. 

يؤكد على ذلك مبروك، موضحًا أن المواد الأخرى التي تدخل في تصنيع المبيد والتي تشكل 90% منه هي مواد حاملة وناشرة، وهي مسؤولة على دعم المبيد في أداء وظيفته، تساعده على اختراق النبات والثبات وعدم التكسر بعد التعرض لأشعة الشمس، وهكذا. 

لذلك، يختلف سعر المبيدات المغشوشة وفقًا للمواد المصنوع منها. في حالة التاجر ذي الضمير الحي، تُخفف المادة الفعالة وتُضاف مواد بلا فائدة أو ضرر للنبات. في الحالات الأسوأ، تُضاف مواد خطيرة رخيصة مثل الجير أو كربونات الكالسيوم «بودرة البلاط»، أو البنزين في حالة المبيدات السائلة. 

***

بإمكان المُزارع دومًا جعل الوضع أسوأ بعدم التزامه بفترات أمان المبيد المدونة على كل عبوة، وهي الفترة الآمنة ما بين رش المبيد وحتى استهلاك المحصول، والمدة اللازمة لتكسّر المادة الفعالة للمبيد وزوال سُميتها، حسبما توضح منى عبد الرسول، أستاذ سمية المبيدات بكلية الزراعة جامعة الإسكندرية، لـ«مدى مصر».

قد تمتد فترة الأمان لأشهر وقد تكون أيام. لكن يؤكد جميع المصادر أن معظم المزارعين، سواء عن جهل أو إهمال، يحصدون محاصيلهم قبل انتهاء فترة أمان المبيد، لتُطرح في الأسواق قبل تحلل متبقيات المبيدات بها، وهو ما يسبب خطر داهم على الصحة العامة، حسبما تقول عبد الرسول لـ«مدى مصر».

«المبيدات أدوية والفرق بين الدواء والسم هو الجرعة»، تقول عبد الرسول.

الاستخدام الخاطئ والمفرط للمبيدات، بالإضافة إلى تقلبات الطقس وتغيرات المناخ، تسبب في خلق صفة المقاومة لبعض الآفات التي لم تكن منتشرة في مصر بهذا الشكل، وهو ما يفسره أستاذ الكيمياء وسمية المبيدات المتفرغ بجامعة المنصورة، محمد القاضي، بأن سوء استخدام المبيدات سمح للآفات الأكثر قدرة على المقاومة في التكاثر والتزايد. 

«المبيدات زي الأدوية محتاجة رقابة، واستخدامها بيكون بمعدلات معينة، ولازم تُصرف بإشراف حد متخصص. الاستخدام الخاطئ للأدوية خلانا نخلق بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية، ودلوقتي نفس الشيء بيتكرر في المبيدات»، يقول سلام، أستاذ كيمياء وسمية المبيدات. 

الآفة الأبرز والأوسع انتشارًا والأكثر فتكًا في أراضي مصر حاليًا هي «دودة الحشد»، والتي كانت تقضي على المحاصيل الصيفية، قبل أن تطول مدة بقائها في الأراضي لتصبح موجودة معظم فصول العام. 

الانتشار الجديد لـ«دودة الحشد» دمّر العديد من المحاصيل الصيفية كالذرة وفول الصويا، الموسم الماضي، خاصة وأن المبيدات المقاومة لها غير متاحة في الأسواق حاليًا بسبب أزمة الاستيراد، حسبما يقول المزارع بالدقهلية، محمد الجوهري، لـ«مدى مصر». 

وفي غياب دور الحكومة، فإن ظهور آفات مقاومة للمبيد يجعل المزارع يدور في دوائر مغلقة، لأن انتشار الإصابة سيعقبه استخدام مُفرط للمبيد، هذا الإفراط يخلق صفة مقاومة أكبر في المرض، ويدّمر التربة والمحصول كما يتسلل إلى المياه الجوفية فيزيد من ملوحتها وتلوثها. 

مزارع يرش المبيدات في إحدى قرى الدلتا

للحول دون مرض النباتات من الأصل، يطرح الخبراء الزراعيين دائمًا حل تغذية النباتات لجعلها أقل احتياجًا للمبيدات، كما أنها من أكثر الطرق فعالية في مقاومة ارتفاع درجات الحرارة وتغيرات الطقس والمناخ، حسبما يقول مهندسون زراعيون لـ«مدى مصر». 

«الزرعة زي البني آدم لو اتغذت كويس هتكون أقوى ومقاومتها للأمراض أعلى. علشان كده طول ما فيه برنامج تغذية كويس الزرعة احتياجها للمبيدات هيقل»، يقول عرفة. 

برامج التغذية هي ما نعرفه بالتسميد. وعلى عكس المبيدات لا تزال الحكومة مسؤولة عن توريد الأسمدة المُدعّمة إلى المزارعين وهو ما يضمن سلامتها، ويرتبط ذلك بالدور الوثيق بين الأسمدة وإنتاجية الأرض، وتوطين صناعة الأسمدة في مصر.

ورغم ذلك، تعاني منظومة الأسمدة من مشاكل تظهر في صورة أزمات متكررة بعدم توافرها في الجمعيات الزراعية، ما يضطر معظم المزارعين إلى شراء أسمدة إضافية من خارج منظومة الحكومة، خاصة وأن ما توفره وزارة الزراعة ليس كافيًا أبدًا لكل احتياجات الأراضي، حسبما قال أكثر من عشرين مزارع لـ«مدى مصر». 

تُنتج مصر سنويًا نحو 19 مليون طن من الأسمدة. الجزء الأكبر من الإنتاج (57%) تصدره المصانع للخارج، بينما يذهب 43% من الإنتاج للسوق المحلي. تورد الحكومة الأسمدة المدعمة للمزارعين عبر الجمعيات الزراعية بناء على اتفاق قديم بين الحكومة ومصانع الأسمدة البالغ عددها 13 مصنعًا، يقضي بأن تورد المصانع 55% من إنتاجها بسعر التكلفة للجمعيات، مقابل حصولها على غاز مُدعم يستخدم في التصنيع، وتسهيلات في تراخيص إنشاء تلك الشركات.

لكن على أرض الواقع لا تلتزم المصانع بتوريد حصتها المقررة من الأسمدة، مفضلة تصديرها، استغلالًا لغياب رقابة الدولة، وضعف الغرامات المقررة على المخالفين. 

وبالتوازي مع أزمة المبيدات، توجد أزمة أقل وطئًا في الأسمدة، التي ظهر منها بعض الأنواع المغشوشة أيضًا. 

وفقًا لعمرو سلطان، مالك أرض مُستصلحة في قنا، فقد حلل عينات سماد حمض الفوسفوريك، واكتشف أن المادة الفعالة بها 35% بينما دُوّن على العبوة أن المادة الفعالة 85%. 

بالمثل، اطلع «مدى مصر» على صورة من تحليل عينة من سماد البوتاسيوم، تعود إلى فبراير الماضي، وكانت نتيجتها وجود 33% صوديوم، و40% كلوريد، ومواد أخرى، دون أي وجود للبوتاسيوم في العينة، وهو ما اعتبرته جهة التحليل غير صالح للاستخدام الزراعي لاحتوائه على ملح الطعام الذي يزيد من ملوحة التربة. 

caption

«ياريت الموضوع مجرد سماد مغشوش ممكن يمّلح التربة ولا حتّى يبوظ الزرعة، ده الناس دلوقتي بتستخدم البودريت»، يقول الجوهري. «البودريت» هو سماد عضوي، عبارة عن مخلفات الإنسان الصلبة في محطات الصرف الصحي. ويستخدم كسماد بعد إضافة بعض المواد الكيمائية وتجفيفه ليشبه الطين، لإمداد التربة بالفسفور والنيتروجين. لكنه في الوقت نفسه يشكل خطرًا هائلًا على صحة التربة والنبات والمياه والمستهلك لاحتوائه على نسب عالية من مسببات وناقلات الأمراض، والديدان، والميكروبات، والآفات السامة، والمعادن الثقيلة، ونسبة مرتفعة من الأملاح.

وفقًا لمصدر بالقطاع الزراعي، اشترط عدم ذكر اسمه، محطات الصرف الصحي هي المسؤولة بشكل مباشر عن بيع هذه المخلفات للتجار أو المزارعين، مشيرًا إلى تداوله بسعر أرخص من أسعار الأسمدة العضوية العادية، ما يشجع المزارعين على شرائه. 

***

caption

في ظل كل هذه الأزمات المتلاحقة من غش المبيدات، إلى استخدام المخلفات العضوية، يظهر بريق أمل في الحلول الطبيعية. 

تدعو أستاذة الحشرات بكلية علوم جامعة المنصورة، زينب أبو النجا، إلى ضرورة توطين صناعة المكافحة الحيوية للآفات، موضحة أنها طريقة نظيفة بيئيًا للقضاء على الآفات باستخدام كل ما هو طبيعي. المكافحة الحيوية للآفات تتضمن استخدام كائنات حية من الفطريات أو البكتيريا أو الحشرات للقضاء على آفة أخرى، من خلال إكثار الأعداء الطبيعيين للآفات الموجودة معها في نفس البيئة، أو جلبها من بيئة أخرى. 

أبو النجا التي حصلت على لقب «سيدة العالم في الكيمياء» عام 2011، بعد بحثها عن الكيمياء النظيفة، أكّدت أن استخدام المبيدات الحيوية هو الطريق الآمن على الصحة والبيئة والأكثر استدامة، وبالتالي الأكثر توفيرًا على المدى البعيد، حتى وإن كان أعلى تكلفة من المبيدات الكيميائية في اللحظة الحالية.

تستنكر أبو النجا خلو «الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة 2030» من أي إشارة إلى التخفيف من المبيدات الكيمائية أو توطين المكافحة الحيوية. «لو استراتيجية الدولة فيها تنمية مستدامة يبقى آخر شيء نلجأ له هو النوع ده من الكيمياء. المفروض يكون توجه الدولة للكيمياء الخضراء أو الكيمياء المستدامة»، تقول أبو النجا لـ«مدى مصر». 

أطلقت مصر استراتيجيتها للتنمية المستدامة في 2016، لـ«لتحقيق مبادئ وأهداف التنمية المستدامة في كل المجالات، وتوطينها بأجهزة الدولة المصرية المختلفة». لكن يبدو أن خطط الدولة تسير في اتجاه معاكس لاستراتيجيتها للتنمية المستدامة، إذ تتوسع الحكومة في الاستثمار في مصانع الأسمدة التقليدية بدلًا من التوجه إلى طرق أكثر استدامة. 

يصب استخدام المبيدات الحيوية والأسمدة العضوية في ما يعرف بالزراعة البيئية، وهي عِلم وممارسة وحركة اجتماعية تهدف إلى إنتاج كمية مناسبة من الغذاء عبر الاستغلال الأمثل للبيئة، بأقل قدر من الاعتماد على المدخلات الزراعية والكيميائية. وتقاوم الزراعة البيئية نمط الزراعة المنتشر والمعتمد على الإنتاج بكميات ضخمة والذي يستنزف التربة ويساهم في تغير المناخ بزيادة الانبعاثات، والمتسبب أيضًا في زيادة معدلات إفقار المزارعين الصغار والتضييق عليهم. 

بدأت بعض القرى في تطبيق هذا العلم دون دراية حقيقية به، إذ نجحت قرى بمحافظة المنيا في استبدال المبيدات الكيميائية بالثوم والشطة في زراعة البردقوش. أمّا في «وادي الصعايدة» بأسوان، استطاع البعض محاربة «دودة الحشد» من خلال نفس التركيبة، فيما يستخدم آخرون صابون البوتاسيوم كمبيد حشري سريع التحلل، كحل رخيص ونظيف على البيئة والتربة. 

وفي مدينة مطوبس، أقصى الشمال، حيث تزايدت معدلات إصابة النباتات بالتعفن مع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، خلال السنوات الأخيرة، ظهرت قائمة أمراض لا تنتهي مثل بكتيريا التدرن التاجي وفطريات أعفان الجذور والنيماتودا. لاحظ واحد من المزارعين أن المرات التي يزرع فيها بعض الثوم إلى جانب الطماطم، تقل الإصابة بالعفن.

لكن هذا التحول من الزراعة التقليدية إلى زراعة بيئية، يستلزم تغييرًا شاملًا في طرق الزراعة والري ومدخلات الإنتاج، ودعم فني وإرشادي ومادي يعمق هذا التحول. ويحتاج أيضًا إلى توافر مدخلات الإنتاج الجديدة من البذور والأسمدة والمبيدات العضوية في الأسواق، وهو ما يستوجب توجهًا رسميًا لتوجيه دفة التغيير، حسبما يوضح أستاذ بقسم الأراضي  بمركز البحوث الزراعية 

هذه الحلول البيئية رغم أنها لا تعالج كل الأمراض، ولا سبيل حتى الآن للاعتماد عليها وحدها، فإنها تداوي ضعف وتدهور التربة الذي يؤدي إلى أضرار أبعد مُتسببة في ما يُطلق عليه أستاذ التربة بكلية الزراعة جامعة القاهرة، حمادة عبدالرحمن «الجوع الخفي». 

يشرح عبد الرحمن أن التربة تلعب دورًا هامًا في تنظيف الكوكب واستقرار المناخ ودرجات الحرارة، باعتبارها أكبر مخزن للكربون الذي يعد العامل الأساسي لخصوبة التربة. لكن في الوقت نفسه، يتسبب تدهور التربة والزراعة غير المستدامة، في عكس هذه العملية، إذ تعيد التربة إطلاق الكربون المخزن فيها، ما يسّرع تغيرات المناخ، وينتقص من الكربون الموجود بالتربة، ما يؤثر بدوره على نمو ميكروبات التربة، فيعطل توازن الدورة الكربونية بها وبالتالي تتقلص المواد الغذائية بها. 

caption

هذا النقص يؤثر على الفيتامينات والمعادن الأساسية التي تصل للنبات، وبالتالي، تنخفض القيمة الغذائية الحقيقية لغذاء الإنسان الذي يحصل عليه من الخضروات والفاكهة الآن. وفقًا لتقديرات منظمة «أنقذوا التربة»، فقد انخفضت 90% من العناصر الغذائية الموجودة في الخضروات والفاكهة الآن، مقارنة بالعقود الماضية، فيما تقلّص معدل البروتين من القمح 23% من عام 1955 إلى 2016، وفقًا لبحث نشرته دورية «نيتشر» العلمية. 

قد يضعنا على أول الطريق الصحيح إعادة تطبيق دورة زراعية منظمة و مدروسة تراعي إعادة ترميم التربة، وضمان توفير مكاسب للمزارعين، وتوطين صناعة المكافحة الحيوية والأسمدة العضوية، والتحول تدريجيًا للاعتماد عليها. لكن الأهم هو التوقف عن نُظم الإنتاج المكثف الذي يستهلك موارد التربة بهدف زيادة المكاسب دون النظر إلى مستقبل الإنتاج الزراعي في ظل هذه الممارسات. 

«التربة هي أساس قدرة النبات على النمو والمقاومة. لو التربة ضعيفة ومريضة مش هتقدر تقاوم تغيرات المناخ أو غيره»، يقول عبد الرحمن.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن