9 أفلام من مهرجان تورونتو 2022
أنهى مهرجان تورونتو الدولي للأفلام، أحد أكبر مهرجانات الأفلام غير التنافسية في العالم، دورته السابعة والأربعين في الثامن عشر من سبتمبر 2022. هنا مراجعات سريعة لتسعة أفلام تسنّى للكاتب مشاهدتها، وراعى فيها أن تكون متوزعة جغرافيًا ونوعيًا.
1- علم (فلسطين)
كتابة وإخراج: فراس خوري

في الفيلم الروائي الطويل الأول لفراس خوري، مجموعة من التلاميذ الفلسطينيين من عرب 48 يدرسون السردية الإسرائيلية عن قيام الدولة الصهيونية. «يوم استقلالهم هو يوم نكبتنا»، يكتب التلاميذ على جدران المدرسة والمدينة. يلاحق العسكر الإسرائيليون الكتابات وينزلون الأعلام الفلسطينية والرايات السود من على الأسطح. متخمًا بكتابات الجدران عن البطولة الفلسطينية والحضور النسوي، وعلى إيقاع أغاني الراب الفلسطيني الغاضبة التي يغنيها شب جديد وضبور (يلعب ضبور نفسه دور أحد التلاميذ)، يسير الفيلم في رحلة يغادر التلاميذ فيها مراهقتهم. ما يبدأ كرغبة من تلميذ بلفت أنظار تلميذة جديدة، يتحول إلى خطة لإنزال العلم الإسرائيلي عن مبنى المدرسة واستبداله بالعلم الفلسطيني. يبدو فيلم خوري مهتمًا باللعب بالرموز ومساءلة معناها: شجر الزيتون والعلم الفلسطيني ونشيدا موطني والأممية، والأهم مساءلة معنى المجابهة بين جيلين من عرب 48: جيلا الآباء والأبناء. يمشي الفيلم على الخط بين مساءلة الرموز ومحاذرة الوقوع في موقف لا-سياسي، فيحتمي بالسخرية محاولًا استرداد الخطاب الفلسطيني الأدائي من تصلب رموزه، من دون المهادنة في موقفه السياسي، الذي هو أكثر وضوحًا بمراحل من أفلام فلسطينية وعربية أخرى، ولو اقتضى ذلك بعض المباشرة التي يفرضها سياق المشاهد. كيف ستمضي الرحلة، وهل ينجح التلاميذ في رفع علمهم، وأي علم؟ «علم» هو فيلم عن النكبة التي يحاول الاحتلال محوها وإحلال سرديته «النزاعية» عنها، والرحلة التي يسلكها الشباب الفلسطيني في الداخل المحتل، في سياقات العيش اليومي التي يجدون أنفسهم داخلها.
2- أشكال (تونس)
كتابة: فرانسوا ميشال أليجريني ويوسف الشابي
إخراج: يوسف الشابي

في فيلم يوسف الشابي، «أشكال»، مشروع حدائق قرطاج المديني، الذي كان يروِّج له نظام بن علي، هو البطل. المشروع الذي أوقفته الثورة التونسية، أعيد العمل فيه بعد سنين من ثورة 14 يناير 2011، واختياره ليس عبثيًا، فهو فضلًا عن كونه يُقدَّم ككيان مادي للثورة المضادة، فهو بعدم اكتماله وضخامته يراكم في «نْوارية» فيلم الشابي، فيسعفه بالتفاصيل الموحشة التي يحتاجها. نحن في زمن هيئة تقصي الحقائق وراء فساد أجهزة الأمن، وكلام بالتورية عن محاولات الانقلاب على هذا وذاك في أجهزة الأمن، وبقايا وحش معماري يشرف على تونس العاصمة ويشهد حرائقها. والتوحش الإعماري ليس التفصيل الوحيد المستخدَم للتدليل على مرحلة ما بعد 14 يناير، ومحاولات العودة إلى ما قبلها، هناك نار البو عزيزي التي تستعاد في سياق بوليسي، إذ تكتشف جثث محروقة في المشروع وحوله. لكن الفيلم سرعان ما يحيد عن مساره البوليسي باتجاه ترميزي وصولًا إلى خاتمة جحيمية: النار قد تلتهم الجميع إذا ما أكمل مسار المراوحة والانقضاض على مكتسبات «محاولة» الثورة.
3- مانتيكور (إسبانيا)
كتابة وإخراج: كارلوس ڤرموت

كعادته، يورط كارلوس ڤرموت، الآتي من خلفية رسم القصص المصورة، مُشاهده مع شخصياته بلطف قبل أن يرمي بالجميع في معضلة أخلاقية، لكن طريقة السرد في «مانتيكور» مختلفة، فالفيلم متخفف من الألاعيب السردية والتقطيعية. لا فواصل ولا قطع من شخصية لأخرى كما في فيلم ڤرموت السابق «امرأة سحرية». خوليان هو آنيمايتر ناجح، يرسم وحوش الألعاب ويتفنن في تفاصيلها. لكنه يعيش في عالم موازٍ لدرجة أنه لا يملك حبيبة ولا أصدقاء. لكن، عندما ينقذ ابن جارته من نار نشبت في الشقة المغلقة، تنشأ صداقة بينه وبين الولد الذي يتدرب على عزف الپيانو. منذ تلك اللحظة، تتغير حياة خوليان ويتعرف على ديانا. حكايتا الصداقة بين الشاب والولد، والحب اللطيف بين شاب يعاني من نوبات الهلع وفتاة تهتم بوالدها المريض، تنعطفان وتتداخلان لتوصلنا إلى المعضلة الأخلاقية في نهاية الفيلم. «مانتيكور» فيلم عن شخصيات تداري وحوشها الداخلية، ويتجاوز النكتة التي بدأ منها ڤرموت كتابة فيلمه: «أردت أن أصنع فيلمًا عن شاب يحب فتاة تشبه جاستن بيبر».
4- مثلث حزن (السويد)
كتابة وإخراج: روبن أوستلند

بعد Force Majeure وThe Square، يعود روبن أوستلند في فيلم جديد حاز -من جديد- على جائزة الپالم دور في مهرجان كان. الفيلم في ثلاثة أقسام، كارل ويايا، اليخت، الجزيرة. في قسمه الأول، يقدم الفيلم شخصيتي عارضيّ أزياء لا تنتهي مناكفاتهما. وفي قسمه الثاني، يضاف إلى هاتين الشخصيتين كولاج من شخصيات باذخة الثراء تقضي عطلتها على يخت فاخر: قبطان أمريكي ماركسي، ورجل أعمال روسي رأسمالي، ومديرة تنظيف حمامات صينية، وعمال أجانب يقيمون في الطوابق السفلية لليخت، ومديرة اليخت السويدية، وبريطانيان بنيا ثروتيهما على بيع القنابل اليدوية التي لا يعرفان شكلها، ورجل يعمل في برمجة التطبيقات، وامرأة ألمانية أصيبت بذبحة قلبية ولا تقول إلا عبارة واحدة: «في الغيوم»! الذي يحدث تاليًا على اليخت يرمي الجميع في صراع بقاء يكاد ينتج مجتمعًا مختلفًا، ويصوغ أدوارًا مستجدة لكل شخصية فيه. «مثلث حزن» فيلم يقدم ضحكة، مما قد يبدو عبثيًا للحظة ولكنه بالغ الواقعية. فيلم مسلٍ (وعميق) لمن يرغب في أبعد من سرد حكائي، ينتقم قليلًا من الأغنياء على الشاشة، ويلامس وعي المشاهدين وأحقادهم الطبقية والبطريركية.
5- سانت أومير (فرنسا)
كتابة: زووي جاليرون وآمريتا دايڤيد وماري نداي وأليس ديوپ
إخراج: أليس ديوپ

راما، روائية تحضر جلسة محاكمة أم ذات أصول سنغالية، قتلت طفلتها ذات الخمس عشرة شهرًا بتركها عند شط البحر، أملًا في إنجاز كتاب عن القضية. يحدد «سانت أومير» معظم مشاهده بقاعة المحكمة، حيث يتناوب الشهود والمتهمة على الكلام والإجابة عن أسئلة القاضية والمحامية والنائب العام، ما يبدو للحظة مواجهة بين قيم المجتمع الفرنسي الأبيض وما فعلته الفتاة «الملونة»، التي يتكرر على لسان أكثر من شخصية فرنسية دهشتهم من قدرة امتلاكها للغة الفرنسية. تحاول المحاكمة أن تجيب عن سؤال: «لماذا تقتل أم طفلتها؟». يحاول الفيلم الذهاب إلى مكان أبعد من السؤال، ليموضع الجريمة ضمن سياق كامل، ما يلمس جمهور الحاضرين في المحكمة ومنهم الروائية. يقدم «سانت أومير» مشاهدة ثقيلة ومؤثرة عن الكسور التي تنتهي إليها النساء في مجتمعات ضاغطة وحُكمية وطبقية واستعمارية.
6- مقاول (كوريا الجنوبية)
كتابة وإخراج: هيروكازو كوريدا

بعد فيلم Shoplifters، يعود هيروكازو كوريدا في فيلم «مقاول» ليقدم قصة عن مقاولات بيع الأطفال. تترك سو يونج طفلها الرضيع أمام كنيسة بوسان التي توفَّر صندوق استلام رضَّع غير مرغوب بهم، مع ورقة تقول: «سأعود من أجلك». لكن سو يونج لا تعرف أن المركز تحت المراقبة من قبل شرطيتين تشتبهان في عمليات بيع أطفال تنطلق من المركز يتورط فيها عاملا المصبغة اللذان يعملان جزئيًا في المركز. عندما تعود سو يونج بعد يومين لاستعادة الطفل، لا تجده في المركز.على عكس المتوقع، فإن عاملَيْ المصبغة يلحقان بها، ويصحبانها إلى مصبغتهما لرؤية الطفل وإخبارها عن خطتهما. وعلى عكس المتوقع أيضًا، توافق سو يونج على بيع طفلها، وترافقهما في رحلة للبحث عن الشاري «المثالي»، وتتعقبهم الشرطيتان. من هنا، يصير الفيلم فيلم طريق، يركز على الشخصيات وتاريخها وعلاقاتها ببعضها: من هو المقاول، الأم التي لا يعجبها شراء الطفل، أم عاملا المصبغة صاحبا خطة البيع، أم الشرطيتان المهتمتان بحدوث عملية البيع؟ «مقاول» فيلم هادئ عن معاني الأبوة والأمومة والجريمة ونظم العدالة العقابية التي ترى مهمتها منحصرة فقط في سجن من تراهم مجرمين.
7- عنكبوت مقدَّس (إيران)
كتابة: أفشين كامران باهرامي وعلي عباسي
إخراج: علي عباسي

يرتكز «عنكبوت مقدَّس» على أحداث حقيقية حدثت في إيران مطلع الألفية، عندما تمَّ استهداف عاملات الجنس في سلسلة جرائم من قِبل قاتل متسلسل ادَّعى «تنظيف» الشوارع من «الفجور». لكن، الفيلم يضيف بضعة عناصر خيالية لدفع القصة وإرساء مواجهة بين الصحفية (التي تقرر العمل متخفية كعاملة جنس) والقاتل. صُوِّر الفيلم في الأردن وأعيد إنتاج مدينة مشهد الإيرانية بالعتبة الرضوية المقدسة. يقدم الفيلم مشاهد تعود بالعنف إلى طبيعته العارية بلا مواربة بصرية وحوارية، لكن القصة تبقى معروفة الاتجاه: قاتل ذكر في مدينة مقدسة ونساء مستهدفات بإجرامه، ومجتمع سيهلل له. يفترق الفيلم عن أفلام إيرانية هادئة في إيقاعها ومعقدة في نسج علاقات الشخصية بما يخدم التركيز والإسقاط الذي يمر عبر الرقابة الإيرانية، فيبدو كل شيء فيه فجًا. غداة عرضه في مهرجان كان، احتجَّت طهران رسميًا لدى باريس، كما توعَّد وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي في إيران، محمد مهدي إسماعيلي، طاقم العمل من الإيرانيين بالمساءلة القانونية، معلنًا أنَّ «المسؤولين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن يسمحوا لأحد الإساءة إلى المقدسات الدينية»، ومتهمًا المهرجان والفيلم بالخضوع لـ«سياسة اللوبي الصهيوني والصهاينة الذين يقفون وراء مثل هذه الأعمال ويضفون عليها طابعًا سياسيًا».
8- قرار بالمغادرة (كوريا الجنوبية)
كتابة: سيو كيونج جيونج وپارك شان ووك
إخراج: پارك شان ووك

يعود پارك شان ووك، مخرج Oldboy وThe Handmaiden، في فيلمه الجديد «قرار بالمغادرة»، ليقدم جريمة قتل تنقلب إلى قصة حب بين محقق لا ينام وزوجة القتيل التي لا تتحدث نفس لغة المحقق. في مزاج من الكوميدية، وعلى حافة الشاعرية، يقدم لنا پارك شان ووك لقطات تصويرية بالغة الجمال، وحركة كاميرا تلتقط نبض القصة. يتقدم الفيلم ويعود لتركيب الأحداث أكثر من مرة مع الحفاظ على طابعه الكرونولوجي، ويواكب المونتاج والموسيقى هذه التراكيب. متى يبدأ الحب وما الذي يُحدِثه فينا قبل أن ينتهي؟ وما الذي يحدث بعد أن ينتهي؟ «قرار بالمغادرة» فيلم مخلص للسينما التي تحب شخصياتها حتى تصير في متابعتها لهم، هي والشعر، سيان.
9- امبراطورية النور (بريطانيا)
كتابة وإخراج: سام مندس

احتار الكاتب في مراجعة فيلم سام مدنس، الذي يشهد أداءً مؤثرًا جديدًا لأوليڤيا كولمان ومعها مايكل وورد. وفي النهاية، قرر أن يترجم قصيدة الأشجار لفيليپ لاركن المضمَّنة في الفيلم كمراجعة:
الأشجار (1974) - فيليب لاركن
الأشجار تورق
مثل شيء أوشك أن يقال؛
تسترخي البراعم الجديدة وتنتشر،
خضرتها نوع من الأسى.
هل نحزن لأنها وُلِدَت من جديد
بينما نكبر نحن؟ لا، الأشجار تموت أيضًا.
وخدعتها السنوية في ظهورها متجددة
مكتوبة في حلقات جذعها.
لكنها، كقصور لا تهدأ، تواصل نشر بذورها
في خضم كثافتها الكاملة كل مايو
«العام الماضي مات»، لعلها تقول
«فلأبدأ من جديد، من جديد، من جديد».
تقارير ذات صلة
الأغنية في أفلام داود عبد السيد
تُختار الأغاني بعناية ودقة، لا تشعر بها في أغلب الوقت، ولكنها تضيف بعدًا للمشهد
في حضرة «دراما»
يلجأ شوقي إلى الأطفال كممثلين، إذ يتميز الأطفال بطبيعتهم الفطرية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن