6 أفلام من مهرجان تورنتو: عودة للصالات
منها «بطل» لأصغر فرهادي، و «صالون هدى» لهاني أبو أسعد
أنهى مهرجان تورونتو الدولي للأفلام في الثامن عشر من سبتمبر 2021 دورته السادسة والأربعين. يتميز المهرجان بكونه أحد أكبر مهرجانات السينما غير التنافسية في العالم، والذي يقصده سكان تورونتو والمهتمين بالسينما في شمال أميركا. شهدت دورة هذا العام عروضًا أكثر في الصالات مع التزام معايير التباعد الاجتماعي، بعد أن اقتصرت غالبية أفلام الدورة السابقة على عروض الأونلاين.
هنا مراجعات مقتضبة لستة أفلام تسنّى للكاتب مشاهدتها. لا تهدف هذه المراجعات أن تكون نقدًا تفصيليًا بقدر كونها كتابات قصيرة وليدة لحظات المشاهدة تودُّ تحفيز القارئ على مشاهدة هذه الأفلام، بغض النظر عن ذائقة الكاتب. انتقاء هذه الأفلام هو مزيج من خيارات جغرافية وفنية وذاتية، وتوقعات قد تكون خابت في بعضها، وتوفر التذاكر للعروض التي شهدت ازدحامًا يذكِّر بزمن ما قبل «كوفيد19».
1- صالون هدى/ Huda's Salon(فلسطين)
كتابة وإخراج: هاني أبو أسعد

يصوِّر هاني أبو أسعد فيلمه «صالون هدى» في أماكن ضيقة: الصالون، ومركز التعذيب، والبيت. حتى المشاهد الخارجية يلفها ضيق الإسراع أو الاتكاء على جدار الفصل. يكاد الفيلم أن يكون مزيجًا من فيلمي أبو أسعد «الجنة الآن» (2005) و«عمر» (2013)، فتأخَذ عناصر المقاومة من «الجنة..»، وعناصر العمالة/الخيانة من «عمر»، ويضاف عليها هذه المرة عنصرًا إضافيًا هو «النساء»: علاقة النساء بأزواجهن وأمهاتهنّ، وصورة المرأة في المجتمع الفلسطيني، وابتزازهنّ جنسيًا من قبل الاحتلال وعملائه.
لكن الخلطة التي حاولت مساجلة مواضيع الخيانة/العمالة وطرق تعاطي المقاومة والمجتمع معها ومع النساء، تتوه في مونولوج التحقيق غير الواقعي بين العميلة والمحقق، مدفوعة -ربما- برغبة أبو أسعد المتكررة لصناعة فيلم فلسطيني جماهيري. يعالج «صالون هدى»، باختزال غريب، الشخصية النسائية، التي لولا خوفها من الفضيحة، لأمكن استبدالها بـ«عمر» من فيلم أبو أسعد السابق. وهكذا، لا يبقى من النساء إلا الابتزاز الجنسي وعلاقة سقيمة بعائلة الزوج، لنجد أنفسنا أمام ضحية تنازِع العودة إلى مكانها المعتاد الذي أُخرِجت منه عنوةً، وهو خيار سهل لا يحيد عن التوقعات التي تخطر لك عند قراءة نبذة الفيلم.
2- أرض صامتة/ Silent Land(بولندا)
كتابة: بيوتر ليتوين وآغا فوشزينسكا
إخراج: آغا فوشزينسكا

عطلة لزوجين «أبيضين» بولنديين في قرية إيطالية تنتهي برحلة في دواخل النفس. منذ المشهد الأول يتضح أن الإجازة ستسلك دربًا آخر. البركة التي من أجلها حجز الزوجان الفيلا ليست مؤهلة للاستخدام. يُستدعى مؤجِّر الفيلا الإيطالي لحل المسألة فيوافق على مضض على إصلاح البركة خلال يومين. في صباح اليوم التالي، يستيقظ الزوجان على صوت الحفَّار ليجدا عاملًا مصريًا في البركة يحاول إصلاحها. تجزم الزوجة في تعليق بالغ الاستشراق: «لا بد أن لديه الكثير من الأخوة الهائجين جنسيًا». عند هذه اللحظة، يغلب الظن أن الفيلم يتجه إلى حبكة من مثلث حب تتصارع فيها ديناميات القوة والخضوع. لكنَّ محاولة إصلاح البركة ومعها هياج الزوجين الجنسي، لا يدومان. إذ تنزلق قدم العامل ويقع في البركة قليلة المياه ويفارق الحياة. ومجددًا، في مشهد أمين في «بياضه»، لا يحرك الزوجان ساكنًا، ولا يتفقدان حالة العامل، بل يتصلان بالمؤجر وينتظران البيروقراطية الإيطالية لترسل سيارة الإسعاف وفريقًا من محققي الشرطة. ما يلي «الحادثة» هو الفيلم كله: شعور الذنب وتحولات العلاقة والشخصيتين، وعلى التحديد شخصية الزوج. إنها قصة عن الفراغين العاطفي والتواصلي لبيض أوروبا ونزقهم واستعلائهم وعنصريتهم المكتومة تجاه الأوروبيين من طبقات اجتماعية أدنى (مجتمع القرية الإيطالية الممتلئ نميمة)، والمهاجر الغريب الذي نغّص بموته إجازة زوجين أوروبيين، وصار شبحًا يشاركهما عشاءهما الأخير.
3- كوستا برافا/ Costa Brava(لبنان)
كتابة: كلارا روكيت ومونيا عقل
إخراج: مونيا عقل

بحسب حوارات صحفية للمخرجة، كان من المفترض أن تدور أحداث هذا الفيلم «الديستوبي» (بتعريف المخرجة) في العام 2030، لكن انفجار مرفأ بيروت في العام 2021 وتسارع الانهيار الاقتصادي، دفع صانعة الفيلم إلى إزالة الإشارة للعام 2030 من فيلمها، إذ رأت أنَّ «أحداثه» باتت أكثر راهنية.
يفتَتح فيلم «كوستا برافا» بتمثال لرئيس جمهورية خيالي يحمَّل على شاحنة أمام صوامع القمح المتضررة من الانفجار، بلا سبب إلا الرغبة (المفتقدة للإحساس) بافتتاح الفيلم بإشارة للانفجار. يتنقَّل التمثال في شوارع بيروت التي لا نرى منها الكثير لضيق اللقطات المصورة، قبل أن يحط بالقرب من بيت عائلة بدري في الجبل. الأم (ثريا) التي تلعب دورها نادين لبكي والأب (وليد) الذي يلعب دوره الممثل الفلسطيني صالح بكري (متحدثًا باللهجة اللبنانية)، هربا منذ سنين من بيروت ليعيشا في بيتهما البيئي الفاضل. ابنتهما الكبرى تكتشف مراهقتها، والإبنة الصغرى تتعامل مع نوبات قلقها بعدِّ الأرقام، أما أم وليد فتحتاج دومًا لقناع الأوكسيجين بعد وقبل كل محاولة كوميدية مفتعلة لها.
ستنشئ الدولة مطمر نفايات قرب بيت هذه العائلة. لكن لا جديد هنا، فأزمة النفايات الشهيرة حدثت في عام 2015. وطبعًا، سيحفز المطمر صراعات مكتومة بين الزوجين، ليتذكرا صدمة هروبهما من بيروت في زمن سحيق يبدو أنه بقي من زمن سيناريو الفيلم الأصلي. يكمل فقر الخيال في تفاصيل أخرى، كانعدام الإحساس بالمكان قبل أن يبدأ المطمر نشاطه، والموسيقى والأغاني الصاخبة ومنها أغنية بشعة عن ضفائر بيروت المفروطة تغنيها نادين لبكي، وقاموس لا ينتهي عن «الناس اللي إجو» (تترجم إنجليزيًا إلى الغرباء) و«الغنم» الذين مع السلطة، وصراخ خطابات متظاهري بيروت. كرنج الخطاب التسطيحي الذي يتتبَّعه الفيلم يقدَّم كاملًا متكاملًا ويغطي كل التوقعات، فهو يشبه خطابات الأشرطة الدعائية المحرجة التي تنتجها المنظمات غير الحكومية. حتى اسم المطمر والفيلم، «كوستا برافا»، هو بالمناسبة اسم لمسبح على الشاطئ الجنوبي لبيروت تحوَّل في الواقع مطمرًا للنفايات، فقررت المخرجة أن تنقله في خيالها المتواضع إلى الجبل، إذ إن فقر الخيال يسلك طريقه حتى لاسم الفيلم، ولا حرج!
4- ثلاثة طوابق/ Three Floors(إيطاليا)
كتابة: فريديريكا بونتريمولي و نني موريتي
عن رواية لـ إيشكول نيفو
المخرج: ناني موريتي

يعود ناني موريتي بفيلم عن أربع عائلات تسكن ثلاثة طوابق من المبنى نفسه في وقت زمني يمتد على 15 عامًا. يبدأ الفيلم بحادث سير تصدم فيه سيارة ابن القاضي امرأة كانت تهم بقطع الطريق لتستقر السيارة بعدها في الطابق السفلي من المبنى الذي يقطن فيه الابن. ومن حادث الاصطدام هذا ندخل إلى حكايا العائلات الأربع في المبنى، حيث تقع أحداث أخرى، بعضها صغير وبعضها مضخم، لكنها تحيل بكليتها إلى سِيَر الأفراد المضمرة التي لا يطرح الفيلم تفاصيلها ولكن يحدس بها المشاهد مع وقوع أحداث وتفاصيل مؤسسة. هناك امرأة حامل تضع مولودتها، وتخاف من اكتئاب أمها لدرجة أنها ترى طائرًا أسود يحط على طاولة مطبخها كلما نبت القلق في قلبها أكثر. وهناك والد يحب ابنته كثيرًا لدرجة أنك تتساءل عن السبب، وهناك عجوز يسيطر الضياع والنسيان على يومياته، والقاضي وزوجته اللذان يتوقعان باستمرار المزيد من ابنهما. «ثلاثة طوابق» هو فيلم عن التعالي تجاه الآخرين، والأحكام المسبقة التي تتصلب مع مرور الزمن ومعنى الاعتذار وماهيته وتوقيته. إنه فيلم عن قصص الأفراد التي يحفزها الآخرون حولهم، ينبت الشعور بتعاظم حبهم والخوف منهم شفافًا تحت الجلد، ولا يرحل أبدًا.
5- أسوأ شخص في العالم/ The worst person in the world(النرويج)
كتابة: يواكيم ترير وإسكل فوكت
إخراج: يواكيم ترير

بعد «تكرار» (2006)، و«أوسلو، الحادي والثلاثين من أغسطس» (2011)، يختم يواكيم ترير ثلاثيته عن أوسلو، المدينة التي نشأ فيها، بفيلم «أسوأ شخص في العالم». يشير يواكيم في مقابلة مع مبرمجي مهرجان تورنتو للأفلام إلى أنه حاول العودة للشكل الحر للفيلم الأول في الثلاثية «تكرار»، حيث إحساس الجاز الحر، والسرد المقطَّع الذي يتخذ شكلًا روائيًا مع الفويس أوفر الروائي، الذي يمكنه من تجريب أساليب مختلفة في كل مقطع: التصوير البطيء، المقاطع الرومانسية، المقاطع طاغية الموسيقى، الجنون الخيالي المخترق بالكارتون... وهكذا، في زهاء ساعتين وسبع دقائق مقطعة على افتتاحية، وإثني عشر فصلًا، وخاتمة، نتتبع حياة يوليا بدايةً منذ عامها الجامعي الأول ومساءلتها لمعنى اختصاص الطب الذي تدرسه، وحتى النهاية التي لا تعرف فيها ما تود أن تكونه، لكنها تثق بما تود تجنبه.
لكن، قبل أن يبدأ يواكيم رواية حكايته، يحدد وجهة فيلمه بلقطة من فصل «الخيانة»، حيث تلتفت يوليا، أوسلو وراءها، وشريكها أكسل رسام الكاريكاتور الذي يحتفل بإصدار روايته المصورة قبالتها في مرمى نظرها، ليبدو واضحًا أننا إزاء قصة حب عظيمة عند مفترق طرق. يختار يواكيم لحظة الاغتراب التي تحدد «ما قبل» عن «ما بعد» ليسأل السؤال الأقدم: ما هو الحب؟ بالنسبة لأكسل الذي يكبر يوليا بـ15 عامًا، يبدو الحب، على رغم ابتكاره، كلاسيكيًا. أما يوليا، فتعريفها للحب هو أن تحب وأن لا تحب. هو رحلتها عند حافة عالم تحاول صنعه، لكنها غير قادرة على تحديد معالمه. في هذا العالم، تحضر المدينة والعائلة والأصدقاء والأطفال والأمومة والسهرات الغريبة والنصوص الجنسية وليدة اللحظة والنكات غير الصائبة وساركازم القضايا الكونية عند الأوروبيين. الحافة التي تمشي فوقها يوليا، فتقع أحيانًا وتنهض أحيانًا أخرى، هي التي تمكِّنها من إيقاف المدينة والإبقاء على جريان الزمن فيها، ومن الدخول في تحولات أفكارها المجنونة. «أسوأ شخص في العالم» فيلم بديع ورقيق وحساس حتى في لحظاته الميلودرامية العابرة، لروائي سينمائي يعرف سينماه ويعرف روايته، يسائل معنى أن يكون الإنسان سيئًا أو جيدًا، وينتصر للحب في لحظات غروبه وإشراقاته.
6- بطل/ A Hero(إيران)
كتابة وإخراج: أصغر فرهادي

يكاد فيلم «بطل» يكون أقسى أفلام أصغر فرهادي عن إيران، ربما لأنَّه يشتغل على ثيمة «الحياة سجن كبير». رحيم، شخصية الفيلم الأساسية، مسجون لأنه لم يستطيع أن يسدد القرض الذي تورط به لوالد طليقته، لكنه قادر على الخروج من السجن في تسريح دوري. في إحدى خروجاته من السجن، نعرف أنه يسعى لحل الموضوع وأنه قد يكون أمّن المال. ثم نعرف أن حبيبته قد عثرت على شنطة في محطة باص فيها قطع نقدية ذهبية. بيع الذهب يحل مشكلة قرض رحيم، لكن الأخير يتراجع عن الفكرة، ويقرر أن يلصق إعلانات حول المكان الذي وجدت فيه الشنطة. ولا تلبث «صاحبة» الذهب أن تظهر فيوعز رحيم لأخته، وهو في السجن، أن تعطي المرأة شنطتها. من هناك تبدأ صياغة حكاية الآخرين عن فعلة رحيم الذي تخلى عن ذهب ليس له رغم معاناته المادية، فيقدَّم كبطل في التلفزيون والتجمعات الأهلية التي تسعى لسداد قرضه. لكنَّ القصة لا تلبث أن تتهاوى عند عتبة البيروقراطية، مع اختفاء صاحبة الذهب، فتنتشر إشاعات عن صحة القصة على شبكات التواصل الاجتماعي، ويُطالب رحيم بإثبات عن رده للذهب، لتسمح الدولة بتوظيفه في عمل حكومي سيعينه على تسديد الباقي من القرض. وكما العادة، حين يحضر الموظَّف الصالح، ينكشف زيف الدولة وقسوة العدالة/الانتقام المجتمعيين، لنجد أنفسنا أمام يوميات طبقة مسحوقة، أكثر ما توده هو أن تترَك في حال سبيلها، بلا جدوى.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن