تُقرأ وتُؤكل #3 | حشو المُمبار بالكبت
#جو عام
تدلنا مي المغربي على أفضل طريقة لحشو الممبار، حشوة ع الشعرة، مقاديرها مضبوطة، لكنها مصحوبة بمشاعر وخبرات لتكون القراءة أعمق من مجرد ذكر المكونات حتى تنتظم في عقد السلسلة التي تعدها المغربي مع ياسر عبد اللطيف للمغتربين والأدباء وذوي الأحوال الوجودية، وتُقدم لكل مَن يقرأ ديتوكس حتى يطبخها أو يقرأها حسب هواه.
#تُقرأ وتُؤكل
هناك نوعان من الممبار -أو ما يمسيه البعض العُصبان- نوع رفيع ودقيق، وآخر أكثر سماكة ووسعًا.
كل شخص يفضل نوعًا معينًا بناءً على تجربته النفسية. مَن هم في مرحلة متقدمة من التعافي يفضلون الواسع. الضيق يُمكن حشوه بقُمع أو باستخدام مقص لفتح جزء منه. اختيار الممبار الضيق يعكس مشاكل مع التعلق، يحتاج الطاهي دائمًا لمساعدة أو زقة. الواسع لا يحتاج لشيء سوى تكنيك يؤكد تطور أطراف الإنسان عبر ثني فوهة الممبار بواسطة الأصابع الوسطى وإدخال الخلطة بالإبهام. لكن رحلة الممبار تبدأ بالنسبة للمواطن الحديث من عند الجزار، قبل ذلك نحن لا نعرف تاريخ الممبار، وربما لا نريد أن نعرف. نتعمد التجاهل حتى نعيش في المدينة نأكل ولا نعطي فرصة ليأكلنا أحد، حتى إن كانت هواجسنا.
يتعمد الجزار تقديم خدمة تنظيف الممبار حتى يسهل على الطاهي عمله، أو أن ينقذ عروسة جديدة. لكن هذه عملية نصب مائية حيث يعبيه بالمياه ويضعه في كروانة على الأُورمة مما يزيد وزنه، بالتالي ثمنه. ولنتفادى ذلك يجب أن نبتعد عن الجزار المتجهم الحاسم والمشهور، أو الجزار الضاحك. أبحثُ دائمًا عن الجزار العادي والمغمور الذي يعلق الممبار فوق لوح خشبي، لا لشيء سوى سهولة العراك معه.
نقلب الممبار، كما الشرابات، نغسله بالليمون والخل والدقيق والملح، وأثناء شطفه بالماء الفاتر نكشط سطحه. أثناء هذه العملية تحاوطني مشاعر أنني كبيرة ومخضرمة وقادرة على فعل الكثير. لكن يقطعني من هذا الشعور تذكري لضرورة وضع حلة بها ماء وورق لورا وبصلة كبيرة ورشة كمون على النار حتى أجهز الخلطة للحشو التي تتكون من أرز، رغم كل الظروف الاقتصادية الأرز هو العنصر الأساسي في هذه الأكلة، والثلاثي الذي ينقذ أي حشوة؛ شبت وكزبرة وبقدونس. ثلاث ملاعق من الصلصة، ثلاث طماطمات، وبصلة كبيرة مفرومة، فلفل أسود، مرقة بدلًا من الملح. وفي حلة على نار متوسطة نقدح ملعقتين من السمن البلدي، أنزل بالبصل المفروم، وحينما يذبل أنزل بالخُضرة. أحب لعبة الألوان أصفر ثم أخضر وبعدها الطماطم والصلصة، والبهارات سريعًا ليصبح أحمر ببقع خضراء. أُقلب الخليط ثم أصب المرقة وأنتظر. وقتها تأتي مرة أخرى مشاعر أنني كبيرة ومُخضرمة. وأبدأ في سؤال نفسي حول أهمية ما أفعله، وموضعي من العالم. ومع غليان الخلطة، تهجم عليّ ذكريات قديمة لكنني أبتلعها، حتى أضع الخلطة على الأرز المغسول في صينية كبيرة.
أمسك بطرف الممبار وأقصه بأطوال متساوية. جدتي كانت تحشوه بطوله مثل السدق وتربط بين كل إنشين عقدة. لطالما رأيت في هذه الطريقة عنفًا أو غضبًا مكبوتًا من زمن يخرج على الممبار. لكني أفضل أن أدخله في الممبار بشكل متساوٍ. ربما لهذا السبب أطبخ الممبار بمهارة دون أن يعلمني أحد، لأنني أحشي نفسي يوميًا بأفكار وذكريات لا تخرج على السطح إلا لتدخل مرة أخرى. لكني في كل مرة أتساءل لماذا يأكل الإنسان أحشاء حيوان آخر. نحن نأكل مكمن كبت حيوان آخر، وربما بتبجح نحشو أحشاءه على مزاجنا، أنا واعية تمامًا أن خلطتي جيدة، ليس لأنني أضع رشة ثوم فيها فيظهر طعم غامض يأتي من بعيد، لكن لأنني أحشوه بكبت يخصني كما كان مقدرًا لهذه الأحشاء أن تكون.
مهانة أن يأكل أحد أحشاءك؟ أم أنها رغبة لا واعية لتذوق مكامن كبت الآخرين حتى إن كانوا حيوانات؟ نحن حينها لا نتفه من الحيوان فقط إنما مما نعمله في أنفسنا أيضًا، مسرحية زفرة.
المهم ألا نحشي الممبار بالخلطة كثيرًا حتى لا ينفجر.
وبعد أن ننتهي من الحشو، نضعه في الحلة التي بها ماء وورق لورا وملح وكمون، الماء المغلي يتكفل بغلق جزء من الفوهات الواسعة للممبار. وبعد ساعة، نخرجه على أي شيء ونتركه ليبرد قليلًا. ثم نحمّي زيتًا في طاسة لنحمره.
الأمر لا ينتهي هنا. في بعض البيوت، كانت المرقة التي تنزل من الممبار بمثابة إمكانية لعمل فتة، إمكانية وجود لحم بشكل يقترب من الحقيقة، حيث ينزل من الممبار أرز في الحلة فلا يكون هناك سوى وضع عيش ناشف/ مفقع عليه ليصبح لديك وجبة مكونة من فتة وممبار محمر، وجبة مليئة بالبدائل المجازية.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن