تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«19011».. قصة الصعود إلى الهاوية

«19011».. قصة الصعود إلى الهاوية

كتابة: عثمان الشرنوبي، ندى عرفات 13 دقيقة قراءة

قبل ما يزيد بقليل عن عام، تحولت سلسلة صيدليات جديدة إلى حديث يشغل الرأي العام في مصر كلها. صيدليات 19011، اسمها هو رقمها. لحظة القمة جاءت مع حوار أجراه الإعلامي عمرو أديب مع ثلاثة من ملاك السلسلة للإجابة على الأسئلة وتفنيد بعض الشائعات بخصوص الصيدليات، والأسباب الحقيقية وراء نجاحها الباهر.

أكدت بعض هذه الشائعات أن هذا النجاح الباهر لا يعني سوى تفسير واحد: أن الدولة ممثلة في أحد أجهزتها تقف وراء هذه الصيدلية وتدعم نجاحها. هناك سوابق مماثلة للدولة بالفعل في مجالات أخرى مثل الإعلام أو الغاز. كما تصادف أيضًا قرار وزارة الصحة بشطب ملاك سلاسل صيدليات «العزبي» و«رشدي» -أهم المنافسين- من سجلات الصيادلة بالوزارة. فوق كل هذا، بحسب هذه الشائعات، فإن أحد ملاك هذه الصيدلية يتطابق اسمه مع الاسم الثلاثي لنجل الرئيس، محمود عبدالفتاح السيسي، وأن اسم الصيدلية هو تاريخ ميلاد الرئيس، 19 نوفمبر. ومع كل هذه التفاصيل، اشتعلت نظريات المؤامرة.

نفى ملاك الصيدلية خلال لقائهم مع أديب أي علاقة لهم بالدولة أو أجهزتها. أكدوا أنهم مجرد صيادلة مجتهدون يسعون للنجاح. أكدوا كذلك أنهم قديمون في السوق وأن الجميع يعرفهم. وعلى الهامش، عرض أديب صورة من السجل التجاري للشركة وأوراق فيش وتشبيه ملاك الصيدلية، للتأكيد على أن الدولة لا ترتبط بهذا المشروع من قريب أو من بعيد. وعلى الرغم من تأكيدهم خلال اللقاء توقف محمود السيسي عن التوقيع على الشيكات، لوقف سوء الفهم، أكد مصدر بشركة أدوية لـ«مدى مصر» أن السيسي استمر في توقيع الشيكات حتى نهاية 2019، ما ساهم في نشر شائعة دعمهم من جهات سيادية، والتي نفتها القوات المسلحة في بيان رسمي في أغسطس 2019.

بالنسبة لآخرين، وبعيدًا عن نظريات المؤامرة، يتعلق الأمر بشطارة أصحاب ملاك هذه الصيدليات. رجال أعمال يريدون اختراق هذا السوق والسيطرة عليه بسرعة. يستخدمون أساليب متنوعة في الدعاية والتسويق، تبدأ من الاسم المميز للصيدلية وخدمات التوصيل، ولا تنتهي بالعروض المستمرة على البضائع المختلفة. لهذا، وخلال فترة وجيزة، تمكنت السلسلة من التربع على عرش هذا السوق. بحسب وصف أحد ملاك الصيدلية خلال المقابلة، فإن هذه «تجربة مصرية [...] صعب تكرارها».

لهذا، حين بدأ الانهيار بعد أقل من عام من المقابلة التليفزيونية الشهيرة، بدا الأمر هزليًا. توقفت شركات الدواء عن توريد بضائع لهم، ولاحقهم الديّانة بعد تراكم ديونها بشكل كبير. وتظاهر جموع من العمال احتجاجًا على تأخر صرف مرتباتهم.

تحدث «مدى مصر» إلى تسعة مصادر من داخل الشركة وخارجها من العاملين في سوق الدواء، اشترط أغلبهم عدم الكشف عن هوياتهم، لمعرفة وقائع ما حدث بين الصعود السريع والانهيار الكبير. ما روته المصادر يكشف عن «مال سائب» تسبب سوء الإدارة في تضييعه، ويشرح جزءًا من طبيعة بيئة الأعمال في مصر في قطاع حيوي مثل الدواء.

caption
تصوير: صفحة «19011» على فيسبوك

يعتمد سوق الدواء في مصر بالأساس على صيدليات صغيرة يمتلكها أفراد. بحسب قانون مزاولة مهنة الصيدلة، لا يُسمح للصيدلي بتملك أكثر من صيدليتين. الهدف هو الحفاظ على سوق الدواء من الاحتكار.

لكن نمطًا جديدًا من العمل بدأ في الانتشار، خصوصًا خلال العقدين الأخيرين. انتشرت سلاسل من الصيدليات في مصر كلها أشهرها «العزبي» و«رشدي» وغيرها. ولأن هذا يخالف القانون، اعتمدت هذه السلاسل على أسلوب جديد. تحولت الصيدليات إلى شركات إدارة صيدليات، تتعاقد مع صيادلة مختلفين لتسجيل هذه الصيدليات باسمهم في الأوراق الرسمية مقابل مبلغ شهري ثابت. لكن، كل صيدلية تحمل العلامة التجارية لهذه السلسلة الأكبر. يعني هذا أن الأغلبية العظمى من هذه الصيدليات التي تحمل علامة العزبي -مثلًا- ليست مملوكة قانونًا لها، وإنما يمتلكها صيادلة أفراد.

تسببت هذه المقاربة في خلافات كبيرة. اعترضت نقابة الصيادلة مرارًا على هذه الممارسة باعتبارها التفافًا على القانون. وفي المقابل، جادلت الشركات أنها لا تخالف القانون، لأنها لا تمتلك هذه الصيدليات، وإنما تديرها فقط مقابل نسبة من الأرباح. ولم تتمكن أحكام قضائية مختلفة من إنهاء هذا النزاع.

في هذه البيئة، بدأت شركة «ألفا» المالكة لصيدليات 19011 العمل. بحسب السجل التجاري، تسجلت الشركة في 2016 كشركة لإدارة الصيدليات. أحمد الأنصاري، رئيس مجلس إدارة الشركة، أشار في حوار صحفي أواخر 2019، أنها تأسست من شراكة بين سبعة صيادلة يمتلكون صيدليات مختلفة. بدأت سلسلة الصيدليات «بداية هادئة»، بحسب وصفه، في مطلع 2017 بعشر صيدليات فقط، امتلكوا بعضها، وأداروا البعض الآخر. وبحلول آخر العام، وصل عدد الصيدليات التابعة إلى 20، قبل أن تدخل ما أسماها مرحلة «النمو الكبير».

تحول «النمو الكبير» إلى هوس يحكم نشاط الشركة، ومثّل عام 2018 نقطة تحول وانطلاقة حقيقية لها. بحسب الأنصاري، حددت الشركة استراتيجيتها وشكّلت فرق عمل مختلفة لتبدأ التوسع في محافظات مختلفة.

ومع بداية 2019، بدأت العلامة التجارية لسلاسل الصيدليات في الاستحواذ على انتباه السوق. قدمت الصيدليات عروض متميزة على بضائع مختلفة شملت خصومات وهدايا مختلفة. وتوسعت الشركة في لافتاتها الدعائية التي أغرقت شوارع المدن الكبرى. وأنُتجت إعلانات يقدمها مشاهير يؤكدون أنها «أحلى صيدلية في مصر».

لم تتوقف شهية الشركة عن التوسع. في مارس 2019، استحوذت الشركة على سلسلة صيدليات «الإيمدج» في صفقة لم يُعلن عن قيمتها. ووصلت هذه الشهية إلى قمتها في أبريل الماضي، عندما استحوذت على سلسلة صيدليات «رشدي» في صفقة بلغت قيمتها 362 مليون جنيه، تُعد الأكبر في تاريخ هذا السوق. وارتفع عدد الصيدليات التي تحمل اسم «19011» إلى 300 صيدلية لتصبح أكثر السلاسل انتشارًا في مصر.

يشرح موظف بقطاع الموارد البشرية في الشركة، وصيدلي في أحد فروعها، رؤية الشركة لاستراتيجية التوسّع. بحسب المصدرين، فإن التوسع بهذا الشكل خلال فترة زمنية قصيرة كان بسبب رغبة الإدارة في سحب بضاعة جديدة من شركات التوريد بضمان هذه الصيدليات، والتي تؤّمن لهم إمكانية الحصول على قروض تمكنهم بدورها من توسع جديد. وبسبب هذا، اضطرت الشركة لعرض أكبر سعر إيجار للصيدليات في مصر، خصوصًا للفروع الكائنة في شوارع رئيسية ومهمة، والتي تُثري «البروباجندا» التي خططوا لها، والتي تدعم خطتهم في التوسع في ظل ضعف السيولة النقدية.

لكن، بالنسبة للعديد من العاملين في سوق الدواء، مثّلت صفقة «رشدي» تحديدًا بداية الانهيار. أحد أهم الأسباب هو أنها دفعت الشركة للتوسع في ممارسة شهيرة داخل قطاع الدواء، تُعرف باسم «الحرق».

يشرح رئيس شركة إدارة صيدليات لـ«مدى مصر» عملية الحرق: تشتري الصيدلية أدوية من شركات التوزيع بنظام «الآجل» بمبلغ معيّن، لنقل 100 مليون جنيه، على أن تسدد السلسلة هذا المبلغ بعد ستة أشهر. في واقع الأمر، لا تحتاج السلسلة لكل هذه الأدوية، لأن احتياجاتها التشغيلية تقل عن هذا كثيرًا، لنقل 20 مليون جنيه فقط. ماذا تفعل الصيدلية بالأدوية المتبقية وقيمتها 80 مليون جنيه؟ «تحرقهم في مخزن»، أي تبيعهم لمخزن دواء بسعر أقل من سعرها الأصلي.

تستخدم الصيدلية أموال هذا البيع كسيولة نقدية للحفاظ على استمرار تشغيل عملياتها، أو تستثمر جزءًا منها في مجالات أخرى ذات ريع أكبر، مثل البورصة والعقارات، لتعويض الخصم الذي خسرته في عملية الحرق. عندما يحين موعد سداد قيمة الأدوية لشركات التوزيع، تسددها السلسلة من خلال دورة حرق أخرى أو أرباح استثماراتها. وهكذا تمضي الدورة.

بحسب ستة من العاملين السابقين والحاليين في السلسلة، اعتمدت «19011» على عملية الحرق لتوفير احتياجاتها الأساسية والتوسع في شراء صيدليات جديدة.

أكّد المصدر الأخير أن ممارسة «الحرق» شائعة في سوق الأدوية، لكنها، بحسب وصفه، ممارسة «شِمال»، لأن بها مخاطر كبيرة. وبحسب المصادر، كان لتلك الممارسة دور بارز في استفحال أزمة «19011» لاحقًا، خصوصًا بعد الاستحواذ على «رشدي».

إلى جانب هذا، اتسمت عملية إدارة السلسلة بعشوائية وإهمال أجمعت المصادر على أنها غير مسبوقة في أعمال بهذا الحجم في سوق الدواء. يشرح مسؤول سابق في قطاع المخازن المسؤولة عن استلام الأدوية من شركات التوريد في صيدليات «رشدي» وتوزيعها على الفروع وفقًا لاحتياجاتها ومبيعاتها، والذي انتقل للعمل في «19011» بعد الاستحواذ، التغير الذي حدث في أسلوب الإدارة بعد الصفقة.

«كان دوري تسهيل نقل البيانات من سيستم رشدي لـ 19 بعد الدمج»، يقول المسؤول لـ«مدى مصر». قابل المسؤول محمود السيسي، أحد ملاك السلاسل، لأول مرة لتنسيق عملية الانتقال بعد أيام من إتمام الصفقة. وخلال اللقاء، شرح المسؤول أن عملية الانتقال تحتاج أربعة شهور على الأقل، لكن السيسي طلب إتمامها خلال شهر واحد فقط. حاول المسؤول شرح أهمية العمل الذي يقوم به وإمكانية خسارة «ملايين» في حالة وجود أخطاء في تسجيل الأكواد التي يعمل على نقلها، ولكن الرد كان «ياعم إنت قلقان ليه؟ أي حاجة هتمشي وتعدي»، طبقًا له.

caption
تصوير: صفحة «19011» على فيسبوك

بعد الاجتماع، قرر المسؤول ترك العمل بالسلسلة عقب إنهاء مهمته لأنه توقع فشلها في أقرب وقت، بحسب قوله، وهو القرار الذي نفذه فعلًا بعد شهرين فقط.

خلال الشهرين، شهد المسؤول تخبطًا إداريًا لم يشهده من قبل خلال سنوات عمله في مجال الدواء. في الوضع الطبيعي، تتسلم المخازن الأدوية ومنتجات التجميل لتبدأ عملية مراجعتها وتصنيفها. «لازم أراجع اللي استلمته الأول، أتأكد من سلامته، وعدده، وأسجله على السيستم، كل ده بيحتاج خمسة أيام على الأقل». بعدها، تُوزع البضائع على الفروع وفقًا للبيانات التي يعدها مسؤولو المخازن بناءً على مبيعاتها وتقييم احتياجاتها.

لكن الوضع في «19011» لم يكن طبيعيًا. «كانوا بيتعاملوا مع الأدوية والمنتجات كأنها شحنة رمل»، يقول المسؤول. قرر أحمد النجار، ابن أخو مصطفى النجار، أحد مؤسسي السلسلة وأحد مسؤولي صفقة الاستحواذ، والمسؤول القانوني الذي تصدر مشهد إدارة الشركة، توزيع البضائع على فروع الجمهورية في نفس يوم وصولها المخزن الرئيسي، بشكل أجبر مسؤولي المخازن على عدم اتباع بروتوكولات تسلم البضائع، بحسب المسؤول.

وطبقًا له، قرر النجار كذلك أن يتم التوزيع على فروع الجمهورية، البالغ عددها أكثر من 300 فرع، بشكل «يدوي»، أي بدون تسجيل بيانات وأرصدة البضائع على سيستم الشركة. «كان بيقولي اكتب في ورقة سلمت كل فرع إيه، وإبقى انقلهم على السيستم براحتك»، يقول المسؤول.

يتذكر المصدر أن المخزن الرئيسي تسلم بضاعة جديدة قبل بدء عروض عيد الفطر في مايو الماضي. تلقى المسؤول مكالمة هاتفية من النجار يعترض على توزيع أدوية ومنتجات أقل في بعض الفروع، ويأمر بتوزيع كميات أكبر حتى من احتياجاتها. «طب لو صيدلية بتبيع من نوع معين 10، أديلها أنا 100 ليه؟ طيب ما دي فلوس مركونة بتخسرني، الصح أوديها صيدلية بتبيع علشان الفلوس دي تدور وتجيبلي فلوس أكتر»، يقول المسؤول.

تسبب هذا في تراكم بضائع زائدة عن حاجة مختلف الفروع فعلًا. واستدعى الأمر تشكيل لجنة لجرد ورفع هذه البضائع الزائدة بعد انتهاء موسم رمضان والعيد. أحد أعضاء لجنة الجرد أوضح لـ«مدى مصر» أنهم اكتشفوا بضائع زائدة بمليون ونصف جنيه في أربعة فروع فقط.

استمر هذا التخبط طوال الشهور التالية. خلال جرد آخر قامت به في نوفمبر الماضي، اكتشفت لجنة الجرد وجود بضاعة بما يوازي 2 مليون و700 ألف جنيه في فرع «مول كايرو فيستيفال» قبل إغلاقه، رغم أن البضاعة المسجلة تساوي مليون و600 ألف جنيه فقط، يقول عضو اللجنة. «دول كان ممكن يتسرقوا من الفرع عادي ومحدش هيحس بيهم، وأكيد في قدهم اتسرق قبل الجرد».

بحسب تعبير المسؤول، «كان مال سايب، أي حد كان يشوف تصرفاتهم وعدم خوفهم على المال، يحلف إنها مش فلوسهم».

إلى جانب هذا «المال السايب»، طالت هذه الفوضى الإدارية عملية التوظيف واختيار المسؤولين. عدد من العاملين الحاليين بالسلسلة أشار إلى زيادة أعداد الموظفين وسوء توزيعهم على الفروع والمناصب، فضلًا عن تعيين أقارب وأصدقاء المسؤولين بدون خبرات ومهارات حقيقية، ما خلّف وظائف عديدة لا أهمية لها، وبمرتبات أعلى من متوسط السوق. «المخزن اللي ممكن يديره 15 فرد هم شغلوا فيه 50 فرد» يقول المسؤول.

يشير عضو لجنة الجرد إلى أنه تسلم عمله وبدأ مهمة الجرد بعد انتهائه من مقابلة العمل مباشرة. «كان آخر سؤال في الإنترفيو: عندك شنطة سفر؟ طب يلا عشان هتروح إسكندرية» بدون استكماله حتى لأي أوراق رسمية، يتذكر. نتج عن هذا، بحسب المسؤول، تعيين عدد من الموظفين سبق لهم العمل في «رشدي» لكنهم طُردوا بسبب شكوك في ذممهم المالية. هذه المرة، تولى بعضهم مناصب أعلى مما سبق لهم العمل فيه.

وفي ظل غياب نظام رقابي جيد، فُتح المجال لسرقات واختلاسات لا حصر لها بالفروع من العاملين. يشير عضو لجنة الجرد إلى أنه اكتشف خلال جرد عشوائي على صنفين فقط من كل نوع في أحد فروع منطقة إمبابة عجزًا وصل إلى 53 ألف جنيه. «ده رقم ضخم جدًا لإنه جرد على صنفين من كل نوع، أمال لو عملنا جرد لكل محتويات الصيدلية هنلاقي ايه؟»، يقول.

حاول «مدى مصر» التواصل مع عدد من ملاك السلسلة للرد على هذه الادعاءات دون رد. الرد الوحيد جاء من أكرم الزغبي، المدير الحالي للسلسلة، والذي وعد مرارًا بالرد على أسئلتنا دون أن يحدث هذا حتى وقت النشر.

caption
تصوير: صفحة «رشدي» على فيسبوك

استمر النهج ذاته: الحرق والتوسع والقروض والتوسع مجددًا، إلى جانب فوضى طالت إدارة كل جوانب العمل، حتى أوقف وباء كورونا هذه الدائرة.

يوضح رئيس شركة إدارة الصيدليات، أن الوباء تسبب في انخفاض حاد في المبيعات بسبب حظر التجوال الذي فرضته الحكومة في مارس الماضي، واستمر عدة أشهر. عجزت الصيدليات عن توفير الخدمات بنفس الطاقة. ودفع الركود وحالة عدم اليقين الاقتصادي بعض مخازن الأدوية للتوقف عن شراء أدوية إضافية حتى ينفد مخزونها.

تسبب هذا في تعطيل عملية «الحرق» التي اعتمدت عليها «19011» لتوفير السيولة النقدية. ومع إغلاق المخازن أبوابها في وجه «19011»، بدأت ديونها لشركات التوريد في التراكم، ما دفع هذه الشركات للتوقف عن توريد أي بضاعة لها حتى سداد المستحقات. وظهرت أزمة نقص ضخمة في البضائع.

صيدلانية سابقة عملت في كول سنتر السلسلة منذ افتتاحها، أوضحت أن أزمة نقص البضائع في فروع الصيدلية استفحلت بعد صفقة «رشدي» والركود الذي تسبب فيه الوباء. «كانوا يعلنوا على الصفحة وفي إعلانات الشوارع عن عروض على حاجات مش موجودة أصلًا»، تقول الصيدلانية لـ«مدى مصر».

وفي ظل أزمة السيولة النقدية، تسبب سوء الإدارة والارتفاع المبالغ فيه في عدد العمالة والإيجارات الضخمة، في أزمة داخلية كبيرة.

وفقًا لموظف الموارد البشرية، حاولت الإدارة في البداية إبعاد مشكلة السيولة النقدية عن الفروع حتى لا تتأثر سمعتها، فتوجهت إلى تأخير مرتبات الإدارة واستمرار مرتبات العاملين في الفروع والكول سنتر في مواعيدها. ولكنها لم تستطع الالتزام بهذه الخطة لوقت طويل.

تؤكد سارة علي، صيدلانية عملت بكول سنتر «رشدي» قبل أن تنتقل إلى «19011» مع الاستحواذ، على الفارق الكبير الذي شعرت به بين السلسلتين. مع الإدارة الجديدة، واستفحال الأزمة، بدأت رواتب العاملين في التأخر تدريجيًا. في البداية اقتصر التأخير على عدة أيام قبل أن تتسع المدة في يوليو الماضي، لتصل إلى ثلاثة أشهر. كما بدأت الإدارة في دفع الرواتب على دفعات تصل إلى ثمانية خلال الشهر، طبقًا لها.

بدأت مجموعات من العاملين في نوفمبر الماضي الاحتجاج بشكل محدود عند مقر إدارة الشركة في منطقة مشعل بالهرم على تدهور الأوضاع وتأخر المرتبات. لكن، دائرة الاحتجاجات اتسعت بشكل كبير منذ يناير الماضي، بحسب عدد من المصادر، آخرها كان اعتصام نظمه موظفو المخزن قبل أسبوعين عند مقر الإدارة، ورفضوا الانصراف قبل سداد مستحقاتهم المتأخرة. قابلت الإدارة هذا الاعتصام بعنف، بحسب موظف الموارد البشرية، حيث اشتبك معهم بودي جاردات الإدارة، وهددهم أحدهم بسلاح ناري ليتفرق الحشد.

استمر الانهيار دون أفق للنجاة. اضطرت الشركة إلى إغلاق عشرات الفروع في أنحاء الجمهورية، وتسريح عدد من العاملين في الإدارة ومختلف الفروع. وبحسب موظف الموارد البشرية، يتكفل كل فرع حاليًا بدفع إيجاره وجزء من رواتب العاملين به وفقًا لمبيعاته.

ومع نقص العاملين، عقدت الإدارة اجتماعًا مع عدد من الموظفين في المقر الرئيسي للشركة قبل أيام لإقناعهم بالانتقال للعمل في بعض الفروع لتغطية هذا النقص، وهو الأمر الذي رفضوه.

على الجانب الآخر، امتنعت جميع الشركات عن توريد بضاعة جديدة إلى السلسلة، باستثناء شركة وحيدة اشترطت الحصول على مقابل بضاعتها نقدًا دون تأجيل، بحسب الموظف.

كما بدأ عدد من هذه الشركات ملاحقة ملاك السلسلة قضائيًا للحصول على مستحقاتها. أحد هذه الشركات، «رامكو فارم»، حصلت في نوفمبر الماضي على أحكام قضائية ضد أحمد النجار، باعتباره الممثل القانوني للشركة، وصل مجموعها إلى 100 سنة سجن بسبب تقديمه شيكات بدون رصيد لتغطية إجمالي مديونيات 50 مليون جنيه مقابل توريد أدوية، بحسب مصدر مطلع يعمل بها.

اعتبر عدد من المصادر أن الحل الوحيد للخروج من هذا الانهيار سيكون استحواذ طرف آخر يملك عباءة مالية على السلسلة المتعثرة. أشار تقرير صحفي نشره موقع «القاهرة 24» قبل أسابيع إلى أن شركة «المتحدة للصيادلة لتجارة الأدوية» دخلت مفاوضات للاستحواذ على 50% من «19011»، وهو الأمر الذي نفته «المتحدة».

على الرغم من النفي، يأمل رئيس شركة إدارة الصيدليات أن تكون صفقة الاستحواذ هذه، أو أي صفقة استحواذ أخرى على «19011»، صحيحة. بحسب رأيه، فإن استمرار أزمة مديونيات السلسلة يهدد سوق الدواء بأكمله، لأن تراكم مديونيات بمئات الملايين لدى شركات التوزيع يؤثر على قدرتها على شراء الدواء من المصانع، ما قد يؤدي إلى توقفها. بحسب رأيه، فإن دفع هذه المديونيات باستخدام الصيدليات بديلًا عن الأموال قد يمثل أملًا في خروج السوق من هذا المأزق.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن