15 فيلمًا من الدورة الـ15 لـ«بانوراما الفيلم الأوروبي»
ترشيحاتنا لأهم أفلام البانوراما
من 1- 10 ديسمبر نكون على موعد مع الدورة الـ15 لبانوراما الفيلم الأوروبي، وأفلام منتقاة من أهم المهرجانات السينمائية الأوروبية لهذا العام. تختلف هذه النسخة في استحداثها أقسامًا جديدة بدلًا من أقسامها المعتادة، مقدمة 34 فيلمًا حديثًا موزعة على ستة أقسام وهي «شقوق حميمة» و«أن ترى» و«تقمص» و«مستضعفون» و«في السر» و«مناطق وعرة»، بالإضافة لقسم خاص بالعروض الاستعادية للمخرج الفرنسي جان لوك جودار يضم ستة من أعماله. تقام العروض في سينما زاوية وسينما الزمالك.
نقدّم هنا ترشيحاتنا لأهم أفلام هذه الدورة، لنساعدكم في تنظيم جدول المشاهدة. بعد تحديد اختياراتكم، يمكنكم الاطلاع على المواعيد هنا، وحجز التذاكر أونلاين هنا.
«قريبان/ Close» (بلجيكا، فرنسا)
كتابة وإخراج: لوكاس دونت

في 2018 كان المخرج البلجيكي الشاب بمثابة الاكتشاف العظيم لمهرجان كانّ بفيلمه الطويل الأول «فتاة»، المتوّج بجائزتي الكاميرا الذهبية والكوير بالم، وجائزة فيبريسي للنقاد الدوليين، وجائزة التمثيل في «نظرة ما» لبطله فيكتور بولستر. فيلمه الروائي الثاني، المحتفى به أيضًا في «كانّ» هذا العام، لا يصل إلى مستوى جرأة باكورته، لكنه يؤكّده صانع أفلام يملك حساسية استثنائية.
ليو وريمي (إيدن دامبران وجوستاف دو واندل، كلاهما مبتدئان أمام الكاميرا) صديقان مقرّبان، في الـ13 من العمر، السنة الأولى من المدرسة الثانوية. صداقتهما حميمة جدًا، ووثيقة جدًا، ومكثفة جدًا، تقودهما إلى أن يكونا محطّ سخرية الزملاء وتنمّرهم واتهامهم إياهما بالمثلية. ينامان في منازل بعضهما البعض، ويتشاركان رحلات طويلة بالدراجة عبر مناظر طبيعية خلابة، ويرافقان بعضهما البعض في الحياة اليومية.
حتى -بشكل شبه حتمي وبطبيعة الحال- تظهر الاختلافات بينهما، وينقطع الاتصال، وتدخل إلى المشهد مشاعر الغيرة، والحسد، وخيبة الأمل، والبحث الفردي (ليو، مثلًا، يغامر في هوكي الجليد). ليس ملائمًا الكشف عن أي شيء آخر لأن «قريبان» هو أحد تلك الأفلام التي يمكن لمعرفة تفصيل معيّن الانتقاص كثيرًا من الاستمتاع (أو تعقيد) بالتجربة التي يقترحها.
أبعد من بعض قرارات السيناريو الحادّة نسبيًا (والتي ظهرت أيضًا في «فتاة»)، يُظهر دونت قدرة على الملاحظة، ودقّة، وحساسية، وقدرة على التعامل مع حواف متعددة وفروق دقيقة تجعله صانع أفلام فريدًا. هنا، في لحظة معيّنة، يمرّ الصراع عبر تناقضات الأجيال، والطرق المختلفة التي يعالج بها الكبار والمراهقون المواقف المتطرّفة والمؤلمة.
«قريبان» -الذي يملك بعض نقاط الاتصال مع «عالم» لورا واندل، البلجيكية كذلك- بسيطٌ في مظهره، نبيلٌ في اقتراحه، عميقٌ في التحقيق في سيكولوجية شخصياته؛ يقارب التحيّز ضد المثليين من منظور غير منحاز، والتكيّف الاجتماعي والفرضيات الغَيْرية برهانٍ متحرّر. فيلم عن الاتصال الإنساني والصداقة وفقدانهما في فترة التكوين، عن حاجة المرء للتعبير عن هشاشته في ثقافة مطبوعة بالذكورية السامّة، تمرين عاطفي وقاسٍ عن فقدان الحنان. عمل ثانٍ لافت لهذا المخرج البالغ من العمر 31 عامًا فقط.
تتويجات وترشيحات
مهرجان كانّ السينمائي: جائزة لجنة التحكيم الكبرى/ مهرجان إشبيلية السينمائي: جائزة لجنة التحكيم الكبرى وأفضل ممثل (إيدن دامبران)/ جوائز الفيلم الأوروبي: خمسة ترشيحات، بينها أفضل فيلم/ جوائز الأفلام المستقلة البريطانية: أفضل فيلم دولي مستقل.
«رحيق عطلة صيف/ Aftersun» (بريطانيا)
كتابة وإخراج: شارلوت ويلز

أولًا سيتملّك المرء شعور بوجود الشمس خلفه بالفعل، بعد يوم عمل طويل، وسيحسّ بطبطبة الكريم المرطّب الذي وضعه لتوّه على جسمه المتعب. نحن في منتجع سياحي تركي في التسعينيات. مكان غريب بقدر تميّزه يعطي لمسة أصيلة للفيلم. هناك، قضى أبّ شابّ وابنته عطلتهما الصيفية. الأبّ هو كالوم (بول ميسكال) وابنته المشرقة صوفي (فرانشيسكا كوريو)، التي بالرغم من أنها تعيش مع والدتها، إلا أن صداقة وثيقة تربطها بوالدها. صوفي مليئة بالفضول وبهجة الحياة، وبانتظام ستسبّب تعليقاتها غير المبالية الضحك، سواء من نزلاء منتجعها الفندقي أو من جمهور السينما.
لكن خلف تلك الخفّة البادية، يعمّ الفيلم حزن عميق. المرض العقلي ليس دراميًا ومثيرًا دومًا. إنه إجابات معيّنة، نظرات فارغة. يصوّر الفيلم بذكاء وهدوء هذا الموضوع في الحياة اليومية لبطليه، ويُظهر أنه حتى الأطفال لا يمكنهم إنقاذ آبائهم. مثل بصلة تقشّرها بشكل متكرر حتى تصل إلى جوهرها، تتأمّل صوفي مباهج وأحزان العطلة التي قضتها مع والدها قبل 20 عامًا. تملأ الذكريات الواقعية والمتخيّلة الفجوات بين لقطات عائلية أرشيفية في محاولتها التوفيق بين الأبّ الذي عرفته والرجل الذي لم تعد تعرفه.
بورتريه جميل ورائع عن التواطؤ الذي ينشأ بين اثنين، ليس فقط في الخيال بل في الواقع أيضًا. يجلس الممثل المحترف بول ميسكال لينظر في عيون فرانشيسكا كوريو الصغيرة، التي لم تظهر في فيلم قطّ. وبفضل ذلك، فإن طبيعية حركاتها وطريقة تمثيلها تأتي بديعة ورائعة. تعطي شكلًا لقصّة رقيقة وخام، تنقل الجمهور إلى أكثر ذكرياته عاطفية وأعمق مشاعره.
مستلهمة بشكل واضح من المخرجة شانتال أكرمان، تنجز شارلوت ويلز أول فيلم روائي طويل لها وتدشّن أسلوبها الخاص أيضًا. مع جماليات وتركيبات دقيقة وغنية. تغلّف العلاقة بين صوفي ووالدها بجوّ مثالي يسمح باللعب مع توقعات الجمهور. كما في صورة بولارويد، يُكشف عن الواقع شيئًا فشيئًا، بإيقاع دقيق وحسّاس، ليترك في النهاية بصمة لا تمحى في نفوس المشاهدين.
تتويجات وترشيحات
جوائز الروح المستقلة: خمسة ترشيحات، من بينها أفضل ممثل رئيسي وأول فيلم/ جوائز الأفلام المستقلة البريطانية: 14 ترشيحًا، من بينها أفضل فيلم/ جوائز جوثام: ثلاثة ترشيحات، من بينها أفضل فيلم/ جوائز السينما الأوروبية: رشّح لأفضل ممثل (بول ميسكال).
«العاديون/ The Ordinaries» (ألمانيا)
كتابة: صوفي لينينباوم، وميكائيل فيتر ناتانسكي
إخراج: صوفي لينينباوم

هل شعرت يومًا بأنك شخصية ثانوية في حياتك؟ ماذا لو كنت حقًا كذلك؟
يلعب الفيلم مع إمكانات هذه التساؤلات عبر حبكة تدور في أجواء من الكوميديا السوداء والهجاء الاجتماعي والخيال العلمي. قصتة بسيطة: في مجتمع سينمائي قمعي مكون من ثلاث طبقات رئيسية هي الشخصيات المساعدة والشخصيات الرئيسية والمحذوفات Outtakes؛ باولا، المنتمية لطبقة الممثلين/الشخصيات المساعدة البسيطة، على وشك مواجهة أهم اختبار في حياتها: عليها أن تثبت استحقاقها لأن تكون شخصية رئيسية. لكن قبل الاختبارات النهائية مباشرة، يتعطل مشغّلها الموسيقى الذي تحبّه، وهو ما يمثّل مشكلة كبيرة بالنسبة لها. لا يمكن أن يصمد ترقّيها الاجتماعي المنتظر من دون أن ترافقها موسيقى عاطفية رائعة. بحثًا عن حل لمعضلتها، تجد نفسها في هاوية العالم السينمائي، على أطراف القصة وضائعة بين المحذوفات.
في أول أفلامها الطويلة تتشارك صوفي لينينباوم الكثير من الأفكار مع الجمهور حول صناعة الأفلام، لكنها تفعلها بطريقة مختلفة تمامًا عن المعتاد. لا تصحبنا إلى ما وراء الكواليس، ولا تأخذنا إلى مواقع التصوير، حتى إنه لا وجود لفيلم حقيقي يجري تصويره في حكاية «العاديون». بدلًا من ذلك، تجلب المخرجة المفاهيم الفيلمية نفسها إلى الحياة، مثل اللقطات المحذوفة Outtakes، التي يتضّمن الفيلم انتفاضة باسمها، قضى فيها والد البطلة منذ سنوات بعيدة. كل هذا يعد بواحد من أغرب الأفلام وأكثرها أصالة.
تتويجات وترشيحات
مهرجان كارلوفي فاري السينمائي: المسابقة الرسمية/ مهرجان ميونخ السينمائي: أفضل إخراج.
«الحديث عن الطقس/ Talking About the Weather» (ألمانيا)
كتابة: أنيكا بينسكه، ويوهانس فلاخماير
إخراج: أنيكا بينسكه

لقد فعلتها كلارا (آن شيفر) أخيرًا. غادرت مكان مولدها ونشأتها (بلدة صغيرة في شرقي ألمانيا)، لتعيش حياة مستقلة في برلين كطالبة دكتوراه في الفلسفة. بين طموحاتها المهنية، وعلاقة غرامية مع أحد طلابها (مارسيل كوهلر) وصداقتها الصعبة مع مشرفة الدكتوراه (جوديث هوفمان)؛ لا وقت كاف لعائلتها. حين تعود كلارا إلى منزلها الأول مع ابنتها المراهقة لحضور حفل عيد ميلاد والدتها الستين، تدرك إلى أي مدى ابتعدت عن جذورها في بحثها عن حياة مستقلة، وتسائل نموذجها عن الحياة الحرّة المثالية.
مثل بطلتها، وُلدت وعاشت المخرجة أنيكا بينسكه في بلدة صغيرة تابعة لمدينة براندبورغ شمالي شرق ألمانيا، ما يضيف إلى النصّ بعدًا ذاتيًا و شخصيًا. عملت المخرجة سابقًا مع مارين آدي في فيلم «توني إردمان» (2016)، كما فازت بجائزة الفيلم القصير الألماني عن فيلمها «واجب منزلي» (2016). في فيلمها الطويل الأول تجمع بإنسانية وذكاء بين الجوانب المختلفة للمجتمع الألماني المتنوع، بدراما عائلية تلامس الكثير: الطبقية، والاغتراب بين المدينة والريف، وأصول وإرث تقسيم ألمانيا، والثمن الذي تدفعه امرأة ملتزمة بمسارها المهني مقابل اختيار حياتها.
عبر حوارات مرحة وموجهة وملاحظات شخصية دقيقة، يروي الفيلم قصة مترقّية متعلّمة من ألمانيا الشرقية تتراوح بين الحياة اليومية في المدينة -المتروبوليس والنشأة في المقاطعة/الريف. في جوهره، «الحديث عن الطقس» فيلم عن أهم النقاشات الألمانية في الوقت الحاضر: الصراعات المعقدة بين الشرق والغرب، المدينة والريف، وبيئة الطبقة العاملة والنخبة الأكاديمية.
لكن ليس هذا فحسب، وإنما يمكنه أن يكون صلات بسياقات مختلفة تمامًا، كدراما اجتماعية ذكية عن البيت والجذور والتحرّر، وصراع الهوية، والانقسام الاجتماعي، والترقي عبر التعلم، وحاجة المرء لإعادة اختراع ذاته في بيئة مألوفة ومختلفة في آنٍ.
تتويجات وترشيحات
مهرجان برلين السينمائي: البانوراما
«بندول الإيقاع/ Metronom» (رومانيا)
كتابة وإخراج: ألكسندرو بيلك

بوخارست، خريف 1972، زمن ديكتاتورية تشاوشيسكو الرهيبة. آنا (الوافدة الجديدة الرائعة مارا بوجارين)، 17 عامًا وتعاني لأن حبيبها سورين (سيربان لازاروفيتشي) قد يهاجر، حيث تحصلت عائلته أخيرًا على تصريح بالسفر إلى الخارج. في منزل أحد الأصدقاء، تُهيئ حفلة في غياب الوالدين، وتبدو فرصة مثالية لتذوق بعضًا من تلك الاستقلالية والتجربة المرغوبة لمن في عمرها. تعترض والدتها على خروجها بسبب اقتراب امتحانات الشهادة الثانوية، لكنها تقنع والدها وتتسلل خارجًا.
في الحفلة سيكون هناك كحول و-بالطبع- جنس ومخدرات وموسيقى روك آند رول. يستمع الأولاد والبنات إلى «مترونوم»، البرنامج الموسيقي الذي تبثه إذاعة أوروبا الحرّة سرًا في رومانيا ومن خلاله يستطيع هؤلاء المراهقين الاستماع لأغاني الروك باللغة الإنجليزية: جيمي هندريكس، وجانيس جوبلين، وذا دوورز (خصوصًا ذلك التسلسل الجميل الذي يُحيا فيه مغني الفرقة جيم موريسون، المتوفي قبل بضعة أشهر، أثناء مشهد حميمي يمتد لعشر دقائق فيما في الخلفية تُلعب أغنية «Light My Fire»).
بين صخب الموسيقى وسوء الفهم والخيبات الليلية، تقتحم الشرطة السريّة المشهد: مداهمات، واعتقالات، ودفع للشباب للإقرار بذنبهم، وكتابة وتوقيع اعتذار رسمي. هذه أوقات مراقبة، ضبط، إرهاب، إدانة، خوف. ديكتاتورية خالصة. يجب سحق أي إيماءة تمرد طفيفة، وعملاء الأمن يعرفون جيدًا كيفية القيام بذلك (فعال واستثنائي ذلك الممثل فلاد إيفانوف في مشهد الاستجواب المطول).
بعيدًا عن بعض اللحظات العابرة أو العسيرة أو المبرزة عمدًا، يأتي هذا العمل الروائي الأولى للكاتب والمخرج ألكسندرو بيلك وفيًا لتقاليد وأعراف سينما النضوج، لكن تلفه تلك النبرة الصارمة والمتقشفة المميزة لجزء كبير من السينما الرومانية المعاصرة (أحد منتجي الفيلم الرئيسيين هو المخرج كاتالين ميتوليسكو).
ربما لا يكون التباين بين براءة المراهقين وتوقهم للتحرر من ناحية، ونظام الدولة القمعي والمستبد من ناحية أخرى، دقيقًا كما يتوقع المرء؛ ولكن هناك حساسية وطبيعية في تصوير آنا ورحلتها المفجعة يستحقان التقدير. وهكذا ينضم بيلك إلى قائمة متطاولة (لحسن الحظ) من صانعي الأفلام الرومانيين الواجب متابعتهم عن كثب.
تتويجات وترشيحات
مهرجان كانّ السينمائي: أفضل إخراج (مسابقة «نظرة ما»)
«الفتاة الهادئة/ The Quiet Girl» (أيرلندا)
كتابة وإخراج: كولم باريد

ريف أيرلندا 1981. كايت (كاترين كلينش)، تسع سنوات، تواجه محن حياة الفقر بإيجاد ملاذ هادئ في عالمٍ يخصّها وحدها. تكافح بهدوء في المدرسة والمنزل، وتتعلم الاختباء عن أنظار المحيطين بها: مراقبة حساسة لجمال الأشياء الصغيرة من حولها. مع حلول الصيف واقتراب موعد ولادة أمّها، من جديد، تُرسل للعيش مع أقارب بعيدين لا تعرفهم: زوجان في منتصف العمر، بدون أطفال، لم تقابلهما من قبل. في ابتعادها عن عائلتها، المفككة المكتظة الفقيرة المثقلة بالأعباء، تشعر بعاطفة عميقة ربما للمرة الأولى في حياتها.
تكمن فضيلة هذا الفيلم في ما لا يُقال، وبه يقدم مخرجه الأيرلندي كولم باريد واحدة من هدايا بانوراما هذا العام. الكلمات ليست ضرورية لإغناء القصة المروية على الشاشة، والقليل المنطوق منها مضبوط ومتقن الاختيار. تصوير الفيلم (كيت ماكدوناه) لافت وجدير بالتقدير، ويكفي وحده لترشيح الفيلم للمشاهدة: من خلاله يُشيد سجل مصور نفيس، سرد بصري شاعري يعتني بكل تفصيل وكادر. قرار الاعتماد على إطار كلاسيكي بأبعاد 4:3 يلعب دورًا ويضيف هالة نوستالجية جميلة. بطلة الفيلم الصغيرة تتألّق بنورٍ ذاتي، وينعكس تجسيدها للدور بشكل مثالي في إحدى أجمل القطع الغنائية والتصويرية للسينما الأوروبية هذا العام.
للمطلعين ومحبي الأدب الأيرلندي، الفيلم مقتبس عن قصة قصيرة بعنوان «حاضنة» للكاتبة المتميزة كلير كيجان. عنها يقول المخرج: «من الناحية الموضوعية، تطرقت القصة إلى العديد من المجالات التي تشغلني، والأشياء الحاضرة في أعمالي القليلة الماضية: الروابط المعقدة للأسرة، مسألة النمو العاطفي والنفسي، وبشكل حاسم، ظاهرة الحزن وقدرتها على تشكيلنا.»
تتويجات وترشيحات
جوائز الفيلم الأوروبي: أفضل تصوير سينمائي/ مهرجان برلين السينمائي: أفضل فيلم (مسابقة «Generation Kplus»).
«أرض الربّ/ Godland» (الدنمارك، آيسلندا)
كتابة وإخراج: هلينور بالمسون

هناك كلمات بالغة الدلالة تختصّ بها كل لغة عن غيرها، ومن بين تلك الكلمات Home التي لا مقابل دقيقًا لها في لغتنا العربية. للعودة إلى البيت/الوطن، أو Coming Home كما يقول التعبير الإنجليزي، تاريخ ممتد من القصص في صميم الثقافات. لكن ماذا تعني العودة للبيت/الوطن حقًا؟ ما الذي يجعل البيت/الوطن مسألة وجودية عميقة؟ والجواب، ببساطة، أنه من خلال قصص العودة هذه إلى المكان الأول، نحصل على فرصة للتفكير في هويّتنا، ومَن نحن، ومَن نريد أن نكون.
في أواخر القرن التاسع عشر، يسافر كاهن دانمركي شاب (إليوت كروسيت هوف) إلى منطقة نائية من آيسلندا للإشراف على بناء كنيسة أبرشية جديدة في مستوطنة دنماركية. لكن كلما تعمقت رحلته، في مشهد طبيعي لا يرحم، وظروف حياتية قاسية، كلما دخل في «التجربة» وابتعد عن هدفه ورسالته وأخلاقه.
يأخذ كاميرا لتوثيق المكان وأهله، ويسافر بالقارب رفقة العديد من العمال الآيسلنديين ومترجم. عند وصولهم، يلتقون بدليلهم الآيسلندي المعيّن، راجنار، الذي لا يثق بالدنماركيين. كلاهما على مذهبٍ مختلف، لا يتحدثان اللغة نفسها، التواصل بينهما صعب.. من هنا تبدأ الدراما. أشياء سيئة تحدث. ثم أشياء غامضة. قرارات حاسمة تؤخذ، وعلاقات مرفوضة تنشأ. الكاهن الغريب يدعو الله يائسًا كي يعود إلى بيته/وطنه.
تتكشف هنا دراما نفسية مكثفة حول الغطرسة الاستعمارية والتقارب الرقيق والهوية الثقافية واللغوية والتنافس الذكوري. هل يساعد الدين بقواعده الصارمة؟ الكاهن يصور ناسًا مختارين؛ شهادات لحياة عابرة تبقى في طبيعة أبدية، والتي في مرحلة ما تدفن الحيوانات والبشر في حضنها، كما يظهر في جثة حصان متحللة تحتل أحد المشاهد القوية في الفيلم. لا يمكن للقوة الاستعمارية إلا أن تفشل هنا.
فيلم قوي وهادئ، مثل الطبيعة في آيسلندا، بطله السرّي والأبرز هي تلك المناظر الطبيعية الملتقطة بجمالٍ وجلال. يذكّرنا بالروايات العظيمة للأيسلندي هالدور لاكسنس، الحائز على جائزة نوبل، الذي كرس أبرز كتاباته للتذكير بإرث الحقبة الاستعمارية الدنماركية في آيسلندا. كما هو الحال في المستعمرات الأوروبية الأخرى، يُستخدم الصليب أيضًا في آيسلندا للتبشير والهداية، لكنه سرعان ما يضيع هنا. بعمقٍ نفسي مقنع وممثلين مذهلين وكاميرا شعرية، لا يتمكّن هلينور بالمسون من كشف الجوانب المعقّدة للذهنية والسلوك الاستعماريين (والعنصريين) فحسب، وإنما أيضًا رواية قصة حبّ رقيقة، مؤطرة في بدايات التصوير الفوتوغرافي.
يستكشف «أرض الربّ» الروابط العائلية، والتسليم بالأسطورة أو الواقعية السحرية ربما. وهو أيضًا فيلم عن رحلة إلى الطموح والحبّ والإيمان ومخافة الله والحاجة والرغبة في أن تجد مكانك في كل هذا، لكي تُرى، لتكون جزءًا من شيء ما. يتعلق الأمر أيضًا بالتواصل والحوار مع الآخر الأجنبي والطريقة التي نتواصل (أو بالأحرى نسيء التواصل) بها. بالصراعات الداخلية والخارجية. بالإنسانية والطبيعة وكيف تتصادم هذه الأشياء مع بعضها البعض، من خلال الإنسان والحيوان والعالم من حولنا. فيلم حول ما يفرق بيننا وما يربطنا ببعضنا البعض. في نهايته، قد نكتشف أن الموت، ولا سواه، هو الشيء الوحيد الذي يربطنا ببعضنا البعض.
تتويجات وترشيحات
مهرجان كانّ السينمائي: مسابقة «نظرة ما»/ جوائز السينما الأوروبية: رُشّح لأفضل ممثل (إليوت كروسيت هوف).
«فيرا/ Vera» (إيطاليا)
كتابة: تيزا كوفي
إخراج تيزا كوفي وراينر فريمل

أحدث أفلام الثنائي تيزا كوفي وراينر فريمل (عُرض فيلمهما «مستر يونيفرسو» (2016) في نسخة سابقة من البانوارما) يبدأ وينتهي بشخصية تمشي في الشارع وتتابعها الكاميرا من ظهرها، في علامة أساسية لسينما معاصرة معينة، بدءًا مما يسمى «السينما غير الخيالية» وحتى المينمالية الخصوصية التي اخترعها جوس فان سانت في فيلميه «جيري» (2002) و«فيل» (2003).
لكن لا تقلقوا، لأن «فيرا» شيء مختلف تمامًا: لعبة بين الواقع والخيال تتخطّى كل الحدود لبناء عمل معقّد ورقيق لا ينضب معينه، سردي وواعٍ بذاته في الوقت نفسه. تأمل في الزمن والخسارة/الفشل، في الأشياء الصغيرة التي تصنع جوهر الحياة، في الحياة وانعكاساتها، ومن بينها -بالطبع- السينما، التي ينتهي بها الأمر هنا إلى توليد عاطفة حقيقية وتورّط وثيق في ما تعرضه، دون الحاجة إلى ألعاب مبهرة. فقط، عناية ورقّة وانتباه صانعي الفيلم وقدرتهما على الاستماع إلى الشخصيات ودخول الأرواح.
يبدأ كل شيء كفيلم وثائقي عن الممثلة فيرا جيما -ابنة جوليانو جيما الأسطوري، أحد ملوك «الويسترن سباجيتي» خلال الستينيات والسبعينيات- والتي تعيش في ظل والدها الشهير. يسير الفيلم على خطاها عبر مواقع وحفلات ومساحات شخصية، حتى يخترق خصوصيتها ويكتشف ما يعنيه أن تكبر في ظل والد مشهور. سئمت فيرا من حياتها السطحية وعلاقاتها في صناعة الترفيه التليفزيوني الإيطالي، على حس والدها، فقررت معاودة الاتصال ببعض معارفها في المجتمع الروماني الراقي.
لن تستعيد الحيوية والأكشن في حياتها إلا بعدما تتسبب في حادث مروري غبي يُصاب فيه صبي، فتتاح لها الفرصة للدخول في آخر مغامرات حياتها العظيمة ولعب الدور النهائي في حياتها المهنية غير المميزة: دور المُحسنة لعائلة متواضعة، لأب وابن يعيشان في ضواحي روما. ولكن حتى في هذا السياق البرجوازي، تشعر أنها في غير مكانها، وفوق كل ذلك، لا تزال في هذا العالم أيضًا مجرد أداة للآخرين.
تتابع الكاميرا فيرا بهدوء، دون التدخل كثيرًا في تقلباتها، تراقبها بعاطفة واعتدال شديدين، وإنما أيضًا تحاول فهم الحبكة المتوالدة من تجوالها، وتسعى جاهدة لكشف جوانب ما خمّناه في البداية مجرد قصة سخيفة. في مشهد لا يُنسى، تذهب فيرا إلى مقبرة برفقة صديقتها آسيا أرجينتو (تلعب شخصيتها الحقيقية، وهي بدورها ابنة لفنّان مشهور)، وأمام قبر ابن الشاعر الألماني جوته (بلا اسم)، تتلو كلتاهما تأبينًا للراحل المجهول يصلح أيضًا ترنيمة للفرص الضائعة، في أحد أكثر المشاهد صفاء وأصالة التي رأيناها على الشاشة في مقام المقابر والموت.
من هذه الأعماق الفلسفية -القريبة والمتواضعة- يمضي الفيلم ليقترح متوالية من الأصداء، كما في سلسلة أو شلال، متشابكة معًا مثل دُمى روسية؛ إعادة قراءة تاريخ بعينه للسينما الإيطالية، من دي سيكا إلى فيلّيني، كما نوع فيلمي بعينه للبورتريهات الأنثوية، من جريفيث إلى كاسافيتز. لم يعد الأمر متعلقًا فقط بالواقعية الجديدة (أو حتى استحالتها) وإنما، قبل كل شيء، بالنوستالجيا بوصفها انحرافًا وتشويهًا، وبالتخييل fiction كنموذج ومثال لتكريم الفنّ والسينما، ويمكنه أيضًا تدمير الحياة.
بلا أخلاقية أو إلحاح أو وضع خطوط تحت السطور، يستوي «فيرا» عملًا هجينًا يستجيب -بأفضل المعاني والتعابير- «للسينما غير الخيالية»، ويتوج في الوقت ذاته الفن/العمل الرصين والمتمهل لتيزا كوفي وراينر فريميل.
تتويجات وترشيحات
مهرجان فينيسيا السينمائي: أفضل ممثلة وأفضل إخراج (مسابقة «آفاق»)
«إيو/ Eo» (بولندا)
كتابة: جيرزي سكوليموفسكي، وإيفا بيازكوفسكا
إخراج: جيرزي سكوليموفسكي

العالم مكان غامض، ولا سيما حين نراه عبر عين حيوان. إيو، بطل هذا الفيلم، حمار رمادي بعيون حزينة وروح فضولية، قضى حياته مؤديًا في سيرك متنقّل قبل أن يٌبعد عنه. في رحلته عبر الريف البولندي والإيطالي، يلتقي بأناسٍ طيبين وآخرين ليسوا كذلك، ويختبر الفرح والأسى، وتتحوّل عجلة حظّه بين لحظة وأخرى، يتورط في كارثة، ثم، في لحظة، يستحيل حظّه العاثر سعادة غير متوقعة. على طول طريقه المطبوع بالدفء والقسوة على السواء، لا يفقد براءته في أي من محطاته.
في عمر الـ84، ينجز المخرج جيرزي سكوليموفسكي واحدًا من أكثر أفلامه حريّة وإبداعًا بصريًا حتى الآن، واضعًا المُشاهد مباشرة في قلب وعقل بطله ذي الأربع أرجل. عمل جريء ومخاطِر، من كل وجهة نظر، يعيد تفسير فيلم روبير بريسون الكلاسيكي«هازار بالتازار» (1966). ربما كان الفيلم الأكثر عُمقًا وتطلّبًا في فيلموجرافيا بريسون، فهل كان ضروريًا العودة إلى فيلم لا يتكرّر في تاريخ السينما؟ أو الأسوأ من ذلك، هل كان ذلك ممكنًا؟ يبدو أن سكوليموفسكي لم يطرح على نفسه هذه الأسئلة حتى، وقفز في الفراغ متحملًا كل مخاطر العملية، مدفوعًا بتأثير عمل بريسون، الذي قال عنه في «كانّ» إنه «الفيلم الوحيد في حياتي الذي أبكاني».
رأس حربة السينما البولندية الجديدة في الستينيات، والصديق الشخصي لرومان بولانسكي (الذي يتعاون معه حاليًا في مشروعه الجديد)، توقّف عن صناعة الأفلام لمدة 17 عامًا كرّس فيها نفسه للرسم، بين عامي 1991 و2008، قبل أن يعود بأفضل مستوى له، أولًا مع «أربع ليالٍ مع آنّا» (2008) ثم مع «قتل ضروري» (2010). والآن يعود مرة أخرى بفيلم عجيب وغريب، يرى فيه العالم من منظور حمار.. وهذا العالم ساخر، عنيف، قاسٍ، لا سيما بالنسبة لمخلوق يجسد مثال النقاء والبراءة، ومن أجلهما، للمفارقة، يُعاقب ويُستعبد بشكل دائم.
هل هو فيلم جيد؟ ليس بالمعنى الدقيق للكلمة، لأنه مندفع، وتلقائي، ومتقلب (مثلما عندما تُرمي إيزابيل هوبير من النافذة، في مشهد يقلب الجو تمامًا). لكن «إيو» يملك لحظات من الجمال النادر والغريب، ويتحمل مخاطر لا يخوضها أحد تقريبًا اليوم، بدءًا من تذكر وتكريم بريسون، وافتراض ومراوغة كل توقعاتنا المسبّقة. وهذا ليس بالأمر الهين في زمنٍ سينمائي تغزوه الأفلام المنسقة والمهندمة والمتوقعة.
تتويجات وترشيحات
مهرجان كانّ السينمائي: جائزة لجنة التحكيم/ جوائز الفيلم الأوروبي: أفضل موسيقى. رُشّح لأفضل إخراج.
«زهور بشرية من اللحم/ Human Flowers of Flesh» (ألمانيا)
كتابة وإخراج: هيلينا ويتمان

تعيش إيدا (أنجيليكي بابوليا) على متن سفينة بطاقم مكون من خمسة رجال. في مرسيليا، لفت انتباهها عالم الذكور السري للفيلق الأجنبي الفرنسي (فرع خدمة عسكرية تابعة للجيش الفرنسي تأسّس عام 1831 بهدف دمج الرعايا الأجانب في الجيش الفرنسي، وحاليًا يضمّ مرتزقة نظاميين من خارج فرنسا، لكنه ممنوع على النساء)، وقرّرت تتبع آثاره عبر البحر الأبيض المتوسط. وفيما تبحر إيدا وطاقمها من مرسيليا للوصول إلى سيدي بلعباس في الجزائر(المقرّ التاريخي للفيلق)، تتلاشى الحدود فيما تنتج الحياة في البحر نوعًا خاصًا من التفاهم المتبادل.
هيلينا ويتمان ليست غريبة عن عالم اللون الأزرق وعمليات البحث التأملية المتولدة من الوجود في مياهه. فيلمها الأول «انجراف» (2017)، حول صديقتين تقضيان عطلة نهاية الأسبوع في بحر الشمال، تعود إحداهما إلى عائلتها في الأرجنتين، فيما تقرر الأخرى العيش بالقرب من المحيط؛ أظهر قدرتها على إنجاز فيلم حداثي وتأملي، رغم إنتسابه إلى تقليد عميق الجذور في الثقافة الألمانية، وهو الرومانسية، حيث يمكن للفنان التعبير عن مشاعر قوية وغامضة وعميقة.
في ملحمتها البحرية الجديدة، تقترح ويتمان، من جديد، طقوسًا مجردة للانغماس في مياه السينما المفاهيمية والحسية في دراما تأملية وكشفية حول رحلة إبحار إلى الجزائر تبرز من حيث المحتوى والشكل. هناك اشتغال ولعب مع ماضي السينما وماضي الاستعمار، وعلى طول الطريق، مساحة، تجربة، وقت، أشكال، زخارف. زمن سباتي، غافل عن التيارات المحمومة للمعاصرة. مساحة للأحلام والأفكار التي ترتبط بطريقة شعرية، دون حاجة سردية صريحة. تمرين في الأسلوب وعمل للتفكر والملاحظة.
تتويجات وترشيحات
مهرجان لوكارنو السينمائي: المسابقة الرسمية
«نوبة حراسة/ Dogwatch» (اليونان)
كتابة وإخراج: جريجوريس رينتِس

الفيلم الوثائقي (الصريح) الوحيد ضمن عروض نسخة البانوراما لهذا العام، وهذا، وحده، سبب كاف لترشيحه.
منذ ذروة حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال، حققت شركات التأمين ثروات هائلة، ووجدت الجيوش الأجنبية في المنطقة ذريعة لإقامة معسكرات في المنطقة، كما نشأ نوع جديد من «الأعمال» هناك: الأمن البحري. استأجرت السفن المارة بالمنطقة الخطرة مرتزقة لحمايتها من القراصنة، وكانت وظيفة مغرية بمرتبات مجزية جدًا. لكن في الوقت الحاضر، تراجعت الهجمات وأصبح المرتزقة يواجهون مشكلة من نوع جديد: قلة العمل.
يتابع الفيلم ثلاث شخصيات تعيش في تلك المنطقة الرمادية، ويقضون الجزء الأكبر من حياتهم في انتظار مواجهة تهديد خارجي؛ قد لا يظهر أبدًا. الأول هو المبتدئ يورجوس، وهو شابّ أخضر يستمتع بالقليل من المرح والحرية في سريلانكا قبل أن ينطلق لحراسة سفينة تسافر في منتصف الطريق حول العالم. والثاني هو كوستا المتمتع باللياقة العالية والخبرة، والذي يكون على متن سفينة على وشك دخول المياه الخطرة. والأخير هو فيكتور، عم المخرج، الذي يقرر يائسًا رفع الراية بعد مسيرة طويلة، ليقضي بعض الوقت مع عائلته في اليونان.
بمتابعته هؤلاء الحراس البحريين في مراحل مختلفة من حياتهم، في البر والبحر، عبر ثلاثة فصول مخصصة لكل منهم، يعكس الفيلم دورهم كحماة ومقدمي خدمة، بشيء من التأمل والشاعرية. ويتساءل عما يعنيه العيش على حافة ما يسميه المجتمع «آمنًا».
تتويجات وترشيحات
مهرجان شاشات الواقع: مسابقة الأفلام الطويلة
«المياه/ El agua» (أسبانيا)
كتابة: إيلينا لوبيز رييرا، وفيليب آزوري
إخراج: إيلينا لوبيز رييرا

باكورة إخراجية أخرى رائعة تُعرض في البانورما. بعد عدة أفلام قصيرة لافتة، تعود إيلينا لوبيز رييرا إلى مسقط رأسها لتصوير أول أفلامها الروائية الطويلة بقصة تجمع بين الخرافات والأساطير المرتبطة بقوة الماء الملعونة والمدمرة، عن حب يانع وسط بيئة صغيرة محافظة، وأكواد وتواطئات بين ثلاثة أجيال من النساء من نفس العائلة.
في قرية صغيرة جنوبي شرق إسبانيا بالقرب من نهر سيجورا، يسود اعتقاد قديم بأن بعض النساء محكوم عليهن بالاختفاء مع كل موسم فيضان، حيث يفيض النهر نتيجة العاصفة فيرسل المياه إلى الشوارع، وبدورها تأخذ في طريقها حياة امرأة شابة. آنا (الوافدة الجديدة لونا باميز)، ابنة الـ17 عامًا، تعيش حبها الأول تحت أعين سكان البلدة الرافضين.
تمر المراهقة بجميع الطقوس المعتادة عندما تبدأ في مواعدة خوسيه (ألبرتو أولمو)، وهو صبي عاد إلى القرية بعد ماضٍ محير (يقول البعض إنه كان في لندن، لكنه على الأرجح كان متورطًا في بعض الأحداث المأساوية). وفيما يرافق العاشقان الصغيران بعضهما البعض في الاكتشاف وانعدام الأمن والمخاوف والرغبات، تعيش آنا مع والدتها الشابة إيزابيلا (باربارا ليني)، التي تدير حانة صغيرة وتحاول أن يكون لها تجاربها العاطفية الخاصة؛ وجدّتها أنجيلا (نيفي دي مدينا).
لكن، كما أسلفنا، إلى الجانب الحميمي من القصة المرتبط بعلاقات البطلة مع عائلتها وأصدقائها، يُضاف آخر مرتبط بمصير مأساوي مرتقب يؤثر على المنطقة وخاصة نسائها: يعتقد الكثيرون أن عائلة آنا وإيزابيلا وأنجيلا ضحية لعنة المياه الفائضة. مع اقتراب العاصفة، تصارع آنا نداء المياه وتهديد الفيضان، وما إذا كانت لديها القوة لتحديد مصيرها. هناك شيء مزعج ومشؤوم يؤثر عليها، لا يسمح لها بالاسترخاء والاستمتاع بنفسها لأن الكثيرين مقتنعون -وفي بعض الأحيان هي أيضًا- أن «الماء بداخلها».
تدمج المخرجة عناصر الواقعية السحرية مع السينما التسجيلية في فيلم يمزج الأسطورة والخطاب والعاطفة في نسيجٍ سينمائي يجعل الغامض مرئيًا بطريقة خفية وباطنية. هناك طبقات متعددة تثري القصة، على الرغم من أنها في بعض الأحيان تدفعها قسرًا. يختار الفيلم الواقعية الحميمة، ثم ينحو بعد ذلك لبعد أكثر خيالية، وأيضًا صوب نهج وثائقي (من شهادات أمام الكاميرا لنساء قرويات يروين قصصًا وتجارب شخصية مع الماء إلى صور أرشيفية للفيضانات من تقارير إخبارية أو مأخوذة بالموبايل).
المزج بين العناصر الجمالية والسردية المختلفة (هناك ميل واضح للكاميرا المحمولة)، بين المؤدين المحترفين وغير المحترفين؛ بين بصمة المراهقة (الجموح، إنستجرام، التدخين الشره، البزوغ الجنسي، إلخ) والرغبة في الهروب من الإحباطات والخيبات (تلك الناتجة عن مكان ولادتهم)، والحياة اليومية الروتينية والرمادية لقرية منزوعة السحر مع عجائز وبالغين جامدين ومحافظين وذكوريين يستمسكون بالممارسات والتقاليد القديمة... يجعل «المياه» تجربة لافتة وحساسة ورائعة في أغلب دقائقه الـ104.
تتويجات وترشيحات
مهرجان كانّ السينمائي: أسبوعي المخرجين
«مشدّ الخصر/ Corsage» (النمسا)
كتابة وإخراج: ماري كروتسر

دخلت إليزابيث إمبراطورة النمسا (1837-1898)، الملقّبة بـ«سيسي»، المخيلة الشعبية الألمانية والنمساوية منذ جسّدتها رومي شنايدر في الفيلم الجماهيري «سيسي - الإمبراطورة الصغيرة» (1956، إرنست ماريشكا). لا يمر عام تقريبًا من دون ظهور أعمال عنها، أفلام روائية ووثائقية ومسلسلات، منذ صدور فيلم «إليزابيث إمبراطورة النمسا» في العام 1921. فيلم ماري كروتسر نفسه واحد من خمسة إنتاجات نمساوية وألمانية عن الإمبراطورة أُنجزت في العامين الأخيرين فقط.
هذا التمهيد ضروري لبيان مدى حضور تلك الشخصية الأيقونية في الخيال الغربي كبطلة «أوبرا صابون» بامتياز لم تخرج تمثيلاتها عن مدارات السلبية الرومانسية، كأيقونة موضة أو وجه جميل أو حتى إنسانة محكوم عليها بالعيش خارج مناطق راحتها. لكن كروتسر تقدّم سيسي لم يرها أحد من قبل على الشاشة: بعدما تجاوزت الأربعين، مزاجها سيء، تشعر بأنها زائدة عن الحاجة وذبلت أكثر من أي وقت مضى.
بثقة وحرية، تتلاعب المخرجة والكاتبة بمكونات وأكواد الأعمال التاريخية: الأزياء، تسريحات الشعر، الموسيقى، لا شيء يلائم تلك الأوقات، كل شيء أعيد تفسيره. في تخييلها المتحرّر من أعباء كافة التمثيلات السابقة للإمبراطورة المحبوبة، تترك كروتسر في لقطاتها دلاء التنظيف البلاستيكية وسلالم الألومنيوم. في قصور النبلاء، نرى جدراناً تقشر طلاؤها، كما لو أن شخصيات الفيلم قد عادوا أشباحًا إلى فيينا اليوم. كما أن رؤيتها للجسد المقيد بالسلطة المَلَكية والتمثيل الاجتماعي وانتهائه للعب دور تمثال نصفي ديكوري جميل؛ قوية أيضًا.
تستحضر هذه الدراما ما بعد الحداثية اللعوبة «سبنسر» بابلو لارين عن الأميرة ديانا، كما يتبادر إلى الذهن أيضًا «ماري أنطوانيت» صوفيا كوبولا و«مفضّلة» يورجوس لانثيموس. لكن كروتسر لديها أسلوبها الخاص في التأريخ النسوي المُنقح. تعاكس صورة سيسي الكيتشية، بواقعية، مع السماح لنفسها ببعض المفارقات التاريخية. يساعدها في ذلك بطلتها فيكي كريبس الأكثر من رائعة، بتفسيرها للدور بطريقة حديثة للغاية. يملأ حضورها حتى أدنى مستويات الحياة اليومية في البلاط بتوتر أساسي. مزاجها وامض، ولا يمكن توقع وصوله إلى حد معين. متمردة وميلانكولية وعاجزة وحرونة.
الفيلم، المصوّر على شريط كوداك، يثبت نفسه في كل لحظة كسينما حديثة طازجة تلعب، وتغري، وتنفر، وتزعج، وتعرف كيف تقبض على عناصرها بلا زيادات مجانية أو استطرادات لا لزوم لها. بفيلمها الثاني، تؤكد كروتسر انتمائها إلى طليعة الإخراج.
تتويجات وترشيحات
مهرجان كانّ السينمائي: أفضل أداء تمثيلي في مسابقة «نظرة ما» (فيكي كريبس)/ مهرجان لندن السينمائي: أفضل فيلم/ جوائز الفيلم الأوروبي: ثلاثة ترشيحات، بينها أفضل فيلم/ جوائز الروح المستقلة: رشّح لأفضل فيلم أجنبي/ جوائز جوثام: رشّح لأفضل فيلم دولي.
«أكثر من أي وقت مضى/ More Than Ever» (فرنسا، ألمانيا)
كتابة: إميلي عاطف، ولارس أوبريش
إخراج إميلي عاطف

لسنوات عديدة، عاشت هيلين (فيكي كريبس) مع زوجها ماثيو (جاسبار أولييل) في سعادة وانسجام. لكن تنقلب حياتها يوم تكتشف إصابتها بمرض رئوي نادر. بفضل مدونة على الإنترنت، اكتشفتْ النرويج وقررت اتباع غريزتها: ستسافر وحدها للبحث عن السلام، طريق جديد. قرارها سيختبر قوة حبهما.
هناك أكثر من سبب لترشيح هذا الفيلم، وأولها بادٍ في الملخص أعلاه، أو كما تفسره المخرجة بقولها في تقديمها لفيلمها: «منذ فيلمي الأول، تحدثت عن نساء غارقات في أعماق أزمة وجودية، يقاتلن ضد الآخرين وضد أنفسهن قبل أن يجدن أنفسهن في مواجهة حدث غير متوقع؛ حدث سيحدد بداية الطريق، حيث سيجدن (يعيدن) الأمل، والرغبة، والاتصال: طريقهم. هذا المسار ليس رحلة عاطفية فحسب، بل هو أيضًا رحلة جسدية. [...] سافرت كثيرًا، وفي كثير من الأحيان غيّرت بلدان الإقامة. لا أشعر أبدًا بأنني على قيد الحياة كما في هذه المناسبات: ترك «المعروف» و«منطقة الراحة» يفتح المرء بشكل رائع على العالم، ويسمح لك حرفيًا بأن تكون على طبيعتك. هذا ما يحدث للنساء بطلات أفلامي. وهذا أيضًا ما حدث لهيلين في هذا الفيلم».
السبب الآخر هو الموت المفاجئ والمبكر لممثله الرئيسي جاسبار أولييل أوائل العام الحالي في حادثة تزلّج. لا مفرّ من حضور شبح اختفائه المأساوي طيلة مدة فيلم يتناول كيف تواجه امرأة شابة قرب موتها المحتوم، بينما يتمسّك صديقها (أولييل) بالحياة ويحاول إقناعها بعدم الاستسلام في مواجهة ما لا مفرّ منه. في أحد حوارات الفيلم ترد جملة تقول: «الموت والموتى جزء من الحياة»، ويمكن القول إنهم جزء من السينما أيضًا، خاصة عندما نشاهد على الشاشة -على نحوٍ مزعج للغاية- ممثل ميّت بالفعل يكافح من أجل غرس الرغبة في العيش في امرأة تقرّر بنفسها مواجهة الموت بسلام.
السبب الأخير: فيكي كريبس طبعًا.
تتويجات وترشيحات
مهرجان كانّ السينمائي: مسابقة «نظرة ما».
«ريميني/ Rimini» (النمسا)
كتابة: أولريش سيدل، وفيرونيكا فرانز
إخراج: أولريش سيدل

بعد ست سنوات من الغياب، يعود المخرج النمساوي الاستفزازي بفيلمين دفعة واحدة يمثّلان لوحة مزدوجة بجناحين، أولهما تعرضه البانوراما، فيما الشقيق الآخر، «سبارتا»، المُطارد بتقارير مُريبة عن سوء معاملة المخرج لممثليه الأطفال، غير حاضر في القاهرة.
«ريميني» فيلم مأساوي عن ذئبٍ عجوز وحيد، مغنٍ في حالة انحدار، يمثل نقطة تحول (أو شيء من هذا القبيل) في سينما أولريش سيدل. لا تعني الإشارة السابقة تخلي المخرج عن وجهة نظره النقدية وإحباطه من حالة العالم، وإنما يتعلّق الأمر بشخصية رئيسية يحبها بوضوح ويريدنا أن نحبها بدورنا، وهذه نادرة وحداثة جديدة في مقارباته المعتادة.
ريتشي برافو (مايكل توماس، الذي عمل سابقًا مع سيدل في «استيراد/تصدير» (2007))، مغنٍ على هيئة محارب فايكنج، بشعر مُذيّل وبطن ضخم اعتاد في ما مضى المجد والبغددة، واليوم صار روحًا تتألم. بعد وفاة والدته مؤخرًا ومع وجود أب طريح الفراش في دار لرعاية المسنين، يسافر إلى منتجع ساحلي إيطالي (يُعير الفيلم عنوانه) في غير موسمه (الشيء الوحيد الذي سنراه هو ضباب أو مطر أو ثلج) لكسب لقمة عيشه عبر تقديم عروض غنائية في مطاعم وقاعات احتفالات الفنادق المتداعية لجمهورٍ مؤلف حصريًا من المتقاعدين، ويؤجر منزله المليء بالتذكارات وذكريات الأوقات الرغيدة الغابرة لمعجبين قدامى، ويقدم خدماته الجنسية لنساء مسنات.
يبدو التمهيد السابق إعدادًا مثاليًا لمهرجان جديد من المساخر والدناءات البشرية والاستغراق في الشفقة، ولكن لا (ليس كثيرًا في الحقيقة). هذه المرة يعطينا سيدل شخصية محببة بطريقته الخاصة. صحيح أن ريتشي سكير عتيد، وأب لم يعتن بابنته أبدًا، و، إذا أردنا، يظل محتالًا صغيرًا، لكنه في الوقت نفسه يحمل انحطاطه الفني والبدني والمادي بكرامة ونُبلٍ يميزانه عن معرض الوحوش الممتدد عادة عبر فيلموجرافيا سيدل. حتى النساء المسنات اللواتي ما زلن يعشقنه والنساء اللواتي يدفعن مقابل ممارسة الجنس معه (المشاهد صريحة للغاية في ما يشكّل جرأة بالنسبة للسينما المعاصرة المبتعدة عادة عن تصوير الأجساد المتغضنة)، يفلتن بشكل عام من الروح القاسية والساخرة التي عادة ما أبرزها المخرج في أعماله السابقة.
أحببناه أم كرهناه، يبقى فيلمًا يستحق المشاهدة.
تتويجات وترشيحات
مهرجان برلين السينمائي: المسابقة الرسمية.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن