تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
(1) في «تحرير المرأة» لقاسم أمين: الاستبداد علة العلل

(1) في «تحرير المرأة» لقاسم أمين: الاستبداد علة العلل

الحلقة الأولى من برنامج قراءة لكتب لا تزال حية وتثير العواصف 

كتابة: محمود الورداني 16 دقيقة قراءة

«كوكبة» هي سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، تحت ثيمة معينة، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة. 

برنامج القراءة الذي اخترته هنا «من كتب القرن الماضي»، يضم ستة كتب صدرت جميعها في القرن الماضي، ويمكن اعتبارها من أهم كتب ذلك القرن، الذي ما زلنا -على هذا النحو أو ذاك- نتأثر بتداعياته. كما أن الكتب ذاتها التي تم اختيارها ما زلنا على هذا النحو أو ذاك أيضًا نعيش تداعياتها، وهي كتب لم تصدر وانتهى أمرها مثل المئات غيرها، بل أثارت وما زالت تثير العواصف والمعارك أو حتى تثير الغبار، وفي كل الأحوال لا تزال تلك الكتب حية، ومن الضروري أن تعرف الأجيال الجديدة عنها ما يسمح بمناقشتها وفهمها.

أود التأكيد أيضًا على أن هناك أعمالًا غيرها تتمتع أيضًا بالأهمية والتأثير، ولا يمكن الكتابة عنها وتقديمها جميعًا، فلا الوقت يسمح ولا المساحة. ومع ذلك فإن الكتب التي تم اختيارها، روعي فيها، إلى جانب التأثير الممتد، التنوع والاختلاف وتغطية حقول معرفية مختلفة في السياسة والتاريخ والفكر والأدب.

أما الكتب الستة فهي: تحرير المرأة لقاسم أمين، الشعر الجاهلي لطه حسين، الإسلام وأصول الحكم للشيخ على عبد الرازق، فتح العرب لمصر لأفريد بتلر وترجمة فريد أبو حديد، أيام لها تاريخ لأحمد بهاء الدين، وأخيرًا أولاد حارتنا لنجيب محفوظ.

والهدف الأساسي من استعادة تلك الكتب التي مضى على بعضها ما يزيد على مئة عام، هو أن تتسلّم الأجيال الجديدة إرثها ولا تسمع عنه فقط، أو حتى تتعرف عليه من السطح فقط. تسلّم الإرث واستيعابه وهضمه هو الهدف. بعضنا سمع عن هذه الكتب، أو لديه فكرة غائمة وغامضة عنها، لكنني لا أطمح إلى تقديمها وعرض الأفكار والقضايا الأساسية التي تحتوي عليها الكتب فقط، بل أسعى إلى تقديم ذلك الإرث من خلال الكاتب، أي المؤلف ودوره وما يشبه السيرة الذاتية له كلما أمكن، فضلًا عن الظروف والمناخ والجو السياسي والاجتماعي الذي رافق صدور الكتب.

caption

قبل أن يلملم القرن التاسع عشر أيامه ويرحل، وبالتحديد عام 1899 صدرت الطبعة الأولى من كتاب «تحرير المرأة»، ومع ذلك فإن المعارك التي أثارها، والعواصف التي غطّت الدنيا بشأنه تنتمي للقرن العشرين.

للوهلة الأولى، يبدو الكتاب بمقاييس أيامنا غير جدير بالمعارك التي أثارها، فمطالبه ليست محدودة فقط، بل تجاوزها الزمن أيضًا. لكن هذا ما يبدو على السطح، وبقليل من المناقشة لأفكاره وقضاياه، سنتبين إلى أي مدى كان الكتاب مهمًا في بناء وتشكيل عقل أجيال متوالية.

فقد عاش لأكثر من مئة عام، وأغلب الظن أنه سيعيش سنوات وسنوات، ولا يمكن حصر عدد طبعاته، وبالتالي عدد قرائه، غير أن المؤكد أنه تمتع بشهرة واسعة، من النادر أن تتحقق لكتاب آخر.

على أي حال، سأبدأ أولًا بمناقشة الأفكار الأساسية لـ«تحرير المرأة» قبل أن أعرض لسيرة الكاتب وعصره وزمانه.

 في تمهيده للكتاب يدعو قاسم أمين كل محب للحقيقة أن يبحث في حالة النساء، وسيرى من جانب ضرورة الإصلاح، ومن جانب آخر سيرى أن هناك تلازمًا بين انحطاط المرأة وتوحشها، وبين ارتقاء الأمم وتمدينها. عند اليونان والرومان كانت المرأة تحت سيطرة أبيها ثم زوجها ومن بعده أكبر أبنائه. والمعروف أنه كان من بين الأمور المباحة قبل الإسلام أن يقتل الآباء بناتهم، وأن يستمتع الرجال بالنساء من غير قيد ولا عدد. وفي آسيا كانت المرأة تُدفن حية مع زوجها عندما يموت.. والأمثلة تطول في هذا الأمر.

واليوم، أي في زمن الكاتب، جرى التلازم نفسه بين انحطاط المرأة وانحطاط الأمة. فالأمم المتقدمة أي في أوربا وأمريكا ارتقت فيها النساء، إلا أن تلك الأمم -طبقًا لقاسم أمين- تنسب تقدمها إلى دينها، وهو أمر يفتقر للدقة -طبقًا لأمين أيضًا- لأن الدين المسيحي لم يتعرض لوضع نظام يكفل حرية المرأة وحقوقها، بينما سبق الشرع الإسلامي كل شريعة في تقرير مساواة المرأة بالرجل، وأعطاها حريتها واستقلالها يوم كانت في حضيض الانحطاط عند جميع الأمم، وخوّلها كل حقوق الإنسان، واعتبر لها كفاءة شرعية لا تنقص عن كفاءة الرجل في جميع الأحوال المدنية من بيع وشراء ووصية وهبة، من غير أن يتوقف صرفها على إذن زوجها أو أبيها».

أما الأمر الوحيد الذي يمكن اعتباره تمييزًا فهو تعدد الزوجات، وهو ما سوف يتعرض له لاحقًا.

أصل البلايا

انتبه قاسم أمين مبكرًا إلى «علة العلل» وأصل البلايا: الاستبداد. «تخلف المرأة ليس بسبب الدين، بل بسبب توالي الحكومات الاستبدادية، التي جرّدت المحكومين من أبسط حقوقهم، وبمضي القرون كاد الاستبداد أن يصبح إحدى طبائعنا، ولم يعد أمرًا مقصورًا على العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بل انتقل إلينا نحن، واستبد كل قوي بالضعفاء من حوله، فاحتقر الرجل المرأة واستبد بها، وبسبب ضعف المرأة تواصل احتقاره لها، وداس على شخصيتها واستعملها متاعًا، وألقى بها في ظلمات التحجب والجهل». ومن بين صور الاحتقار التي ساقها أن يملأ الرجل بيته بالجواري أو حتى بزوجات متعددات، أو يطّلق زوجته بلا سبب، أو يسجنها ويفخر بأنها لم تخرج من بيتها إلا إلى قبرها.

يعود أمين إلى البديهيات، من نوع أن المرأة إنسان مثل الرجل! وأن سبب التفوق البدني والعقلي، أن الأخير اشتغل بالفكر والعمل أجيالًا طويلة، بينما كانت المرأة محرومة، ويضيف أنه آن الأوان لتعليم المرأة مرحلة التعليم الابتدائي، مما يتيح لها أن تطرح عنها الخرافات والأباطيل.

ينتقل بعد ذلك لتأكيد الأهمية الحاسمة لتعليم البنات، فيما يتعلق بالوظيفة الاجتماعية والحياة العائلية. بالنسبة للأولى، يشير إلى أن المرأة تشكل نصف سكان أي بلد، وإذا تعطل هذا النصف فلا شك أن ذلك سيؤثر على المجتمع بكامله. ومع جهل المرأة تكون محتاجة لوليّ يقوم بشؤونها، فتتزايد الأعباء على الرجال. وفي الوقت نفسه، تتعرض المرأة لأخطار عديدة بسبب جهلها. فالعلم هو الغاية الشريفة، التي يحصل عليها كل شخص يريد أن يحصل على سعادته المادية والروحية.

وكما هو واضح، يبدو هذا الكلام بديهيًا، إلا أنه في زمن قاسم أمين كان اجتراءً على المستقر والراسخ وشبه المقدس. 

ويضيف أن «الشرائع الإلهية والقوانين الوضعية تخاطب الرجال مثلما تخاطب النساء، وكذلك الفنون الجميلة والصنائع والمخترعات والفلسفة العالية»، إلا أنه مع استمرار حياة المرأة في الجهل، تحولت إلى مسجون، ماكر، خائف.

أما بالنسبة للوظيفة الاجتماعية والحياة العائلية، فإن هناك عَرَضًا تشارك فيه كل العائلات وهو جهل المرأة. لقد تساوت النساء في الجهل، ولا يظهر اختلافهن إلا في الملابس والحلي. بل كلما ارتفعت المرأة مرتبة في اليسر زاد جهلها، وأن آخر طبقة من نساء الأمة، التي تسكن الأرياف، هي أكملهن عقلًا، لأنها وزوجها على مستوى واحد من العلم والعلاقة مع الطبيعة المحيطة، فضلًا عن مشاركة المرأة لزوجها في العمل في الأرض.

تكمن المشكلة -كما يرى أمين- في الطبقة الوسطى وما بعدها، فلا يمكن أن يتحقق حب حقيقي بين رجل وامرأة ليس بينهما تناسب في التعليم، وهنا لا بد أن أورد الفقرة الدالة التالية من كتابه:

«ويجب ألا يُفهم أن الرجل المتعلم إذا لم يحب زوجته، فهي يمكنها أن تحبه. فإن توهم ذلك يُعدّ من الخطأ الجسيم، لأن الحب الحقيقي له عنصران: المادي والمعنوي، ولا يبقى إلا بالاحترام، والاحترام يتوقف على المعرفة بمقدار من تحترمه، والمرأة الجاهلة لا تعرف مقدار زوجها».

وهكذا، تكون نتيجة الزواج من المرأة الجاهلة -وهي الغالبية العظمى في زمن أمين- لا حب ولا احترام ولا تقدير، إلى جانب أن المرأة الجاهلة لا تستطيع إدارة منزلها وتربية أولادها. وتكون النتيجة أبناءً جَهَلة لأم جاهلة، مع ملاحظة أن الجهل هنا ليس المقصود به القراءة والكتابة فقط، بل الجهل بالنظافة والصحة والأخلاق لتنشئة أجيال ذات أصالة وعلم.

 أقل من المساواة

غير أن أمين لا يلبث أن يستدرك، مؤكدًا أنه لا يطالب بالمساواة بين الرجل والمرأة في التعليم « فذلك غير ضروري، لا وإنما أطلب الآن ولا أتردد في الطلب، أن توجد هذه المساواة في التعليم الابتدائي على الأقل، وأن يُعتنى بتعليمهن إلى هذا الحد مثلما يُعتنى بتعليم البنين».

caption

 ثم يُنفق صفحات تلو أخرى في تأكيد ما هو بديهي، مثل أن «النساء هن أمهاتنا وبناتنا وأخواتنا وزوجاتنا، وقد حرمنا أنفسنا من أكبر لذة في الدنيا، وهي التمتع بمحبة ذوي القربى من النساء، بسبب إصرارنا على الاستمرار في الجهل الذي يعشن فيه».

كذلك يقارع أمين الحجج التي كانت مثارة في ذلك الزمان، ومن بينها مثلًا أن تعليم المرأة وعفتها لا يجتمعان، فيرد أمين أن التعليم قرين العفة وحُسن الأخلاق. وربما كانت المرأة جاهلة وأخلاقها حسنة، لكنها بسبب جهلها وبطالتها تتفرغ فقط للتفكير في زوجها؛ هل يحبها أم يكرهها، وتقارنه بأزواج جاراتها، وتحيك شباكها حوله وتراقب حركاته وسكناته. هذا إذا كانت تحب زوجها، أما إذا كانت تكرهه، فهي تتفرغ للبحث عن طريقة للخلاص منه والبحث عن سواه.

الحجاب الشرعي

الحجاب هو ما يناقشه أمين لاحقًا وكتب بالحرف: «ربما يتوهم ناظر إنني أرى الآن رفع الحجاب بالمرّة، لكن الحقيقة غير ذلك، فإنني ما أزال أدافع عن الحجاب، وأعتبره أصلًا من أصول الأدب التي يلزم التمسك بها، غير أنني أطالب أن يكون منطبقًا على ما جاء في الشريعة الإسلامية، وهو يخالف ما تعارف الناس عليه عندنا، لما عُرف عنهم من حب المغالاة في الاحتياط والمغالاة فيما يظنونه عملًا بالأحكام حتى تجاوزوا حدود الشريعة وأضرّوا بمنافع الأمة».

سيلاحظ القارئ أنني أستشهد كثيرًا بنص الكتاب، وهدفي أن أكشف حدود أمين ورضاه بأقل القليل ومطالبه المتواضعة، مما يوضح إلى أي مدى كان المجتمع يعيش في ظروف بالغة التخلف. فهو لا يطالب بالتعليم على إطلاقه، بل يكتفي بالتعليم الابتدائي، ليس لمصلحة المرأة، بل لحُسن إدارة بيت الرجل وتعليم أولاده وتربيتهم. وفيما يتعلق بالحجاب، طالب بالحجاب الشرعي وأكد عليه، وأقصى ما تقدّم به على استحياء هو المطالبة بخلع البرقع والطرحة المسدلة على الوجه، بحيث لا يبدو من الوجه إلا شبح عينين، أي ما يشبه النقاب الآن، وهو ما كان مفروضًا على المرأة.

وتحت عنوان «المرأة والأمة» ينتقل أمين مما يعتبر بديهيًا اليوم، إلى آفاق أكثر انفتاحًا، حيث يشير إلى أن تمدن الأمم الغربية يتقدم اليوم بسرعة الكهرباء والبخار، دون أن يذكر الدور الذي يلعبه الاستعمار في الداخل، على الرغم من أن مصر كانت آنذاك محتلة من انجلترا، ربما بسبب وضعه الحرج كقاضٍ. غير أنه يؤكد أن الغرب (الأوروبي والأمريكي) يستعمل عقله أولًا في الاستيلاء على البلدان المختلفة، وإذا دعت الحاجة إلى العنف واستعمال القوة لجأ إليهما. ويضيف أن الأوروبيين والأمريكيين أبادوا سكان قارات بأكملها للاستيلاء عليها، كما حدث في أمريكا واستراليا وإفريقيا. وإذا صادفوا أممًا عاشت مدنية قديمة، خالطوا أهلها زمنًا وتعاملوا معهم بود حتى يضعوا يدهم على أسباب المدنية والتقدم. ولا سبيل أمامنا للنجاة من الاستعمار إلا الاستعداد بقوة العقل والعلم. وهكذا فإن الرجل الذي عاش انكسار وهزيمة الثورة العرابية، وما تبعها من الاحتلال العسكري الإنجليزي لمصر، لا يرى إمكانية لمجابهته إلا بالعقل والعلم بعد الهزيمة العسكرية.

عن المرأة الأوروبية

وعندما ينظر أمين حوله ويرى أن تأخر المسلمين عام يشارك فيه الجميع، يستنتج أن السبب يجب أن يكون عامًا أيضًا. فالإسلام بدأ قويًا ولم ينتشر بحد السيف، بل «دفاعًا عن الحوزة وتوسيعًا لنطاق الملك والسلطة والانتفاع بالصناعة والتجارة، وهو المقصد الذي يعمل له الأوربيون في بلاد الشرق الآن. ولم يمضِ جيلان على ظهور الإسلام حتى أضاء الكون بنور العلوم التي نشرها المسلمون غير أن «جحافل التتار [ما لبثت] أن اجتاحت الشرق، وزالت بعد ذلك دولة العرب في الأندلس وانتقلت العلوم الإسلامية إلى أوروبا.. وهكذا عاد المسلمون إلى جاهليتهم الأولى، وانطفأ مصباح العلم في الشرق، واقتصر علماء الإسلام على تناول علم الكلام وقواعد اللغة، وساد الجهل، وانحط الدين بعد أن انحطت العقول، والعلة الأولى التي حالت دوننا والترقي هي إهمال التربية في الرجال والنساء معًا».

من جانب آخر، يتطلع أمين بإعجاب إلى المرأة الأوروبية التي اقتحمت كل مجالات الحياة وشاركت الرجل كتفًا بكتف، ولها حق الانتخاب، وفي الوقت نفسه ينظر بأسى إلى حرماننا من هذه القوة التي تضاف إلى قوة الرجال. ثم ينتقل إلى مناقشة الزواج والطلاق وتعدد الزوجات، ويهاجم الفقهاء الذين عرّفوا الزواج بأنه «عقد يملك به الرجل بضع المرأة»، بينما الوارد في القرآن «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة». ومجرد المقارنة بين كلام الله وكلام الفقهاء يوضح إلى أي مدى وصلت العلاقة الزوجية من الانحطاط، فالمرأة عند الفقهاء ليست أكثر من مكان للاستعمال الجنسي.

في ذلك السياق، وحتى تتحقق المودة والرحمة التي يشير إليها القرآن، يؤكد أمين أن على الزوجين أن يتأكدا من ميل كل منهما للآخر قبل الارتباط بعقد الزواج. ويتساءل، كيف يمكن لرجل وامرأة سليمي العقل ألا يتعارفا قبل الزواج، علما بأنه لم يكن مسموحًا في زمنه لا بالتعارف ولا بمجرد رؤية كل منهما للآخر. وهكذا، سبق أمين عصره، ودعا بجسارة لضرورة أن يكون للمرأة دور في اختيار زوجها، يماثل دور الرجل في اختيار زوجته، وهو ما منحته الشريعة للمرأة، وخالفها مسلمو عصر أمين، الذين كانوا يزوّجون المرأة لمن يختارونه لها، فالأهل يختارون ويزوّجون، والعيب كل العيب أن تُسأل البنت أو يؤخد رأيها فيمن تعيش معه.

 عادة تعدد الزوجات

أما تعدد الزوجات، فيعتبر أمين أن أصله مجرد عادة كانت مألوفة قبل ظهور الإسلام تؤكد انحطاط الأمة والمرأة معًا. ففضلًا عن قهر المرأة إثر زواج زوجها من أخرى، تنشأ سلسلة من الأمراض الاجتماعية المتتالية: الضرائر وما يثار بينهن، وأبناء هذه المرأة وأبناء تلك، وإثارة البغضاء والحقد بينهم.

على أنه يبيح هذا التعدد في حالتين فقط، الأولى إذا كانت الزوجة عاقرًا، فللرجل أن يتزوج من ثانية. وإذا وافقت الأولى على الاستمرار معه، فله أن يبقيها على ذمته، وإذا رفضت عليه أن يسرّحها متى شاءت. الحالة الثانية إذا أصاب الزوجة مرض مزمن يمنع قيام علاقة زوجية. وهنا يضيف: «أقول ذلك وأنا لا أحب أن يتزوج الرجل بامرأة أخرى، حتى في هذه الحالة وأمثالها، حيث لا ذنب للمرأة فيها، والمرؤة تقتضي أن يتحمل الرجل ما تصاب به امرأته  من العلل»، كما من الواجب أن تتحمل هي ما يحتمل أن يصاب به.

 أما إباحة الطلاق فيعتبره من الأمراض الاجتماعية التي تقصف بالأمة، خصوصًا عندما يكون بلا قيد ولا شرط، ورهن بإرادة الزوج ومشيئته، ويكفيه أن يلفظ بهذه الكلمة فقط ليطلّق زوجته دون إرادتها. لذلك يقترح أمين أن يكون  الطلاق أمام القاضي الشرعي فقط أو المأذون، وعلى الأخير أن يرشد الزوج إلى ما ورد في الكتاب والسنّة من أن الطلاق ممقوت، أما إذا أصرّ فعلى كل منهما أن يرسل حَكَمًا من جانبه لمحاولة الإصلاح، فإذا لم ينجحا فعليهما أن يقدما تقريرًا إلى القاضي أو المأذون، وعند هذا فقط يأذن الأخير للزوج بالطلاق، ولا يصح الطلاق إلا إذا وقع أمام القاضي أو المأذون، وبحضور شاهدين ولا يقبل إثباته إلا بوثيقة رسمية.

يختتم أمين كتابه بنص بالغ الأهمية: «فأحسن طريقة لتنفيذ ما عرضناه في هذا الكتاب هي أن تؤسس جمعية يدخل فيها من الآباء من يريد تربية بناته على الطريقة التي شرحناها، وأن يُختار لتلك الجمعية رئيس من كبار المصريين، وأن يكون عمل هذه الجمعية في أمرين: الأول التعاون على تربية البنات على هذه القاعدة الجديدة، والثاني السعي لدى الحكومة لإصدار القوانين التي تضمن للمرأة حقوقها بشرط ألا تخرج في شيء من ذلك عن الحدود الشرعية».

 ويضيف: «فإذا ما تشكلت هذه الجمعية يخفّ اللوم على كل واحد من أعضائها، فإن قوة الانتقاد تأتي متوزعة على جملة أفراد فيسهل احتمالها ومقاومتها».

 بالطبع لم تتشكل الجمعية، فالمجتمع في ذلك الحين لم يكن قادرًا على مجرد الإنصات لصوت عاقل متوازن يطلب أقل القليل، وتعرّض الرجل لحملات تلو حملات على جانب من الضراوة والقسوة، وصلت إلى حد أن يطرق بابه بعد صدور الكتاب، رجال مهوسون يطلبون الجلوس مع زوجة أمين، ما دام يطالب بتحرير المرأة!

 ابن والي كردستان

caption

وقبل أن أعرض لجانب من الأصداء والانعكاسات التي أعقبت صدور الكتاب، أشير سريعًا إلى سيرة الكاتب الذاتية. أمين من مواليد الإسكندرية (1863- 1908) أي أنه عاش 45 عامًا فقط، وأصدر أولًا كتابًا بالفرنسية عنوانه «المصريون»، إلى جانب كتابيه الشهيرين «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة» وعدد آخر من المقالات المتفرقة التي جمعها محمد عمارة في مجلد واحد. ووردت سيرته الذاتية في أكثر من مصدر، عند محمد حسين هيكل وأحمد بهاء الدين وعمارة، وغيرهم. والده كان تركيًا يشغل منصب الوالي على إقليم كردستان، وثار الإقليم وأعلن استقلاله عن الدولة العثمانية، بينما كان محمد بك أمين يقضي إجازته في الآستانة، ثم استقر في الإسكندرية، وشغل منصبًا رفيعًا في عهد الخديوي إسماعيل.

 قاسم أمين إذن ابن أكابر وسليل أسرة أرستقراطية، وتخرج في مدرسة الحقوق، وكان الأول على دفعته وعمره 18 عامًا فقط، وتردد على قهوة «متاتيا» في العتبة الخضراء، وحضر جانًبا من المناقشات التي كان يثيرها جمال الدين الأفغاني عشية انتفاضة أحمد عرابي، كما يشير كاتبو سيرته إلى تأثره بالجو السياسي والفكري الذي ساد مصر قبل اندلاع الانتفاضة.

عام 1881 سافر إلى فرنسا لاستكمال دراسة الحقوق، وأمضى أربع سنوات، جرت خلالها أخطر الأحداث، ففي العام التالي قامت جيوش الإمبراطورية البريطانية بغزو الإسكندرية واحتلال  مصر احتلالًا كولونياليًا، وقامت بنفي زعماء الانتفاضة وفي مقدمتهم عرابي، كما ألقت القبض على كثير من المفكرين والكتاب والمشتغلين بالسياسة، وبدأ ليل طويل يخيّم على الحركة الوطنية، ومن بين من تم نفيهم كان جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده. في باريس التقى بهما قاسم أمين، وساهم معهما في إصدار جريدة «العروة الوثقى»، وأفادت بعض المصادر أنه كان المترجم الخاص للشيخ محمد عبده أثناء إقامته منفيًا في باريس.

الشيخ محمد عبده

لا شك إذن أن أمين تأثر كثيرًا بالأفكار التي سادت في مصر عشية الانتفاضة وفي أعقابها، ولا شك أيضًا أنه استفاد من صداقته للإمام محمد عبده، خصوصًا أن الأخير كانت ساحة جهاده الحقيقي التجديد الديني والاجتهاد في مواجهة الجمود الفكري.

كذلك تحدثت بعض المصادر عن علاقة عاطفية عميقة ربطت بينه وبين فتاة اسمها «سلافا» زاملته أثناء دراسته في جامعة مونبلييه وعاشا قصة غرام مشبوب.

عندما التقى عبد الله النديم

وعندما عاد إلى مصر عام 1885 وهو في الثانية والعشرين، صدر القرار بتعيينه في القضاء في النيابة المختلطة، قبل أن ينتقل للنيابة العمومية، وأثناء عمله رئيسًا لنيابة طنطا واجه موقفًا حساسًا، عندما التقى بعبد الله النديم. كان الأخير -كما هو معروف- شاعر انتفاضة عرابي وخطيبها المفوّه، وبعد الهزيمة هرب تسع سنوات كاملة، حتى قُبض عليه وجاءوا به لرئيس النيابة قاسم أمين للتحقيق. وطبقًا لمصادر مختلفة أكرم أمين لقاءه وساعده بالمال وهيّأ له في محبسه أقصى ما يمكن من الرعاية والراحة. ثم قرر أن يقوم بالسعي عند المسؤولين في العاصمة لإطلاق سراحه، وبعد حملة صحفية تبنت المطلب، تقرر العفو عن النديم فعلًا مع إبعاده إلى الشام عام 1891. وتضيف مصادر أخرى أنه كرر الصنيع نفسه مع طلاب مقبوض عليهم في المظاهرات.

عبد الله النديم

لم يكن أمين إذن مجرد مثقف أو رجل قانون عكف على قضية تحرير المرأة بمعزل عما يدور حوله. وأظن أنه يجب النظر إليه بوصفه ابن الحركة الوطنية التي عاشت مجد انتفاضة عرابي ضد الحكم المطلق واستبداد القصر المتحالف مع الاستعمار.

ومما يُذكر له أيضًا تولّيه سكرتارية الاجتماع المهم الذي عُقد في منزل سعد زغلول، وصدر عنه بيان وجهه المجتمعون للأمة للإسهام في إنشاء أول جامعة في مصر في أكتوبر 1906.

وأخيرًا أود الإشارة إلى التداعيات والانعكاسات بل والعواصف التي أثارها الكتاب منذ صدوره. ويكاد يكون من المستحيل حصر المقالات والردود ومسلسلات الهجوم التي تعرض لها. ويذكر أحمد بهاء الدين في تقديمه لإحدى طبعات «تحرير المرأة» عام 1993، أنه لا يكاد يوجد قلم صغير أو كبير لم يسهم في المعركة، ولا يكاد يوجد مطعن ديني أو خلقي لم يُنسب للمؤلف، ومن الغريب أن صحيفة وطنية مثل «اللواء» فتحت صفحاتها للهجوم عليه، بينما جرؤت صحيفة «المنار» التي كان يصدرها الشيخ رشيد رضا تلميذ الشيخ محمد عبده على الوقوف بجانبه.

وفي نهاية القرن الماضي عاد الكتاب للظهور بقوة، وخصصت مجلة «وجهات نظر» في أكثر من عدد مراجعات وتعليقات مختلفة، إلى جانب الندوة الدولية الفكرية الحافلة التي نظمها المجلس الأعلى للثقافة بمناسبة مرور مئة عام على صدور «تحرير المرأة».

على أي حال، هذا هو كتاب قاسم أمين الذي أثار ما أثار من العواصف. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن