تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
يوميات فينيسيا (1-2)

يوميات فينيسيا (1-2)

كتابة: محمد صبحي 16 دقيقة قراءة

قبل 24 عامًا، ظهر باولو سورينتينو لأول مرة في أحد الأقسام الجانبية للمهرجان بفيلم «رجل إضافي»، وهو عمل كوميدي درامي صاخب من بطولة توني سيرفيلّو. كان ذلك في 2001، العام الثالث لألبرتو باربيرا على رأس المهرجان. ومنذ ذلك الحين، عُرضت جميع أفلام سورينتينو تقريبًا لأول مرّة في «كان»، المنافس الرئيسي لمهرجان فينيسيا.

قد تكون هذه النسخة الأخيرة للمدير الفني باربيرا، فعقده على وشك الانتهاء. وتظلّ مسألة تجديده شأنًا سياسيًا. يبدو وكأنه يختتم مسيرته المهنية بافتتاح هذه الدورة الـ82 من المهرجان بفيلم سورينتينو العاشر، «النعمة» La Grazia، بطولة سيرفيلّو مرة أخرى.

يظلّ المهرجان أحد أهمّ منصات الانطلاق لجوائز أوسكار وجولدن جلوب. صحيحٌ أقلّ شهرة من «كان، ولكن تمامًا مثل العام الماضي، يلوّن أجواءه وسجّاده بحفنة من نجوم السينما تُنسينا تلك الحقيقة. ستضع جوليا روبرتس وجورج كلوني وإيما ستون ودواين جونسون وآدم ساندلر وإدريس إلبا، من بين آخرين، أقدامهم على جزيرة العطلات الصغيرة في الأيام المقبلة؛ وسيرأس المخرج ألكسندر باين لجنة التحكيم؛ وستحصل كيم نوفاك - موضوع فيلم وثائقي بعنوان «فيرتيجو كيم نوفاك» Kim Novak's Vertigo يُعرض في المهرجان - على جائزة فخرية، وكذلك فيرنر هرتزوج، الذي يعرض فيلمه البيئي Ghost Elephants للمرة الأولى خارج المسابقة.

ما انطبق على دورات «كان» و«برليناله» السابقة ينطبق أيضًا على «فينيسيا» هذا العام: لا يكفي مجرّد التحديق في النجوم. «أوقفوا الزمن، أطفئوا النجوم» هو السطر الأول من رسالة مفتوحة وقّعها مئات من صانعي الأفلام تحت شعار «فينيسيا من أجل فلسطين»، يحثّون فيها المهرجان على التعبير عن موقفه من حرب الإبادة والأزمة الإنسانية الجارية في غزة. من بين الموقّعين صانعو أفلام إيطاليون مثل ألبا رورفاكر، وماتيو جاروني، وماركو بيلوكيو (الذي يُعرض مسلسله «بورتوبيللو» للمرة الأولى في المهرجان)، بالإضافة إلى زملاء دوليين مثل سيلين سيامّا، وكين لوتش، وأودري ديوان. كما وقّع الممثل توني سيرفيلّو الرسالة.

فينيسيا من أجل فلسطين

جاء في الرسالة: «الآن وقد سُلِّطت الأضواء على مهرجان فينيسا، يكمن الخطر في أن يمرّ حدثٌ ثقافيٌّ بارزٌ آخر دون لحظةٍ للتفكير في المأساة الإنسانية والاجتماعية والسياسية في غزة. يُقال لنا: «يجب أن يستمر العرض»، ويُحثّنا على أن نُشيح بنظرنا عنه، كما لو أن «عالم السينما» لا علاقة له بالعالم الحقيقي.

ردُّ المهرجان، كما هو الحال غالبًا مع هذه التحدّيات، غير كافٍ. يُشير المُنظّمون إلى فيلم كوثر بن هنية المُشارك في المسابقة، «صوت هند رجب»، والذي يجسّد جريمة اغتيال طفلة فلسطينية مع عدد من أقربائها بعد أن استهدفهم جيش الاحتلال بالرصاص خلال نزوحهم في غزة، وإلى الوثائقي الإسرائيلي «عن كلاب ورجال»، الذي عُرض في دورة العام الماضي، والذي صُوّر في أعقاب عملية السابع من أكتوبر وأتى محمّلًا بالدعاية الإسرائيلية، من خلال قصّة مراهقة إسرائيلية تعود إلى مستوطنتها للبحث عن كلبها المفقود. مع ذلك، أعلنت «فينيسيا من أجل فلسطين» عن مظاهرةٍ حاشدةٍ خلال عطلة نهاية الأسبوع الأولى من المهرجان.

بمواجهة هذه الأزمة السياسية المُلحّة، يبدو المهرجان منذ البداية وكأنه يُقام في بُعدٍ مُغاير، حيث تنفصل الأفلام عمّا يحدث في العالم الخارجي. واقعٌ يفتخر فيه المهرجان بمسابقة رئيسية مليئة بعناوين بارزة من أمثال جيم جارموش وكاثرين بيجلو وبارك تشان ووك ولازلو نيميس وأوليفييه أساياس والفائزين السابقين بجائزة الأسد الذهبي يورجوس لانثيموس وجيانفرانكو روسي وغييرمو ديل تورو.

وحتى خارج المسابقة، هناك أفلام واعدة. فعلى سبيل المثال، يقدّم المعلّم الروسي ألكسندر سوكوروف تفسيرًا نقديًا للتاريخ السوفيتي في فيلمه «مذكّرات المخرج» البالغة مدّته خمس ساعات. ويخوض المنتج والمخرج الأوكراني أوليكساندر رودنيانسكي في ماضي أوكرانيا المضطّرب في فيلم «مذكّرات مجرم حقيقي». ويُعرض فيلم الإثارة التاريخي للمخرج جوس فان سانت «سلك الرجل الميّت» Dead Man's Wire  في البرنامج الرئيسي ولكن خارج المنافسة، وكذلك فيلم «غطاء» Cover-Up ، الوثائقي الجديد للمخرجين الحائزين على جائزة الأسد الذهبي لورا بويتراس ومارك أوبنهاوس. الأرجنتينية لوكريسيا مارتيل، التي شارك فيلمها الرائع «زاما» (2017) في المسابقة الرئيسية للمهرجان، ليست أيضًا في المنافسة على جائزة الأسد الذهبي بفيلمها الوثائقي الجديد «أرضنا» Nuestra tierra.

وفي الوقت نفسه، حقّق فيلم جوليان شنابل «في يد دانتي»، المعروض أيضًا خارج المسابقة، تاريخًا بالصدفة، بظهوره على مواقع التورنت قبل المهرجان بوقت طويل. تتميّز الملحمة الطموحة، التي صوِّر جزء منها بالأبيض والأسود وتتحرّك بين الوقت الحاضر والقرن الرابع عشر، بطاقم عمل لافت، بما في ذلك أدوار لأوسكار إيزاك وجال جادوت وجيرارد بتلر وآل باتشينو وجون مالكوفيتش، مع دور مساعد للمخرج مارتن سكورسيزي. بعد فترة تصوير عانت من مشاكل مالية وشدّ وجذب بين شنابل ومنتجيه، كان هذا التسريب الإنترنتي مؤلمًا بشكلٍ خاصّ. سيكون العديد من روّاد البندقية قد ألقوا نظرة خاطفة على الفيلم، قبل فترة طويلة من بسط السجّادة الحمراء للعرض الأول عالميًا. أوقاتٌ غربية!

 كل الممثلين.. سجادة كاملة العدد

نجم السينما الحقيقي هو نجم الفيلم. يُقدّم فيلم الافتتاح، «لا جراتسيا»، مثالًا رائعًا. فهذا الفيلم هو توني سيرفيلّو، مارسيلو ماستروياني الخاصّ بالمخرج باولو سورينتينو.

جميع الممثلين الآخرين، مهما كانت مهاراتهم، موجودون فقط من أجل مجد السيّد توني سيرفيلّو. بفضلهم، يمكنه تحقيق المزيد والمزيد من خلال القيام بالقليل. وبإعادة صياغة مثل مسرحي شهير: هو لا يلعب دور الرئيس؛ كلّ مَن حوله يلعبون دور الرئيس.

من فيلم «لا جراتسيا»

ولكن هناك طريقة أخرى لاستخدام نجوم السينما: اختيارهم جميعًا. ويس أندرسون بارعٌ في هذا: حتى لو لم يصل فيلمه إلى المسابقة الرئيسية، فلن يتمكّن أيٌّ من المهرجانات السينمائية الكبرى الثلاثة (كان، فينيسيا، برلين) من مقاومة فتح عُلب نجوم السينما، تلك العادة التي يحرصون عليها عامًا بعد عام . يمتلك أندرسون عددًا من النجوم في إنتاجٍ واحد يفوق ما تحلم به معظم المهرجانات متوسطة المستوى لعقدٍ من الزمان. لا يمكنك رفض ذلك. لا يجمع ويس أندرسون النجوم لكلّ فيلم فحسب، بل يجمعهم لمجمل أعماله. لذا، لا تحصل فقط على فيلم يُختار بين الحين والآخر لظهورك على السجادة الحمراء، بل تحصل على اشتراك subscription.

مرّ وقت، في سبعينيات القرن الماضي، عندما كانت أفلام هوليوود الكبرى تُشرك الجميع: أفلام الحرب العالمية الثانية الكبرى حيث كان كلّ جنرال وعقيد، وأحيانًا حتى جندي، يُجسّده نجمٌ سينمائي؛ أو أفلام الكوارث الكبرى، حيث سُمح حتى للنجوم الكبار بالغرق/الحرق/السقوط من ارتفاعات شاهقة.

يبدو أن هذا النموذج يعود إلى عالم المهرجانات السينمائية. في مهرجان فينيسيا هذا، يخطف نواه باومباك الأنظار، بفيلمه «جاي كيلي» الذي يضمّ أسماء جورج كلوني، وآدم ساندلر، ولورا ديرن، وبيلي كرودوب، ورايلي كيو، وستيسي كيتش، وجيم برودبنت، وباتريك ويلسون، وجريتا جيرويج، وألبا رورفاكر، وليني هنري، وإميلي مورتيمر. لم تكن السجّادة الحمراء طويلة بما يكفي ليتواجدوا جميعًا في نفس الوقت.

«جاي كيلي»، بالمناسبة، عملٌ باومباكي بامتياز. ذات مرة تحدثّت مع المخرج عن الفكاهة في أعماله، واتضح أنه قصدَ أن يكون المشهد الأكثر حزنًا في أعماله (طفلٌ وحيد ابن 12 عامًا في فيلم «الحبّار والحوت» (2005)، يذهب إلى القبو لشرب البيرة والاستمناء في مكتبة المدرسة في صرخةٍ يائسة لجذب انتباه والديه المطلّقين) مضحكًا؛ ووجده مضحكًا هو نفسه. تقبّل أن الآخرين رأوا الأمر بشكلٍ مختلف، لكنني أظنّ أنه يعتبر «جاي كيلي» - الذي لا يتردّد في الإضحاك - أكثر طرافة مما أعتقد. وأعتقد أن هذا تحديدًا سبب إعجابي بالفيلم، فهو تراجيكوميدي تميل تمامًا إلى المأساة. مأساة بإيقاعٍ كوميدي، تُضفي عليها خفّة لا تُخفّف من وطأة المأساة، بل تُبرزها.

الجوّ الذي يخلقه باومباك ينحو صوب العظمة والنبل في المشهد الذي يُشاهد فيه جاي كيلي، الممثل المقترب من تاريخ انتهاء صلاحيته، والذي يؤدّي دوره جورج كلوني، مونتاجًا لمقاطع من أعماله (استُخدمت فيها أفلام كلوني الفعلية) في تكريمٍ له من مهرجان تورينو السينمائي. هنا، مع الضحك والدموع، تتقارب نوستالجيا كلّ من الممثل والشخصية في تكريمٍ للسينما ذاتها، وسيطًا وفنًا وصناعة.

من فيلم «جاي كيلي»

الفيلم الوحيد الذي ينافس باومباك حقًا في قائمة الممثلين الخارجين من العُلبة إياها فيلم جوليان شنابل، الذي يُظهره فنانًا أكثر منه مخرجًا، «في يد دانتي»، المُسرّب حتى قبل بدء المهرجان. على الرغم من امتلاكه تشكيلةً لا تُقاوم من النجوم في أيّ مهرجان، بما في ذلك أوسكار إيزاك، وجال جادوت، وجيرارد بتلر، وآل باتشينو، وجون مالكوفيتش، ومارتن سكورسيزي، وجيسون موموا، وفرانكو نيرو، إلا أن السبب الحقيقي للتسريب (واعتبروه تحذيرًا استباقيًا) أن «بين يدي دانتي» فيلم أسوأ من سيء. إنه سخيف، مُبالغٌ فيه، مُتكلف، مُتقلب، غريب، ومُزعجٌ أحيانًا. هذه الملحمة الدائرة حول البحث عن الحبّ والجمال والقداسة، تنضمّ بفخرٍ إلى صفوف الأفلام الفاشلة، بل الملعونة.

على جميع المستويات - من الأكبر إلى الأصغر - ينحدر الفيلم إلى كليشيهات غير متماسكة. مثال؟ حينما يقع إيزاك (الذي يلعب دور دانتي في زمن دانتي وفي الوقت الحاضر) في اصطدام بالدراجة. في تلك المرحلة من الفيلم، لم يكن الأمر مجرد استعارة صريحة طفولية، بل كان السقوط متوقعًا بشكلٍ محرج، وكاميرا الرؤية المتأرجحة لا تشبه منظوره، وفجأة، ها هو ذا، على الأرض بالفعل. التحرير/المونتاج ليس من اختصاص شنابل أيضًا. إذا صنعتَ فيلمًا يقدّم فيه أوسكار إيزاك وجون مالكوفيتش أداءً سيئًا، فلا بد أنك سيءٌ للغاية في الإخراج؛ وهذا فنٌّ بحدّ ذاته تقريبًا. في الواقع، لم يصمد سوى آل باتشينو (في أحد المشاهد لا أفهم تمامًا سبب وجوده فيه، حيث يلعب دور صبي صغير يبدو أنه طُلب منه الوقوف أمام الكاميرا قبل خمس دقائق فقط)، ومن دون الجميع، مارتن سكورسيزي (بدور حاخام تلتقط لحيته البيضاء الضخمة، بشكلٍ غامض، شعاع الضوء الوحيد في مكتبته المظلمة المليئة - بشكلٍ عشوائي بالطبع - بكتبٍ قديمة مكدَّسة).

يُزيل شنابل الدين من سعي دانتي المُثبت تاريخيًا لصورة الحياة الآخرة، ويُختزل كل شيء، على الطريقة الأمريكية المؤلمة، إلى قصّة حبّ بين دانتي (آنذاك والآن) وجال جادوت؛ التي، وللعلم، بما أنك اخترتها، قد تطلب منها الوقوف عاريةً على صَدفة مثل فينوس (أسطورة مختلفة، وربما يكون وقعها ثقيلًا في هذه الأوقات، لكن العُري يبقى عُريًا). النساء في هذا الفيلم لا يُوجدن إلا ليُقتلن أو يُغرمن بجنون، هدفهن الوحيد جعل دانتي أكثر تراجيدية. وهو ما يفشل فيه الفيلم.

يثير «في يد دانتي» مسألة عدد النجوم التي تحتاجها للتعويض عن نقص الجودة. من ستة إلى ثمانية نجوم؟ أم من خمسة إلى إثني عشرة؟ أم من ثلاثة، كما هو الحال هنا، إلى كلّ شيء؛ من آل باتشينو إلى فرانكو نيرو. وللحقّ، إذا كنت مدير مهرجان، فربما أوافق على ذلك أيضًا. إلى جانب ذلك، الفيلم سيء لدرجة أن الناس سيتحدّثون عنه على الأقل. وهذا جيّد أيضًا لأجواء المهرجان.

من فيلم «في يد دانتي»

يبدو أن يورجوس لانثيموس أيضًا يبني فرقة. إنه بالتأكيد مخلص جدًا لإيما ستون - التي ظهرت بقوة مرّة أخرى في جديده «بوجونيا» Bugonia - وعاد نظيره جيسي بليمونز أيضًا. في الواقع، يبدو «بوجونيا» أشبه بفيلم ستون وبليمونز، فبعد مغامرتهما في فيلم «أنواع اللطف» للانثيموس (2024)، فكّرا: ألا يمكننا جعل هذا الفيلم أطول؟ والنتيجة ممتعة، لكنه يبقى عملًا عابرًا: بمجرد الانتهاء منه، ينتهى. لا مواضيع أو أفكار رئيسية تبقى، ولكنه ممتع للغاية طالما استمرّ.

من فيلم «بوجونيا»

في الأثناء، نتطلّع إلى الفرقة التالية: جيم جارموش. فيلمه «أبّ، أمّ، أخت، أخّ» يثير الفضول بالتأكيد، ويمكنه استدعاء بعض الأعضاء المألوفين والجدد في فرقته التمثيلية - الذين يملؤون أيضًا سجادة حمراء لائقة معًا - آدم درايفر، وكيت بلانشيت، وإنديا مور، وفيكي كريبس، وشارلوت رامبلينج، وتوم وايتس. في غضون ذلك، يمكننا بالفعل أن نبدأ في الحيرة حول مَن سيكون أفضل أبّ، وأفضل أمّ، وأفضل أخت، وأفضل أخّ...

بعد كتابة هذه التدوينة، فكّرتُ على الفور، وخلطتُ كل شيء: توني سيرفيلّو بدور الأبّ، وإيما ستون وجيسي بليمونز بدور الأخّ والأخت (لا، حقًا! لانثيموس! افعل هذا!)، ثم جوليا روبرتس بدور الأمّ - استنادًا إلى دورها الرئيسي في فيلم لوكا غوادانيينو الجدلي «بعد الصيد»، والذي، بمشاركة آيو إيديبيري، وأندرو جارفيلد، ومايكل ستولبرج، وكلوي سيفيني، وموسيقى تصويرية من تأليف ترينت ريزنور وأتيكوس روس، حقّق نجاحًا كبيرًا على السجادة الحمراء. وفي الوقت نفسه، كفيلم، يُظهر أن «اليقظة» woke دائمًا ما تكون على حقّ. لكن هذا موضوع لتدوينة أخرى.

 بعد «بعد الصيد»

لوكا جوادانيينو يتحدّث عن «أنا أيضًا»؟ مثير للاهتمام! فيلمه الأخير، «بعد الصيد» قصّة «أنا أيضًا» تدور أحداثها في أروقة الجامعة ودهاليز الأكاديميا، تشبه إلى حد ما فيلم «تار» (2022، تود فيلد)، زاخر بالحوارات والمواجهات بين جيلين، يمثلهما هنا المعلمون والطلّاب. لكن بينما يتفق المرء بنسبة 95% مع ما يقوله الشباب اليقظ، وبالتالي أشعر أن الفيلم (ليس بشكلٍ صارخ) منحاز إلى جانبهم، غادر زميلان قاعة السينما بانطباعٍ مختلف، مفاده أن الفيلم في الواقع ينحاز إلى جانب رجعية الجيل الأكبر سناً، أو حتّى لا موقف له على الإطلاق. أصبح الموقف الرجعي المزعوم للفيلم نفسه (وليس فقط بعض شخصياته) موضوع نقاش في المؤتمر الصحفي حول الفيلم.

الفيلم، المعروض خارج المسابقة الرسمية، يمثل الظهور الأول لروبرتس على السجادة الحمراء في الليدو خلال مسيرتها الطويلة. وتؤدي فيه دور ألما أولسون، أستاذة فلسفة جامعية، تجد نفسها عند مفترق طرق شخصي ومهني عندما تتهم طالبة متفوقة (آيو إيديبيري) أستاذها والصديق المقرّب لألما (أندرو جارفيلد) بالإعتداء الجنسي، ويهدّد سرّ مظلم من ماضيها بالظهور إلى النور. دراما نفسية تسبر صراعات الولاء والسلطة والهوية داخل بيئة يُفترض أنها ليبرالية.

الفيلم، الذي وجدته مسليًا ولكن كما أسلفت، لم أكن متأكدًا مما إذا كان لديه أي شيء آخر ليقوله حول موضوع «أنا أيضًا» MeToo، أصبح على الفور أكثر إثارة للاهتمام بالنسبة إلي بسبب هذا. إذا كان بإمكان جوادانيينو وضع نفسه في قلب النقاش بحيث يمكن للأشخاص المقرّبين سياسيًا - يُفترض أنهم من الفقاعة ذاتها - الخروج بانطباعات متعارضة تمامًا، فهو بالتأكيد يدرك شيئًا ما. شيء من روح العصر. شيء من سرّ مكامن النقاط المؤلمة في النقاشات الرائجة. أعتقد أنني بحاجة إلى مشاهدة الفيلم مرة أخرى - ويفضّل أن يكون ذلك مع زرّ الإيقاف المؤقت - لتحليلٍ أفضل. ولكن إليكم محاولة أولى.

من فيلم «بعد الصيد»

فيلمٌ للشباب اليقظ؟

يُتاح لكل طرف في الفيلم فرصة شرح مواقفه، وفي رأيي، هذه المواقف ليست مبالغة أو كليشيهية. ليست مجرد شعارات؛ بل كُتبت كما لو كانت صادرة عن أشخاص حقيقيين؛ بما في ذلك المشاعر الحقيقية، والاختصارات، والمبالغات التي تصاحبها.

لماذا أعتقد أن الفيلم ينحاز إلى الشباب المستيقظ؟ حتى الآن، وبعد مشاهدة واحدة، يعود ذلك إلى خمسة أسباب:

أ) الكبار هم مَن يفقدون رباطة جأشهم باستمرار، وليس الشباب. الكبار يغضبون، ويحتقرون، ويتصرّفون بقسوة. أمّا الشباب، أكثر تحكّمًا في أنفسهم. هذا يجعلهم يبدون أكثر عقلانية، وبالتالي أكثر مصداقية.

ب) في بعض المناسبات، يُلخّص شابّ بهدوء مونولوجًا سابقًا لشخصٍ أكبر سنًا ليكشف عن تناقضٍ داخلي؛ هؤلاء الأكاديميين (وجوه السلطة)، الذين من واجبهم توجيه الطلاب في نموهم الفكري، يرفضون هذا رفضًا مباشرًا وحازمًا.

ج) ليس الأمر، كما قد تتوقع في مثل هذا الموضوع، يتعلّق بالشباب المتمرّد في المقام الأول، بل بشخصيات/وجوه السلطة التي ترفع أصواتها العاطفية حول مواضيع اليقظة. غالبًا ما يكون الشباب هم مَن يبدون أكاديميين. معاكسةٌ، بالمناسبة، ليست مستبعدة واقعيًا.

د) حرقٌ بسيطٌ للأحداث، لكنني أعتقد أنه في ما يتعلّق بنقطة الخلاف الرئيسية - سواء اعتدى أستاذ، في موقفٍ لم يكن فيه أحدٌ آخر، على طالبة جنسيًا أم لا، أو ما إذا كانت قد قدّمت بلاغًا كاذبًا - فإن الفيلم يتشكّك صراحةً في رواية الأستاذ مع اقتراب نهايته. ويبدو أن خطًّا دراميًا فجّا أُضيف لهذا السبب فقط. لدفع المتفرّج للانحياز إلى أحد الجانبين.

هـ) ثم يأتي دور الكذب. جوهر الموضوع الرئيسي للفيلم: مَن نُصدّق ومَن يكذب؟ يشمل هذا أيضًا السخرية والتهكّم اللذين يعامل بهما الجيل الأكبر سنًا والراسخ الشباب باستمرار، ما يمكن اعتباره شكلًا (مقبولًا ثقافيًا) من الكذب؛ طريقة عُرفية لإخفاء آرائك الحقيقية وإخفاء إهاناتك باعتبارها «مجرد مزحة». يتفاعل الشباب باستمرار بجدّية؛ earnest، كما يقول الإنجليز.

ولكن الأهمّ من ذلك اللحظات التي نرى فيها شخصيات نافذة authority figures تناقش الحقيقة والأخلاق مهنيًا تكذب وتخدع بدرجة فاضحة ونفاقية تمامًا - من معالجٍ نفسي ينتهك السرّية المهنية في حانة (يُمرّر معلومات عن مريضته الشابّة إلى أستاذة قد تستغلّها)، إلى أستاذة فلسفة تسرق وصفات طبّية للحصول على أدوية مهدّئة سرًا. إن لم تخنّي الذاكرة، لا نرى الشباب يكذبون أبدًا بشكلٍ واضح؛ ناهيك عن أي شيء مهمّ أخلاقيًا. وبما أن السؤال الرئيسي للفيلم حول مَن يكذب، الشباب أم الكبار، فالإيحاء الغالب، وبالتالي موقف الفيلم، يبدو واضحًا هنا.

ليس أصيلًا، وليس يقظًا أصلًا

ثمة رأي آخر لا يرى في الفيلم اهتمامًا بحركة وموضوع «أنا أيضًا». هل هو رجعي؟ لا أعرف. «أنا أيضًا» هنا ليس سوى منصّة تتجلّى فيها اختلافات مبسّطة بين الأجيال.

طالبة الدكتوراه مارجريت «ماجي» ريزنيك (آيو إيديبيري) شابّة سوداء تشعر بالإحباط من النظام الأبوي. في الوقت نفسه، هي ابنة مليارديرين ساهموا بنصف ميزانية الجامعة. هل واجهت صعوبة حقًا في الالتحاق بجامعة ييل؟ لا يبدو الأمر كذلك، لأنها ليست متفوّقة، ومع ذلك فهي محبوبة البروفيسورة ألما أولسون (جوليا روبرتس). 

يعتقد الأساتذة أنها نسخت أطروحتها من الفيلسوف الإيطالي الشهير جورجيو أجامبين (هذا النوع من الانتحال الصارخ يبدو غير معقول، لكن هذا ليس المهمّ). تعيش في «شقة أرخص بعشر مرات مما تستطيع تحمّله» وتواعد أليكس اللاثنائي non-binary، فقط، كما تزعم ألما، لإظهار مدى تقدّميتها. يبدو أن الفيلم يؤكّد هذا: بعد خمس سنوات، ينفصلان، وهي الآن مع امرأة ناجحة أكبر سنًا. تسأل، بينما تسرد إنجازاتها: «هل تريدين رؤية صورتها؟».

في هذه الأثناء، ألما عالقة في زواجٍ مع رجل لا تطيقه. تكذب بشأن مكان وجودها، وتحبّ زميلها الأستاذ هانك (أندرو جارفيلد) سرًا، وتتظاهر بعدم الشرب أثناء العمل، لكنها مدمنة على الكحول. هانك وألما على وشك الحصول على وظيفة دائمة في الجامعة، وظيفة مرغوبة بشدة، ستضعهما «فوق كل مساءلة». لكنهما لم يصلا إلى هناك بعد.

(حرق!) صحيح أن الفيلم يصوّر هانك كمغتصب، لكن الأدلة ليست قاطعة. تعترف ماجي في النهاية بأنها أرادت أن تكون مثل ألما، وهي تعلم أن ألما اعترفت بالكذب بشأن اغتصابها (سواء كانت هذه كذبة أم لا، أي سواء تعرَّضت ألما للاغتصاب أم لا، يترك الفيلم الباب مفتوحًا أيضًا - لكن من الواضح أن ألما تعتقد أنها كذبت). فهل كذبت ماجي أيضًا «لتكون مثل ألما»؟ يبقى كلّ شيء غامضًا عمدًا.

على أي حال، تبدو ماجي تمامًا مثل ألما: البنطال الأبيض بطول الكاحل نفسه، والحذاء نفسه، وطلاء الأظافر الأسود نفسه، وقلادة ذهبية طويلة تثير تساؤلًا. قد يُخلق انطباع بأن الأستاذين صُوِّرا بشكل أكثر غرابة، لكن هذا ليس خيارًا يتخذه الطلاب؛ إنه ببساطة انعكاس لقرار الفيلم تصوير الجميع نسخًا كاريكاتورية. علاوة على ذلك، هدوء الطلاب لا يزيد من مصداقيتهم: فهم يعيشون في عالمٍ منفصل عن الواقع ولا يفكّرون إلا بمصطلحات مجرّدة. الأساتذة يكذبون، والطلّاب يتظاهرون. في النهاية، كلاهما غير موثوق.

وهكذا، يشقّ الفيلم طريقه إلى نتيجة (لا تثير اهتمامي صراحةً): أساتذة الأخلاق في قسم الفلسفة بجامعة ييل ليسوا أخلاقيين على الإطلاق، بل يتظاهرون فقط بأنهم أناس طيّبون. فبينما كانت الأخلاق في الماضي مسألة فعل الشيء الصحيح والواجب، فإن ما هو صواب وما هو خطأ اليوم يُحدّد في محكمة الرأي العام. الصواب هو ما يبدو صوابًا. محكمة الرأي العام هذه هي نحن، المشاهدون. ولهذا السبب يتكشّف الفيلم عمدًا في منطقة غامضة. ولهذا السبب لا نرى ما حدث في شقة ماجي. نحن مَن يقرر ما إذا كانت ماجي قد تعرّضت للاغتصاب أم لا. قالَ، قالتْ، ونحن مَن يقرر.

«بعد الصيد» مليء بالإشارات إلى امتداد فوكو لنظام بانوبتيكون-بنثام Panopticon ، حيث الجميع يراقب بعضهم البعض باستمرار. لذا، فوقوع الجريمة في المجال الخاص، بعيدًا عن أعين المجتمع الساهرة، أمرٌ ذو صلة. ملاحظة جانبية صغيرة: لا يجادل فوكو بأننا نفعل الصواب فقط عندما نكون مراقبين، بل إننا نستوعب العين الساهرة. وفقًا لفوكو، فالاحتمال الدائم للمراقبة يؤدّي إلى مجتمع منضبط يُنظّم فيه الناس أنفسهم. من ناحية أخرى، يُجادل «بعد الصيد» بأننا خلف الأبواب المغلقة مختلفون، وأن الضبط يأتي من الخارج.

هل الفيلم مثير للاهتمام لأن الناس يتوصّلون إلى تفسيرات مختلفة؟ لا أعتقد ذلك. لأنه يفتقر إلى التفاصيل الدقيقة التي يتباهى بها. صُمّمت القصّة بأكملها لتجنّب تقديم إجابات واضحة، ومع ذلك فهي لا تقول شيئًا جديدًا عن قضية «أنا أيضًا»، باستثناء تأكيد البديهي: انظروا إلى مدى تعقيد هذا الوضع. هذا السيناريو، بالطبع، مهندَس تحديدًا لتجنّب تقديم إجابات واضحة. هذا التعقيد لا يعكس التعقيد الأخلاقي للواقع على الإطلاق؛ بل تعقيد مُخترَع.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن