تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
..ومواهب أخرى

..ومواهب أخرى

كتابة: هاني المصطفى 13 دقيقة قراءة
الرسوم من «شخبطة» الكاتب

#جو عام

خلال الأسابيع الماضية، جرى حوارٌ بين الكاتب والمحرر عن التعامل مع المواهب الصغيرة، وأهمية دعمها وتطويرها (وهو أمرٌ لم يكن متوفرًا لهما في الصغر مع الأسف، بخلاف أغلب أطفال هذه السنوات الأسعد حظًا منا). 

وبعد هذا الحوار، وما تلاه من دردشة وتحرير، نقدم كتابة هاني المصطفى عن مساره لاكتشاف مواهبه، وحكايته مع تنمية مواهب الأصغر سنًا والتي يُستحب الدخول فيها بدلًا من تقديمها وكثر الكلام.

#دليل

«الإيد دي يا هاني مابتعرفش ترسم! اعملك حاجة تانية» قال لي مدرس الرسم، في الصف الرابع الابتدائي، ثم ترك يدي مُعلقة في الهواء. 

تذكرته مرة وهو يقول إن الرسم «اقتباس من الطبيعة. تشوف شجرة فترسم صورتها في كراستك. تشوف بحر فترسم بحر». سألتُ أبي، ذات مساء، عن معنى كلمة «تقتبس»، فقال لي: «زي لمّا بيعملوا فيلم أو مسلسل متاخد من رواية أو مسرحية». لم أكن مُهتمًا وقتها بقراءة الروايات، فتأكدت أن المدرس على حق، والرسم ليس لأمثالي.

توقفتُ عن الرسم، وأصبحت أمي ترسم لي الواجبات التي يطلبها مني المدرس، وأكتفي أنا بتلوينها. أصبحت مُهتمًا أكثر بالقراءة، ولم أكتف بقراءة مجلات الأطفال التي كنت أحبها، فكلمة «رواية» التي قالها أبي رنت في أذني عندما شرح لي معنى كلمة «اقتباس». ظننتُ ربما أنني لو أصبحت قارئًا جيدًا للروايات سأستطيع أن أكون رسامًا جيدًا أيضًا. لم يكن لدي أي روايات، فقرأت روايات من مكتبة أبي، وأولها «عودة الروح» لتوفيق الحكيم. قرأتها ودوّنت في أجندتي الخاصة قائمة بالممثلين الذين سيؤدون أدوار الشخصيات مثل عزت العلايلي ومديحة كامل وأمينة رزق وفريد شوقي وآخرين. 

في نفس الوقت خصصت مجلة «ماجد»، إحدى أهم مجلات الأطفال في وقتها، مساحة كبيرة في أحد أعدادها للترحيب برسام جديد انضم إلى أسرتها اسمه كان شديد الغرابة: «بهجوري». لم أعرف إن كان هذا اسمه أم اسم شخصية خيالية يرسمها كفضولي وفهمان وخلفان وموزة ورشود، ثم قرأت أن الشخصية التي سيرسمها فتاة اسمها «لولوة».

قرأت عن إنجازاته الفنية والمعارض التي قدمت أعمال الفنان المصري العالمي جورج البهجوري في بلاد مختلفة والجوائز العديدة التي حازها قبل أن أرى لوحاته، وصرت مُهيئًا لرؤية ذلك الكمال الذي يظهر في لوحات ليوناردو دافنشي الذي كان يعشقه مدرس الرسم في أعمال بهجوري، إلا أنني عندما رأيتها وجدتُها تشبه الشخابيط التي كنت أرسمها ويسخر منها مدرس الرسم ويلفظها، فلفظتها على الفور، ثم عدت إلى القراءة عن معارضه وجوائزه العديدة وشعرت بربكة. 

مُدرِّس الرسم

قرأتُ أولى قصص شخصيته الجديدة «لولوة». كان وجهها عبارة عن دائرة تتدلى منها خيوط تمثل شعرها. رقبتها خط مستقيم وجسمها مثلث يخرج منه خطان يمثلان الذراعين وآخران للسيقان. لا تفاصيل، لا بارز أو غائر، بل لا شيء على الإطلاق. والتلوين كان بسيطًا يخرج أحيانًا من الرسمة. كانت فتاة متمردة على كل شيء وعنيدة تصرّ على العيش في عالمها وتنقلك كقارئ إلى عالمها السريالي الأكثر طفولية وجموحًا دون أدنى مقاومة منك. 

حفزني النظر إليها على رسمها في أجندتي بشكل قريب جدًا من الرسمة الموجودة في المجلة. وكانت هذه أول مرة أنجح في نقل صورة بالرسم بهذا النجاح. شعرت بلذة النجاح في تلك اللحظة. هل قراءة ما يقرب من نصف رواية ضخمة كـ«عودة الروح» هي السبب؟ ربما. هل لو أكملتها سأستطيع الرسم كليوناردو دافنشي؟ لنرى. أخبرتُ أبي عن انضمام بهجوري إلى «ماجد»، فانبهر وأكد لي أنه رسام كبير، وأنه كان يحب الكاريكاتير الذي قدمه في مجلتي «صباح الخير» و«روز اليوسف» مع صلاح جاهين وحجازي.

ها هو فنان كبير بشهادة كل من الجوائز وأبي يرسم شخابيط كالأطفال، ولا يعرف عنه مدرس الرسم شيئًا. فكرت في تقديم رسومات بهجوري لمدرس الرسم، لكن فظاظته وغلظته لم تشجعاني، إلا أنني أصبحت أرسم بكثافة أشكالًا لشخصيات «عودة الروح» إلى جانب قائمة الممثلين والأدوار في أجندتي الخاصة. لم تستمر قصص «لولوة» كثيرًا واختفت من المجلة، ربما عقابًا لها على تمردها وجموحها.

كبرتُ قليلًا وأصبحت أسمع كلمة الاقتباس أكثر فيما يخص الأعمال السينمائية سواء في البرامج التليفزيونية أو حوارات مع أفراد العائلة والأصدقاء. يتسرب من الكلمة إحساس سلبي كشيء غير أصيل، ويعزز من هذا الإحساس السلبي مقارنات تُعقد بين الأعمال السينمائية والتلفزيونية المُقتبسة وأصولها الأدبية لصالح الأخيرة. ويصل النقد أحيانًا إلى درجة محاسبة القائمين على الأعمال السينمائية على تجاهل شخصيات معينة أو حبكات فرعية أو أحداث وردت في النصوص الأدبية، وتكون الأعذار على شاكلة أن مدة العمل السينمائي قصيرة، ولا يمكن ضغط كل الأحداث داخلها. كرَّس كل ذلك مفهومًا سلبيًا عن الاقتباس مخالفًا للانطباع الإيجابي عنه كأساس للفن الذي نشأت عليه صغيرًا. أربك هذا التناقض داخلي رغبتي في مواصلة اهتمامي بالرسم وقراءة الأدب الذي كان من المفترض أن يحسّن موهبتي.  

بهجوري

وفي الصف الأول الثانوي، درسنا ترجمة رواية «الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما في منهج مادة اللغة الإنجليزية. وقرب فترة الامتحانات، عرض التلفزيون المصري الفيلم الأجنبي المأخوذ عن الرواية من إخراج رولاند لي، وعُرض أيضًا «أمير الانتقام» المُقتبس من نفس الرواية. وأتذكر أنني سُحرت بالنسخة المصرية التي تفوقت في نظري على الفيلم الأجنبي وأصلهما الأدبي.

مثلت أحداث السياق التاريخي المختلف ودوافع الشخصيات الخاصة منحى مميزًا أكثر إقناعًا وإمتاعًا بالنسبة لي عن الفيلم الذي التزم بالرؤية الأدبية. سخر مدرس الإنجليزية من الفيلم المصري في الفصل بتقليده صوت وأداء كليشيه أنور وجدي الشهير «الأول.. الثاني.. الثالث» الذي كان يطلقه كلما انتقم من هؤلاء الذين سجنوه ظلمًا، وخطفوا منه زوجته. وأتذكر أنه قال إن السينما المصرية «ملهاش غير في الكوميديا والتهريج» وعليها الابتعاد عن الروائع العالمية حتى لا تُفسدها. ذكرني رأيه بمدرس الرسم، وأدركت أن الاثنين يبحثان عن الالتزام بالأصل سواء كانت رسمة لشجرة أو تحويل رواية عالمية لفيلم سينمائي. ولا مجال لأي اختلاف عندهما، النص الأصلي مقدس والرأي مرفوض. لم أقرأ الرواية مرة أخرى، وشاهدت فيلم أنور وجدي مرارًا وتكرارًا.

وفي كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، كان ويليام شكسبير رفيق دراستنا الدائم في كل ترم. ليس فقط عن طريق مسرحياته، بل أيضًا سوناتاته وقصائده في مادة «الشِعر»، والفترة التي عاش فيها وخصائص أدبه وإبداعه في مادة «النقد الثقافي». ورغم إعجابي الكبير بمعظم مسرحياته، لم أشعر بالراحة من إجماع الآراء على عبقريته في جميع ما كُتب في المراجع التي اختُيرت لنا لدراستها من أساتذة الدراما في القسم. وأصبحتُ متعطشًا للبحث عن مصادر أخرى للمعرفة، وأعظمها بالنسبة لي كانت الاحتفالية السنوية التي كانت تقيمها مكتبة الإسكندرية، في 23 أبريل من كل عام ولمدة أسبوع، وتعرض أفلامًا مُقتبسة من مسرحيات شكسبير احتفالًا بذكرى ميلاده. شددتُ الرحال من القاهرة إلى هذه الاحتفالية في سنوات دراستي الأربع في الكلية. 

شاهدتُ في تلك الاحتفاليات أفلامًا أمريكية وإنجليزية وفرنسية وإيطالية وروسية ويابانية وإسبانية من مختلف الحُقب الزمنية والأنواع السينمائية أيضًا. شاهدت أربع معالجات لمأساة «عطيل»، التزمت اثنتان منها بالنص الأصلي، الأولى من بطولة لورانس أوليفييه، والثانية من بطولة وإخراج أورسون ويلز. تفرد كل منهما في تفسير مختلف لأسباب غيرة عطيل وشر ياجو. فشدد أوليفييه على الإحساس بالدونية، بينما رأى ويلز الغيرة على أنها معركة باغتته ولم يكن مُستعدًا لها. 

وعُرض أيضًا فيلم حديث نسبيًا جرى التركيز فيه على شخصية «ياجو» ودوافعه الشريرة على حساب عطيل، لعب فيه لورانس فيشبورن دور «عطيل»، وكينيث برانا دور «ياجو». وكانت النسخة الأخيرة هي معالجة أوبرالية لنفس المأساة من إخراج فرانكو زيفيريللي استخدم فيها أوبرا عطيل لجوزيبي فيردي وقام بلاسيدو دومينجو المطرب الأوبرالي الإسباني المعروف بدور «عطيل». تغيّر الإحساس بالشخصيات في السياق الأوبرالي مع الالتزام بالنص الأصلي. في هذا العرض كنت أجلس في الصف الثالث من الأمام إلى جانب رجل كبير في السن شديد الاعتداد بنفسه وعلى درجة كبيرة من الأناقة، له لحية بيضاء كثيفة. قدّم لي نفسه كقبطان سابق ثم عرفني على زوجته، وعصاه التي يتوكأ عليها وله فيها مآرب أخرى! قدمت له نفسي كطالب في كلية الآداب، فضحك مشيرًا إلى القلم والأجندة في حوزتي، وطلب مني بمنتهى الثقة وضعهما جانبًا والاستمتاع بالمشاهدة. 

بدأ الفيلم وبدأ الطلبة الجالسون في الصف الأول في الضحك والسخرية من الغناء الأوبرالي. ولم تكن إلا ثواني عندما رأيت ثاني مآرب عصا القبطان السابق وهي تدور في الهواء لتسقط على رؤوس وأكتاف وأعناق هؤلاء المُستظرِفين الذين أفسدوا على سيادته الاستمتاع بالفيلم، وقام من مكانه ليصرخ فيهم: «هي السينمات قفلت ولا إيه!» فخرجت شلة المهرجين هاربة من العرض وسط استحسان الحضور. نظر إليّ فأغلقت الأجندة وتركت نفسي للفيلم.

في الندوة التالية للعرض، قام القبطان السابق ليعتذر للحضور عن تصرفه، وتحدث عن رحلاته إلى العديد من بلدان العالم ومنها إنجلترا، وزيارته لمسرح الجلوب حيث كان يعرض شكسبير مسرحياته في القرن السابع عشر لأنه من عشاق هذا الكاتب النابغ. ذكر أنه رأى مسرحيات شكسبير بلغات ومعالجات مختلفة، وأنه يفضل بعضها على النصوص الأصلية، ويرى أن السر في اهتمام العالم بقصص شكسبير أنه كان مُقتبسًا جيدًا لقصص من التراث الأدبي والإنساني العالمي. فلا يوجد ما يمكن تسميته بالنص الأصيل لويليام شكسبير، فكل عمل قدمه، له أصل أدبي أو تراثي في ثقافات سابقة، وأنه حسب قراءاته وجد أنه كان يجوب الحانات والموانئ بحثًا عن قصص مختلفة لأناس عن السفر والترحال، لذلك يجد الياباني والهندي والروسي والعربي والأوروبي حكاياتهم في نصوص شكسبير. وأن براعته لا تكمن في أصالة أفكاره، لكن في براعة اقتباسه لها والحفاظ على امتدادها في التراث الإنساني وتحريض آخرين على إعادة تقديمها وتفسيرها تفسيرات لا نهائية. 

«عطيل» على سبيل المثال اقتبس شكسبير قصتها من إيطالي اسمه «سنثيو» كتبها قبله بـ60 عامًا. أعطى شكسبير نفسه الحق في تغيير تفاصيل كثيرة فيها لتناسب رؤيته، فلم يجعل «ياجو» طامعًا في ديدمونة كالنص الأقدم، بل جعله شريرًا من أجل الشر فقط وحب السيطرة على كل مَن حوله. معلومات تدفعني إلى التفكير في أن الكون كان مشاعًا في البدايات، وكل ما نشاهد ونقرأ ليس إلا مجرد انعكاسات لانهائية في مرايا لأشياء لا وجود مرئي لها على الأقل في محيط رؤيتنا. كما أدركت تشابهًا بين بهجوري وشكسبير والقبطان السابق في رؤيتهم للفن. وأدين لهم بالفضل في تخليصي من فكرة الالتزام بالحكايات الرسمية وتحريضي على البحث عن إمكانيات سردية أخرى للقصص وللعالم.

دفعني اهتمامي بالسينما إلى دراستها بشكل نظامي فيما بعد في مدرسة سينما جيزويت القاهرة، حيث التقيت بالأب ويليام سيدهم اليسوعي الذي كان يخاطبنا باسم «فناني المستقبل». ولم يهتم الأب بأن نصبح صانعي أفلام فقط، بل أيضًا بقدرتنا على تدريس الفنون للصغار. وفور تخرجنا في مدرسة السينما، عيننا أنا ومجموعة من الدارسين كمدرسين لفن السينما في مدرسة الجيزويت الثانوية. سمح لنا بتجريب العديد من الأفكار، إحداها تشجيع الطلاب على تغيير أجزاء من الحكايات المعروفة كالقصص الكلاسيكية مثلًا. طورت هذه الأفكار لاحقًا بعد حصولي على الماجستير من معهد ترانزآرت في الولايات المتحدة، وعملي في تدريس الفنون بمدارس يعاني طلابها من نظم التعليم التقليدية. استغللت يأس هذه المدارس من هؤلاء الطلبة وقدمت لهم برامج تعليمية متمحورة حول مشاريع فنية ينتجها الطلاب وليست نظرية بحتة. تتولد الحاجة إلى الدراسة النظرية بشكل تلقائي كحاجة لإنجاز المشروع. يأتي بعد ذلك دور معايير التقييم الأكاديمي للجوانب العلمية والنظرية في المشروع المنجز والذي ينجح فيه جميع الطلاب دون استثناء بسبب مشاركتهم وانخراطهم في العمل.

وفي مدينة شيكاغو، أوكلت لي إدارة مدرسة فصلًا وُصم منها، ومن المنطقة التعليمية أيضًا، بتسميته بالـ«Dropout Retrieval»، والذي تعني ترجمته الحرفية استرجاع المتسربين من العملية التعليمية، وتعني دون أي تجميل للكلمة «فصل الفاشلين». وتُكتب تلك العبارة الإنجليزية على باب الفصل الدراسي، وعلى جميع أوراق الطلاب وملازمهم الورقية، وعلى الكارنيه الذي طلبوا مني أن أرتديه طوال الوقت حول رقبتي داخل المدرسة، لكنني لم أفعل. 

يجمع هذا الفصل هؤلاء الطلبة الذين يقفون على بوابة المستقبل المظلم خارج المنظومة التعليمية والخيارات البائسة، إما العمل في وظائف بخسة الأجر أو الحصول على دخول أفضل بالاتجار في المخدرات والانضمام للعصابات. لهؤلاء الطلبة اخترت منهجًا يستطيعون من خلاله التعليق على أمهات الكتب والأفلام الكلاسيكية من واقع خبراتهم الذاتية وإبداء الرأي فيها وتحويل جزء أو أجزاء منها إلى مشاريع أفلام قصيرة. يترجم مجهودهم هذا في نهاية الأمر إلى درجات في المواد الأساسية ويمنعهم من التسرب من التعليم. 

ومن الأب ويليام سيدهم اليسوعي استعرت لفصلي الموصوم اسم «فنانو المستقبل». قدمتُ لهم نصوصًا أدبية عديدة من ضمنها «عطيل»، وطلبت منهم في اليوم الأول بعد قراءة المشهد الأول الذي يظهر به معظم أبطال المسرحية أن يرسموا رسمًا كروكيًا للشخصيات. 

وفي اليوم التالي، طلبت رسمًا لبعض المشاهد التي تجمع بين أبطال المسرحية، وطورنا شيئًا فشيئًا معالجة فيلمية في شكل «ستوريبورد» لمقاطع من المسرحية. كنت أريد تقديم عملهم الكبير هذا لإدارة المدرسة كي يُترجم إلى درجات ترفع معدلهم وتمكنهم من الالتحاق بالجامعة وتحسين ظروف عملهم ومعيشتهم بعض الشيء. لكن إحدى الطالبات قامت معترضة على تقديم المسرحية كما هي لأنها ترى أن «ديدمونة» حمقاء. سألتها وماذا عليها أن تفعل كي لا تبدو حمقاء؟ لاقى سؤالي استحسانًا وقبولًا لديها، ولدى باقي زملائها أيضًا، وتطورت المناقشة التي اتخذت منحى الـ«ماذا لو» إلى رؤية جديدة التزمت بالنص الأصلي للمسرحية على مستوى الأحداث فقط، لكنها تُروى من وجهة نظر «ديدمونة» بعد أن قُتلت وهي تعلق على الأحداث السابقة لمقتلها على يد مَن كانت تحب.

مشهد (1) نهار خارجي (ألوان):

تظهر ديدمونة (فتاة سمراء بضفائر إفريقية مرتدية فستانًا أزرق كلاسيكيًا) أمام شجرة خضراء مواجهة للكاميرا ناظرة بلوم. لا تقول شيئًا. 

تعليق صوتي:

عزيزي عطيل، أردت أن أقول لك هذه الكلمات قبل أن تقتلني. 

أما وقد حدث، فاسمعني الآن.

مزج

مشهد (2) نهار خارجي أبيض وأسود، فلاش باك:

يمشي عطيل إلى جانب ياجو في غابة بجوار البحر. عطيل يبدو غاضبًا بينما يحاول ياجو تهدئته. 

صوت ديدمونة متواصل:

أعرف أنك سمعت عن خيانتي المزعومة لك. أشكرك على عدم تصديقك لها في المرة الأولى. 

يتوقفان عن المشي ويمسك عطيل برقبة ياجو.

عطيل:

أريد دليلًا! لا تتفوه بهذا الكلام أمامي دون دليل!

يترك ياجو.

ياجو:

امكث هنا خلف تلك الشجرة يا مولاي وسآتيك بالدليل. فقط استمع لحواري مع كاسيو!

صوت ديدمونة:

دليل ماذا يا عطيل؟ دليل إخلاص؟ أم دليل خيانة؟

يبحث عطيل عن شجرة ليختبئ خلفها. ويقترب ياجو من الكاميرا ويحدثها مباشرة.

ياجو:

الآن، سأتحدث مع كاسيو عن عشيقته بيانكا، وسأجعل هذا الأحمق يظن أننا نتحدث عن ديدمونة!

يدخل كاسيو، فيحييه ياجو، ويأخذه بعيدًا عن الشجرة بعض الشيء، بحيث يستطيع عطيل التنصت عليهما.

صوت ديدمونة:

لو كان دليل الإخلاص ما كنت تبحث عنه، لكنت بحثت عنه عندي، أو على الأقل بداخلك يا عطيل!

عطيل خلف الشجرة يستمع بتركيز إلى تفاصيل كاسيو عن مغامراته الجنسية مع بيانكا.

صوت ديدمونة:

..ولكنك كنت تبحث عن دليل خيانة، لذلك بحثت عنه لدى ياجو المحتال الوضيع، وكاسيو زير النساء. 

ياجو وكاسيو يسترسلان في الحديث والضحك. بينما يتملك الغضب وجه عطيل.

صوت ديدمونة:

ليتك سألتهما كما ينبغي لرجل شجاع وواجهتهما بالتُهم المزعومة! 

ولكنك بحثت عن هذا الدليل مُختبئًا، وعلى مبعدة لكيلا تسمع شيئًا، أو ترى شيئًا 

سوى هواجسك وشيطانك.

ينصرف كاسيو مودعا ياجو. ويطأطئ عطيل رأسه من فرط الهوان.

صوت ديدمونة:

أية حقيقة تلك التي تكمن في الظل؟

أية شجاعة تلك التي تكمن في الاختباء؟

أي حب ذلك الذي يعيش في الشك؟

يخرج ياجو منديل ديدمونة ويطعنه بسيفه ثم يهديه إلى عطيل.

مزج

مشهد 3 نهار خارجي ألوان:

ديدمونة في الوضع السابق لمشهد واحد ما زالت تنظر إلى الكاميرا بلوم.

صوت ديدمونة:

التي لم تعد لك بعد الآن،

ديدمونة

تخرج من الكادر بخطوة واثقة.

اختفاء تدريجي

النهاية

حسن الهلالي

نال المشروع استحسان إدارة المدرسة، وتُرجمت جميع الأنشطة التي ساهمت في خروج هذا المشروع بهذا الشكل من قراءة النص، وكتابة المعالجة، وتحليل الشخصيات ورسمها، وكتابة السيناريو، والتصوير، والمونتاج، واختيار الموسيقى، إلى درجات إضافية عادلت معدل تحصيلهم الدراسي واستطاع الجميع النجاح بمعدل كبير، وأصبحوا مؤهلين لإكمال دراستهم الجامعية، أو تأهيلهم لما يشبه الدبلومات الفنية لدينا، ونجحت خطة منعهم من التسرب من التعليم، وشعرت برغبة في الاحتفال والصراخ بصوت عالٍ، وأنا أخبط على صدري: «أنا صح، أنا حسن الهلالي اللي قولتوله ظلم إنه مبيعرفش يرسم. أنا بعرف أرسم، وبعرف أخلي الناس ترسم يا مستر!».

وسلام.

عن الكاتب

هاني المصطفى

مصور فوتوغرافي ومخرج أفلام قصيرة. يزور الكتابة أحيانًا كي يصف صورًا مرت عليه دون أن يلتقطها. يسافر في البلاد يُدرس الأطفال ويمشي في الأسواق. يسمي الله ويأكل مما يليه.

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن