تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ولَا عَدْشي رحمة.. رُحنا وشُفنا تطوير سور الأزبكية

ولَا عَدْشي رحمة.. رُحنا وشُفنا تطوير سور الأزبكية

كتابة: علي التلباني 3 دقيقة قراءة

في أذني يغني عدوية، وتلاغيه نساء الكورس: زحمة يا دنيا زحمة، زحمة ولا عَدْشِي رحمة.  كلام يناسب المشوار إلى سور الأزبكية بعد التطوير، خاصة إن ذهبت إليه عبر محطة مترو العتبة، زحمة يا دنيا زحمة. يقع الموقع الجديد داخل حديقة الأزبكية، آجى من هنا زحمة، هنا أو هنا.. زحمة.  

caption

في أغسطس الماضي، أعلنت محافظة القاهرة تسكين 133 مكتبة في أكشاك أقامتها وزارة الإسكان على مساحة 805 أمتار، روعي توافقها مع الشكل التراثي للمنطقة، وتزويدها بوسائل الحماية المدنية، فيما عُرف بــ«تطوير منطقة الأزبكية التراثية»، وفي هذا الإطار أُجبر كُتبجية السور على التحرّك حوالي 50 مترًا، لكن الوضع الذي يعيشونه بعد هذا التحريك ليس مثل سابقه، فصاروا مستأجرين للأكشاك بعقود تُجدد سنويًا، بينما كانوا حاملي تراخيص إشغال. أما الآن فهم مستغلون لأكشاك مملوكة لمحافظة القاهرة/الحي، وكل عام تُقيّم حالة الكشك، وتُفرض عليهم زيادة في الإيجار، إلى جانب اضطرارهم لدفع رسوم محددة للأمن والصيانة وخلافه، مع بنود تسمح بتسليم الكشك إذا طلبت «القاهرة» ذلك للصالح العام أو «أي من المستجدات» الواردة خلال فترة الترخيص.

سور الكتب المستعملة والنادرة ليس زحمة، والمنظر أحسن من «القديم»، فيقول الزائر: ما التطوير حلو آهو، لكنه لا يزال مستمرًا، نسمع أصواته حولنا، يجرى العمل على قدم وساق، صنايعية شغالة، بل يبدو كمدينة من العصور الوسطى مقفول عليها بالضبة والمفتاح، أو «منطقة عازلة» كما وصفه وزير الإسكان حين زاره صحبة رئيس الوزراء مؤخرًا، مؤكد أن كل ذلك سيمر، وقريبًا ستُخصص «بوابة مترو مطلة على سوق الكتب».

الأكشاك الجديدة مريحة للعين، بل تشرح القلب، يعلو الواحد منها رقمٌ ولافتة عليها اسم المكتبة، هناك استراحات وممرات تحمل الأسماء المُعتادة مثل أنيس منصور وطه حسين، لكن اللافت وجود ممر لصنع الله إبراهيم. 

caption

بعض الأكشاك لم يُسلّم بعد، والكهرباء لم تُوصّل بالكامل، وأخرى سُكنت بالكُتبجية وفرشوها، بينما لا تزال هناك كتب «مُكرتنة» لم تُفتح. مساحة الكشك ضيقة، بل بعض الكُتبجية لا يدخلونك لعدم وجود موقع قدم بسبب زحمة الكراتين. 

إحنا مش ضد التطوير، يقول الكتُبجي أحمد صابر، مشيرًا إلى أنهم نُقلوا عدة مرات «عشان مصلحة عامة زي المترو، وآخرها تطوير الحديقة». ويوضح أن مكسبهم بسيط، ويجب على «الدولة أن تحس بينا وتساعدنا.. لأننا نحافظ على تراث ونقدّم خدمة للثقافة والعلم».

بحسب أحمد الألفي، كتبجي آخر بالأزبكية، فإن عليهم دفع 1150 إيجار، مُضاف إليها: «1000 تأمين + 1500 حراسة+ 500 كاميرات+ 140 ضريبة قيمة مُضافة».

حسب هذه الحسبة، وبنود التعاقد الجديدة، يتحوّل السور الجديد من الشكل الحلو إلى موضوع مُكلف للكُتبجية الذين عليهم تحمل هذه الأعباء حتى يكونوا جزءًا من الأزبكية بعد التطوير، أو ديكورًا يكمل صورة من زمن فات. لكن ماذا عن الغرض الحقيقي للسور؛ بيع الكتب؟ 

لهواة الصنف والنادر منه تحديدًا، دعبستُ على كتاب محمد أنيس: حريق القاهرة، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، طبعة 1974، والذي يُعتبر من النوادر، وجدته سابقًا على الصفحات التي تعرض الكتب على السوشيال ميديا، وتسلّمها في سوق ديانا كل سبت، رأيته مرة بـ25 جنيهًا وأخرى بـ50. وفي المرتين، سبق رغبتي فيه تعليق «حجز»، حسب كود شراء الكُتب المستعملة، بأن تكتب حرف الحاء فقط والكلمة الكاملة على أن يكون الاتفاق عبر رسائل الخاص، وراح كتاب أنيس عليّ. وأخيرًا، وجدتُ ضالتي بالصدفة داخل أحد أكشاك السور، فقال لي صاحبه إنه «شافه قبل كده»، ثم اختفى الرجل للبحث عن حريق القاهرة، وتركني داخل كُشكه بما فيه، لأجد النسخة بنفسي، وحين عاد بلا كتاب، عرضته عليه متوقعًا أن يتراوح سعره بين 50 و100، لكنه ضاعف سقف توقعي، مبررًا ذلك بأنه «جايبه بـ150، شوف عاوز تنفّعني بإيه» فدفعت المائتي جنيه صاغرًا، وتحركتُ بين الأكشاك، حيث تدور مفاوضات الفصال، والـ«خد والـهات»، لنرى كيف تعافر الأُسر المصرية للحصول على الكتب المدرسية الخارجية المستعملة، التي مسّ أسعارها أيضًا شيء من التطوير.

عن الكاتب

علي التلباني

علي التلباني (1997-) مدرس تاريخ متقاعد، يكره الروتين ويتقن فنون البحث عن الكتب القديمة التي نفدت طبعاتها ولا تتوافر نسخ منها إلا فيما ندر، ويُعرف أيضًا باسم السيد ع ع.

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن