وللحرب آثار أخرى.. نقص الذرة الأوكرانية يهدد البروتين المصري
مع دخول الغزو الروسي لأوكرانيا أسبوعه الثاني، تسارعت وتيرة اضطرابات الأسواق العالمية، وكذلك تداعياتها على السوق المحلية، والتي عقد مجلس الوزراء المصري اجتماعات عاجلة لبحث كيفية مواجهتها.
في بياناتها التي أعقبت الاجتماعات، اهتمت الحكومة بذكر الأثر المباشر للحرب على واردات بعينها، مثل القمح، دون تطرق أي من تلك البيانات بشكل واضح إلى محصول استراتيجي آخر هو الذرة.
«الذرة يعتبر العمود الفقري لصناعة البروتين في مصر. فراخ، لحوم حمراء، بيض، ألبان، هتبقى كارثة لو نقص في السوق» قال هشام سليمان، مستورد حبوب لـ«مدى مصر»
تنتج روسيا وأوكرانيا نحو خمس الإنتاج العالمي من الذرة، ما يجعل للحرب بينهما تأثيرًا مباشرًا على أسعارها في السوق العالمية. محليًا، ظهرت تلك الآثار بسرعة؛ قفز سعر الذرة الصفراء إلى سبعة آلاف جنيه للطن، الثلاثاء الماضي، مقارنة بـ 5600 للطن، في مطلع الأسبوع.
على عكس القمح، لا تعد الذرة سلعة تموينية؛ لا تستوردها الحكومة أو تحتفظ بمخزون استراتيجي منها. هذه المهمة تقع بالكامل على القطاع الخاص. وحتى احتياجات مصانع الأعلاف الحكومية من الذرة يوفرها القطاع الخاص، وفقًا لعدة مصادر تحدث معها «مدى مصر».
«الحكومة كانت بتتدخل في استيراد الذرة لمّا كانت بتخلط 20% من دقيق الذرة مع القمح لصناعة العيش المدعم. بمجرد مَبقى العيش قمح 100%، الحكومة طلعت برّه الموضوع دا، ومَبقاش ليها دعوة باستيراد الذرة» بحسب سليمان.
ارتفعت واردات الذرة الصفراء بشكل مطرد، على مدار الثلاثة عقود الماضية. بلغت 4.3 مليون طن في 2014، قبل أن تصل إلى نحو عشرة مليون طن العام الماضي، بقيمة تتجاوز ملياري دولار.
اطلع «مدى مصر» على بيانات من إدارة الحجر الزراعي المصري، ووزارة الزراعة الأمريكية، وبيانات غير رسمية من شركات ومصدرين، تباين فيها حجم إنتاج واستيراد مصر من الذرة الصفراء، كما اختلفت تلك التقارير في ترتيب الدول التي تستورد منها مصر الذرة، وإن اتفقت جميعها على كون أوكرانيا واحدة من أكبر ثلاث دول تستورد منها مصر الذرة، إلى جانب البرازيل والأرجنتين.
أوكرانيا، السادسة عالميًا في إنتاج الذرة، كانت ضمن أهم مصادر مصر لتوريد هذا المحصول لأسباب وجيهة؛ الذرة الأوكرانية ذات جودة متوسطة، لكن وجودها في منطقة البحر الأسود يؤمن وصول شحناتها إلى مصر في أقل من أسبوع، ما يعني تكلفة شحن أقل، وهو ما يجعلها اﻷفضل كقيمة مقابل سعر، على عكس الدول المنتجة الأخرى في المنطقة، مثل بلغاريا ذات الجودة الأقل أو رومانيا التي تنتج ذرة عالية الجودة لكنها مرتفعة السعر. روسيا أيضًا تنتج الذرة، لكن مصر تحظر استيراد هذا المحصول منها لاحتوائه على «الامبروزيا» وهو نوع من الآفات الحجرية المحظور دخولها إلى البلاد. حسبما قال مستوردون لـ«مدى مصر».
كانت أسعار الذرة بالفعل في اتجاه الصعود عالميًا منذ بداية العام في ظل أزمة غذاء عالمية، ووصل سعر الطن إلى 231 دولارًا، بزيادة تصل إلى 22% مقارنة بالعام الماضي، ومع بداية اﻷزمة بين روسيا وأوكرانيا برز ثقل البلدين في السوق العالمية. تسارعت وتيرة زيادة سعر الطن، ليسجل أمس 294 دولارًا، وهو السعر المرشح للزيادة لتزامن الحرب مع مخاوف من انخفاض إنتاجية بعض أهم منتجي الذرة العالميين مثل الأرجنتين والبرازيل، جراء قلة معدلات الأمطار.
إذا استمرت زيادة اﻷسعار بالوتيرة نفسها سيحتاج مستوردو الذرة في مصر أكثر من 600 مليون دولار إضافية لاستيراد نفس الكمية التي يستوردونها سنويًا والتي تقدر بأكثر من 800 مليون طن.
تحدث «مدى مصر» إلى مصادر متعددة رأت أن نقص الذرة أو ارتفاع سعره سيؤدي إلى وضع كارثي في حال لم تتدخل الحكومة لضبط الأسواق، خاصة مع اقتراب شهر رمضان وارتفاع استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان. «في أقل من شهر البيضة سعرها هيتجاوز 3 جنيه» بحسب المستورد هشام سليمان.
في المقابل، نفى رئيس قطاع الخدمات والمتابعة التابع لوزارة الزراعة، عباس الشناوي، احتمالية حدوث «أزمة» معتبرًا أن ما ستتعرض له مصر جرّاء نقص الذرة سيكون «ضغوطًا بسيطة»، حسبما قال لـ«مدى مصر».
بالمثل، قال عبد العزيز السيد، عضو لجنة السلع بمجلس الوزراء، لـ«مدى مصر» إن الوضع آمن تمامًا، مؤكدًا أن مصر لديها مخزون استراتيجي من الذرة يكفي ستة أشهر، موضحًا أن تلك المعلومة وردت في تقارير قدمتها الوزارات المعنية إلى لجنة السلع خلال اجتماعات مجلس الوزراء اﻷخيرة. في حين لم نتمكن من الاطلاع على تلك التقارير أو ما ورد فيها، أكد السيد أن هذا المخزون الاستراتيجي كان نتيجة لنصائح «القيادة المستنيرة» -حسب وصفه- التي طلبت من الحكومة منذ ثلاثة أشهر تخزين كل المحاصيل الاستراتيجية بشكل كاف.
ما قاله عضو لجنة السلع عن وجود مخزون استراتيجي من الذرة اعتبره سليمان متنافيًا مع المنطق، وتساءل: «همّا مين اللي جمعوا المخزون؟ جمعوه منين؟ القطاع الخاص هو بس اللي بيستورد ذرة. طيب هيخزنوه فين؟ السعة الاستيعابية للصوامع بتكفي تلاتة ونص مليون طن، والمفروض أن كلها قمح دلوقتي، هيحطوا حوالي خمسة مليون طن ذرة فين؟»
نقلنا تساؤلات مستوردي القطاع الخاص، والتقارير التي أعدوها، إلى المصدرين الحكوميين، واللذين رفضا الاعتراف بوجود مشكلة، وكرر عضو لجنة السلع بـ«الوزراء» رفضه مشاركتنا التقارير الحكومية التي أكدت وجود مخزون من الذرة يكفي ستة أشهر.
بحسب سليمان، فإن ما قاله السيد يهدف إلى طمأنة الناس دون التعامل مع الأزمة على أرض الواقع.
بشكل عام، تستورد مصر شهريًا أكثر من 800 ألف طن من الذرة، وهو ما حدث بالفعل في يناير وفبراير الماضيين، بإجمالي مليون و700 طن للشهرين، وذلك بحسب بيانات جمعها «مدى مصر» من مصادر مختلفة حكومية وخاصة تضمنت قوائم سفن شحن الحبوب التي دخلت موانئ مصر خلال الشهرين اﻷخيرين، ولم تظهر فيها أية كميات إضافية تعكس ما سبق أن أشار إليه السيد من توجيهات «القيادة المستنيرة».
800 ألف طن ذرة هي نفسها الكمية التي تستهلكها مصانع اﻷعلاف المصرية شهريًا، وفقًا لمستوردين ومُلاَّك مصانع، ما يعني في أكثر السيناريوهات تفاؤلًا أن المخزون الموجود فعليًا يكفي شهرين مقبلين، ما يتطلب اتخاذ خطوات سريعة لتلافي أي نقص في توافر الذرة.
في ظل ارتفاع الأسعار الحالي، وارتباك الأسواق، وغياب الرقابة الحكومية، توقع سليمان امتناع المستوردين عن التعاقد على استيراد ذرة خلال هذه الفترة، والاتجاه لتخزين ما اشتروه بالفعل، متسائلًا: «إيه يخلي التاجر يجازف دلوقتي ويشتري بسعر عالي، لمّا ممكن يخزن اللي عنده بالفعل ويعطّش السوق ويكسب مكسب مضاعف ومضمون»
ما أشار إليه سليمان من استغلال التجار لأزمات السوق، ظهر مثلًا في محصول اﻷرز محليًا، فزاد سعر الطن بقيمة ألف جنيه أمس، وذلك رغم اكتفاء مصر ذاتيًا منه بإنتاج نحو 80% من احتياجاتها. تزامنت هذه الزيادة مع تكليف الحكومة للجهات المعنية بـ«ضرورة متابعة الأسواق أولًا بأول؛ لمنع التلاعب بالأسعار، أو استغلال هذه الظروف بصورة سيئة لتحقيق أغراض ومصالح شخصية» بحسب بيان لمجلس الوزراء.
«الذرة الموجودة في البلد دلوقتي هتبقى زي المخدرات» علّق سليمان.
مع توقف شحنات الذرة من أوكرانيا، ستحاول مصر تعويض النقص من مصادر أخرى ستكون على اﻷغلب مرتفعة السعر، مثل الأرجنتين، أو البرازيل، أو الولايات المتحدة التي كانت مصر تستورد منها بالفعل كميات أقل لارتفاع التكلفة وطول فترة الشحن. هذا التحرك سيؤدي بالتأكيد لزيادة أسعار البروتين الحيواني في الأسواق المصرية، حسبما قال نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والمياه بجامعة القاهرة لـ«مدى مصر»
النقص في الذرة سيؤثر مباشرة على صناعة الدواجن التي يعتمد 75% منها على الأعلاف التي تستورد مصر مكوناتها الأساسية من الخارج. تُصنع أعلاف الدواجن من 70% من الذرة الصفراء، و19% من فول الصويا. «لو حصل نقص في الذرة الصفراء، صناعة الدواجن في مصر ممكن تنهار» يقول حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين لـ«مدى مصر»
لحل الأزمة من الداخل دعا المزارع محمد الجوهري وزارة الزراعة، إلى دعم وتشجيع المزارعين للتوسع في زراعة الذرة هذا العام، لزيادة الإنتاج المحلي، وإنقاص فاتورة الاستيراد، من خلال الزراعة التعاقدية، أو وضع حد ائتماني لمحصول الذرة قبل بدء موسم زراعته في منتصف مارس الجاري.
كان شريف فياض، أستاذ الاقتصاد الزراعي، في تصريحات سابقة قال إن غياب وجود منظومة محددة وواضحة الملامح لتسويق المحاصيل، جعل الفلاح يزرع بشكل عشوائي وبدون تخطيط. مضيفًا أن وزارة الزراعة تتهرب من وضع خريطة شرائية واضحة لمحصول الذرة، سواء الإعلان عن السعر، أو وسيلة التسويق المناسبة، أو التنسيق بين الجمعيات التعاونية، وهو ما لا يشجع المزارعين على زراعة محصول استراتيجي مثل الذرة.
الزراعة التعاقدية هي آلية تضمن للمزارعين تسويق المحاصيل بسعر متفق عليه قبل الزراعة.
من جهته، نفى رئيس قطاع الخدمات والمتابعة بوزارة الزراعة لـ«مدى مصر» وجود خطة لتطبيق الزراعة التعاقدية في محصول الذرة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الوزارة «تعمل منذ سنوات على زيادة مساحات الذرة في المستقبل».
فيما تعمل الحكومة منذ سنوات على زيادة مساحة الذرة، يبدو أنها تحتاج كذلك لسنوات لتنظيم الزراعة التعاقدية في مصر؛ ففي عدد الجريدة الرسمية بتاريخ الثالث من مارس الجاري، نشرت «الزراعة» قرارًا أصدره الوزير العام الماضي، بتنظيم عمل مركز الزراعات التعاقدية، الذي كانت الوزارة قد قررت تأسيسه قبل نحو سبع سنوات.
القرار الذي احتاج عامًا لنشره، لا يعني تفعيل المركز كحل ﻷزمات محاصيل استراتيجية مثل الذرة، وإنما اقتصرت مواده على توضيح دور المركز في تسجيل التعاقدات إذا رغب طرفاها، والفصل في الخلافات التعاقدية، وما شابه ذلك من تنظيمات بيروقراطية. وحتى هذا الدور الإداري قد يحتاج سنوات للبدء في ممارسته، انتظارًا لصدور اللائحة التنفيذية للقرار.
«فيه محاصيل الدولة مينفعش تشيل إيديها منها، محاصيل الأمن القومي زي القمح والأرز والذرة» هكذا علّق الجوهري.
تقارير ذات صلة
«لف وارجع تاني».. كيف أدارت الحكومة أزمة القمح
طلبت جهات أمنية من تجار القمح المحليين جمع أكبر قدر ممكن منه، مع تذكيرهم بأن ذلك يُعد «عملًا وطنيًا»
مأزق الدارسين المصريين في روسيا بلا «سويفت»
آثار جانبية لـ«عقوبات غزو أوكرانيا»
شتات طالبي «الطب» المصريين في أوكرانيا وروسيا
نزوح من الحرب يعقبه دراسة من الصفر
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن