«وش وضهر»: طائر على طريق محمد خان
في أول أعمال مريم أبو عوف، فيلم «بيبو وبشير» (2011)، كان ملفتًا اختيارها للمخرج الراحل محمد خان، في دور بارز، كممثل، وبالفعل وجدناه صاحب حضور وخفة ظل. لم يكن ذلك الاختيار مجرد إعجاب بشخص خان فقط، بل كان تحية لتاريخه السينمائي، وهو ما سيظهر في أحدث وأنضج أعمال أبو عوف، مسلسل «وش وضهر» (2022).
«وش وضهر» من نوع الكتابة الدرامية الاجتماعية التي غابت عنا السنوات الماضية، بعد موجة صعود في أعوام 2013-2017، بسبب سيطرة جهات إنتاجية بعينها على مسارات السوق، دفعت بأنواع معينة من الكتابة كالأكشن والتشويق، والتي تدور بدورها في كومباوندات معزولة، بدراما مبالغات، على حساب الدراما الفنية الجادة، التي شاهدنا نماذج منها مثلًا في «هذا المساء» لتامر محسن، و«سجن النسا» لكاملة أبو ذكري.
الصدى الكبير الذي أحدثه المسلسل، لم يكن فقط بسبب تميزه الفني كتابةً وإخراجًا، ولكن لأن المشاهد رأى أبطالًا يشبهونه، من لحم ودم، يركبون الميكروباص، لا يعيشون في فقاعات، وليسوا أبطالًا خارقين ولا خارجين من روايات خيالية، لهم أحلامهم وخيبات أملهم، زلاتهم وفضائلهم، لا ملائكة ولا شياطين، نماذج عادية، وهو نفس ما فعلته موجة «الواقعية الجديدة» في الثمانينيات مع خان وعاطف الطيب ورأفت الميهي وخيري بشارة وعلي عبد الخالق، كرد فعل على موجة أفلام السبعينيات، التي تنوع أغلبها بين الغنائي الاستعراضي، مثل «أبي فوق الشجرة» (1969)، و«خللي بالك من زوزو» (1972)، و«ألف بوسة وبوسة» (1977)، وبين الميلودرامي المبالغ فيه، مثل «وبالوالدين إحسانًا» (1976)، و«لا تبكي يا حبيب العمر» (1979)، وأيضًا الاجتماعي الفاخر الذي يكون بطله في أغلب الأحوال مهندس يسكن في شقة فسيحة ولديه سيارة أمريكية فارهة، مثل «البنات عايزة إيه» (1980).
تتقاطع قصة ضحى (ريهام عبد الغفور) وهبة (ثراء جبيل) في المسلسل مع أفلام خان كثيرًا. الفتاتان اللتان تعيشان على الهامش وتعملان في مصنع للحلوى في طنطا، نستطيع أن نجدهما في بطلات خان، في «بنات وسط البلد» (2005) و«فتاة المصنع» (2013). أيضًا يصل خيط علاقاتهما العاطفية وارتباط إحداهما بنصاب وحمل الأخرى قبل الزواج إلى فيلم خان «أحلام هند وكاميليا» (1989).

انتصار «سينما الصراصير» في 2022
رغم الهجوم الذي تعرضت له «الواقعية الجديدة» مع ظهورها -وصفها المخرج حسام الدين مصطفى بسينما الصراصير- انحاز الزمن لأفلامها وسقطت من الذاكرة نوعية أفلام مثل «أهلا يا كابتن» (1978) لحسام الدين مصطفى، وتحول فيلم «العفاريت» (1990)، للمخرج نفسه لمادة سخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، ليأتي رهان مريم أبوعوف وكتاب السيناريو، أحمد بدوي وشادي عبد الله، مع إشراف مريم نعوم، على تقديم امتداد لواقعية خان ورفاقه، في محله.
أولى ملامح تلك الواقعية هي التصوير في أماكن واقعية بالكامل. فكما صَّور خان فيلمه «ضربة شمس» (1978) في شوارع القاهرة، صورت أبو عوف «وش وضهر» في شوارع وميادين طنطا. شقق وحوارٍ وحقول ومستشفيات حقيقية، منازل غير مكتملة البناء، وحوائط سقط عنها الطلاء، طرق غير مرصوفة، قمامة في الحوش، مساجد ومقامات صوفية، ميكروباصات وتوك توك، بجماليات تصوير أبرزت جمالًا واقعيًا ساهمت فيه بوضوح مديرة التصوير نانسي عبد الفتاح، التي شاركت خان فيلمه «في شقة مصر الجديدة» (2007)، في استكمال لمسيرة مدير تصوير الشارع الأبرز ورفيق خان، سعيد شيمي. هي أيضًا ليست واقعية تحويل الفقر لمشاهد فرجة وتسلية لمن لا يعرفونه، واستحلاب شفقة المشاهدين تجاه «الفقراء»، ولكنها واقعية الحياة العادية.

ترتبط تلك الأجواء البصرية بالأداء التمثيلي المواكب لها، فلن نجد مبالغات التمثيل المعتادة في الدراما المصرية، لدرجة تشعرك بالحيرة تجاه من قاموا بأداء الأدوار الصغيرة مثل مرضى العيادة والممرضات وأمناء الشرطة. هل هم ممثلون محترفون أم أنهم شخصيات حقيقية تقوم بأدوارها كما يعيشونها في الواقع؟ وهو ما ينطبق أيضًا على سيناريو المسلسل، فلا مبالغات أو اصطناع أو جرائم كبرى دخيلة، بل هي الحياة بأحداثها المعتادة.
خرج لطنطا ولم يعد
أما بطل العمل جمال/جلال (إياد نصار) فهو بطل من طراز خاني بامتياز، البطل الرافض لواقعه والباحث عن نفسه في رحلة. «طائر على الطريق» بين القاهرة وطنطا، مسافر يترك حياته ويدخل عالمًا جديدًا. وبشكل أدق، فالبطل خرج من حياته القديمة ولم يعد. فكما ترك عطية (يحيى الفخراني) في «خرج ولم يعد» (1984) وظيفته الحكومية ومنزله البائس وخطيبته التي لا يشعر نحوها بعاطفة، ووجد حياته الحقيقية كمهندس زراعي في الريف مع خوخة (ليلى علوي) التي أحبته، يترك جمال في «وش وضهر» وظيفته في المخازن وزوجته التي لا تحس بوجوده من عدمه في القاهرة، ويحقق حلمه في ممارسة الطب باسم جديد وشخصية جديدة، ويجد حبًا حقيقيًا مع ضحى، الهاربة بدورها، من ماضيها.

يصل التشابه لدرجة التطابق بين الفيلم والمسلسل في مشاهد الريف، ورغبة جمال في أن يعيش في قرية ضحى، كفلاح، بعيدًا عن مدينتي القاهرة وطنطا، ثم مشهد تناوله الإفطار الفلاحي الشهي، في مشهد مشابه لمشاهد الطعام الفاتحة للشهية الشهيرة في «خرج ولم يعد».

تميز خان بإدارته للممثلين، وقدموا معه مستويات من الأداء قد تكون الأفضل في تاريخهم. فـ«الحريف» يظل علامة بارزة في تاريخ عادل إمام التمثيلي يُعاد اكتشافها وتحليلها حتى الآن. و يبقى دور أحمد زكي في «زوجة رجل مهم» درسًا عمليًا في مهارة تقمص الشخصية المركبة، ولكن التميز الأكبر لخان كان في تحويل مسار ممثلات وممثلين واستخراج قدرات منهم لم تظهر من قبل، كما فعل مع ميرفت أمين في دور صعب وغير معتاد في «زوجة رجل مهم»، واختيار نجلاء فتحي صاحبة الأدوار الرومانسية والاجتماعية في دور عاملة منزلية في «أحلام هند وكاميليا»، وكذلك رفيقتها عايدة رياض، التي تغيّر مسارها التمثيلي بسبب هذا الدور.

وهو ما قامت به مريم أبو عوف في «وش وضهر»، فقدمت ريهام عبد الغفور في دور مختلف أثبتت فيه أنها تستحق مكانًا أكبر كثيرًا مما حصلت عليه، أداء طبيعي دون مبالغة أو تصنّع أو افتعال، وكذلك مع ثراء جبيل في دور هبة، التي لن تتخيل اختيارها لمثل هذا الدور وأنت تشاهد أعمالها السابقة، ولكن استطاعت أبو عوف أن تخرج منها طاقات تمثيلية كبيرة، وبخاصة في مشاهد اكتشاف الحمل والإجهاض.

أما الرهان الكبير، فجاء على الممثل محسن منصور في دور أبو البراء، وهو من أجمل وأعمق الأدوار المكتوبة عن «الإسلاميين» بعيدًا عن الكليشيهات المحفوظة عن أصحاب الذقون. كان منصور محصورًا في أدوار الشر الخالص أو الممزوج بالكوميديا، لكن عين أبو عوف التقطت أداءه بشكل كوميدي لشخصية أمير جماعة متطرفة في فيلم «عندما يقع المرء في مستنقع أفكاره»، وحولت تلك الطاقة لأداء شديد الحساسية والإتقان، لشخصية أبو البراء بطريقة كلامها ولزماتها الحركية وترددها بين ما يدور في داخلها وبين ما تظهره، في دور يستحق جائزة خاصة للاختيار الذكي وغير المتوقع.

كذلك استطاعت مريم أن توظف محمود قابيل في دور مناسب لشكله وسنه، أداه ببساطة وطبيعية لم تكن موجودة في أغلب أدواره السابقة، ونجحت في إقناع الفنانة ميمي جمال بالعودة للتمثيل في دور الراقصة السابقة، والدة عبده وردة (إسلام إبراهيم)، ليقدمها في شكل ومرحلة جديدة تتناسب مع السن والحالة الصحية.

دون رسائل مباشرة.. ذلك أفضل كثيرًا
لم تكن سينما خان تميل للرسائل المباشرة اجتماعيًا وسياسيًا، لكنها كانت تقدم حالة فنية يمكنك كمشاهد أن تختار أن تفهمها كما تحب. وهو ما قدمته أبو عوف في «وش وضهر»، فقدمت بذكاء عدة قضايا هامة، لكن بشكل غير مباشر، فلن نجد خطبًا أو حكمة موجهة للمتفرج، ولن نجد كليشيهات أخلاقية أو معجزات تنقذ الأبطال. لن تموت هبة بسبب الإجهاض كعقوبة على حملها قبل الزواج، ولن يتخلى عنها حبيبها كنذل قادم من الأفلام العربية القديمة، ولن تحمِل ضحى العار بسبب عملها كراقصة في الأفراح الشعبية، ولن يفلت جمال من عقوبة السجن بسبب انتحاله لشخصية طبيب.
سنشاهد قضايا استغلال المرأة والإجهاض وتعدد الزوجات وحياة أصحاب الاحتياجات الخاصة داخل الدراما بشكل طبيعي، دون مواعظ موجهة للمشاهد.
في الحلقة الأخيرة من «وش وضهر»، قدم المسلسل تحية لرأفت الميهي بمشهد المحاكمة وشخصية حسن سبانخ المحامي من فيلم «الأفوكاتو» (1983) ، ولكن المسلسل كله يعطي التحية لسينما الواقعية الجديدة وبالأخص واقعية محمد خان.

صدور فيلم «ضربة شمس» كان بداية لموجة جديدة في السينما، وهو ما نتمنى أن يكونه «وش وضهر» كبداية لموجة جديدة في الدراما المصرية.
تقارير ذات صلة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
«مرحبا دولة»: رحلة البحث عن «الشرطي الموظف» في الدراما
الجانب العبثي من حياة «البوليس»
«الريس بيتفرج».. إعلام ودراما الدولة في انتظار رصاصة الرحمة
ترقب وسيناريوهات غامضة لـ«المتحدة» بعد تصريحات الرئيس
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن