ورقة من ملف «الضباط الأحرار»: لماذا 23 يوليو ولماذا خالد محيي الدين؟ (1-2)
الحلقة الخامسة من برنامج قراءة «شهود عيان»
«كوكبة» هي سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة.
راعيتُ عدة اعتبارات في برنامج القراءة الذي اخترته هنا. فليست السير العشر التي أوردتها هي أهم السير، كما أنها ليست لأهم الكُتّاب، والوقائع والأحداث الواردة في ثناياها ربما ليست هي أيضا أهم الأحداث.
راعيتُ في المحل الأول التنوع، وأن تمتد هذه السير على مساحات زمنية مترامية وتغطي حقبا تاريخية مختلفة. ليست كلها مشهورة ومعروفة، بل ربما كان بعضها غير معروف كثيرًا، أو مضى على نشرها سنوات طويلة، لكنها مع ذلك كانت مؤثرة وجاءت في مفصل من المفاصل التاريخية الكبرى.
في الحلقة الأولى تناولت «مذكرات عباس حلمي الثاني» آخر من شغل منصب الخديوية. وفي الثانية مذكرات هدى شعراوي، وفي الثالثة «الأيام» لطه حسين التي لا يمكن تجنبها، و«مذكرات عريان يوسف سعد» أقدم سجين سياسي في الرابعة. وهنا، وفي حلقتين، أتناول «مذكرات خالد محيي الدين»، ليس فقط بسبب دوره في تنظيم الضباط الأحرار الذي قام بأخطر انقلاب عسكري مازلنا نعيش في تداعياته حتى اليوم، بل أيضا بسبب انتمائه لليسار وتأسيسه لحزب التجمع.

لماذا 23 يوليو الآن؟
ببساطة لأن النظام الذي يحكم مصر الآن هو نظام 23 يوليو، أي النظام الذي تأسس في أعقاب انقلاب 23 يوليو 1952، الذي قام به تنظيم الضباط الأحرار، عندما طُرد الملك فاروق وتولى ابنه الطفل أحمد فؤاد الحكم بواسطة مجلس وصاية، وما لبث الضباط أن أعلنوا الجمهورية، وواصلوا تغييراتهم الحاسمة بإلغاء الأحزاب ومحاكمة رموز العهد البائد، وأرسوا دعائم حكم استبدادي كان قادرا على الاستمرار بعد هزيمة كارثية بحجم هزيمة يونيو 1967، كما كان قادرا أيضا على الاستمرار بعد ثورة عظيمة بحجم ثورة 25 يناير، (ولنؤجل الجدل قليلا حول 25 يناير: هل هي مجرد انتفاضة، أم اضطرابات، أم ثورة، أدت إلى خلع رئيس البلاد، بعد أن أمضى مايزيد على ثلاثين عاما في السلطة؟)
ولماذا خالد محيي الدين (17 أغسطس 1922- 6 مايو 2018 ) تحديدًا؟
كثيرون من الضباط الأحرار كتبوا سيرهم الذاتية ومذكراتهم، ليس فقط المشاهير، مثل محمد نجيب، وأنور السادات (وعبد الناصر بالطبع في خُطبه الموّثقة) ويوسف صديق، وعبد اللطيف البغدادي، وصلاح سالم، وثروت عكاشة، بل ومن الصف الثاني والثالث من الضباط الأحرار مثل جمال حماد، وأحمد حمروش، وغيرهما، فلماذا خالد محيي الدين؟
الحقيقة أن خالد يبدو لي أكثرهم صدقًا وإخلاصًا لمبادئه وأفكاره عن الديمقراطية والاشتراكية، كما أنه لم يحصل على أي مكاسب شخصية من أي نوع، ولم يتباكى على ظلم لحق به، كما أنه شارك في الحركة السياسية بمختلف تياراتها، إلى جانب أنه شغل مناصب مؤثرة، ثم أصرّ على الاستقالة ونفي إلى خارج البلاد، وأخيرا استمر في الظل سنوات طويلة، بعد تجربة قصيرة في الصحافة أسس خلالها جريدة «المساء»، وترأس مجلس إدارة «أخبار اليوم» ورئيس تحريرها عامي 1964 و 1966، إلى أن تولى أمانة ماسُمي بمنبر اليسار، عندما سمح السادات في سبعينيات القرن الماضي بتمايز ثلاث منابر في الاتحاد الاشتراكي -التنظيم السياسي الوحيد على مدى عقود- وهي المنابر التي تحوّلت إلى أحزاب، وشغل خالد منصب الأمين العام لحزب التجمع، أي الحزب الذي ضمّ بالأساس التيارات الاشتراكية المختلفة والناصريين، ويُضاف إلى كل هذا أن خالد هو تقريبا آخر من كتب الحكاية من الضباط الأحرار، وتكتسب شهادته لهذا السبب تحديدا أهمية خاصة، فقد كان عليه أن يضع في اعتباره الروايات المختلفة، السابقة عليه.
«الآن أتكلم»
أعتمد في قراءتي لسيرة خالد محيي الدين«الآن أتكلم»، على الطبعة الصادرة عام 1992، عن مركز الأهرام للترجمة والنشر، وأظنها الطبعة الوحيدة، وتحتاج بلا شك لطبعة جديدة، بعد أن مضى على طبعتها الأولى أكثر من ثلاثين عاما.
على أي حال، يؤكد محيي الدين على الدور الذي لعبه المؤرخ والسياسي وزميله وخليفته في حزب التجمع، د. رفعت السعيد في كتابة وإعداد وتحرير هذه الأوراق.
من جانب آخر، لم يكن مثيرا للدهشة أن أول مايتذكره من طفولته البعيدة «تكية السادة النقشبندية»، وجده الأكبر لأمه هو الخليفة الشيخ محمد عاشق، وقد عُرضت عليه -على خالد- مشيخة الطريقة بالفعل، بعد وفاة جده، لكنه اعتذر وتولاها ابن خالته، وكما يذكر: «في رحاب هذا العبق الديني الرائع قضيت أجمل أيام طفولتي»، وظلت تلك المسحة الصوفية تميّزه على الدوام. أما جده لأبيه فهو تاجر ومزارع شاطر يمتلك مئات الأفدنة. وعلى الرغم من أنه لم يكن طالبًا متعثرًا، وكان والده يغريه ويلحّ ليحصل على التوجيهية، ويرسله إلى أمريكا ليدرس الزراعة الحديثة ويحصل على الدكتوراه، إلا أنه استجاب للروح الوطنية التي كانت تلهب مشاعر الشباب آنذاك، وشعوره بحاجة مصر إلى جيش قوي لتحرير البلاد، وهكذا تقدّم للكلية الحربية عام 1938 وهو في السادسة عشرة، وتخرج عام 1940 ملازم ثان في الآلاي الأول/دبابات (سلاح الفرسان).
تأثر خالد، شأنه شأن الكثير من الضباط، بحادث 4 فبراير 1942، عندما أجبَر السفير البريطاني الملك فاروق، على تولي حزب الوفد تشكيل الحكومة، إبان احتدام الحرب العالمية الثانية، حيث كانت قوات رومل تجتاح ليبيا متجهة إلى العلمين. رأى الضباط أن مافعله السفير يشكّل عدوانا على سيادة مصر، وكانوا يعتبرون أن الملك رمزًا لهذه السيادة.
البيعة الكاملة لـ«الإخوان»
في أواخر عام 1944 طلب منه أحد زملائه -الضابط عبد المنعم عبد الرؤوف- أن يصطحبه للتعرف على زميل لهما، وكان هذا الزميل هو جمال عبد الناصر، كما اصطحبه أيضا للتعرف على زميل آخر، هو محمود لبيب (وقد علم فيما بعد أنه مسئول الجناح العسكري بالإخوان المسلمين). وهكذا كانت علاقاته الأولى السياسية، وكان الإخوان المسلمين مؤثرين ومتغلغلين في صفوف الجيش، وأغلب السيَر والمذكرات التي كتبها أعضاء تنظيم الضباط الأحرار يشيرون فيها إلى علاقتهم السياسية الأولى بالإخوان. ويتحدث محيي الدين عن لقاءات سياسية منتظمة، كانت تعقد في البيوت، ومن بينها بيت الضابط أحمد مظهر (وهو نفسه الفنان المعروف) وكان يحضرها بعض الذين تولوا فيما بعد مناصب في مجلس قيادة الثورة بعد 23 يوليو، مثل كمال الدين حسين، وحسين الشافعي وعبد اللطيف البغدادي، وغيرهم.
ويضيف أن المرشد العام حسن البنا بنفسه، بدأ في حضور لقاءات الضباط ومناقشتهم والإجابة على أسئلتهم، وتطور الأمر إلى محاولة ضمّ محيي الدين، و جمال عبد الناصر، إلى الجهاز السري للجماعة. وحسبما يقرر:
« .. المهم اتصل بنا صلاح خليفة (أحد الضباط) وأخذنا- أنا وجمال عبد الناصر- إلى بيت قديم في حي الدرب الأحمر باتجاه السيدة زينب، وهناك قابلنا عبد الرحمن السندي المسئول الأول للجهاز السري للإخوان في ذلك الحين، وأدخلونا إلى غرفة مظلمة تمامًا، ووضعنا يدنا على مصحف ومسدس، ورددنا خلف هذا الصوت يمين الطاعة للمرشد العام وأعلّنا بيعتنا التامة الكاملة الشاملة ويضيف «وبرغم هذه الطقوس المفترض فيها أن تهز المشاعر، فإنها لم تترك إلا أثرًا محدودًا في نفس عبد الناصر أو نفسي».
على أي حال، سرعان ما أسفرت الجماعة عن وجهها السياسي، أمام الأحداث وخصوصا عندما تشكلت اللجنة الوطنية للطلبة والعمال، التي قادت انتفاضة 1946، فقد حاولت -الجماعة- تشكيل لجنة مناوئة للانتفاضة بالتعاون مع حكومة إسماعيل صدقي، التي كانت من أشد الحكومات رجعية واستبدادًا. وأفضى عبد الناصر بمخاوفه لمحي الدين من أن الجماعة تستخدمهما كضباط لمصالحها الذاتية وليس لمصلحة الوطن، وشاركه الأخير المخاوف نفسها، ولذلك انسحبا معًا من الجماعة، على الرغم من أنهما كانا قد حضرا بالفعل جانبًا من تدريبات الإخوان العسكرية في صحراء حلوان. وفي الوقت نفسه كانت علاقته بالضابط اليساري عثمان فوزي عضو المنظمة اليسارية السرية «إيسكرا» تتوثق. وفي نادي القاهرة للتجديف النهري التقى بوكيل نيابة يدعى أحمد فؤاد، وكان يعرفه من قبل وتزاملا في الدراسة.
إلى «إيسكرا»
وما لبث أحمد فؤاد أن فاتحه في التجنيد في «إيسكرا»، وتم بالفعل تنظيمه في إحدى الخلايا، لكن عوامل عديدة، من بينها ضعف الوعي السياسي لمسؤول الخلية وإصراره على مناقشة أمور الدين باستهانة، وغير ذلك مما جعله يغادر الخلية والتنظيم معا بعد شهور قليلة.
بعد فترة وجيزة، وبالتحديد في يونيو 1949 تشكلت الخلية الأولى للضباط الأحرار. وهنا لابد أن أشير إلى أن ذلك التاريخ لايتفق عليه الجميع، فمحمد نجيب والسادات على سبيل المثال يرجعان التأسيس إلى سنوات أبعد. ووفقا لرواية خالد أن الاجتماع الأول عُقد في بيت عبد الناصر، وحضره عبد المنعم عبد الرؤوف، وكمال الدين حسين، وحسن إبراهيم. وفي الوقت نفسه حرص محيي الدين على تأكيد أنه كانت هناك بلا شك مجموعات أخرى في الجيش مثل مجموعة جمال منصور التي أصدرت بالفعل عدة منشورات، وانتهى الأمر بالقبض على عدد منهم، ومجموعة الحرس الحديدي، التي لعب الضابط يوسف رشاد الدور الأساسي فيها، وكانت على علاقة بالقصر وقامت بالفعل ببعض عمليات الاغتيال ضد خصوم الملك، مثل محاولة اغتيال مصطفى النحاس، ومجموعة أنور السادات وكانت تضم عناصر مدنية مثل حسين توفيق، وسعد كامل، وابراهيم كامل، وقامت باغتيال أمين عثمان، احتجاجا على تصريحه الذي وصف فيه علاقة مصر بانجلترا بأنها زواج كاثوليكي! وهنا أضيف أن السادات أشار في مذكراته إلى أنه كان على علاقة بضابط القصر والشخصية المؤثرة في الحرس الحديدي يوسف رشاد، وأن الأخير هو الذي أعاده إلى الجيش بعد فصله فعلًا.
كذلك التقى محيي الدين بالضابط الشهير عزيز المصري، الذي لم يتزحزح طوال المناقشة بينهما عن أن الاغتيالات السياسية هي الطريق الوحيد، وقد تأثر خالد به بالفعل، وحاول عام 1946 اغتيال أحد كبار الفاسدين والمرشح لعضوية مجلس الشيوخ (لم يذكر إسمه) وفشلت المحاولة وهو ماجعله يفيق ويدرك أن عملا كهذا أقرب للإجرام. وجمال عبد الناصر أيضا حاول بمفرده اغتيال حسين سري عامر رجل الملك القوي، لكن المحاولة فشلت.
وفي عام 1950 التقى محيي الدين مرة أخرى بأحمد فؤاد (كانت «إيسكرا» عام 1947 قد انضمت للحركة المصرية، وشكّلا معًا الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني- حدتو) وعلم منه أن مسئول الخلية الذي تحدث باستهانة في أمور دينية أقلقت خالد كان أحمقًا، وبادر بالفرار عند أول ضربة بوليسية، وأضاف أن التنظيم يكنّ احتراما عميقا للدين. كما علم فؤاد من خالد أن الأخير يسهم في قيادة تنظيم الضباط الأحرار، وتم ترتيب لقاء بينه وبين عبد الناصر، وتم هذا اللقاء بالفعل في بيت خالد، وأعجب عبد الناصر بما طرحه فؤاد من ضرورة القيام بعمل جماهيري لتصحيح الأوضاع. وبعد انصراف فؤاد، سأل عبد الناصر عنه، وأجابه خالد بوضوح أنه مسؤول في «حدتو»، فعاد يسأله إذا كان قد رتّب هذا اللقاء عن عمد، فأجابه خالد: «نعم» ولم يظهر على ملامح عبد الناصر أي رفض لوجود علاقة بينه وبين الشيوعيين.
بالقرب من «حدتو»
من المهم أن أنقل هنا بالنص ماكتبه محيي الدين: «لكنني أقمت علاقة منفردة ومن نوع خاص مع أحمد فؤاد، فقد بدأ يمدّني بالعديد من الكتب والنشرات الحزبية، واعتبرني على علاقة بـ«حدتو»، ولكن بصورة فردية، وذلك لأنني عضو في قيادة الضباط الأحرار، وهذا وضع حساس سواء من ناحية الأمن أو الناحية السياسية».
ويضيف: «وبدأ تنظيم الضباط الأحرار يفتح أبوابه للشيوعيين من أعضاء «حدتو» وانضم إلينا عدد لابأس به منهم، مثل محمود المناسترلي، ومحمود القويسني، وصلاح السحرتي، وجمال علام، وآمال المرصفي، وأحمد قدري، وغيرهم».
ويضيف أيضًا أن عبد الناصر كان حريصًا على أن يتسلم بنفسه منشورات الضباط الأحرار، التي تطبعها «حدتو» ويقوم التنظيم بتوزيعها، عندما تعذر لأسباب أمنية طباعة المنشورات بواسطة الضباط الأحرار. لذلك كان عبد الناصر يقف بسيارته في أول المساء على كورنيش النيل بالروضة أمام قصر «المناسترلي». كان اسمه الحركي آنذاك موريس، ويلتقي بشاب من أصل أرمني إسمه ملكون ملكونيان، ويمتلك محلًا لإصلاح أجهزة الراديو، وبعيدًا عن الشبهات، يناول الشاب الرجل الجالس في السيارة لفافة المنشورات. لم يكن ملكون يعرف من هو موريس، كما لم يكن يعلم شيئًا عن اللفافة التي يحملها، ولكن بعد قيام الثورة شاهد صورة موريس تملأ الصحف وأيقن أنه أسهم إسهامًا تاريخيًا في نجاح الثورة، لكن زهوه لم يستمر طويلًا، فما لبث أن قُبض عليه وأمضي بالسجن خمس سنوات!
وفي عام 1951 صحب خالد عبد الناصر ليزورا معًا أحمد فؤاد في بيته، ووجدا عنده شخصا آخر قدّمه لهما باسم «الرفيق بدر». تناقشوا في السياسة، وكانت الأوضاع السياسية مربكة، إلا أن الأخير كان يمتلك رؤية صافية وملهمة على حد تعبير محيي الدين، فانحنى على فؤاد وسأله عن هذا الشخص، فأجابه أنه سكرتير «حدتو». وعندما نزلا معا بعد أن انتهى اللقاء، سأل عبد الناصر عن هذا الشخص الذي بهرهما منذ قليل، فأجابه خالد أنه السكرتير العام للحركة الديمقراطية للتحرر الوطني، لكن عبد الناصر عاد يسأل «بيشتغل إيه؟ فأجابه أنه «ميكانيكي» وكان خالد يعلم أن لـ«حدتو» وجودًا وسط ميكانيكيي الطيران. وغضب عبد الناصر قائلًا «يعني انت ممكن تبقى عضو في الحزب ده وتتلقى أوامر من ميكانيكي؟!!».
الخلية الأولى
نعود إلى الخلية الأولى للضباط الأحرار، التي أصبحت تسمى لجنة القيادة، فقد كانت تعقد اجتماعا كل أسبوع أو أسبوعين، وتدور المناقشات حول الاتصالات التي قام بها كل منهم، وما إذا كان هناك من تم تجنيدهم في الأسلحة المختلفة. في الفرسان كانت هناك مجموعة لابأس بها مع محيي الدين، ومجموعة أخرى في المدفعية مع كمال الدين حسين، ومجموعة في الطيران مع حسن ابراهيم. وجمعوا فيما بينهم مبلغا، اشتروا به آلة رونيو لطباعة المنشورات على الاستنسل، (غير أن آلة الرونيو لم تستمر في حوزتهم طويلًا بسبب الأوضاع الأمنية). وبالفعل صدر منشور الضباط الأحرار الأول، في خريف عام 1950 وقاموا بإرساله إلى العديد من الضباط والسياسيين والصحف بالبريد.
وفي عام 1951 كان التنظيم قد اتسع بصورة جعلت عبد الناصر يفكر في توسيع لجنة القيادة، وبالفعل انضم إليها إلى جانب الأسماء السابقة، عبد الحكيم عامر، وعبد المنعم عبد الرؤوف، الذي خرج بعد فترة قصيرة بسبب علاقته بالإخوان، وصلاح سالم، وعبد اللطيف البغدادي، ثم طلب عبد الناصر، ضم أنور السادات، لما له من خبرة سابقة في الأنشطة السياسية، كما أنه مصدر مهم للمعلومات بسبب صلته القوية بالضابط يوسف رشاد وثيق الصلة بالملك، وكما أنه على علاقة بممثل المخابرات البريطانية في مصر.
واصلت لجنة القيادة جهودها من أجل تجنيد أعضاء جدد في الأسلحة المختلفة، وبدأ التفكير في تحديد موعد للتحرك، وتم الاتفاق المبدئي أن يكون يوم 1 أو 2 أغسطس، ومن بين أسباب تحديد هذا الموعد، أن تكون بقية الكتيبة الأولى مدفع ماكينة، تكون قد وصلت من العريش، وكان لها دور بالغ الأهمية في خطة التحرك، وقائدها البكباشي يوسف صديق وهو ضابط شيوعي وعلى علاقة بـ«حدتو » ومعروف جيدا كأحد الضباط الوطنيين، وحضر بالفعل اجتماع الضباط الأحرار لمناقشة دور كتيبته.
وتوالت الأحداث سريعًا، في 16 يوليو صدر قرار بحل نادي الضباط، وفي اليوم التالي اجتمعت لجنة القيادة وقررت تنفيذ حملة اغتيالات واسعة، لكنها ألغت القرار في اليوم التالي، واتخذت قرارًا آخر «بالسيطرة على القوات المسلحة يوم 2 أو 3 أغسطس لإملاء شروطنا» وفق ما كتبه محيي الدين. وفي 19 يوليو «اجتماع قيادات المجموعة للإعداد للتحرك وحصر القوات وتحديد الإمكانات».
في تلك الأثناء كان اللواء محمد نجيب، معروفًا بوصفه ضابطًا شجاعًا ولعب دورًا بطوليًا في حرب 1948، ومرشح الضباط الوطنيين (بمن فيهم المنضمين لتنظيم الضباط الأحرار) لعضوية مجلس إدارة نادي الضباط، الذي صدر قرار بحلّه. لكنه فوجئ باستدعاء أحد الوزراء له، وسأله عن أسباب تذمر الضباط وموقفهم العدائي من النظام. وحسبما كتب محيي الدين «وتحدث نجيب عن الحكم غير الديمقراطي وغير المعبر عن رأي الشعب، وعن الخضوع لإرادة الاحتلال» فعاد الوزير لسؤاله إذا كان تعيينه وزيرا للحربية كافبا لإزالة أسباب التذمر، فرفض نجيب على الفور المنصب، وأدرك أن الهدف هو استقطابه بعيد عن حركة الضباط الشبان.
وتتوالى الأحداث…
تقارير ذات صلة
ما رآه سعد زهران في الأوردي: سلخانة التعذيب لتركيع المخالفين (2-2)
الحلقة الثالثة من كوكبة «المصريون والسجن: سنوات دامية للمثقفين والجلادين خلف الأسوار»
في شهادة تأخرت ثمانين عامًا (2-2): أنا توماس راسل باشا حكمدار بوليس القاهرة
حلقة جديدة من برنامج قراءة «شهود عيان»
في أوراق أحمد عباس صالح: تغريبة بغدادية وأخرى لندنية (2-2)
الحلقة الحادية عشر من برنامج قراءة «شهود عيان»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن