تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
وثالثنا كورونا

وثالثنا كورونا

#82 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: رنا ممدوح 9 دقيقة قراءة

#جو عام

دليلٌ مختلفٌ تكتبه رنا ممدوح عن أيام التخلص من كورونا التي كانت ثالثهما هي وأصغر أبنائها في العزل المنزلي. تستعيد رنا تلك الأيام، حين اكتشفت أن التعافي ليس ببروتوكول العلاج وحده، وإنما بالدعم والحُب.

#دليل

طوال الأشهر الماضية، أطمئنتُ كثيرًا لحديث الأطباء عن وجود مناعة للأطفال تحميهم من الإصابة بكورونا، وكذلك عن أهمية اتباع الإجراءات الاحترازية، كنت أردد دائمًا: «طالما الأولاد تمام، فالباقي سهل». لكن ذلك لم يمنع أن يكون كورونا ثالثنا أنا وعلي؛ أصغر أبنائي.

قضينا ثلاثتنا 14 يومًا بين جدران أصغر غرف بيتنا، وعلى الجانب الآخر قضى زوجي محمد، وطفليي الآخرين مريم وأحمد الأيام نفسها، وهم يتمنون لنا -من الجانب الآخر- الشفاء، ويترقبون ظهور الأعراض على أي منهم.

أن تجبر طفلًا لم يجاوز السبع سنوات على البقاء في غرفة مُغلقة لمدة أسبوعين هو أمر صعب، ولكن أن تصمد في مواجهة أسئلته هو الأكثر صعوبة؛ ماما هو أنا عندي كورونا؟ هي كورونا هتيجي لأحمد ومريم؟.. زهقت قوي، ينفع ألعب مع إخواتي؟

بدأ الحديث عن كورونا في منزلي منذ بداية مارس العام الماضي، متابعة للأخبار التي تتزايد، وبحكم عملي كصحفية لزوج صحفي يعمل بمكتب وكالة أنباء دولية في القاهرة، تحوّل منزلنا إلى غرفة أخبار صغيرة؛ أتابع الشأن المحلي فيما يهتم هو بالشأن الدولي، لكننا نتفق على متابعة قلِقة ومتوترة لأخبار كورونا الذي اجتاح العالم.

برغبة في الاطمئنان، وسعيًا وراء عمل صحفي مختلف، تواصلت مع عشرات الأطباء والممرضين والعمال في المستشفيات، ومع مصابين وأهاليهم، للوقوف على ما فعله الوباء.

سألتُ مئات الأسئلة عن طُرق العدوى، وأعراض المرض وكيفية مواجهته، ومُدة التعافي، ودائما كان لكل شخص كورونته.

كل صباح، كان محمد حريصًا على أن يكرر سؤالًا واحدًا على مسامع أطفالي «هننجو؟» ليرد الثلاثة في صوت واحد ملئ بالحماس «طبعًا يا خولي».

توقفتُ عن الذهاب لوالدي ووالدتي وكذا فعل محمد، في البداية كنّا نمكث في المنزل بالأسابيع دون انقطاع ولا نخرج إلا للضرورة، يمكنَك أن تَشم رائحة الكلور والكحول وغيره من سوائل التنظيف والتعقيم عن بُعد إذا اقتربتَ من شقتي. كنتُ أمسح جوانب الأسانسير بالكحول في كل مرة أدخل أو أخرج منه، ارتدي ماسكًا وأحيانًا اثنين في حال الخروج من المنزل، شاركني أطفالي الهوس بإتباع إجراءات النظافة والوقاية حتى أن طفلي الأصغر كان يجلس أحيانًا داخل المنزل بالماسك، والتهبت يداه من كثرة غسلهما بالماء والصابون.

ومع تشجيع الحكومة للناس على التعايش، حررنا أنفسنا من جدران المنزل شيئًا فشيئًا، نزلنا مرتدين الماسك  لتمشية صباحية أو مسائية في السادسة صباحًا أو العاشرة مساءً لمدة نصف ساعة يوميًا في شوارع شبه خالية في البداية. تطوّر الأمر إلى السماح بزيارة بيت أهلي مرة كل شهر مع التنبيه على الأطفال بعدم تقبيل جدو أو تيته «بنسلم سلام كورونا» وأشرحه: مرفق اليد يلمس مرفق يد الآخر، أو بضرب قبضة اليد أو بالمصافحة بالأقدام بدلًا من الأيدي. وأتابع إلقاء التعليمات: «نغسل إيدينا أول ما نوصل، ونرش كحول كل شوية»، ثم بالسماح بحضور الأطفال لأنشطة وتمرينات في أماكن مفتوحة لمدة ثلاثة أيام أسبوعيًا مع الالتزام بالتعليمات.

التزمنا بنصائح الأطباء، لكنه نجح في الوصول إلينا، من الباب أو الشباك لا نعلم من أي طريق وصلنا، لكن ليس هذا وقت السؤال، قلتُ لنفسي، الأوْلى التعامل مع المرض، ثم نبحث عن الثغرة.

ذكي هذا الفيروس، أو هكذا رأيتُه بعدما دخلتُ العزل، اختارني، وأنا أكثر أهل البيت هلعًا، لا أتصور نفسي لو كان المُصاب محمد أو أيًا من الأطفال، ربما كنتُ عانيتُ من الخوف والقلق عليهم، أكثر مما عانيتُ في العزل.

في الويك إند المُتزامن مع الأول من شهر مارس، شعرتُ بإرهاق شديد وألم في كل عظام وعضلات جسدي، تناولت مسكن للآلام في صمت، وأحضرتُ إلى جانبي ترمومترًا زئبقيًا وماسكًا. بعد عدة ساعات شعرت برجفة في جميع أجزاء جسدي وبقياس درجة حرارتي ارتفع المؤشر الزئبقي إلى 38 و8 شرطات أي ما يعني 39 و3 درجات بعد إضافة نصف درجة لتغيير أماكن القياس، التعامل مع الأطفال يجعلك خبيرًا في عدة مجالات بالطبع.

ارتديتُ الماسك، وطلبتُ من محمد وأطفالي الثلاثة أن يرتدوه داخل المنزل، فبدأت الأسئلة: «في إيه يا ماما؟» سأل علي ومريم، فأجبتُ غير مُقتنعة: «مفيش حاجة ممكن دور برد عادي». ليرد أحمد: «كورونا جَت عندنا ولا إيه»، ضحكنا وطلبت منهم الانصراف للنوم.

بعدها حاولت خفض درجة الحرارة بالطُرق المُعتادة، وفي اليوم التالي اختفت الأعراض وكأنها لم تكن. لم أخلع الماسك، وبالعكس فعل محمد وأطفالي، خصوصًا بعد أن مرّ يوم ثانٍ دون ظهور أية أعراض.

في فجر اليوم الثالث عادت الرعشة وألم العظام وارتفعت الحرارة إلى 39 ونصف في مؤشر الترمومتر. «لازم نروح للدكتور» قال محمد في حسم. اتفقنا على أن نذهب سويًا في الصباح إلى المستشفى مع ارتداء كل منّا ماسكين، وتناولت المُسكنات اللازمة وغفوتُ.

بعد قليل أيقظني علي بصوت مهزوز: «ماما  أنا بردان»، لأجده يشكو من كل ما كنتُ أشعر به؛ حرارة مرتفعة، ورعشة، وألم في المعدة. وقتها فقط عرفتُ أنه حان وقت الاختبار.

سيّطرت عليّ لدقائق حالة من الهلع والخوف وحاصرت عشرات الأسئلة عقلي، هل سيصمد طفلي ذو السبع سنوات في مواجهة كورونا؟ ماذا أفعل مع مريم الأكبر سنًا والأقل مناعةَ؟ هل وصلت العدوى إلى أحمد الذي ينام بجوار أخيه في سرير واحد، وإلى محمد الذي يرعاني منذ بداية ظهور الأعراض، إذا كنّا جميعًا مرضى فمَن سيتولى رعايتنا؟

ذهبنا إلى أقرب مستشفى لمكان سكني ودخلنا قسم الطوارئ تجنبًا للانتظار، لكن إلى أين نهرب من الانتظار؛ قبل الدخول إلى الطوارئ يجب المرور على غرفة الفرز، لقياس درجة الحرارة، نسبة الأكسجين في الدم، وتسجيل الأعراض الظاهرية، ثم يُصنف المرضى وفقًا لمدة التعرّض لأعراض حادة إلى قسمين ألف وباء، كنتُ، وسبعة آخرين سبقوني في الدور، مصنفين بـ«اشتباه كورونا».

بعد ساعتين حان دورنا في الكشف. قال الطبيبان بلغة واثقة: هذه أعراض كورونا، حتى قبل أن نجري أي فحوصات.

طلبت طبيبة الأطفال عمل أشعة عادية على صدر علي، وقائمة من 10 تحاليل، وفي المقابل طلب طبيب الباطنة أن أجري نفس الفحوصات، باستثناء عمل أشعة مقطعية لي بدلًا من العادية. ظهرت نتيجة الفحوصات، وأكد الطبيبان توقعهما، وبدآ في كتابة بروتوكول العلاج.

أظهرت الأشعة درجة من الالتهاب الرئوي، فيما كشفت تحاليل الدم عن درجة التهاب كبيرة لكلانا.

فور اطلاع طبيبة الأطفال على نتائج علي طلبت مني تحديد عدد الأيام التي ظهرت عليه الأعراض، فقلتُ إنها بدأت قبل مجيئنا إلى المستشفى مباشرة، ولكنها ردت بأن الأشعة تظهر بأنه مريض من مدة لا تقل عن أربعة أيام.

ومع إصراري بأن حرارته لم ترتفع ولم يظهر عليه أعراض مرضية قبل اليوم وإني من ظهرت عليها الأعراض قبل أيام، انهت الطبيبة الحديث، وبدأت في تلاوة التعليمات؛ يُعزل في غرفة منفصلة، ولا يُخالط أحد، ويُفضّل أن ينقل أخوته إلى خارج المنزل.

تواصل الطبيبة تعليماتها بينما تلف الأسئلة رأسي ورأس محمد الذي بدا واقفًا على أصابع قدميه، وأرى الخوف يتمكّن منه، وهو الذي أراه دائمًا أحد أهم المتفائلين في حياتي، وأكثرهم تماسكًا حتى في أصعب الظروف.

تداهمني الأسئلة من جديد؛ كيف لنّا أن نرسل أبناءنا إلى بيت أسرتي أو أسرته، مع احتمال أن يكونا حاملين للفيروس وفُرص نقلهم للعدوى كبيرة، وكذا الأمر بالنسبة للعمات والخالات وباقي الأقارب.

كرر طبيب الباطنة ما قالته الطبيبة عن ضرورة عزلي لمدة 14 يومًا، أو لمدة أسبوع بعد تاريخ زوال جميع الأعراض.

في مواجهة تعليمات الطبيب والطبيبة وجدنا أنه ليس أمامنا سوى أن ننقسم إلى فريقين؛ المعزولين أنا وعلي، والدعم والرعاية ويضمّ هذا الفريق محمد ومريم وأحمد.

اخترنا لفريقنا غرفة قريبة من الحمام وبها شباك يسمح بالتهوية الجيدة باستمرار، وكنبتين وتلفزيون صغير.

caption

لصقت مريم وأحمد على باب هذه الغرفة من الخارج ورقة كتبا عليها بألوان زاهية «ممنوع الدخول» فقد صارت غرفة عزل.

خلال الأيام الأربعة الأولى، في غرفة العزل، كانت تهاجمنا، أنا وعلي، نوبات الرعشة وألم العظام والحُمى وآلام شديد في المعدة، بمجرد أن ينتهي مفعول المُسكنات، لنقابلها بأخذ جرعة إضافية، ونخلد للنوم.

 فكرتُ كثيرًا في البداية عن كيفية إصابتي بالعدوى ومِن مَن، تواصلت مع كل مَن قابلتهم قبل ظهور الأعراض عليّ، ولكن لم أستطع تحديد مصدر العدوى.

سألني علي: «هي كورونا هتموتنا؟»، لأرد عليه بحسم: «لأ يا حبيبي إحنا كويسين وأقوياء وهنخف». يشعره حديثي بالاطمئنان فيسألني مرة أخرى: «هو مين اللي اخترع الماسك؟»، أجد في السؤال مخرجًا جيدًا لتحويل الحديث عن مخاوفه من كورونا إلى شيء آخر، أدعوه لمشاركتي البحث على «عم جوجل» كما يُطلق عليه عن مكتشف الماسك الجراحي، يحاول علي أن يقرأ اسمه قائلًا: «إيه دا هو اسمه بول برجر».

فأجيبه بأنه طبيب فرنسي فكر في طريقة لإجراء عمليات جراحية للمرضي دون أن تنتقل العدوى بينهم، فاخترع الماسك في 1879، ولكن قبل هذا التاريخ اخترع طبيب آخر بدلة بوجه يشبه الغراب له منقار طويل ليرتديها الأطباء فوق ملابسهم للحماية من العدوى أيضًا، وكان يُطلق على مَن يرتديها «طبيب منقار»، ضحك علي، ولكنه عاد لكورونا مرة أخرى: «هو اللي اخترع الماسك كان عارف إن الكورونا هتيجي»، أرد بأنه لم يكن يعرفها تحديدًا، ولكن كان هناك الكثير من الأمراض المُعدية الأخرى، أشهرها الطاعون الذي كان يعتقد الأطباء أنه ينتقل عبر الهواء بمجرد استنشاقه.

ينهي حديثه، «الله يخربيت الخفاش هو السبب»، أضحك بصوت عالٍ، وأطلب منه أن يحكي لي حكاية الخفاش.

لم نفتح باب الغرفة خلال الأيام الأربعة سوى للذهاب للحمام أو لإدخال السوائل والأطعمة. كان يأتي أحمد ومريم ويقفا وراء الباب الزجاجي، يسألا: «انتوا كويسين؟»، فاطمئنهما واطلب منهما الابتعاد.

كانت مريم وأحمد يرسما لنا رسومات صغيرة، ويرسلاها مع صينية تقديم الطعام. كانت هذه رسائل دعم كبيرة، نتلقاها من العالم، فقد أصبحنا في عالَم، وهم في عالَم آخر رغم أنها شقة واحدة نقيم بها.

caption

في صباح اليوم الخامس، اختفت معظم الأعراض من حرارة ورعشة وألم بالعظام وبقيت معنا آلام المعدة حتى الصباح التالي، وبعدها ذهبتُ أنا وعلي فقط إلى المستشفى مرة أخرى، ليكشف علينا الطبيب وتُجرى لنا التحاليل، ثم أخبرنا بأن الخبر السار أن تحاليل الدم عادت إلى نسبها الطبيعية وأننا تعافينا من كورونا، ولكن الخبر المُربك أننا سنعود لغرفة العزل لمدة سبعة أيام جديدة، مع أخذ مجموعة أخرى من الأدوية؛ «انتو عديتوا من مرحلة مضاعفات المرض، ولكن لسه محتاجين تكملوا العلاج، وتعزلوا نفسكم عشان متعدوش حد».

عدنا، أنا وعلي، للمنزل وطمأنتُ محمد ومريم وأحمد، «خلاص خفينا الحمد لله، بس هنقعد جوه كام يوم كمان عشان متتعدوش مننا»، رفضت مريم وأحمد الفكرة، «لأ يا ماما كفاية كده نقعد مع بعض وكلنا لابسين الماسك»، فتدخل محمد لإقناعهما.

بينما عدنا، أنا وعلي، لعزلنا الانفرادي للمرة الثانية، وهذه المرة كانت الساعات أطول عليّ وعلى الصغير، حاولنا الانشغال بأنشطة مختلفة، ولكن سرعان ما كنّا نمل، بكى علي، وقال: «لأ كفاية مش عايز أقعد لوحدي عايز ألعب مع إخوتي»، داعبتُه: «مش عايز تقعد مع ماما.. أنت عارف إحنا عيينا ليه سوا؟»، ليجيب بسؤال آخر: «ليه بقى إن شاء الله؟» أقاطعه: «لأننا بنحب بعض جدًا». يتظاهر علي بالاقتناع، ثم تمرّ الأيام.

و#سلام.

عن الكاتب

رنا ممدوح

صحفية مصرية متخصصة في الشؤون القضائية والبرلمانية.  عملت لصالح عدد من الصحف المصرية والعربية، منها «الدستور»  و«التحرير» و«المقال» و«الأخبار» [اللبنانية] و«السفير العربي». وذلك بالإضافة إلى عملها كمراسلة لوكالة الأنباء الروسية…

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن