«وانت السبب يابا»: أحداث تراها وبشر يجلسون حولك
ليس نجم فقط لكنها صافي أيضًا
هذا كتاب لنوارة نجم، صادر مؤخرًا عن دار الكرمة، لا تتركه من يدك وأنت تقرأ. ليس لأنه عن الشاعر المناضل أحمد فؤاد نجم، ولا لأنه عن الكاتبة وناقدة المسرح الكبيرة صافي ناز كاظم، والاثنان والدا نوارة، ولا لأنه عن نوارة المدونة والناشطة السياسية والصحفية والمترجمة، فما أكثر السير المكتوبة، لكن لأن نوارة كتبته بلغة حسية، شعرية التصوير، موجزة المعنى، طفولية، تتغير مع عمرها وروحها وعقلها، في استقبال الأحداث. تحافظ على عربيتها الفصحي، وتأتي العامية في مكانها، وتُطوِع اللغة لمشاعر الطفولة والصبا والرضا والغضب أو الفرح والزعل، وتقفز أمامك، كأنها تقفز باللعب بين أصابعك.
لا تكتفي نوراة بالحكي أو التصوير اللغوي للمشاعر، لكن تفاجئك كفنانة، لا صحفية ولا كاتبة ولا مترجمة. تفاجئك بصناعتها بناءً فنيًا، فتقول لك كان شكلي مثلًا «كدا»، وتعطي أمثلة من الأفلام وغيرها، وتصل بها البراعة أن تضع لك صورة لعبلة كامل في مسلسل «ريا وسكينة»، تعكس مشاعرها في مواجهة مأمور السجن، رغم أنه كان متعاونًا جدًا، وهي تزور أباها مع أمها في السجن، بينما هي طفلة صغيرة. تقطع السرد بالتصوير، في عمل يزيدك إمتاعًا، رغم أنه ليس من البداية كوميكس.
في تقديمها للكتاب، وفي كل فصوله، مقاطع منتقاة من قصائد الفاجومي أحمد فؤاد نجم، الذي قال عنها إنها حارثة الكنز. تذكرتْ ذلك وذكَّرها به الكاتب إبراهيم عيسى، ولم تكن تفكر في الكتاب ففعلتها. وكما تقول لم تروِ إلا قصتها، عبر كاميرا مثبتة في حدقة عين طفلة ثم مراهقة ثم شابة، وقصتها هي قصته.
تقول إن هناك كتبًا قرأتها شجعتها، مثل مذكرات «أناييس نين»، الروائية الأمريكية المتوفاة عام 1977، والتي رأت «عيب كده» في انفتاحها في حكاياتها مع أبيها، وملخص لمذكرات زوجة بيكاسو، التي تقريبًا «لعنت أباه»، لكن العملين كانا مصدر ونس لها، فقررت أن تكتب عن أبيها بعينيّ ابنته، هو الذي كتب مذكراته بعنوان «الفاجومي»، وأحدث ضجة كبرى وقت صدورها، وحوّل فيها كل ما هو مشين في عرف المجتمع إلى حديث مبهر.
أذكر أني قرأتها وفُتنت بها، وكان لي حديث دائم عنها مع نجم، حين نلتقي في دار ميريت. تتمني أن تتم ترجمة المذكرات، وأن تقوم منى أنيس بذلك، أو كما تقول «طانط منى أنيس» وأضم صوتي إلى صوتها، فالمذكرات جديرة بمنى أنيس، ومني جديرة بها، وأرجو أن تتسع الظروف لذلك. هي تعرف أن نجم صار مشاعًا، ويختبئ تحت اسمه بعض الشباب، وينسبون إليه ما لم يقل، بينما هو لا يهتم، ويترك الفرصة لمهاجميه في الندوات، بل يفتح لهم طريق الهجوم، حتى لو اعترض مدير الندوة.
تقول نوارة إن ما تكتبه هو ما تتذكره، فالذاكرة خوّانة، وما تكتبه هو استدعاء من عمق الذاكرة ليس إلا، وأضيف أنا أن اللاشعور يعطي من يريد ما هو مدفون فيه. في كل الأحوال قد تهم الأحداث أي شخص، لكن المتعة كلها هي في كيف تصور نوارة هذه الأحداث. تعرف نوارة أن الموضوعية مُفتقدة، أو صعب الوصول إليها والرضا بها، فأحداث ثورة يناير مثلًا يراها صانعوها من زاوية، وأعداؤها من أخرى، وحزب الكنبة من زاوية ثالثة. فكرت هي في ذلك، وأحجمت قليلًا عن الكتابة، لكن ذهب القلق وتذكرتْ أنها دفعت الثمن مقدمًا، من تنمر وتسافل، حتى وهي حُبلى تقف على قبر أبيها. إذن لا بد من الحديث. لماذا؟ لأنها بروح الطفلة تحب الكلام، وصياغة ما أضحكها أو ضايقها أو أحزنها أو ملأها بالزهو والفخر أو أخزاها أو أحرجها، ومشاركته مع الناس، سيساعدها بشكل ما. نجم أبوها يستحق الحديث عنه، ومهما كتب عن نفسه فستظل الصورة ناقصة، ما لم يكتب عنه شخص منزه عن العداوات. هي ليست منحازة إليه، لكنها تحبه، وإذا انحازت، لا تغض النظر عن النقد. ما تكتبه قد يكون تصالحًا مع «الطفل الداخلي» لكنه في النهاية انعكاسات للظلال المحيطة برجل عظيم، لا يزال -وسيظل- يعيش بين الناس بكلماته وصوره.
بدأت علاقتها الواعية بأبيها من خلال الصور وشرائط الكاسيت. فبعد انفصاله عن والدتها صافي ناز كاظم، قبض السادات على أمها، فيمن قبض عليهم من المثقفين عام 1973، وكانت نوارة رضيعة. حين خرجت صافي ناز كانت نوارة قد فُطمت قهرًا. كانت صافي ناز حريصة أن لا تقطع المسافة بين الطفلة وأبيها، فحين سافرت إلى العراق كانت تضع له صورًا بالأبيض والأسود (الصور بالكتاب) تراه نوارة شبيه عادل إمام، وكان يرسل إليها شرائط تسجيل بها شِعره، وكذلك صوته وهو يلاغيها ويعضها، وهي رضيعة، فتعلمت استخدام الشرائط في سن مبكر، ثلاثة أعوام ونصف أو أربعة. تقول لأمها بين الحين والحين «عايزة أسمع بابا» أو «بابا أدو» أي عضّو، أي عضني، وبها كلامها لأبيها بهذه اللهجة الطفولية.
هكذا كانت علاقتها بأبيها، يعضها فتبكي، ويدغدغها فتضحك، وأمها تتدخل «كفاية. البنت تعبت يا نجم» كانت صافي ناز دونه في بغداد. تزوج هو من عزة بلبع، وتزوجت هي من الدكتور عبد الأمير الورد، الذي كان أستاذًا في قسم اللغة العربية بجامعة بغداد، وكان «عمو أمير» لا يكف عن مدح أبيها. في زيارة أمها للقاهرة كان نجم في السجن وزارته صافي، ورأت نوارة الطفلة أباها. وهي في السادسة قبل عودتهما من بغداد بعام واحد، نادت عليها أمها أن تسجل لأبيها شريط تسجيل، فلم تتوقف عن الكلام فيه رغم أن نصفه انتهى. في المدرسة تكذب وتحكي عن التليفونات في بيتها، وتقول لزملائها إنها في الثامنة، وهي في السادسة. أعادتها الظروف السياسية من العراق بعد انفصال أمها عن الدكتور عبد الأمير، الذي ودعهما وهو يبكي وهي متشبثة به.
وفي القاهرة كان لقاؤها بالفنان التلقائي محمد علي، أو عمو محمد علي، زميل نجم والشيخ إمام، هو الطريق لترى أباها الهارب من النظام السياسي. أخذها إلى بيت في مصر الجديدة، وقال لها إن أباها اسمه مجدي، فلتكن حريصة، لا تتحدث مع أحد، فشعرت بالمسؤولية، وتلبستها روح المناضلة، في فيلم «شروق وغروب»، وتضع صورة للفنانة التي تذكرها. تصف رحلة الوصول إلى البيت بدقة طفولية مذهلة، حتى وَقْع الأقدام على السلالم تصوره. مقابلتها لمريدي نجم من الشعراء والفنانين مثل نجيب شهاب الدين، ومحمود اللبان، النحات التلقائي، وعمو حسين، أحد أصدقاء نجم، وأسامة الفيل، وعصمت النمر، فتقول لأبيها «هو إيه الفيل والنمر. انت فاتح جنينة حيوانات».
بين الحشود اثنان مخبران غلابة كما يقول نجم، وجولة مع أبيها في الشارع. نجم يشجع الأهلي وهي تشجع الزمالك، لأن حسن شحاتة فيه شبه من نجم. كان بين الحشود من أسمته بالفلاح الكافر، ولا تذكر اسمه، فقد كان يحث أباها على الإلحاد، وهو يعزمهما في بيته الريفي، على الفطير والعسل والقشدة. صار محمد علي يأخذها لأبيها أكثر من مرة، منها مرة لم يكن معه فيها إلا صحفية فرنسية وفرنسي آخر، أعدت لهما مكرونة بالبشاميل، أصابتها بالقيء وأصابت نجم، وفكرت صافي أنها مدسوسة من المخابرات لتسم نجم، والحقيقة أن الصحفية الفرنسية صنعت المكرونة بلا تنظيف مسبق.
نجم ابن عائلة عريقة، لكن من الفرع الفقير فيها في الشرقية، فكان كريمًا جدًا، يتجلى كرمه مع من يأتون ليقبضوا عليه من ضباط وعساكر، ويطلب من صافي وهي زوجته أن تعد لهم الشاي، حتي ينتهي من إعداد حقيبة السجن بملابسه.
في عام 1972 تم القبض عليهم، نجم والشيخ إمام ومحمد علي معًا، وأصدرت النيابة أمرًا بالإفراج عنهم، بكفالة 90 جنيهًا، وكان مبلغًا كبيرًا. ساعد الصحفي الكبير محمد عودة في جمع المبلغ، وأرسله مع الشاعر نجيب شهاب الدين، لكن صافي حين قابلت نجيب قال لها «سكرت بيهم». فضحته وأوسعته كلامًا، لكنها صارت تبكي، فالمبلغ كبير. اتصلت بيوسف شاهين، الذي سبق وأهداه نجم أغنية فيلم «العصفور»، دون مقابل. أخبرته دون أن تطلب المبلغ، لكنه قال لها بالإنجليزية، أنا فقير جدًا مثل غيري، فأغلقت السماعة في وجهه. ذهب شاهين يشكو لصلاح جاهين ما فعلته صافي، فأخبرها جاهين أن تمر عليه، وسيعطيها المبلغ رغم أنه كان على خلاف معها. سألته «سلف يا صلاح» قال «سلف». مرت عليه وأخذت المبلغ، وأعادته فيما بعد وعاشت صافي ممتنة له، لكنها حين أخبرت نجم بما فعله نجيب شهاب الدين قال لها «وانتي حتعرفي منين إنه سكر بيها غير أنه قال لك؟ يعني الراجل مش بيكذب وكتر خيره قال الحقيقة».كيف كانت نوارة تتردد على أبيها في السجن، مع محمد علي أو مع الفلاح الكافر، وكيف كانت معاملة المأمور طيبة بينما كانت تراهم «مش كويسين».
في «وانت السبب يابا» فصل رائع عن أمها صافي ناز كاظم، الصحفية والناقدة المسرحية، وكيف كانت تصر أن لا تنادي زوجها بعد انفصالها عن نجم بكلمة «بابا»، فأبوها هو أحمد فؤاد نجم فقط، وغيره اسمه «عمو». تحكي عن رحلات البحث عن أبيها، فهو إما في السجن أو مختبئ، أو يمشي في الشوارع، لا يعرف أحد أين يذهب ومتى يأتي. كانت هذه من ملامح نجم الكبري، كأنه منذور للتيه. لم تذكر صافي نجم بسوء أمامها رغم ما فعله معها. تسرد ليلة القبض على صافي، وكيف تزينت قبل الخروج مع قوات الشرطة، وطلبت منها أن لا تبكي بل تصلي وتدعي عليهم. أشكال الضباط المتعاطفين رغم ذلك لا تنساها وتصفهم بدقة. رحلة أمها الصعبة معها بعد العودة من العراق، وقبل اعتقالات سبتمبر الشهيرة لإلحاقها بمدرسة كلية السلام والفشل. بكاء صافي حتي نجحت في إلحاقها بمدرسة سانت فاتيما في العباسية. وكيف بعد القبض على أمها وهي في السنة الثانية عاشت في بيت خالتها فكانت تأتي «تانت» محسنة توفيق وتانت وداد متري وتانت ديزي روفائيل زوجة أحمد بهاء الدين، ولقائها بزياد أحمد بهاء الدين وليلي بهاء الدين وريم سعد لوقا وسهيل سعد لوقا وعزة ووائل خليل، ابنا محسنة توفيق، الذين صاروا أساتذة، كلٌفي مجاله.
كيف كانت في المدرسة تكذب، وتقول إن أمي في سويسرا، وتنمر الأطفال عليها، ولم يكن قد شاع لفظ التنمر فتقول «غتاتة». في عيد ميلادها الثامن، خطب السادات بعد أحداث سبتمبر، التي كانت أمها من ضحاياه، ثم تم اغتياله. لقد باتت قبل اغتياله بالليل تدعو الله، «يارب عايزة ماما ترجع، خلي السادات يرجعها»، وفي الصباح اغتيل السادات، وخرج المحبوسون ما عدا أبيها، وعادت تتواصل معه عبر جهاز التسجيل، وتنظر إلى صورة عادل إمام في غرفتها، مصرة أنه يشبه أباها. في بيت العباسية بيت جدتها لأمها بعد خروج معتقلي سبتمبر، أقيمت الأفراح والليالي الملاح، وتتابع الزوار، وأحاديث أمها صافي الكوميدية، عن أيام السجن.
كيف يقوم نجم من نومه سيئ الخلق يقول «صباحكم خرا على دماغكم»، من الكوابيس والأحلام التي يراها. حوارها معه عن ذلك، واحتجاجها وكانت في الثامنة تدخل إلى التاسعة ولا تسكت في الحوار. أقاموا لها عيد ميلاد وتطلب من الشيخ إمام أن يغني «يا إسكندرية يا بحري يا عجايز»، والأصل طبعًا «يا إسكندرية بحرك عجايب».
حوارات طفولية جميلة مع أبيها، وكيف وهي نائمة في غرفته جواره فتحت عينيها على شخص يسرق، فقالت له ذلك فأمرها أن تسكت، وكان واحدًا من الساهرين معهم لم تذكر اسمه، ورأي نجم أنه محتاج ويائس لدرجة أنه يسرقه. كيف صارت في المدرسة عرضحالجي شكاوى في المدرسين السيئين، وخاصة مدرس اللغة العربية، تكتب الشكاوى لزملائها.
لهاث خلف أبيها غير المستقر في مكان، «الحق نجم مرّ من هنا، واقفش يا عمو مراد»، لم تتمكن من العثور عليه في مكان ثابت، إلا في مناسبة القبض عليه، ويكون في السجن، أو بعد زواجه من أميمة، التي صارت أم زينب أصغر أخواتها. رحلة مع أميمة وزلزال 1992، وهدم بيت حوش آدم، وهو بيت يعود إلى المماليك، وكان خسارة كبيرة.
ذهب نجم إلي قليوب بزوجته الحامل، وكانت نوارة تزوره هناك. وتصالح مع الشيخ إمام، بعد خلاف كان قد وقع بين الثلاثة: نجم وإمام ومحمد علي. أقاموا أول حفلة بعد التصالح في بيت الدكتور جلال أمين، وكانت هي في امتحان الثانوية العامة، فلم تذهب وعادت صافي تقول لها إن أباها لم يذهب، و«مرات أبوكي بتولد»، وولدت زينب. انتقاله إلى المقطم بعد مقال لمحمود السعدني يطالب محافظ القاهرة بذلك. تقول نوارة: هنا بدأتُ مرحلة جديدة مع أبي، أما أم زينب فصارت شقيقتي. بدأت نوارة تزوره في مساكن الزلزال بالمقطم، وبدأ نجم يكتب أغاني ومقدمات مسلسلات، لكن علاقته بالشيخ إمام لم تعد كما كانت، رغم الصلح، وجاء خبر وفاة الشيخ إمام ونوبة من البكاء المتواصل منها.
ننتقل إلى مرحلة النضج، ويتغير النص، ليصبح مناسبًا لعقل وروح نوارة. رحلة معها في عام 1995 وهي في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، وتتدرب صحافة في جريدة الأهرام ويكلي ومجلة الشباب. كيف كان هناك معرض صناعي بالقاهرة شاركت فيه إسرائيل، وشاركت هي في المظاهرات ضد ذلك، وكيف تم القبض عليها وتعرضت للضرب المبرح. رحلة القبض عليها حتى الإفراج بالتفصيل المثير.
نقلها من قسم بوليس إلى آخر حتى استقر الأمر في سجن القناطر، بعد التحقيق معها، وحديث عمن معها من نساء عاهرات وغيرهن ممن تعرضن للتعذيب بالكهرباء، وقاتلة لزوجها، وكيف بعد خروجها صارت أيام السجن مخيفة لها. رحلتها من الفكر الإسلامي، الذي ارتدت له الحجاب، رغم عدم قناعتها، وانتقالها لعمرو خالد، واقترابها من الأخوات المسلمات وتطور فكرها، وهنا ندخل في رحلتها مع الحجاب الذي خلعته.
خُدعت نوارة في الإخوان المسلمين، حتى جرى ما جرى منهم في الثورة، وأحداث قصر الاتحادية، وقتل الثوار أو تصويب الرصاص عليهم. كيف كان نجم يدرك أن ذلك ليس غريبًا عليهم، بينما هي العكس كانت تثق فيهم حتى حدث ذلك. كيف انتخب نجم محمد مرسي أمام أحمد شفيق، بينما هي رفضت أن تنتخب مرسي، بعد ما رأته من الإخوان فقال لها نجم، سيأتي مرسي في يونيو، وسيذهب في يونيو القادم، وسوف ينكشفون وهذا ما جرى.
كانت تقوم بالخدمات في العشوائيات، وفي إحدى المرات ذهبت لإحدى دور الرعاية، وقامت بتوزيع الأشياء عليهم مع دروس في الأخلاق والدين، فقاطعها مراهق قائلًا: «باقول لك إيه يا أبلة. ما تخلصي الوعظ بتاعك خلينا نتسمم اللقمة اللي انتي جايباها. انتي أصلًا جاية تاخدي ثواب على قفانا». كيف غيرت هذه المقولة من رأيها في الإخوان، ومعنى النشاط الدعوي.
في 2006 بدأت مدونتها «جبهة التهيييس الشعبية»، ولم تكن في أيّ تنظيم. كانت تعبر عن نفسها فقط، وكانت مدونتها عن كل آثام النظام من تعذيب وغيره. تذكر أسماء من سبقوها في المدونين مثل علاء عبد الفتاح، أبو المدونين، ومالك مصطفى صاحب مدونة «مالكوم إكس»، ومينا ذكري صاحب مدونة «الحاج جرجس»، ورحلة مع المدونات، والتمهيد لثورة يناير.
كيف كان نجم سعيدًا فخورًا بذلك، وصار يقابل الجميع في دار ميريت للنشر، فنشأت بينه وبين المدونين صداقات، ودشن له عبده البرماوي وجيميهود مدونة اسمها «مُكنة الفاجومي» عام 2007، وفي العام نفسه دُشنت مدونة أخرى بعنوان «مدونة الشاعر أحمد فؤاد نجم»، وكانت مدونة عظيمة ومرجعًا لها. فاز نجم عام 2013، بجائزة الأمير كلاوس الدولية، وكان ثاني شاعر يفوز بها بعد محمود درويش، وفي حواره التليفزيوني أكد أنه كان يتمنى أن يأتي التكريم من مصر، وحدث بعد وفاته أن منحه الرئيس عدلي منصور وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى.
توالت الأحزان، فماتت عام 2014 أختها الكبرى عفاف بالسرطان، وبعد ثمانية أعوام وشهر وواحد وعشرين يومًا ماتت أختها الصغرى زينب، التي عاشت حياة حزينة بعد وفاة نجم. تعد نوارة الأيام باليوم، لنعرف كم كانت ثقيلة على أختها. تنهي الكتاب بقصيدة رائعة للشاعر محمد طلبة رضوان، في رثاء نجم، تلخص مسيرته وروحه وشجاعته، وهنا نهايتها.
يارب وحياة النبي
هون علينا فرقته
يارب عامله بنيته
تقل ميزانه برقته
يارب كان حر وشريف
وإن كان غلط من غربته
يارب بلغنا السلام
يارب اقرئه السلام
سلام سلام
تنهي نوارة الكتاب باسمها كاملًا، «نوارة الانتصار أحمد فؤاد عزت محمد محمد سيد أحمد نجم»، وكأنها تعيدك إلى أحاديثها الضافية في الكتاب عن أصول نجم وعائلته، وما عاناه وما وصل إليه. في النهاية رغم طول هذه المراجعة للكتاب، فهناك كثير لم يأتِ فيها، فهو يحتاج إلى آلاف الكلمات للإحاطة به، لأنه مكتوب بلغة خالية من الحشو، بل جاءت كل كلمة في مكانها.
رحلة أسعدتني كثيرًا من نوارة نجم. بدت لي ليست مجرد صحفية ولا ناشطة سياسية، بل أديبة حقيقية من العيار الثقيل، فالسيرة هنا عمل فني مثير، ومذهل في الجمال. لقد كان نجم سببًا في ولادتها، بغير قصد طبعًا، لكن سببًا في ولعها بالحق والنشاط السياسي والصحفي، وما أجمل الأسباب والنتائج، رغم المعوقات والآلام.
تقارير ذات صلة
الدولة المصرية كـ«ماكينة للإنجازات»: عن كتاب شهاب الخشاب الجديد
«الجمهورية الجديدة» هي الوريث الشرعي لماكينة الإنجاز الناصرية
بعيدًا عن السير المناقبية.. كيف أعاد خالد فهمي اكتشاف محمد علي؟
يواجه خالد فهمي في «ولي النعم» محمد علي وجهًا لوجه
من غير لف ودوران: ترشيحاتنا لمعرض الكتاب 2026
مجموعة من الكتاب/ات والمترجمين/ات والمحررين/ات والباحثين والصحفيين/ات يساعدونك في اختيار قائمتك
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن