تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
بعيدًا عن السير المناقبية.. كيف أعاد خالد فهمي اكتشاف محمد علي؟

بعيدًا عن السير المناقبية.. كيف أعاد خالد فهمي اكتشاف محمد علي؟

كتابة: آية السمالوسي 10 دقيقة قراءة

«كيف نكتب سيرة نقدية لحاكم بهذه الأهمية والخلافية؟ وكيف نترجم هذه الترجمة؟» كانا هذان السؤالان محور ندوة «التراجم وترجمتها: كتابة سيرة نقدية لمحمد علي»، والتي ناقشت كتاب «ولي النعم» الذي يستعرض حياة محمد علي باشا، لمؤلفه الدكتور خالد فهمي وترجمة وتحرير محمد هُوجْلا-كَلْفَت، والصادر عن دار الشروق بعد 18 عامًا من صدوره بالإنجليزية، وذلك في سيمينار الإثنين بـ«سيداج» في القاهرة، من إعداد أحمد السروجي. كانت المناقشة ثرية ومدخلًا جيدًا ساعدني في قراءة كتاب فهمي الجديد عن محمد علي، بعد كتابيه «السعي للعدالة» و«كل رجال الباشا»، وأدون هنا أهم النقاط التي دارت حولها المناقشة، علها تكون مفتاحًا لقراءة هذا الكتاب الهام. 

في البداية، سلط الباحث حسن حافظ، الذي أدار الندوة، الضوء على أهمية الكتاب المنهجية، مؤكدًا أن قيمته الكبرى تكمن في تبنيه لرؤية التاريخ من أسفل، والتي لا تكتفي برصد قرارات الحاكم، بل تشتبك مع المؤسسات، وعلى رأسها مؤسسة الجيش، لفهم كيفية تشكل مشروع محمد علي. ثم انتقل إلى نقطة مركزية وهي محاكمته من منظور العصر الذي عاش فيه، باعتباره ابنًا للثقافة العثمانية بامتياز، وليس باعتباره مؤسس الدولة القومية المصرية كما حاولت المدرسة التاريخية التقليدية التي أسسها شفيق غربال تصويره. فهذه المدرسة اختطفت محمد علي لتعيد صياغة الأحداث في إطار قومي حديث لم يكن موجودًا في ذهن الرجل نفسه. يشتبك الكتاب مع ما جرى على أرض الواقع، محاولًا كسر الهالة والقدسية المحيطة بمقولات مثل باني مصر الحديثة أو الرجل صاحب الإحسان الذي نقل المصريين من الظلام العثماني إلى نور الحداثة.

تتبع حافظ رحلة صعود محمد علي، بدءًا من أصوله في مقدونيا وصولًا إلى مرحلة شبابه التي اتسمت بشخصية البلطجي أو «السرسجي» بالمصطلح الشعبي، وهي خلفية شكلت قدرته لاحقًا على المناورة. يشرح حافظ كيف تحول هذا الشاب الأرعن إلى رجل دولة داهية خلال الفترة من 1801 إلى 1805، حيث استغل حالة الفوضى السياسية المطلقة وتعدد مراكز القوى المماليك، والعثمانيين، والزعامات الشعبية ليتلاعب بجميع الأطراف ويصل إلى ذروة الحكم.

بناءً على طرح الكتاب، يؤكد حافظ أن محرك محمد علي لم يكن بناء أمة، بل كان بناء قوة شخصية تضمن له البقاء في منصبه العثماني لأطول فترة ممكنة، خاصة أن ولاة مصر في ذلك العصر لم يكونوا يقضون أكثر من ثلاث سنوات. محمد علي، الذي شعر بأنه شخصية هامشية لم يتدرج في سجل الترقي السياسي العثماني المعتاد، سعى لفرض نفسه كأمر واقع على السلطان. وقد خدمه الحظ، كما يذكر حافظ، في استغلال الأزمات الإقليمية، مثل مواجهة الحركة الوهابية في الجزيرة العربية، ليقايض السلطان العثماني بجهوده العسكرية مقابل تثبيت أقدامه في حكم مصر.

يتوقف حافظ عند العام 1821، وهو العام الذي يعتبره خالد فهمي سنة مرحلية وفاصلة. يطرح حافظ تساؤلًا مثيرًا لو مات محمد علي في هذا العام، لكانت نظرتنا له اختلفت تمامًا، حيث كان حقق استقرارًا بالحديد والنار لمدة 15 سنة، لكن بعد هذا التاريخ، انتقل لمستوى آخر من المشروعات التي قامت على أكتاف المصريين، مثل زراعة القطن واحتكاره، والتجنيد الإجباري الذي حوّل المصريين إلى وقود لمشروعه التوسعي، ما وضعه بالنهاية في مواجهة مباشرة مع النخبة العثمانية.

يطرح حافظ السؤال المركزي للكتاب: هل نحن أمام مؤسس نهضة أم مغامر عثماني يبحث عن مجد عائلي؟ ويشير إلى أن الكتاب يميل بقوة نحو فرضية البحث عن المجد الشخصي.

التاريخ عملية تفسيرية

في مستهل حديثه، يضع خالد فهمي يده على المعضلة الأساسية التي تواجه أي مؤرخ يتصدى لشخصية بحجم محمد علي باشا؛ وهي معضلة الأفكار المسبقة، وأننا جميعًا كمصريين أو مهتمين بالتاريخ، نحمل تصورات جاهزة عن الأب المؤسس، وهي تصورات تجعل من الصعب رؤية الرجل خارج إطار التمجيد أو الشيطنة. لذا، كانت الخطوة الأولى في منهجيته هي محاولة نسيان ما نعرفه والبدء من صفحة بيضاء، تتيح إعادة اكتشاف الشخصية بعيدًا عن موروث السير المناقبية التي تقدس الحاكم وتنزهه عن النواقص.

ينطلق فهمي من فرضية أن كتابة التاريخ عملية تفسيرية تتطلب العثور على مفتاح أو ملمح جوهري تدور حوله بقية الملامح. وبالنسبة لمحمد علي، يرى فهمي أن هذا المفتاح هو هاجس التثبيت. محمد علي لم يأتِ من صلب النخبة العثمانية في إسطنبول، بل جاء من بلدة نائية، وكان رجلًا أميًا لا يملك ظهرًا أو عائلة في مصر. حين وصل إلى القاهرة عام 1801، أدرك خلال سنوات الصراع الأربع التي سبقت توليه الحكم حقيقتين، الأولى هي مدى غنى وثراء ولاية مصر التي كانت سلة خبز الإمبراطورية، والثانية هي افتقارها لنظام إداري يمكنه من استخلاص هذا الثراء لصالحه.

هنا تكمن عبقرية محمد علي وفقًا لفهمي، فهو لم ينظر لمصر كولاية مؤقتة يترقى منها لمناصب أعلى في الأستانة كما فعل غيره من الولاة، بل أدرك أنه لا بديل له عن مصر. نجاحه في البقاء 43 عامًا كان نابعًا من غريزة بقاء سياسية حادة دفعت به لتأسيس نظام يضمن ألا يُعزل بعد عام أو عامين، وهو ما يفسر قسوة قراراته أحيانًا ومرونته أحيانًا أخرى.

 يفكك فهمي عالم محمد علي الذهني، مؤكدًا أنه كان يتحرك في ثلاث دوائر متقاطعة:

الدائرة العثمانية، وهي الدائرة الأهم والمحورية؛ فمحمد علي، رغم صراعه مع السلطان، كان «عثماني الهوى والهوية» في مخيلته السياسية. هو لم يرد الانفصال عن المنظومة بل أراد فرض شروطه عليها.

الدائرة الأوروبية، رغم أنه لم يتحدث لغة أوروبية ولم يغادر المنطقة، إلا أنه كان رجلًا أوروبيًا في سياسته الواقعية. كان يدرك توازنات القوى بين لندن وباريس وسانت بطرسبرج، وكان يعصر زواره من القناصل والرحالة ليستقي منهم أدق التفاصيل عما يدور في العالم، مما جعله يدير صراعه مع القوى العظمى بذكاء سياسي نادر.

الدائرة المصرية، وهي الدائرة الإجرائية، حيث أنشأ بيروقراطية وجهاز تجسس ومعلومات يجعله مطلعًا على كل كبيرة وصغيرة في القطر المصري.

ومن هذا المنطلق، يفند فهمي أطروحات المؤرخين الذين حاولوا صبغ محمد علي بصبغة عروبية أو إسلامية إصلاحية، مؤكدًا أن تلك التفسيرات غرضية ولا تعكس حقيقة المحرك الجوهرية للرجل.

ينتقد فهمي التفسير الغائي للتاريخ، الذي يفترض أن أحداث عام 1840 كانت نتيجة حتمية لبدايات عام 1805. أن الأمور كان يمكن أن تأخذ مسارات مختلفة تمامًا، وأن مشروعه للنهضة أو تأسيس الإمبراطورية لم يكن خطة مسبقة بقدر ما كان استجابة لتطورات الواقع وتطور شخصيته نفسها. هو كتاب عن الحياة والزمن يتناول تطور الشخصية بالتوازي مع محيطها المصري والعثماني والدولي، معتبرًا أن شخصية حكمت لأربعة عقود لا يمكن أن تظل جامدة، بل هي في حالة تحول مستمر.

يقترح فهمي قراءة درامية لتاريخ محمد علي، حيث يمكن تلخيص ملحمته في صراع بين أربع شخصيات رئيسية (محمد علي، وابنه إبراهيم، وزوجته أمينة، وخصمه اللدود خسرو باشا).

يبرز الصراع مع خسرو باشا كملحمة إغريقية استمرت 40 عامًا، عداوة شخصية وسياسية بدأت في شوارع القاهرة وانتهت في أروقة السلطة في إسطنبول، وهي عداوة شكلت الكثير من قرارات محمد علي. كما يبرز دور أمينة وإبراهيم كأبعاد إنسانية وضغوط داخلية أثرت في تشكيل طموحاته العائلية.

يختتم فهمي رؤيته المنهجية برفض فكرة السير التي تحاول أنسنة الحاكم عبر رصد قائمة محاسنه وسيئاته كأنه ميزان للحساب. فهذا التناول قاصر، لأن الخصلة الواحدة مثل الإصرار أو الذكاء قد تكون بناءة في سياق ومدمرة في آخر. التعقيد يكمن في التناقض؛ كيف يمكن لمحمد علي القول إن الفلاح هو ولي نعمتي، وفي الوقت ذاته يستعبده ويجهده في أعمال السخرة والتجنيد؟

فلسفة التحرير وفلسفة الترجمة

caption

بدأ محمد هُوجْلا-كَلْفَت، مترجم ومحرر الكتاب، حديثه بالتوقف عند مصطلح التحرير الذي وضع على غلاف الكتاب بجانب الترجمة، مشيرًا إلى أن الصحافة والجمهور غالبًا ما يتجاهلون صفة المحرر لصالح المترجم. وأن كلمة محرر في الثقافة العربية المعاصرة تعاني من آفة الترادف والالتباس فهي تارة تعني الصحفي، وتارة تعني الأكاديمي الذي يجمع مقالات لباحثين مختلفين. لكن في حالة «ولي النعم»، كان للتحرير معنى أعمق وأكثر اشتباكًا مع النص، لم يقتصر الدور على نقل اللغة، بل امتد للتدخل في بنية الكتاب وسياقه الدرامي وتطوير أفكاره بالتعاون مع المؤلف.

وصف هُوجْلا-كَلْفَت علاقة العمل التي جمعته مع فهمي منذ عام 2011 بأنها علاقة وثيقة وملحمية، تشبه في غزارة مراسلاتها (عبر الإيميل والواتس آب) مراسلات محمد علي وإبراهيم باشا. ما ميز هذه التجربة هو أن المؤلف خالد فهمي يتقن العربية ويكتب بها، مما خلق نوعًا من الهواجس المشتركة حول اللغة والأسلوب. هذا التعاون الطويل هو ما جعل الكتاب يخرج في ضعف حجم نسخته الإنجليزية الأصلية، حيث تحول المشروع من مجرد ترجمة إلى طبعة موسعة ومزيدة ومنقحة، استوعبت رؤى جديدة للمؤلف، تولدت بعد أحداث عام 2011، واطلاعًا أوسع على الأرشيف.

كشف هُوجْلا-كَلْفَت عن جوانب من تدخله كمحرر، مؤكدًا أن دوره تجاوز تصحيح اللغة الذي تولاه المدقق اللغوي لاحقًا إلى هندسة القصة. ذكر مثالًا حيويًا حين كان فهمي ينهي الكتاب عند مشهد جنازة محمد علي عام 1849، فاقترح عليه إعادة فقرة محذوفة تربط بين محمد علي وعبد الناصر لأهميتها الدرامية. كان دور المحرر هنا هو ضمان سلاسة السرد، وحذف الإطناب والتكرار الناتج عن كتابة النص في فترات زمنية متباعدة، والاشتباك مع سلطة المؤلف لتقديم نص يخدم القارئ في المقام الأول.

طرح هُوجْلا-كَلْفَت سؤالاً نقديًا حول فلسفة الترجمة، هل يجب أن يقرأ القارئ النص كأنه مكتوب بالعربية أصلًا، أم يجب أن يشعر بأجنبية النص؟

إلا أنه انحاز لخيار العربية السلسة التي تجعل القارئ يشعر بأن فهمي هو من يتحدث إليه مباشرة. وأن قراره في «ولي النعم» كان نابعًا من رغبة المؤلف نفسه في الوصول إلى لغة عربية قوية ومنسابة لا تشعر القارئ بحواجز الترجمة

مفهوم الإحسان

 من جانبه طرح حافظ سؤالًا حول مفهوم «الإحسان»، وهو المصطلح الذي يرى أنه ظل هاجسًا لدى الدولة المصرية من محمد علي حتى يومنا هذا؛ حيث يُنظر للمواطن كرعية تنتظر إحسان الحاكم لا صاحب حقوق. وضح فهمي أن هذا المفهوم يتجسد ماديًا في وقف محمد علي بمدينة قولة، وهو أكبر أوقافه التي بناها عام 1815. وأكد فهمي أن الإحسان في العقلية العثمانية يندرج تحت ما يسمى دائرة العدل، والذي لم يكن يعني في ذلك العصر المساواة، وهي فكرة حداثية ترفض التمييز بين المسلم وغير المسلم أو الرجل والمرأة بل كان يعني منظومة من التوقعات المتبادلة.

الحاكم في هذا النظام ليس مطلقًا كما نتخيل، بل هو محكوم بالتزامات حفظ الأمن على التخوم وداخليًا، وحماية الأرواح والأملاك والشرف. في المقابل، تقوم الرعية بإنتاج الغلة. المنظومة تكتمل حين يأخذ الحاكم هذا الريع ويصرفه في أوجه الخير الإحسان. يرى فهمي أن محمد علي كان واعيًا جدًا بهذا الدور، لكن معضلته الكبرى كانت تكمن في كونه يعيش لحظة تحول، حيث بدأت ممارساته الواقعية مثل الدفترة والتطعيم تؤسس لمنطق الحداثة والمساواة، وهي ممارسات سبقت الأفكار النظرية.

انتقل فهمي للرد على نقطة التوسعات، إذ كان محمد علي يسعى لتوطيد حكمه عامًا بعد عام. الصراع مع السلطان محمود الثاني كان صراع وجود «مين يتغدى بمين قبل أن يتعشى به». ومن هنا جاءت حملة الشام لحماية الحدود الشمالية وتأمين الغابات اللازمة لبناء الأسطول.

المفارقة الدرامية التي تتبعها فهمي في كتابه، هي أن انتصارات إبراهيم باشا فاقت العقلية الاستراتيجية لمحمد علي نفسه. حين دخل إبراهيم الأناضول ووصل إلى قونيا، أصيب محمد علي بالخضة لأن الأمر تجاوز تأمين الحدود إلى تهديد وجود الدولة العثمانية. المراسلات بين الأب وابنه في أكتوبر 1839 كشفت عن شفافية استراتيجية مذهلة حيث ناقشا بوضوح فج «هل ننسحب من الحجاز؟ ماذا سنفعل مع روسيا وفرنسا؟» أدرك محمد علي حينها أن الحرب لم تعد أهلية عثمانية بل أصبحت صراعًا أوروبيًا دوليًا، وأن قوته الاقتصادية والعسكرية لن تمكنه من الحفاظ على هذه الإمبراطورية الشاسعة، فبدأ يتراجع، وهنا حدث تحول في العلاقة، إذ أصبح إبراهيم هو من ينصح والده بضرورة التراجع للحفاظ على ما تم إنجازه.

وبسؤاله عن ترتيب قراءة كتبه عن محمد علي، اعترف فهمي مازحًا بأنه ظل لسنوات يتهرب من مواجهة محمد علي مباشرة في كتبه، واصفًا علاقتهما بالوقوع تحت الأسر، حيث قال كنت أحس أنه «واقف فوق دماغي بيستكتبني»، هذا الشعور بالسطوة هو ما دفعه في كتابه السابق «كل رجال الباشا» للالتفاف حول الحاكم والحديث عن الجنود والفلاحين أولًا، أما «السعي للعدالة» فهو اشتباك مع مفاهيم القانون والطب والشريعة كمن يثبت أرضيته قبل أن يمتلك الشجاعة لمواجهة ولي النعم وجهًا لوجه. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن