تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
وائل رجب وأصدقاؤه

وائل رجب وأصدقاؤه

سحابة صيف مرت على الوسط الأدبي في منتصف التسعينيات

كتابة: علاء خالد 12 دقيقة قراءة
تصميم مهرة شرارة

27 عامًا عاشها وائل رجب، (1970-1997)، وبعد نفس المدة نستعيد أدبه، وهو ما دفعنا لإعادة النظر في ما يُقال عن الموت بوصفه اكتمال تجربة، ومع حدوثه يمكن دراسة وتقليب أثر الكاتب، لكنه في حالة وائل كان خطافًا، لا يفرق معه مشروع ولا يحزنون، بل ما صعّب الأمر أكثر نفاد طبعات كتبه وتحولها إلى نوادر يصعب الوصول إليها وعدم إقدام ناشر على إعادة طبعها، ولأن الكلام عما يندر الوصول إليه ليس كافيًا، نستعيد تجربة هذا الكاتب وزمنه بأسلوب وطريقة علاء خالد المميزين، فيحكي في النص التالي عن سيرة وائل وروايته الوحيدة «داخل نقطة هوائية»، وقصصه المنشورة في «خيوط على دوائر» مع آخرين، وكلاهما صدر في 1995. كما نقدم بعض نصوص وائل بإذن خاص من شقيقه.

هذا النص ينتمي إلى كتاب سيُنشر قريبًا لعلاء خالد عن دار المرايا بعنوان «كرنفال القاهرة».

في منتصف التسعينيات، مرت على الوسط الأدبي، سحابة صيف، كاتب وروائي لم يعش طويلًا، حتى تأخذ موهبته الروائية تطورها الطبيعي، وهو الروائي وائل رجب، الذي رحل عام 1997، عن 27 عامًا، بمرض السرطان، الذي كان عضوًا نشطًا في عائلته المنكوبة بهذا المرض، بداية من الأب، ثم الأم التي توفت بعد وفاة وائل، ثم تباعدت أخبار الأسرة ودخلت في خانة الذكريات.

هذا التوقع المبكر للموت، قبل حدوثه، جعله أحد أبطال روايته الوحيدة «داخل نقطة هوائية»، التي يأخذ فيها الموت حيزًا جماليًّا وفلسفيًّا في آن، يحاول في الرواية أن ينال منه، ليس بالصراخ أو البكاء، ولكن بتحويله إلى مشهد مليء بالتفاصيل والتداعيات، وبإحساس الندية في معاينته، كأنه يفحصه تحت الميكروسوكوب، يحاصره ويتحكم فيه، خاصة في مشهد موت الأب، الذي اتسم بحس إنساني وسردي جديدين.

***

في عام 1995، اشترك ستة كتاب وكاتبة في مجموعة قصصية واحدة تحت عنوان: «خيوط على دوائر»: وائل رجب، أحمد فاروق، هيثم الورداني، أحمد غريب، علاء البربري، ونادين شمس (1972- 2014). شكلت هذه المجموعة، التي لم تستمر، رابطة من نوع جديد يقوم على الفكرة والحَدْس الجيلي وليس تبعًا لنظرية أدبية معينة. 

ربما هذا التشارك الأدبي، الذي شكَّل ظاهرة في ذلك الوقت، كان يقف وراءه رغبة التشجيع المتبادل ومواجهة الواقع الأدبي النخبوي والعشوائي، كشلة أو كمجموعة، بدلًا من المواجهة الفردية، ربما هذه الرغبة كان لها الأولوية بالنسبة للكتًّاب، على رغبة التنظير لحس أدبي جديد في الكتابة، وإن كان هذا الحس التنظيري موجودًا، في قصص المجموعة، خاصة في الشكل وموقع العاطفة، باختلاف درجته عند كل منهم/ منهن، ولكنه متوارٍ داخل الحكي.

***

ربما يقف وراء العنوان، الذي تم اختياره للمجموعة «خيوط على دوائر»، نوع من التنظير للمجموعة باستخدام قاموس جغرافي، سأحاول أن ألمسه هنا، والغريب أنني طوال هذه السنين لم أسأل أيًّا من كتَّاب المجموعة عن سبب هذا الاسم الذي اعتبرته كاسم شخص ما، لا يتم السؤال عنه، مهما كان غريبًا أو مجرَّدًا منزوع العاطفة. 

ربما جاء الاسم كتمثيل لتعبير هندسي وجغرافي، يعني: خيوط/ خطوط الطول ودوائر العرض التي تشكل جسم الخريطة، والإحداثيات التي تحدد بدقة موقعًا، أو واقعة، أو مشهدًا حياتيًّا بعينه؛ فهذا الموقع، أو الواقعة، أو النقطة المتناثرة على الخريطة، لها بُعدان يحددان مكانها، أحدهما: رأسي تمثله خيوط/ خطوط الطول، وآخر: عرضي تمثله دوائر العرض؛ سعيًا لمزيد من الدقة والإحاطة، بهذه الواقعة، أو الحدث، أو المشهد، عبر هذين البُعدين. 

وفي الوقت نفسه فإن استخدام صيغة الجمع سواء في «الخيوط»، أو «الدوائر»، يشير للتعدد فيما بينهم، فكل منهم خيط/ خط على دائرة، التي هي/ هو سواء الخيط أو الدائرة، رمز للكون الشخصي، الخارجي أو الداخلي، الهش والمتفرد، في آن، ومكان الواقعة. إذن هناك الفرد، والمكان الذي يشغله.

***

ألمس داخل هذه الفترة من التسعينيات مصطلحات وعناوين ليست مدرجة أو معتادة في القاموس الأدبي، بل آتية من مكان أوسع أو مختلف، ربما بسبب أن الواقعة النفسية لأي بطل أو صاحب حكاية، يجب أن يكون لها مكان مادي خارجي، يتداخل تعريفيًّا بالمكان الجغرافي، وبالمكان الأنثروبولوجي/ الإثنولوجي، فحدث بداية تداخل بين العلوم داخل النص الأدبي؛ ليضمن له حياة، وأدوات جديدة في الرصد، لم تكن متوفرة له داخل سياق تطوره النفسي الطبيعي في الثقافة، أصبح الخط الأفقي، رمز الأرض، والانبساط، والامتداد المعيشي للإنسان، هو هدف الحكاية، بعكس الاتجاه والخط الرأسي الذي كان يهتم بالزمن ومروره والعمق الميتافيزيقي، في النصوص ما قبل التسعينيات.

وربما هو الإحساس نفسه الذي سيطر عليَّ، وجعلنا نصدر مجلة «أمكنة»، عام 1999، قبل نهاية الألفية استجابة لرصد هذا التوسع في طرق البحث وتداخلها من أجل الوصول لحقيقة جديدة عن الإنسان، وحكايته وسط سياقه المكاني المادي، تختلف عن الحكاية قبلها التي أصابها الجمود في تلك الفترة.

***

كتب وائل رجب رواية وحيدة «داخل نقطة هوائية»، صدرت عن دار شرقيات، التي أصدرت أيضًا المجموعة القصصية «خيوط على دوائر»، عام 1995.

كتب إدوار الخراط، الروائي والناقد والمنظِّر لعدة أجيال أدبية، وصاحب تعبير «الحساسية الجديدة» في الأدب، تعليقًا عن هذه المجموعة القصصية المشتركة وعن أصحابها:

«هذه الكتابات لا تمثل نقلة أساسية في تقنيات ورؤى ما عرفناه باسم: «الحساسية الجديدة» التي لعلها أصبحت كلاسيكية الآن، وأنها ببساطة تطوير وتعميق لتيار محدد من تلك الحساسية، هو «تيار النظرة» أو الحياد أو التشيّؤ.. نقصد تلك الكتابة التي تعتمد من حيث الشكل لغة باردة، هادئة النبرة ليس فيها احتدام أو حرارة العضوية والتورط، ومن حيث الرؤية تعتمد نظرة العين الصاحية التي ترصد «الأشياء» من الخارج على نحو «موضوعي» لا تتدخل فيه «الذات» ولا يختلج بالانفعال».

كتابة وائل رجب تذهب إلى آخر الشوط في هذا التيار التقريري، القائم على نظرة ميكروسكوبية إلى الأشياء، ورصدها باستخدام مصطلحات الفيزياء والميكانيكا والهندسة؛ لكي ينقل الحياة العضوية، بحيث يجردها من كل حيوية وتدفق وعفوية، بل يحبسها في داخل مواصفات تكاد تكون «علمية».

***

كان وائل شخصية لها اعتدادها الشديد بنفسها وبموهبتها، تعرفت عليه بعد قراءتي لروايته، التي كانت مثار جدل في وقتها، نظرًا للشكل والأسلوب اللذين ميَّزا الرواية واختلافها عن السائد؛ ففي النصف الأول من التسعينيات، وحتى نهايتها؛ كانت التجارب الشعرية هي الأكثر صيتًا وتأثيرًا في الوسط الأدبي؛ لأنها استوعبت في شكلها السردَ القصصي الذي يعتمد على المشهد، بالإضافة لتبنيها نوعًا من البوح والاعتراف يدوران حول تيمة المحرمات: سواء كانت دينية أو جنسية أو اجتماعية، وهو ما كان يحتاجه هذا الواقع شديد الكتمان؛ ليعبر به عن لاوعيه المكبوت. 

ولكن وائل، وباقي أصدقائه، الذين خرجوا من مناح شتى خارج فكرة الجيتو الأدبي، لم يمروا بهذا الحاجز البوحي للمرحلة، بل كانت لهم مزاجية مختلفة، ترتبط أكثر بالكتابة ذاتها، كمكون خاص له مجتمعه الذاتي، وكتجربة حيوية تحتمل الكثير من التفاعلات والنتائج، بدون أن يتورط أو يعلن الكاتب عن نفسه.

***

في منتصف عقد التسعينيات السائب، بدأت الكتابة تميل أكثر ناحية الرواية والقصة القصيرة بدلًا من الشعر، الذي كان مسيطرًا طوال السبعينيات والثمانينيات والنصف الأول من عقد التسعينيات. بمعنى آخر: بدأت الكتابة تنحو ناحية الوضوح، حتى ولو كانت غامضة، ولا تهتم فقط بالبناء الشكلي المختلف، أو الحكاية المختلفة، أو تجريد اللغة من عاطفيتها والوصول بها إلى كتابة علمية، ولكن أيضًا دخل النقيض، فهناك كتابات ارتبطت بمتعة السرد، وعاطفية اللغة، بجانب الاهتمام بالحكاية، كحكاية مكتملة، وليست جزءًا من بناء أكبر. 

في الحالين صارت الحكاية، سواء كانت واضحة أو غامضة، ممتعة أم غير ممتعة؛ هي الشكل المعتمد، وبكل زوائدها الشعبية والشخصية، لذا جاءت كتابات وائل بمفهوم جديد للحكاية، وقف في المنتصف حائرًا بين تطور الحكاية التقليدية في جيل الستينيات على سبيل المثال، وبين علاقتها باللغة العلمية.

***

في روايته «داخل نقطة هوائية» لم يفكر وائل في البوح والاعتراف بالشكل المباشر، وأيضًا ليس عن طريق كسر المحرمات التقليدية، ولكن عبر شُبَّاك اعتراف زجاجي سميك يصفي الاعتراف؛ ليحافظ على المشهد المُعترف به بكل تفاصيله، وفي الوقت نفسه يمنع أي عاطفة أو تعاطف أو أية مشاعر تتسرب منه وتصل للقارىء. كان يقف كراوٍ بعيدًا ومنفصلًا عن هذا المشهد. داخل الرواية، الاثنان: القارئ والكاتب، يجب أن يتخذا مسافة من المشهد المروي مهما كانت حرارته. 

كان وائل مهتمًّا بالعثور على توليفة تخص شكل كتابته، كان يتميز بامتلاك مقدمات لهيكل روائي متماسك، وكان هناك جدل بين محتوى الرواية الكلاسيكي الحكائي، وبين شكل السرد المختلف، الذي لا يحدد هوية الراوي، أو مكانه في الأحداث، والذي يظهر عبر لغة متقشفة ساخرة، ليس بها أي تحميل دلالي، أو عاطفي، تصل أحيانًا لحدود لغة الرياضيات.

والمفارقة أن صاحب هذه اللغة الصارمة، كان يحمل قلبًا هشًّا قابلًا للكسر، أمام تقلبات العاطفة والحب.

***

تقوم الرواية على سرد سيرة عائلة، كانت السيرة أحد أشكال التعبير المطروقة في عقد التسعينيات بكل تفرعاتها. بطلا الرواية الأساسيان هما: الأب عبده، والأم رتيبة. هذه الأسرة البرجوازية، التي تعود أصولها للريف، وربما تمثل بشكل ما، أسرة الراوي الغائب، وغير المحدد مكانه داخل الرواية، تتنقل الرواية بين الريف والمدينة، عبر ذكريات هذا الراوي الغائب، هناك تقصٍّ لجذور هذه العائلة ورحلتها، داخل هذه الرحلة التي يتخللها الكثير من التفاصيل، يرتفع مشهد موت الأب عبده فوق كل التفاصيل والمشاهد الأخرى، بسب حساسيته والمساحة الملفتة التي منحها له الراوي، كان بمثابة «الماستر سين» للرواية.

 ***

كان مشهد موت الأب مكررًا في كتابات التسعينيات، كأحد مرتكزات الكتابة في ذلك الوقت، أو كذكرى مفصلية يتم بعدها التحول، في ذاكرة الراوي، من الأب السلطوي إلى الأب الإنسان. بتأكيد وائل على مشهد موت الأب في روايته، تظهر تلك البواعث المحددة التي تقف وراء رغبة الكتابة لديه، ربما لم يقترب وائل من المحرمات بشكلها التقليدي، ولكنه اقترب من الموت كأحد المحرمات التي يريد أن يتجاوزها. هناك مشهد من أهم مشاهد الموت لهذا الأب المتحول، الميت/ الحي، جاء في رواية نجيب محفوظ «قصر الشوق»، عندما اجتمع في مشهد الموت: الأب الذي على وشك توديع الحياة، والابن، وزوجة الابن، وهي عشيقة الأب السابقة، هذا الثلاثي الخالد، الأب السلطوي، والابن المتمرد، والمرأة فيما بينهما، التي يتم النزاع عليها، ولكن في الرواية كان النزاع قد حدث في الماضي؛ لذا ارتبط بمشاعر الذنب والبكاء، وطلب الغفران من الجميع للجميع من الأب والمرأة العشيقة والابن المتمرد، تكفيرًا عن هذه الخطيئة المتجددة.

لكن الأب في رواية وائل رجب، ليس هو الأب السلطوي، ولكنه أب له دور يجب أن يشغله، وهذا الدور الذي قام به ربما جاء عكس دور الأب السلطوي المتوقع، فكان هامشيًّا، مغلوبًا على أمره، ويحتاج للتعاطف، وربما هذا خيب ظن الراوي، فمنح الموت هذه السلطة.

في ذلك المشهد كان الراوي الغائب يقف بين نارين، يريد تسديد دين عاطفي لهذا الأب غير السلطوي، وفي الوقت نفسه يريد استعادة مشهد موته، بقوة وتجريد، وببرود تام، منزوع العاطفة؛ حتى لا تفوته تفاصيل، وحتى يتجاوز رهبة الموت. هناك أكثر من أب اجتمعوا في هذه اللحظة وهذا المشهد، ربما كان الموت واحدًا منهم، وكانت هناك مسارات متقاطعة لأكثر من شعور وأكثر من هدف.

 ***

اللغة في الرواية لغة حيادية، كما يقول إدوار الخراط، أقرب للغة الرياضيات، وهو طموح ما زال موجودًا لأجيال تالية، كسمة أساسية من سمات الأدب الحديث وما بعد الحديث، كانت هناك دقة علمية مجردة النزعة، تبغيها هذه النصوص ليأتي الحس الشعري نتاج واقعة منضبطة لها قياس علمي موازٍ للإدراك الشعوري، فيتولد الحس الشعري، من هذه المفارقة، أو من مغايرة هذا العالم وأسسه المجردة الرمزية مع قانون القص والحكي العاطفي المتصل في تكوينه؛ لكونه يتحدث عن أشخاص من لحم ودم، ولهم مشاعر في النهاية، مهما بدت مجردة أو مختزلة. 

تحوي الرواية الكثير من المعلومات التسجيلية، حتى تصل لمقادير صنع الأطعمة والحلويات، هناك الكثير من الحسابات والقياسات، كأنها تعيد تشكيل ورفع الفضاء، بالتعبير الإنشائي الهندسي، الذي يتحرك فيه الأبطال، بهذه العين الهندسية الجديدة التي يتبناها الراوي. 

***

تعرفت على أصحاب «خيوط على دوائر» قبل أن ألتقي بهم ونصير أصدقاء؛ من خلال علاقتي بدار شرقيات، حيث صدر لي في السنة نفسها كتابي «خطوط الضعف»، كان حماس الأستاذ حسني سليمان، صاحب الدار، لهم شديدًا، كان الأستاذ حسني دائمًا ما يذكِّرني، بأني بمكوثي في الإسكندرية أُضيّع على نفسي فرصة كبيرة، ودلل على هذا بأنه عند صدور هذا الكتاب لهذه المجموعة، حمله في يده داخل مكتبه، وأشار لي به، وقال بأن هناك أدبًا جديدًا يظهر في القاهرة، ويجب أن أُساير هذا وأكون قريبًا منه. بالطبع لم يقصد التقليد، ولكنه كان يرى أن المسافة بين الإسكندرية والقاهرة، هي مسافة بين نوعين من الأدب. 

كنتُ وقتها في الخامسة والثلاثين، وبرغم أن فارق العمر بيني وبين هذه التجارب الحديثة عشر سنوات فقط، ولكنها كانت كافية وقتها لتضعك خارج خانة الحداثة أو ما بعدها! لهذه الدرجة كان النزاع على الحداثة وما بعدها على هذه الاصطلاحات التي كانت تحمل أحيانًا، أمراضًا في توصيفها . لسان حال اللحظة يقول: لا يهم ما دمت مريضًا، ولكن حديثًا.  كنت أرى نفسي شخصًا يحمل ذاتًا باثولوجية متشعبة تتسلق بهمومها وطموحها أي حواجز؛ سواء كانت كلاسيكية أو حداثية أو ما بعد حداثية ، كانت الذات متوزعة بين أكثر من زمن. 

كان هذا النوع من الكلام يؤثر فيَّ. بعد زيارتي لدار شرقيات، كنت أسأل نفسي دائمًا وأسائلها: هل هناك «مكان» محدد للتجربة الحديثة؟ ربما لم أحاول الرد على هذا السؤال حتى الآن، ولكن وقتها كان هناك إحساس باليأس المبكر، كأني بالخمسة وثلاثين عامًا التي أحملها على ظهري، وبمكوثي في الإسكندرية، قد تخطيت حاجزًا لا رجعة فيه، ولكن لحسن الحظ فإن هذا الحاجز تلاشى وتلاشت معه هذه الأسئلة مع بداية القرن الجديد، فقد استعدت بفضل هذا القرن روحًا غير يائسة، وأمدتني بداياته بطزاجة استثنائية. مثل أي صباح ليوم جديد، كان هناك صباح لقرن جديد.

***

مات وائل في باريس، عام 1997، وأثناء زيارتي للمدينة، عام 2018، للمشاركة في معرض الكتاب الأفريقي بأعداد من مجلة «أمكنة»، وأثناء سيري مع الصديقة صفاء فتحي الكاتبة ومخرجة الأفلام التسجيلية، والتي تعيش في باريس منذ نهاية السبعينيات، جاءت ذكرى وائل أثناء مرورنا أمام إحدى بنايات باريس القديمة التي توقفت عندها صفاء، وأشارت إلى أحد أدوارها وأحد شبابيكها الزرقاء الكبيرة بأنه كان يقيم هنا، وأكملت حديثها عن الشهور الأخيرة له هناك ما بين الشقة والمستشفى، وإقامته عندها لبعض الوقت، ومشاعره وتحولاتها أثناء هذه الشهور الأخيرة من حياته، عندما علم بأنه لا فائدة من العلاج، قبل المغادرة إلى مصر. 

كنت قد تعرفت إلى صفاء في عام 1991، عندما سمعت أن هناك مخرجة أفلام تسجيلية مصرية تعيش في باريس ودرست في السوربون، وسيعرض لها فيلمها التسجيلي في بيت أحد الأصدقاء من اليسار المصري اسمه: جمال عبد الناصر، وكان متزوجًا من سيدة فرنسية، كما فهمت، وهناك رأيت صفاء، وفيلمها عن الكاتبة نوال السعداوي، يرصد الفيلم تناقض هذه الكاتبة بين ما تبشر به من أفكار تحررية سواء للمرأة أو المجتمع، وبين شكل علاقاتها المتسلطة بالفلاحات في القرية التي تعيش فيها ويقمن على خدمتها. بالطبع هناك مسافة ضوئية بين نوال السعداوي المجروحة في قاهرة الخمسينيات والستينيات، وهي على وشك الانفصال عن زوجها، وبينها في قاهرة التسعينيات، وقد استعادت قوتها من تجربة الانفصال، وأصبح لها عائلة جديدة، وسلطة شخصية واجتماعية ومادية تبحث عن متنفس لها. ربما هذا التناقض كان العنوان الكبير لأجيال مرت من خلاله، أو عبرت من شارع موازٍ له، وعاشت في طمأنينة الاتساق، والتماهي.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#أدب

إلى حسني سليمان

بضع كتب، على قدر اتساع الرسالة، لا تغطّي طبعًا ما نشرته «شرقيات» من 1991 إلى 2017.

محمد درغام 11 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن