سابع مدى| ألعاب الشيخ عامر
فصل من رواية جديدة تصدر قريبًا عن «وزيز».
ظل يتحدث عن نفسه، وعن أحواله، وفيم يقضي وقته، ويُشرِّح لي مشاعره. أنصتُّ إليه باهتمام، وانتظرته ليسألني عن أحوالي، لكنه لم يفعل. لا أستغرب ذلك من الرجل الذي لم يذكرني ولا مرة باسمي دون أن يزيد عليه تلك اللفظة التي يُطلِقها تحبُّبًا «حيوان»!
ربما أشعر الآن ببعض الترقي، إذ يخاطبني بـ«بني»! أتفهم أن سياق الحياة قد اختلف تمامًا، ليس فقط لأنني صرت في الجامعة، وبعد سنوات قليلة سأكون طبيبًا يتباهى بأنه كان شيخي و.. أبي، لبعض الوقت. هو الآن مطارد، موسوم بالإجرام، يقبع في تلك الشقة الحقيرة في إحدى عمائر الإسكان المتهالكة.
كان عليَّ أن أسأل كثيرًا، وأتوه بين مصفوفات العمائر المتشابهة، في قوامها ومحيطها الملوث بأكوام الزبالة والمخلفات، بعضها مشتعل، وقد خلَّفت كومات من السحب الأثيرية الغامقة. لم أصدق أنه يسكن هنا لولا مساعدة مبعوثه، محمد نور، وتأكيده على إقامته بين هذه المهملات. طلب محمد بدماثة ألا أقطع الاتصال الهاتفي معه، وأن أصف له كل ما يحيط بي، ووجَّهني بصبر ودراية كبيرة بهذه الغابة الإسمنتية الرديئة. تقدمني إلى عمارة من خمسة طوابق مدخلها الضيق غير المضيء مرتع للحشرات والروائح القذرة. صعدنا إلى الدور الرابع، وهو يسبقني يرتج جسده السمين بحماسة. فتح الباب ثم واربه قليلًا قبل أن يُدخِلني. أشار إلى غرفة بجانب الباب من جهة اليمين، وحجب بهيكله الضخم رؤيتي للجزء الآخر من الشقة. انتظرت أكثر من ربع ساعة، حتى دخلت امرأة أربعينية تلبس خمارًا بيتيًّا، قفَّزت يدها بطرفه وسلَّمت عليَّ من خلاله. ابتسمت، فبانت أسنانها الصفراء، الفاقدة لسن سفلية. قالت بترحيب دافئ: «أنت أمل .. ما شاء الله! كبرت يا أمل!» شكرتها في توتر وارتباك. سألتها عن الشيخ: «بابا هنا؟»
أجابتني أنه كان يصلي بهم المغرب، وهو الآن يصلي السُّنة، وسيأتي لأجلي.
وبعد وقوف صامت محير، قالت توضح العلاقة:
- أنا صفاء أم محمد نور، هذا القلبوظة!
وقرصت محمد من أذنه، فأنزل يدها بحدة.
- أبوك هو ابن خالة أمي، ونحن نقول له «يا خالو»، مع أننا في سن واحدة تقريبًا، لكن المقام محفوظ!
وضحكت، ثم تنهدت ورفعت ذراعيها للدعاء: «منهم لله أولاد الحرام!» فبانت ذراعاها عاريتين تحت الخمار حتى إبطيها المشعرين.
جاء الشيخ، واحتضنني في شوق جعلني أقشعر من المفاجأة. وبعد أن جلس لصقي، وجَّه كلامه إلى محمد نور، وقد ظهر لي لما تأملته تحت الضوء صغيرًا في السن، رغم ضخامته الجسدية.
سأله:
- كيف الحال يا حمام؟
ثم ضحك، وضحك معه حمام وأمه. كانت الغرفة شديدة الضيق، بالكاد تنحشر فيها أريكتان ذواتا حشو غير متناسق، يجعل إحدى إليتيَّ مرتفعة عن الأخرى.
سألتني صفاء عما أرغب في تناوله على العشاء، لكني رفضت بأدب. نظرتْ إلى الساعة التي تعلونا وكانت تشير إلى السادسة إلا عشر دقائق. بطرف عينها، أمرت ابنها بالنزول. تبادلا النظر بحدة، ثم خرج بعصبية، وحين وصل الباب، ناداها. كان كلامهما يبدو مشدودًا، وارتفع صوتهما، لكنها أنهت الحوار القصير الزاعق بأن أمرته بالنزول والرجوع بسرعة. بعدها، اختفت المرأة داخل الشقة التي فكرت أنها ربما أصغر شقة رأيتها في حياتي. كان الشيخ يبتسم ساهمًا للأرض المبلطة الباردة. لم أرغب في توجيه الحديث، فانتظرته حتى يعود من سرحانه. نظر إليَّ، وعلت وجهه ابتسامة وراءها كلام كثير. نهض وطلب مني اتباعه. دخل من باب ضيق آخر على يمين الغرفة، وأضاء الغرفة الجديدة التي كانت أكثر اتساعًا، وبها شرفة وشباك صغير، ويرتكن سرير صغير إلى الحائط المواجه لمنافذ الغرفة. ورغم الظلام، تعرفت على جلابية وعباءة تخصانه ملقاتين على الأرض بإهمال واضح.
فتح البلكونة، وخرج، ثم دعاني إلى الوقوف معه، بعدما ظننت أنه نسيني!

كأنها صُمِّمت لشخصين ملتصقين. وقفت بجانبه، لا أشعر بالراحة من شدة اقترابنا. لا يمكن من خلالها التقاط أي منظر حقيقي، فقط حائط إسمنتي آخر، من تلك التي تحاوط المكان كله، لكن يمكن فيها استنشاق بعض الهواء الرطب. لم يكن ينظر إليَّ، ولم يُحدِّثني بعد. كان، رغم هذا، يوحي لي بأنه في غير موضعه. توحي طلته، وتحركاته، وجلابيته غير النظيفة أنه ليس في راحة، كما يتصور البعض، وكما تخيلت أنا أحيانًا. لكن من هؤلاء؟ من هذه القريبة العجيبة التي يؤمها في الصلاة؟ كيف لم أسمع بها يومًا؟ هل تعرفها أمي؟ سألني: «كيف وصلت؟» وأخبرته عن المتاعب التي اجتزتها للوصول إلى مكب النفايات هذا، واضطراري إلى النزول من الميكروباص ومشي أمتار طويلة بسبب المتاريس التي تسد الشوارع وتجعل من تلك المنطقة سياجًا مسلحًا. اعتذر عن المتاعب التي واجهتني، وأخبرني أن هذا بسبب قسم الشرطة الذي يوجد في قلب المنطقة.
- هذه ليست أفضل أيامهم كما تعرف!
قالها بنبرة دالة على شيء يفهمه وحده.
دخلنا من البلكونة التي أحكم غلقها، وصرنا في قلب الغرفة، ثم سأل بقلق مفاجئ عن الساعة، ونظر إلى النافذة، ثم انبطح أرضًا وأنزلني معه. أخرسني قبل أن أنطق حتى، وسلَّم أذنه لدفعة الهواء التي قُذِفت من الشارع. زحف متلويًّا مثل ثعبان باتجاه النافذة، والتقط العلبة المشتعلة، وألقاها من حيث جاءت، وأكمل زحفه على الجدار حتى تمكن من الوصول إلى الشباك وإحكام غلقه. «أخذَنا الكلام!» قال وهو يلتقط أنفاسه، ساندًا ظهره إلى الحائط.
سألته في فزع:
- ما هذا؟!
- لا أعرف، لكنهم يفعلونه يوميًّا.
- من؟!
سألته وأنا ما زلت منبطحًا رغم إزالته الخطر وإغلاقه الشباك.
- ماذا بك يا بني؟! قلت حالًا إنني لا أعرف!
- لكن ألا يجب أن تعرف؟
ابتسم وهو يشرئب إلى النافذة المغلقة يرى من خلال الزجاج شيئًا لم أعرف ما هو.
- هل تظنني سأكون قادرًا على إيقافهم؟ من يفعل هذا يفعله لغرض في نفسه، ومتى يُرضِ حاجته فسيتوقف.
زحفت إلى جواره لأجلس بجانبه تحت الشباك، وقلت:
- وماذا سيحتاج منك؟
نظر إليَّ بكبرياء مجروحة، كأنني أعايره، ولم يُجِب، فعدت إلى سؤاله:
- لكن ماذا لو أراد لفت انتباهك؟
ضحك، وأنا أشم رائحة السجائر تختلط بأنفاسه الكريهة:
- فقد نجح إذن!
- هل يريد أذيتك؟
أجاب:
- ربما!
وقبل أن أكمل أسئلتي التي رآها بلا معنى:
- دعنا من الكلام الفارغ.
ظل يتساءل:
- أين كنا؟! أين كنا؟!
أشاح بيده، ولعن ذاكرته. وضع رجلًا على الأرض، وثنى الأخرى تحته كما يجلس عادة، ثم أخرج سيجارة من الجيب الصدري لجلابيته، وأشعلها.
- لا أظنك أدمنت السجائر بعد؟
لم يلقَ إجابة. كنت لا أزال ألهث من الصدمة وعدم اكتراثه.
- أعرف أنك لا بد وجربتها، فلا حاجة للإنكار. لكنني لن أنسى نفسي وأعزم عليك. ما زالت لديَّ بقية من الذنب تجاه أمك!
أشعلها، وسحب عدة أنفاس. رغَّبتني الرائحة المتطايرة في التدخين، لكني اكتفيت بالاستنشاق عن قرب.
- كيف هي أمك؟
يمَّن وجهه ونظر إلى عينيَّ، فعرف الإجابة.
- لم تعفُ عنك أنت أيضًا؟
مدَّد يده على ركبته المرتكزة على الأرض، وتغيرت نبرة صوته.
- لا يمكن أبدًا أن تثق بامرأة، ولو كانت أمك!
وتابعني بعينيه، ولا أظنه رأى في وجهي امتعاضًا، فاستطرد:
- لقد اعتدت أن تكون الابن المفضل، فماذا حدث؟
أنت نفسك هبطت طبقات مريعة.
أتأمله دون إجابة. يبدو الكلام مجهزًا مرتبًا، يكاد ينزلق من على حافة لساني، لكنه لا يتشكل صوتيًّا أبدًا.
- إنه أحد تلك الأسرار العجيبة التي لم تخبرني بها. ماذا حدث يا سامية؟ لماذا انقلبت على ابنك بتلك الصورة المفزعة؟ ماذا فعل لك؟ لكنها تغضب. كانت أمك حادة جدًّا في غضبها، ومخيفة. كنت أنفر من خوفي منها. جعلتني أكرهها. كنت دائمًا أخشى غضبها. المؤسف حقًّا أنها كانت تقول: «أنت السبب!» كانت تلومني دائمًا على كل شيء. لكن، يا ولدي، أنا متأكد أنني غير ملام على قطيعتها لك. أكاد أقسم على ذلك! أتعرف لماذا؟ لأنني أحببتك. ليس كابن، بل كصديق، وأنيس.
ما إن ينطق كلماته حتى أصدقه. لم يفقد ذلك التأثير عليَّ في أي لحظة. ها أنا أمامه، وأشعر أنني أُحدِّثه كصديق حميم، ندًّا لند، ليس بيننا فوارق زمنية أو نفسية. ابتسمت، ولم أُعلِّق.
- كم أشتاق إليها الآن!
وبعدما أخذ نفسه الأخير من السيجارة، وثوَّاها بجانب الحائط، ضحك وهو يقول:
- أليس هذا غريبًا؟!
- لماذا؟!
- لأنني في هذا الموقف شخص غريب تمامًا. حين تفكر فيها، لو كنتُ أباك وانفصلت أنا وأمك، لرغبتَ في أن أقول هذا الكلام. لكن أنا الآن غريب تمامًا! لا صلة لي بكما!
- لكنك تظل والد إخوتي.
كدت أقول «وأبي»، لكني تراجعت.
رمقني بنظرة متفهمة لتنصُّلي منه، وسأل:
- وأين هم إخوتك؟
- في البلد.
- تتواصلون؟
- ليس كثيرًا.
- هل يسألون عني؟
- دائمًا ما نتحدث عنك.
نهض وهو يقول:
- ليسا الشيء نفسه!
فتح النافذة، ولم أدرك عطن الغرفة حتى جدَّد الهواء رئتيَّ، وتنسمت البرودة اللطيفة.
- تريد أن تعرف لماذا طلبتك؟
تلجلجت وأنا أقول:
- لقد رغبت في أن أجيء، لكني لم أعرف أين تسكن.
- لكنني لم أغير رقمي.
كنت ما أزال قابعًا تحت النافذة خوفًا من هجمات مباغتة، لكنه ضحك من خوفي وطمأنني:
- لا تقلق!
يا له من تطمين مستهتر!
عاد إلى حوارنا، وقال كأنه يبرر تخاذلي:
- ربما تخيلتَ أنني لن أقابلك مثلما رفضتُ مقابلة الجميع.. لكنك غيرهم. أنت تختلف عن الجميع، وأنت الوحيد من بينهم الذي أستطيع ائتمانه على رحلتي، من يومي الأول إلى يومي هذا.
ثم وضع يده على كتفي.
تنحنحت صفاء وهي على عتبة الغرفة، تخرفش الأكياس التي معها. اعتذرت:
- آسفة، سأقاطع اللحظة الجميلة هذه، لكن الأكل حضر!
أنزل يده برفق، وقال:
- تعشَّ أولًا.
تمنَّعت، لكن صفاء أصرت أن آكل، واعتذرت عن عدم مشاركتهم لأنهم جميعًا أكلوا، وإذا لم آكل أنا فسوف يُرمى الأكل:
- حرام!
أخرجت الأطباق ذات الرائحة الشهية من الأوراق السلوفان، فوجدت فخذ فرخة مشوية، وطبق أرز، وسلطة، وطحينة. لما جلست، طلبت منه مشاركتي، لكنه أكد أنه أكل للتو.
- خذ راحتك.
ثم تركني وخرج ليلحق بصفاء.
فكرت أنني انتهيت بسرعة مخجلة، وأملت ألا يدخل أحدهم الآن ويجد بواقي الأكل المنسوفة. أسمع أصواتهم القريبة، وأخمن أنهم في الغرفة المجاورة. وفضلت الانتظار. ربما لا تلبس صفاء خمارها. ولكن ما فائدة لبسها ذلك الخمار؟ كيف تأخذ راحتها في اللبس هكذا، حتى لو كانت تقول له «يا خالو»؟
دخل الطفل الكبير:
- ماما تسألك إذا كنت تحتاج إلى شيء.
- شكرًا. أين الشيخ؟
- خرج.
- لماذا؟!
هز حمام كتفيه الملتصقتين برقبته أنه لا يعرف.
وتفهمت أنه حقًّا سؤال غريب حين أوجهه إلى محمد نور.
فكرت في الاتصال به. كيف يتركني هنا وهو لم يحدثني جملتين وينزل؟! أخرجت هاتفي الصغير، فوجدت الساعة السابعة ودقيقتين. عليَّ أن أبدأ في التحرك وإلا سيتأخر الوقت. لكن أين هو؟ كيف أغادر وهو ليس هنا؟ ربما هو في مشوار قريب وسيأتي حالًا. ثم دخلت صفاء ومعها شاب، قصير القامة، قمحي البشرة، له شارب كثيف الشعر، وشعر رأسه لامع وثابت. جعلتْه يُسلِّم عليَّ.
- أمل ابن الشيخ عامر.
ثم توجهت إليَّ:
- مصطفى مثل ابننا.
وبدا لي مصطفى أكثر الأشخاص ضجرًا في العالم، ولا يحفل بالتعرف إلى أي أحد. وسلَّم عليَّ ببرود ودون أن يحرك شفتيه حتى.
زادت صفاء في معلوماتها، كما لو أن هذا سيجعلنا أعز صديقين!
- هو الأخ الأصغر لزوج عمتي رشا.
قالتها كأني أعرف عمن تتحدث.
- أنت تعرف رشا طبعًا!
لكني لا أعرف عمن تتحدث هذه المرأة. وأجبتها بأدب نافيًا معرفتي بعمتها رشا.
تفاجأت صفاء من جهلي برشا، وعدَّته عيبًا من جهة أمي.
- كيف لم تُعرِّفكم إلى رشا؟ إنها تسكن قربكم!
ثم، موجهة كلامها إلى مصطفى:
- أيصح يا مصطفى؟
وأصدر مصطفى ضحكة فاترة لا معنى لها. وعقدت ملامحنا لا اكتراثًا مشتركًا لما تقوله صفاء بأن ابتسم أحدنا للآخر بأدب وتجاهل. ولما انتهت صفاء، جلسنا.
تولى محمد نور الحديث باسم مصطفى متظاهرًا بالجدية:
- دعني أُعرِّفك بقريبي مصطفى، أفشل واحد في لعب البلايستيشن!
ضحكتُ، واستغل مصطفى خروج صفاء ولكم حمام في ذراعه اللحيمة، ونصحه أن يحترم نفسه. ضحك محمد وهو يتوجع من ضربه، وقال لي:
- هو يفعل هذا لأنني أهزمه كل مرة!
فزاد مصطفى من لكمه، وتحداه أمامي أن يلعبا معًا، ولو أدخل فيه هدفًا واحدًا فسيعتزل اللعب! استجاب محمد، بعد لكمة أخرى، لهذا التحدي، على أن أكون شاهدًا. أخبرتهما برغبتي في اللعب معهما، وليس فقط الحضور والشهادة، لكن الوقت تأخر وعليَّ الذهاب. قال مصطفى:
- الليل طويل!
علَّق محمد وهو يشير إليه:
- هذا ضائع! لا بيت له!
فكان مستحقًّا للكمة أخرى في ذراعه. توقف محمد عن الضحك، وسأل مصطفى:
- كم الساعة؟
فقلت متطوعًا:
- الثامنة إلا الثلث.
قال محمد لمصطفى:
- ألا يجب أن تكون في الشغل؟
أجاب مصطفى وهو لا يبدي اهتمامًا:
- طظ في الشغل!
ثم لكمه لكمة خفيفة وحذَّره من جديد:
- خليك في حالك!
سألته أين يعمل، فأجاب محمد عنه:
- يعمل طيارًا!
فضربه من جديد، وحذَّره للمرة المليون أن ينطق. لكن محمد نور، الذي يُضرَب ويضحك، يجيب مرة أخرى عنه، مصححًا إجابته السابقة:
- هو يعمل في المطار.
سألته مرة أخرى عن عمله في المطار مفكرًا أن أي عمل في هذا المكان له جاذبية خاصة. أخبرني أنه يعمل «نادلًا»، لكنه قرر أن يأخذ اليوم راحة. كان محمد على وشك قول شيء ما سيستحق عليه لكمة أخرى، لكن حضرت امرأة، منتقبة، صغيرة الحجم، ودخلت الغرفة دون استئذان، وهي ترحب، دون اهتمام بالبقية، بمصطفى. رفعت المرأة نقابها، وقالت لمصطفى:
- قم يا ولد وسلِّم عليَّ!
لكن مصطفى أشاح بيده، ولم يرغب في القيام، فأعادت طلبها وهي تقول:
- قم يا ولد. وحشتني!
فقام مصطفى بتململ، ووقف أمامها يمد يده إليها، فأخذته في حضنها على نحو خاطف لا يبدو أن مصطفى نفسه توقعه، ثم قبَّلت وجنتيه، وقالت:
- غور، أخذت غرضي منك!
وهي تضحك.
ثم نظرت تجاهي بارتياب صامت، أنا صاحب الوجه المندهش، الذي يشعر أنه سقط في أحد الأحلام اللعوب. توجهت المنتقبة إلى محمد الضاحك، وسألته عن أمه. دخلت أمه في اللحظة نفسها، وسلَّمت عليها، وقبَّلتها. ثم نظرت إليَّ، وقالت:
- ها هي عمتي رشا!
سألتها رشا عني:
- من هذا؟
فأجابتها صفاء:
- هذا أمل ابن الشيخ!
مدت يدها على استحياء، تُسلِّم بأطراف أصابعها المعتنى بأظفارها.
سألتني رشا:
- أتعرفني؟
ابتسمت ببلاهة وأجبت:
- لا، مع الأسف!
فقالت:
- ولا أنا!
ثم ضحكتْ، وبادلتها بابتسامة بلهاء! ضربتها صفاء على صدرها، وقالت:
- هو لا يعرف مزاحك الثقيل هذا.
ودافعت رشا عن نفسها مشيرة إليَّ:
- هو يضحك!
تعاونتُ بضحكة أوسع مع الثلاثينية العابثة التي تقف أمامي في عباءة سوداء فضفاضة، تضمها إلى جسدها في أثناء الكلام، فتشف عن جسد رقيق مقسم بعناية، لامرأة تحب الاعتناء بنفسها. مع أنها تداري وجهها، حاجباها مصقولان، وعيناها مكحلتان. توجهتْ إلى مصطفى، وسألته:
- معك طلبي؟
أشاح مصطفى بوجهه عنها، ووضع كفه على وجهه. فأعادت عليه السؤال، وهو لا يرد. وبدا أن وجودي أحجمها عن الإقدام على فعل خارج. بدت من اللون الغامق لشفتيها أنها مدخنة شرهة!
تركتْ الغرفة وخرجت وهي تتوعده، ثم تبعتها صفاء وهي تلوم مصطفى بعينيها.
نظرت إلى الساعة التي جاوزت الثامنة بقلق.
طلبت من محمد نور أن يخبر أمه برحيلي، فجاءتني وقالت:
- انسَ!
كانت تضحك من حديث منقطع مع رشا، كما بدا، لكنها، مع ذلك، تتحدث بتصميم. سألتها عن الشيخ، ومتى يعود، فرفعت يدها وقلبتها، ثم قالت:
- الله أعلم!
- سأذهب إذن وسأعود في يوم آخر.
- لا طبعًا! كيف تذهب الآن؟!
أخبرتها أنني سآتي، حتمًا، مرة أخرى، لكن إصرارها جعلني أتراجع. وقبل أن تتركنا، حذَّرت ابنها أن يتركني أذهب.
كنت -وللغرابة- أشعر بالراحة في هذا المكان، وسط هؤلاء الغرباء، وعزوت ذلك الإحساس إلى عدم وجودي بين عائلة منذ آخر مرة كنت فيها في بيت خالتي، في ذلك اليوم!
اقترح الولدان أن يسلياني بلعب البلايستيشن، وأن أكون حكمًا بينهما، فوافقت، وخرجت معهما. دخلنا محل بلايستيشن خلف العمارة السكنية نفسها، وهو محل يشبه، في ضيقه، الغرفة التي كنا بها. يسع المحل جهازين فقط. كل جهاز أمامه كرسيان، وترابيزة صغيرة، ودومينو مبعثرة. دخلت معهما المكان الضيق، العاج بدخان السجائر، ورائحة العرق، فخرجت فورًا وقد اشتعلت شُعَبي الهوائية، وقررت أنني سأنتظرهما في الخارج. كان الجو باردًا أمام المحل، وفي الداخل، كان خانقًا. لم أعرف أيهما أفضل، لكني سئمت الغرف الضيقة.
كرهت أني وافقتهما. لم يكترثا حقًّا لوجودي، فقد كانا مشغولين باللعب.
ينادياني من وقت لآخر، حين يحرز أحدهما هدفًا، أو يصنع لعبة جيدة.
أسلمتني برودة الهواء إلى الداخل الدافئ، وحاولت تعطيل دماغي باندماجي معهما، حتى إنني رغبت في اللعب، وظللت منتظرًا أن يشركاني في اللعب معهما. وبعد عدد كبير من المباريات، طلب مصطفى أن ألعب معه، لأنه مل من الشعور بعدم المنافسة. قام محمد عن كرسيه بصعوبة، وكان على وجهه الإحراج من أن يرفض لعبي، وظل يصوب تلك النظرات الحاقدة إلى مصطفى. هزمني مصطفى طبعًا، فقمت، وكان محمد ينتظرني بلهفة، وجلس متحفزًا، مصممًا على الفوز. استأنفا اللعب، فأدخل محمد هدفًا سريعًا، وأخذ يعيد فيه، من كل الزوايا.
سألني مصطفى بضجر عن الوقت. أجبته:
- الحادية عشرة.
كنت متفاجئًا بأن الوقت مر بهذه السرعة. أحسست أنني متأخر فعلًا، وتساءلت إذا كانوا سيسمحون لي بدخول المدينة الجامعية.
كان ضيقي المتزايد، بسبب مرور الوقت وضياعه، يباري فضولي في البقاء ومعرفة تلك القصة التي وعدني بها الشيخ. تطوع مصطفى، وأنهى تحديه مع محمد نور، الذي يقاوم بحرارة، ويتبجح بأنه سيهزمه لو أكملا. نظر لي وهو لا يزال يمسك ذراع اللعب:
- على فكرة، أنا كنت أُسخِّن فقط. هو كل مرة يحس أنه سيُغلَب يهرب!
وتبادلا السباب. تدخلت وسطهما لأوقف تصاعد هذه الشتائم بالأب والأم، وقلت:
- الوقت تأخر بالنسبة لي أنا أيضًا.
أخبرتهما أن يوصلا الشكر للست أم محمد، وأن يخبر محمد الشيخ، متى يقابله، أنني سأعود ثانية. لكن محمد أبى أن يدعني أذهب، وقال:
- ستقتلني ماما!
قلَّده مصطفى بسخافة يغيظه:
- ماما .. ماما .. ماما!
جرى محمد عليه. ضربه برجله على مؤخرته، فصدها مصطفى بيده، ولكمه في ذراعه. يتكلم مصطفى، على استحياء خمنت أنه نابع من أن هذا ليس ببيته، ولا يشعر أن من حقه دعوتي باستماتة. لكن، لأني غريب، ولأني على ما يبدو أقرب لهم، قرابة لن أستطيع فهمها ولا هو نفسه يفهمها، ولأن الوقت تأخر حقًّا، قال:
- اصعد معه وقل لها أنت هذا.
ابتسمت، وقلت:
- أنت تريد إحراجي!
أمسكني من كتفي، ولاحظت أن يده ضخمة بالنسبة لشخص في قامته القصيرة. قال:
- لا يوجد إحراج يا نجم!
ثم طلب من محمد نور أن يصحبني إلى فوق، فسأله محمد وهو يغض من صوته:
- وطنط رشا؟
أشاح مصطفى بيده، ثم قال وهو يمضي:
- دعك منها!
صعدت السلم مع محمد، الذي لا يتعب، ولا يلهث، رغم وزنه الذي يجب أن يفوق المئة وعشرين كيلو. ضرب الجرس، فلم يلقَ جوابًا. ضرب الباب كثيرًا بيده، وركله بقوة، ولم يحدث شيء. راح يبحث في جيوبه، حتى وجد المفتاح. وضعه في الباب، وفتح، وسط حيرتي الكبيرة. كنت متأخرًا عنه بضع خطوات، أنتظر تمهيده لدخولي. وسَّع عينيه، ورأيته يكظم غيظًا، ويطلق، بتسلط غريب على مثل سنه، أمرًا، وهو على الباب. دعاني للدخول، وقال بصوت مرتفع هذه المرة:
- الأستاذ أمل هنا!
دخلت غرفة المعيشة التي أدخلني فيها سابقًا. وعبر كوة يبدو أنها نشأت قسرًا لتقسم الشقة، اختفى محمد.
جلست على الأريكة المواجهة لتلك الكوة، رغبة في استكشاف أي شيء. خرج محمد بسرعة، وسمعت صوته يرتفع، لكنه يُقابَل بضحك نسائي لعوب. واصطدمت رائحة مألوفة بأنفي، ظننتها آتية من الخارج، لكن النافذة المحكمة لن تسرب تلك الرائحة القوية التي ظننتها حكرًا على الرجال.
جاء محمد، وكان التوتر باديًا عليه. قال وهو يجلس في ارتباك:
- آسف على الإزعاج!
قلت وأنا أقدم اعتذاري:
- لا، أبدًا! سأمشي الآن. بلِّغ الوالدة، والشيخ .. بابا، إذا أمكنك.
قلت، وهممت بالوقوف، فجاءت صفاء، تعترض طريقي، وكان خدَّاها مُحمرَّين، ولم تكن تلبس خمارها، فرأيت شعرها الهائش، غير المُسرَّح، تتحرر منه خصلات متعرجة على جبهتها. تقدم محمد في اضطراب، دون أن يلاحظ أنه اصطدم بجانبي وهو يمر، وقال وقد لاحظت النظرة المغيظة نفسها في عينيه وهو يفتح الباب: «ماما!» فلم تفهم من المرة الأولى، فأشار على رأسها، فضحكت المرأة، الضحكة نفسها التي ظننتها لرشا منذ قليل. قالت أمه، بعد التقاط أنفاسها من شدة الضحك:
- يا ابني، لولو مثلك بالضبط!
شعرت بأنني أغرق في كسوفي، ولا أعرف أين أذهب. لكن وجودي في هذا المكان خطأ عليَّ تداركه. قلت وأنا أهم بالخروج:
- أستأذن الآن.
فُتِح الباب، فكان الشيخ، ويبدو أنه فُوجِئ ببقائي، فقال فور دخوله:
- أنت هنا؟!
ولم تكن بصيغته المازحة التي اعتدتها وعرفتها عنه. كان يسألني، حقيقة، وهو مستغرب كيف ما زلت هنا. يسألني هذا السؤال المشروع، لكني لا أعرف حقًّا لماذا لم أغادر. أنَّبته صفاء، وأخبرته أنني لن أمشي إلا في الصباح، وأن السرير مهيأ لكلينا. نظر إليَّ ولم يتكلم، ثم نظر إليها مليًّا، وسأل سؤالًا، شعرت أنه ذو معنى لصفاء:
- رشا هنا؟
كان صوتًا يخرج من فم مغلق، كأنه لا يريد التحدث أمامي. ابتسمتْ ابتسامة واسعة، فاحمرَّ خدَّاها أكثر، حتى بدت أنها ستنفجر!
دخلت الغرفة التي سأنام فيها بجانب الشيخ. كانت الغرفة قد نُظِّفت ونُظِّمت على ما يبدو، وفُرِش السرير بملاءة زبدية اللون تشبه ملاءات جدتي. اكتشفت في الغرفة نفسها دولابًا دون أبواب، تظهر منه ملابس نسائية. كان الشيخ في الخارج يتحدث في التليفون.
لاحظت رواية «بداية ونهاية» على الكومود. جاء الشيخ ورآني أمسكها. كنت أخشى وأنا أُقلِّب صفحاتها أن يظهر لي ما يُكدِّرني. كان خوفي شديدًا من اكتشافي لأخطائه، وعثراته. فكرت، وأنا أُقلِّب الكتاب، في غدير، خطئه الأول، أو ربما أول أخطائه اكتشافًا. ربما لا أكره أخطاءه بقدر ما أكره اكتشافها، ليس للحِمل وحده، ليس للمسؤولية التي جعلني أواجهها فقط، بل لأنه خذلني بكشف المستور، خذلني أنه لم يبذل مجهودًا في إخفاء هذه المساوئ. لكني أعيد التفكير من جديد، وأقول لنفسي إنه فعل هذا باحتراف شديد، حين أخفى علينا أمر المعهد، والرجل السعودي، وكل تلك الأموال التي أخذها من الناس. ربما ما اكتشفناه ليس إلا نذرًا يسيرًا مما يخفيه حقًّا. ربما لا يعود اكتشافنا لمثل هذه الأخطاء إلى أنه لم يبذل مجهودًا لإخفائها، لكن لأن لديه الكثير جدًّا من الأخطاء، وأن ما يخفيه أكبر من أن يظل بعيدًا عن الأعين، أكبر وأكثر من أن يستطيع إخفاءه، أو حمايتنا منه. دخل عليَّ بجلبابه الذي رأيته به. لما رآني أتصفح الرواية، سألني عن رأيي فيها، فكذبت:
- لم أقرأها بعد.
وعلَّق كأنما كان يسألني ليجيب هو:
- جميلة جدًّا.
قالها وهو يبتسم.
- أثرت فيَّ جدًّا، وذكَّرتني بفصول من حياتي.
- إذا أحببتَ فسأحضر لك مجموعة من الكتب.
- سأحب.
قالها بابتسامة غامضة.
لم أرَه يومًا مولعًا بقراءة الروايات، لكنني أحببت هذا التغير. وجدتني أتساءل عن وقت تغيره، ولماذا. متى تغير فعلًا؟ لماذا لم نلاحظ؟ ربما لم أفعل أنا، لأني لم أكن أراه كثيرًا، لكن أمي؟ ثم أجيب على نفسي بأنها لم ترَه كثيرًا أيضًا.
أردت أن أكلمه في الموضوع، أن أُذكِّره برغبته في قص حكايته عليَّ. لديَّ الكثير من المعلومات المُجمَّعة من أشخاص مختلفين تُكوِّن شخصية لا أعرفها عنه.
يرن هاتفه، فيختفي بالخارج. كنت أشعر بالتعب. أرحت جسدي على السرير. لا يزال في الجو ذلك العبق الآثم. تخيلت لو أنني أحكي لأمي ما حدث اليوم. كيف ستراه؟ كيف، يا ترى، ستشعر؟ لا أظنه سيكون بعيدًا جدًّا عما أشعر أنا به: أننا لا نعرف هذا الشخص، مهما حاولنا أن نبدي دعمنا له، مهما زيَّفنا ثقتنا به، مهما أعلنَّا للجميع أنه الشخص نفسه الذي أحببناه وأحبوه. الشخص نفسه؟! واحد كهذا لا تكفيه شخصية واحدة. مثله لا يقبل بحياة واحدة. أفكر أنه يقابلني بغرابة، لأنه في فترة انتقال مربكة، لا يعرف إلى أي حياة، من تلك التي يملكها، أنتمي أنا!
تقارير ذات صلة
كيف تكونين من هنا
مقطع من «كيف تحب وطنًا» نشره أولًا «كيف تـ»، ونعيد نشره بإذن من «كيف تـ»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن