«هوليوود الشرق الجديدة».. خطة السعودية للسيطرة على صناعة الفن العربي
حصاد 5 سنوات من الترفيه في المملكة
«الرياض دلوقتي بقت مكان استراتيجي، ملتقى للنجوم في العالم كله مش بس في العالم العربي.. والله أنا عايز أعيش هنا». تصريح أثار زوبعة كبيرة من حسن الرداد في حفل جوائز joy awards في الرياض هذا العام، تعرض بسببه الممثل المصري لانتقادات حادة، وفتح الباب أمام مقارنات بين وضع مصر الحالي والسعودية في صناعة الفنون، واستمرت المقارنات والنقاشات العاطفية بعد دخول محمد صبحي على الخط، وإعلان رفضه تقديم مسرحية في السعودية لاعتراضه على شعار «الترفيه»، مما أوقعه في أزمة مع تركي آل شيخ، رئيس هيئة الترفيه، الذي رد بوصف صبحي بـ«المشخصاتي».
صوّر البعض تصريحات صبحي وأزمته مع آل شيخ، كأنها المقابل الوطني لتصريحات حسن الرداد، التي تعكس حالة الانسحاق للفنانين المصريين المتواجدين في السعودية، وغابت فرصة المناقشة الجادة لوضع صناعة الفن في مصر والسعودية، والتفكير في تأثير الانفتاح السعودي على المنطقة العربية ككل، وعلى مصر بالتحديد بوصفها «هوليوود الشرق»، لأنه في واقع الأمر لم يدعِ حسن الرداد شيئًا غير موجود، ولم يبالغ في وصف السعودية بملتقى النجوم، وكذلك لم يهاجم محمد صبحي الانفتاح السعودي ولم يعترض عليه من الأساس، حتى أنه وصف الرياض بعاصمة الفن والثقافة في الوطن العربي، وقال نصًا قبل اشتعال الأزمة: «أنا مش شايف فيه سلبيات بصراحة، أنا بقول صورة واضحة إن الرياض أصبحت، وهذا فخر لنا، عاصمة الفن والثقافة في الوطن العربي، وده ميزعلناش بالعكس». اعتراض صبحي كان حول شعار «هيئة الترفيه» لأنه يرى أنه يقدم فنًا وليس ترفيهًا، وكان اعتراضه الآخر حول جلب السعودية للفنانين المصريين لتقديم عروض بدلًا من الاعتماد على الفنانين السعوديين أنفسهم.
بعيدًا عن مناوشات صبحي والرداد وآل شيخ، فإن السيطرة السعودية على الإنتاج الفني عربيًا، أصبحت واقعًا بالأرقام والشواهد. فوجئ به معظم الجمهور المصري في حفل جوائز joy awards الأخير، بسبب تصدره مواقع التواصل بعدة لقطات مثيرة مثل حديث بوسي شلبي مع جون ترافولتا، وظهور إيمي ودنيا سمير غانم في الحفل بعد الحداد على والديهما، وسجود رامز جلال على المسرح بعد تكريم تركي آل شيخ له، وتواجد عدد كبير من نجوم مصر ولبنان وسوريا، ولكنه في النهاية يظل مجرد حفل لاستعراض الهيمنة السعودية في مجال الترفيه.

في هذا التقرير، نذهب لما وراء الحفل، ونرسم خريطة السيطرة السعودية على الفن العربي في مجالاته المختلفة: الدراما والسينما والمسرح والموسيقى، وتأثيرها تحديدًا على السوق الفني المصري. ما هو شكل المنافسة مع شركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وتأثير تواجد الفنانين المصريين لفترات طويلة في السعودية؟ وآثار استقطاب شركات الخدمات الفنية المصرية للعمل من هناك، وكيف تصبح منصة «شاهد»، بانفتاحها الرقابي النسبي، رأس حربة الانفتاح السعودي؟ وهل يصبح جهاز الرقابة في مصر و«المتحدة» بلا عمل وسط المتغيرات السريعة والضخمة في المملكة والخليج؟
«إم بي سي» vs «المتحدة»
خلال الأعوام الماضية، عانى السوق التليفزيوني والسينمائي المصري من سيطرة «المتحدة»، الآن وقد دخلت السعودية على الخط، لنتحدث في البداية عن علاقة الكيانين ببعضهما. لا يخفى على أحد الرغبة الواضحة لتركي آل شيخ، رجل الترفيه الأول عربيًا، في السيطرة على اقتصاد الفن والنجوم العرب، لدرجة أنه سعى للاستحواذ على «المتحدة» المملوكة للمخابرات العامة المصرية من قبل، ولكنه قوبل بالرفض من جهاز المخابرات خشية التوغل الكبير له في الساحة الفنية المصرية، مثلما أوضح لنا مصدر من إدارة «المتحدة» وشارك أيضًا في أعمال بالسعودية، والذي أكد أن آل شيخ يمثل مصدر إحراج لقيادات الشركة، رغم التنسيق والعلاقة الطيبة العلنية، لأنه شخصية استعراضية، لا يكتفي بالتعاون مع الوسط الفني، بل يفرض سيطرة شخصية على أفراد الوسط الفني، وأصبح شبه متحكم حتى في حساباتهم على السوشيال ميديا، بدفعهم للترويج للفعاليات وإعادة نشر تغريداته، لا أحد يستطيع رفض طلبه أو إغضابه، وامتلأت تدويناتهم برسائل الشكر والمدح له، وهو ما كانت تتمناه «المتحدة» لنفسها وليس للمسؤول السعودي.
تفاقم الوضع المحرج بسبب تفوق شبكة Mbc على قنوات «المتحدة»، والتي تتبع آل شيخ أيضًا، ويضرب المصدر المثل بمداخلات الرئيس لبرنامج «يحدث في مصر» مع المذيع شريف عامر، التي سببت غيرة وإحراج، كانا وراء الهجوم العنيف على عامر بعد استضافته لمغني مهرجان «شيماء»، من أجل إضعاف و«حرق» صورة البرنامج. الأمر نفسه تكرر بعد استضافة موسم الرياض لمطربيّ المهرجانات، حسن شاكوش وحمو بيكا، رغم منعهما من الغناء رسميًا في مصر، ويشير المصدر إلى أن «المتحدة» عاجزة عن مجاراة Mbc وآل شيخ، بسبب نفوذهما وإمكانياتهما الضخمة، لذلك تلجأ لمثل هذه الردود لحفظ ماء وجهها، كنشر صور مع محمد صبحي، والاتفاق معه على تقديم مسرحيات، كرد على أزمة آل شيخ.

يقول المصدر إنه في البداية كانت «المتحدة» ترفض تعاون نجومها مع «شاهد» وMbc، حتى أنها لا تنشر أخبار المسلسلات الخاصة بالمنصة ولا تذكر اسمها بصفتها منافسة لها. ولكن مؤخرًا لم يعد الأمر تحت سيطرة «المتحدة»، التي أصبحت غير قادرة على إرضاء كل هؤلاء الممثلين وتشغيلهم طوال العام، فهي بالكاد تستطيع إنتاج ما يقارب 15-20 مسلسلًا في العام، ولكن حاليًا الوضع اختلف، فالكل منفتح للتعاون مع السعودية بصفتها سوق صاعد مليء بالفرص، لدرجة أن أبرز رجال «المتحدة» المخرج بيتر ميمي، تعاون مع «شاهد» في مسلسل «الجسر»، وهناك أعمال لـ«المتحدة» تأخر تصويرها بسبب ارتباط ممثليها بأعمال مع «شاهد» ومسرحيات في موسم الرياض.
تواجد الفنانين في السعودية لفترات طويلة مؤخرًا، مسألة يخشى المصدر أن تتحول إلى إقامة دائمة هناك. وضرب مثلًا بعمرو أديب، النجم الأبرز في برامج «التوك شو»، الذي لا يفوّت مناسبة للترويج للانفتاح السعودي، ومقرب من آل شيخ، لدرجة أنه خرج عدة مرات ببرنامجه «الحكاية» من ستديو بالرياض بدلًا من مدينة الإنتاج الإعلامي في القاهرة، وذكر المصدر أن الإمارات تحاول منافسة السعودية في نفس الموضوع، وأعطت إقامات ذهبية لمعظم أفراد الوسط الفني، سواء ممثلون أو منتجون ومخرجون، وقدمت مزايا خاصة لهم للإقامة والعمل والاستثمار في الإمارات، وهو ما قد يؤثر بشكل أو آخر على السوق المحلي في مصر مستقبلًا.

عمرو أديب نفسه، ألمح إلى إقامات الفنانين لفترات طويلة في السعودية، وقال في دفاعه عن الانفتاح السعودي: «اسأل أنغام روحتي كام مرة؟ اسأل عمرو دياب روحت كام مرة؟ اسال كل العازفين المصريين اللي اتعملهم إقامات في المملكة السعودية لأنهم مبيلحقوش يرجعوا».
بالأرقام.. كيف بدأ الترفيه؟
أوحى محمد صبحي للجمهور من تصريحاته أن السعودية تدفع ملايين الدولارات للفنانين بدون حساب أو مقابل للترفيه، متجاهلًا التأثير الاقتصادي لخمس سنوات من الانفتاح السعودي. منذ إنشاء هيئة الترفيه في 2016، والسعودية هي الدولة الأكثر تنظيمًا للحفلات والمهرجانات والعروض المسرحية في الشرق الأوسط، تحديدًا في الحدث الأبرز «موسم الرياض»، الذي استضاف وحده أكثر من 70 حفلة غنائية و350 عرضًا مسرحيًا ضمن ما يقارب 7500 فعالية ترفيهية متنوعة بين الملاهي والفعاليات الرياضية وسباقات «الفورمولا 1» والمصارعة الحرة والجولف وغيرها، وترصد السعودية ميزانية ضخمة لاستمرار هذا النشاط المكثف والمفتوح طوال العام، وهو وضع لا يقارن في الحقيقة بالمناطق المنافسة مثل دبي والقاهرة.

في «موسم الرياض» الماضي فقط، بحسب الأرقام التي أعلن عنها تركي آل شيخ، وصل دخله المباشر وغير المباشر إلى ستة مليارات ريال، علمًا بأن التكلفة 3.1 مليار ريال. وفي 2019 وصل العائد إلى أربعة مليارات ريال، واستقطب 206 آلاف سائح. وفي مطلع عام 2022 ذكر آل شيخ أن عدد زوار الموسم وصل إلى تسعة ملايين زائر، وحقق في أول عشرة أيام من الموسم الحالي -المنطلق في أكتوبر الماضي ويمتد ستة أشهر- ما يقارب 550 مليون ريال، وتشير آخر التقديرات إلى أن الأنشطة الترفيهية في السنوات الخمس الأخيرة حققت أرباحًا تزيد عن مليار دولار وجذبت أكثر من 75 مليون زائر.
وبخلاف «موسم الرياض»، تخطط السعودية لاستثمار حوالي 64 مليار دولار في قطاع الترفيه من أجل أن تصبح الوجهة الأولى في المنطقة في ذلك المجال، وفق رؤية 2030، التي من المخطط أن تبلغ قيمة قطاع الترفيه السعودي 1.17 مليار دولار، متخذة في السنوات الخمس الأولى من رؤية 2030 خطوات سريعة وكبيرة في صناعة الترفيه.
ما تأثير هذه الأرقام على الفن المصري؟
حفلات المطربين المصريين المتكررة في السعودية وعروض الممثلين المسرحية، لا تعدو كونها نشاطًا تجاريًا جانبيًا للفنانين في الوقت الحالي، في وقت يعاني فيه معظم الفنانين من ركود في الأعمال المصرية بسبب احتكار صناعة الدراما وتراجع عدد المسلسلات والسينما وقلة الحفلات الغنائية وصعوبة تنظيمها بسبب سيطرة نقابة الموسيقيين والجهات الأمنية على التراخيص والمسارح، بدليل إحياء نجوم المهرجانات، مثل شاكوش وبيكا، عدة حفلات في الرياض، في الوقت الذي تُمنع حفلاتهم نهائيًا في مصر.

الأرقام السابقة ورغم أنها مرتبطة بشكل خاص بالفعاليات الترفيهية، إلا أنها تعطينا مؤشرًا على جدية السعودية في خطوة الإنتاج الفني، تحديدًا السينما والدراما، والتدخل في الأعمال الفنية منذ البداية. فالتأثير الأكبر للانفتاح السعودي على الفن المصري، ليس في استقطاب النجوم المصريين للمشاركة في الحفلات والترويج للفعاليات فقط، ولكن في استقطاب شركات الإنتاج المصرية وشركات الخدمات الفنية وجذب الأعمال المصرية للتصوير في السعودية، وهو ما يمثل تهديدًا كبيرًا للبنية الأساسية لصناعة الدراما والسينما في مصر. يقول المصدر نفسه من إدارة «المتحدة»، إن السعودية في الوقت الحالي تشترط على شركات الإنتاج التي تريد العمل فيها إنشاء مكاتب وفروع لها في المملكة حتى تستمر في نشاطها.
وكشف المصدر أن شركة «أروما» المصرية، التي تعد أكبر شركة في خدمات الجرافيكس والمؤثرات البصرية وخدمات ما بعد التصوير، افتتحت مكتبها في السعودية مؤخرًا، وسبقتها شركة «الصبّاح إخوان» للمنتج صادق الصبّاح، والممنوع من العمل في مصر بسبب خلافات سابقة له مع إدارة «المتحدة». افتتح المنتج اللبناني مكتب لشركته في السعودية، وأنتج عدة أعمال، وساهم في بناء ديكورات واستديوهات وعدة خدمات إنتاجية هناك، وأعلن في وقت سابق إنه سيصور مسلسلًا مصريًا كاملًا في السعودية قريبًا. من المتوقع أن ينضم إلى الشركتين عدد كبير من الشركات والمنتجين.
في نفس السياق، كانت السعودية بالفعل أصدرت قرارًا، مطلع العام الماضي، بإيقاف التعاقد مع أي شركة أو مؤسسة تجارية أجنبية لها مقر إقليمي في المنطقة خارج المملكة ابتداء من 2024، وهي خطوة رآها البعض منافسة مباشرة لدبي التي تحتضن مكاتب الشركات العالمية في المنطقة. وأعطت المملكة تراخيص لأكثر من 2500 شركة بإطلاق مشاريع ترفيهية في السعودية في السنوات الخمس الأخيرة، والتي شهدت أكبر عدد من التسجيلات التجارية في صناعة الترفيه والفنون، بزيادة قدرها 906% في 2021 مقارنة بعام 2015.
السعودية «هوليوود الشرق الجديدة»؟
يضيف المصدر أن هناك بالفعل عدة أعمال مصرية تُصور في السعودية في الوقت الحالي، ولكن فكرة انتقال الصناعة بالكامل من مصر إلى السعودية مستبعدة، رغم الاهتمام السعودي والتسهيلات المقدمة، بسبب عدم اكتمال البنية الأساسية والاستديوهات والعمال المتخصصين وارتفاع تكلفة بناء الديكورات من جديد وغيرها. ولكن مع التطور المستمر في السعودية قد يختلف الأمر، مشيرًا إلى أن في الفترة الحالية، يقتصر النشاط على إنتاج أعمال سعودية مصرية مشتركة، خاصة في السينما مثل فيلم «الكاهن» الذي عُرض مؤخرًا.
ولكن، مع الخطوات السريعة في المملكة لكي تصبح «هوليوود شرق جديدة»، بات واقع تصوير الأعمال الفنية بها أقرب من المتوقع. في العام الماضي صور تامر حسني فيلمه «مش أنا» في السعودية بجانب مصر، بالإضافة إلى تصوير عدة أفلام هوليوودية بها، مثل فيلم Desert Warrior، الذي صُور لأول مرة بالكامل في السعودية، وفيلم Cherry، وحاليًا يصور النجم الأمريكي، جيرار باتلر، أحدث أفلامه «قندهار» في السعودية. وأنشأت السعودية كيان «العلا للأفلام» لتقديم دعم للأعمال الأجنبية، وحصلت هذه الأعمال على دعم حكومي كبير بمشاركة «Mbc» في الإنتاج مثلًا، إضافة لخصم 40% من تكاليف التصوير، مع الاستعانة بأطقم محلية، وهو القرار الذي اتخذته المملكة لجذب المزيد من الأعمال.

كل ذلك، ولم تدخل مدينة «نيوم» المنافسة بعد، وهي تخطط لتصبح مدينة الإنتاج الأكبر إقليميًا في 2025، في تهديد كبير للمنافسين في الإمارات والأردن، خاصة مع التوقعات والتلميحات أن «نيوم» ستتحرر من القيود تمامًا في المملكة، مثل اتجاهها لإتاحة الكحول وإلغاء الرقابة وغيرها من الإجراءات، لتحسين صورة المملكة كواجهة سياحية جديدة.
تبدو هذه التطورات غير مؤثرة على مصر، التي لا تهدف لجذب الأعمال الأجنبية للتصوير فيها، وتفرض قيودًا صارمة ورقابة دقيقة، حتى أن الأعمال المحلية نفسها تعاني من قيود التصوير وكثرة التراخيص والتشديدات الأمنية وتلجأ إلى بيروت أحيانًا للتصوير مثل مسلسل «ملوك الجدعنة» و«لحم غزال» في موسم رمضان 2021. ولكن التأثير الأقرب إلى مصر هو دخول السعودية كساحة عرض جديدة للأفلام المصرية والأجنبية.
الجمهور السعودي يحكم
عند المقارنة عادة بين الفن المصري والسعودي، ترجح كفة السوق المصري، رغم الأزمات المادية، بسبب القاعدة الجماهيرية الكبيرة في مصر، وهي السلاح الذي تتفوق به بوجود شباك تذاكر لـ100 مليون مصري، مقابل أكثر من 30 مليون سعودي فقط. ولكن هذه الميزة أصبحت مهددة هي الأخرى، بعد دخول الجمهور السعودي بقوة في شباك التذاكر، وأصبح سوق العرض السعودي، في أربع سنوات فقط، هو الأضخم في الشرق الأوسط ومنطقة غرب آسيا، سواء في حجم الإيرادات أو عدد دور العرض السينمائية أو في قيمة التذكرة.
بات من الصعب على منتجي السينما في مصر تجاهل المعادلة الجماهيرية الجديدة، بوجود سوق سعودي واعد ومتطلب جدًا. مثلًا، الفيلم المصري «وقفة رجالة» الذي جاء في المركز الخامس بقائمة إيرادات الأفلام المصرية، بما يقارب 25 مليون جنيه، احتل المركز الأول في شباك التذاكر السعودي في 2021، محققًا 15 مليون دولار، أي ما يقارب 236 مليون جنيه، وتزيّل فيلم «ماما حامل» قائمة الإيرادات في مصر بثمانية ملايين جنيه فقط، ولكنه في السعودية حقق ما يقارب 5.9 مليون دولار!
التهم شباك التذاكر السعودي السوق الإماراتي، الأضخم في المنطقة، خلال عام واحد، ووصل حجم إيراداته في 2021 ما يقارب 238 مليون دولار، في حين حقق شباك التذاكر الإماراتي 130 مليون دولار، وطُرح في السينمات السعودية 340 فيلمًا جديدًا في 2021، على 430 شاشة عرض. وتسعى المملكة للوصول إلى 2600 شاشة عرض في 2030 للتفوق على الإمارات التي تمتلك 614 دار عرض، في حين تشير آخر التقديرات إلى تراجع عدد شاشات العرض في مصر من 736 إلى 320 شاشة في 2019! فلماذا لن يفكر المنتج المصري في السوق السعودي مباشرة متجاوزًا الجمهور المصري؟
دخلت السعودية عالم المهرجانات السينمائية العام الماضي بالدورة الأولى من مهرجان البحر الأحمر السينمائي، الذي ينافس وحيدًا في الخليج بعد اختفاء مهرجان دبي ومهرجان أبو ظبي، ومسلح بإمكانيات ضخمة. ولكن حتى الآن تفتقر الفعاليات والأنشطة السينمائية والفنية السعودية للتفاعل الجماهيري، خاصة الأعمال التي لا تتبع هيئة الترفيه وتركي آل شيخ، مثل مهرجان البحر الأحمر التابع لوزارة الثقافة السعودية، فلم يستطع المهرجان في دورته الأولى التفوق إعلاميًا على منافسه على الضفة الأخرى من البحر «الجونة السينمائي» أو مهرجان القاهرة الدولي المقام في نفس الفترة، رغم استقطاب نجوم تجاريين بالمهرجان مثل ياسمين صبري وهند صبري وغيرهما.
صناعة الموسيقى: سيطرة سعودية مستمرة
على عكس صناعة السينما والدراما في السعودية التي ما زالت في بداياتها، فإن صناعة الموسيقى واستثماراتها في المملكة أكثر قدمًا، فهي صناعة مستقرة وواعدة منذ التسعينيات بصعود شركة روتانا للصوتيات والمرئيات في العالم العربي، واحتكارها معظم نجوم الغناء العرب. ولكن بعد الانفتاح في 2016، اتخذت الصناعة أشكالًا واهتمامات أخرى، فبجانب استمرار «روتانا» في السيطرة على الإنتاج وسوق تنظيم الحفلات في السعودية والكويت وبعض دول الخليج، شجعت هيئة الترفيه عدة شركات جديدة لدخول سوق تنظيم الحفلات مثل شركة «بنش مارك»، والتي أصبحت منافسة لشركة «روتانا» في ذلك الاختصاص، إضافة إلى أنها دخلت مجال الإنتاج السينمائي مؤخرًا مثلما فعلت روتانا قديمًا، وساهمت في إنتاج فيلم «الكاهن» العام الماضي.
الاهتمام الأكبر في صناعة الموسيقى، هو الحفاظ على المملكة بصفتها سوق حفلات موسيقية مفتوح طوال العام، وهو ما يظهر في «موسم» الرياض وجدة والعلا وغيرها من المناطق السعودية، التي يتبادل فيها المطربون بمختلف أنواعهم وجنسياتهم الغناء على مسارحها طوال العام، بدايةً من جاستين بيبر، ودي جي ديفيد جيتا، إلى عمرو دياب، وصولًا إلى حمو بيكا ونجوم المهرجانات، حتى أنها وصلت أخيرًا إلى موسيقى الأندرجراوند أو الفرق المستقلة، بتنظيمها لمهرجان «وصلة للموسيقى البديلة»، الذي كان يعقد في دبي، ويستضيف في 2022 عددًا من الفنانين المستقلين مثل فرقة «كايروكي» وحمزة نمرة وسعاد ماسي وغيرهم.

الشق الآخر في اهتمامات السعودية الموسيقية، الاتجاه إلى الاستثمار في منصات الاستماع الإلكترونية والتوزيع الرقمي، وعقد شراكات مع شركات الإنتاج العالمية، وبدأت باستحواذ «روتانا» على منصة «ديزر» منذ سنوات، بحجم استثمار وصل إلى 267 مليون دولار، ودخلت شريكة في منصة «هاواي ميوزك». ومؤخرًا عقدت «روتانا» صفقة مع شركة «وارنر ميوزك» الرائدة في الإنتاج الموسيقي، من أجل توسيع حضور «وارنر» في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تشهد نموًا سريعًا، ووضع المكتبة الموسيقية العريقة لـ«روتانا» في متناول جمهور متعدد الثقافات.
وتضم مكتبة «روتانا» آلاف الأعمال الموسيقية المصرية، بدايةً من حفلات أم كلثوم وأغاني الأفلام الكلاسيكية، إلى جيل عمرو دياب ومحمد رمضان، ولديها النصيب الأكبر من التراث السينمائي المصري.
وبعيدًا عن «روتانا»، أنتج الانفتاح السعودي عدة أنشطة موسيقية مثل مهرجان «مدل بيست» ومؤتمر «إكس بي للموسيقى»، الذي نتج عنه إنشاء شركة إنتاج أخرى في السعودية «فايب ميوزيك أرابي»، والتي أطلقتها شركة «سوني ميوزيك» العالمية مع منصة «أنغامي»، وبدأت بالفعل في الإنتاج لعدد من المطربين هناك.
السعودية أيضًا عندها خطة طموحة لإبراز المواهب الفنية السعودية، وسعودة مجال صناعة الترفيه، حتى أن بعض الحفلات الغنائية تشترط على المطربين تقديم ودعم مواهب سعودية بها، مثل حفل محمد حماقي الأخير، ورعايته للمطربة السعودية زينة عماد، وإقامة برامج اكتشاف مواهب سعودية خالصة مثل برنامج «صوتك أقوى» وبرنامج «بوليفارد المواهب»، وكذلك تقديم أعمال فنية بمشاركة ممثلين سعوديين. وهو ما رأينا ملمحًا منه له في حفل «joy awrds» بتكريم ممثلين ورياضيين سعوديين بصفتهم الأفضل عربيًا بتقديم وحضور نجوم مصر والعرب.
«شاهد».. السعودية تنافس «نتفليكس»
من منصات الموسيقى إلى منصات المشاهدة، التي تحتكرها السعودية أيضًا حتى الآن، من خلال رأس حربة الإعلام السعودي Mbc، التي أطلقت منصة «شاهد VIP» منذ عامين، متصدرة سباق منصات العرض الإلكترونية العربية، بما يقارب 2 مليون مشاهد عربي في نهاية موسم رمضان 2021، وبعشرات المسلسلات العربية من إنتاجها الحصري، وأنتجت العام الماضي ما يقارب 15 مسلسلًا مصريًا، وعرضت أكثر من 40 مسلسلًا في رمضان الماضي، وتستعد لعرض نفس الكمية في موسم رمضان المقبل، وتحقق «شاهد» صعودًا في حجم الإنتاج وتنوعها وتنافس بمفردها عربيًا، بعد تراجع منصة «watch it»، التابعة لـ«المتحدة»، التي اختفت تمامًا عن المنافسة في 2021، لدرجة أن أعمال «المتحدة» أصبحت تعرض على «شاهد» في الوقت نفسه أيضًا، ولا تنتج أي محتويات حصرية جديدة.
المنافس الوحيد حتى الآن لـ«شاهد» هي منصة «نتفليكس»، والتي بدأت مؤخرًا الاهتمام بالمحتوى العربي، ورغم الاختلاف النوعي الكبير في الأعمال عن «شاهد»، إلا أنها ما زالت بعيدة عن المنافسة في خريطة الإنتاج العربي، حتى في عدد المشتركين العرب، إذ يقول علي جابر، مدير شبكة Mbc، إن عدد مشتركي «نتفليكس» في المنطقة العربية يتراوح من 2 إلى 3 ملايين مشترك، وهو عدد يقارب عدد مشتركي «شاهد».
رغم منافسة «شاهد» لـ«نتفليكس»، فإن السعودية تطرق كل الأبواب، وتتعاون مع «نتفليكس» أيضًا لإنتاج أفلام سعودية. وتعاقدت المنصة مع الشركة السعودية «تلفاز 11» لإنتاج ثمانية أفلام سعودية، بعد عرض مجموعة أفلام سعودية قصيرة «ستة شبابيك من الصحراء» ومسلسل رعب سعودي «وساوس».

«mbc هي الشبكة العربية الوحيدة المجدية تجاريًا، من بين 1700 تليفزيون عربي، وهذا أكبر دليل ملموس على نجاحها.. نصل إلى 150 مليون شخص كل يوم.. فخر للسعودية ولقطاع الإعلام في السعودية وهو أكبر قطاع إعلام متطور في إفريقيا والمنطقة العربية ونصف آسيا»، يقول جابر.
هناك منصات سعودية أخرى، لكنها لا ترقى لمنافسة «شاهد» خارج المملكة حتى الآن، مثل «جوي» التابعة لشركة الاتصالات السعودية «stc».
«شاهد» والرقابة
هذا عن الأرقام والاقتصاد، ماذا عن عامل الرقابة؟
تهدف «شاهد» لإنتاج 60 مسلسلًا عربيًا في العام، ولكن الأهم من عدد المسلسلات في الوقت الحالي هو تأثير أعمال «شاهد» الأصلية على سوق الإنتاج في مصر، إذ نجحت المنصة في كسر احتكار «المتحدة» للإنتاج الدرامي، بتوفير نافذة خارجية لعشرات الممثلين والمؤلفين والمخرجين في مصر، هربًا من الاحتكار والركود وقلة الأجور، بل وتقديم أعمال ذات محتوى مختلف قد يصعب تقديمه في مصر بسبب الرقابة، رغم اعتراف «شاهد» أنها منصة محافظة وموجهة إلى مجتمع محافظ، ولكنها ليست مهووسة بالمعايير الأخلاقية المتشددة أو الدراما ذات المحتوى التنموي الوطني الهادف كما في أعمال «المتحدة».
أعمال «شاهد» الأصلية تجارية في الأساس، تتنوع بين الأكشن والكوميدي والرعب، ومؤخرًا اتجهت لتقديم محتويات اجتماعية أكثر جرأة مثل مسلسل «بيمبو» و«مملكة إبليس»، وحديثا مسلسل «منورة بأهلها»، مستعينة بمخرج لا يجد مساحة للعمل في مصر وهو يسري نصر الله. وهي أعمال تبدو أنها لن تستطيع المرور بسلام من الرقابة المصرية بسبب جرأة الألفاظ وبعض المشاهد والمحتويات، فالأهم بالنسبة لـ«شاهد» هو الابتعاد عن الخطوط الحمراء في المجتمع الخليجي أو مناقشة قضايا سياسية، أي أنها مستعدة لعرض أعمال جريئة طالما لا علاقة لها بالسعودية والخليج.

أحد المؤلفين الذين تعاونوا مع «شاهد» في عدة مسلسلات حكى لنا تجربته في العمل مع المنصة وقال: «سقف الحرية في شاهد مرتفع بشكل كبير عن الأعمال في مصر، بالطبع لديها محاذير وخطوط حمراء، ولكن مستوى الرقابة يتحرر يوميًا مقارنة بما بدأت به منذ 2020، خاصة أن بعض المسلسلات تُصور بالكامل في لبنان، لذلك لا تُعرض على الرقابة المصرية من الأساس، و'شاهد' تؤمِن أن منافسة المنصات الأجنبية لن تفلح إلا إذا قدمت موضوعات جريئة ومختلفة باستمرار، ولا يعني ذلك تقديم مشاهد جنسية مثلًا، ولكن تحرر في الموضوعات والألفاظ وجرأة مجتمعية وليست سياسية».
توقع المؤلف أن تضغط أعمال «شاهد» على الرقابة في مصر وتربكها، وتجعلها تتخلى عن محاذيرها وتدخلاتها الكثيرة في مستوى الأعمال الدرامية.
وبالفعل، أنتجت «شاهد» عدة أعمال عربية ومصرية لها في لبنان بعيدًا عن الرقابة المصرية في الفترة الأخيرة، مثل مسلسلات «الزيارة» لـ دينا الشربيني، و«عنبر 6»، و«60 دقيقة» لـ ياسمين رئيس، وستعرض Mbc أعمالًا مصرية جديدة في رمضان صُورت بالكامل في لبنان مثل مسلسلي «توبة» لـ عمرو سعد، و«بطلوع الروح» لـ منة شلبي وغيرهما.
«شاهد».. رأس حربة الانفتاح السعودي
من يُرفض مسلسله في مصر سيجد من يقبله في السعودية وفي «شاهد»، ومن ترفضه «شاهد» سيجد من يقبله في «نتفلكس»، ومن يعاني من البطالة في مصر سيجد دورًا له في الخارج، هذا هو التغير الكبير في المعادلة بسبب الانفتاح السعودي وصعود المنصات، ولكن استمرار «شاهد» كمنصة محافظة قد لا يستمر طويلًا بسبب المنافسة الشرسة، فبحسب علي جابر، فإن ما يميز «شاهد» عن «نتفليكس» مراعاتها للمشاهد العربي، لأنها ترى أن إنتاج أعمال جريئة مثل «المثلية الجنسية» قد يعرضها لخسارة مشاهدها، ورأى أن «نتفليكس» نفسها لن تستطيع أن تقدم هذا المحتوى عربيًا لأنها تريد النجاح التجاري.
ولكن هذه النظرية كانت قبل ثورة فيلم «أصحاب ولا أعز» على «نتفليكس»، الذي صدم الجميع في مصر والسعودية بسبب تصدره للمشهد ولقوائم الأكثر مشاهدة لفترة طويلة، وكذلك لإنتاجه بعيدًا عن السعودية ومصر وبدون رقابة منهما، وتقديم شخصية مثلي الجنس، وإقامة عرض خاص للفيلم في دبي، التي باغتت منافستها الرياض بإلغاء الرقابة في العروض السينمائية مقابل التصنيف العمري، في خطوة ضمن خطوات عدة للحفاظ على مكانتها في المنطقة، فلم يغضب أحد في الإمارات ولم تخسر «نتفليكس» مشتركيها بسبب الفيلم، إن لم تكن ازدادت شهرةً وتوسعًا في المنطقة. فهل ستدفع تلك التطورات السعودية و«شاهد» للتخلي عن الرقابة بدافع التجارة والمنافسة وتحسين صورة السعودية؟
كل ما سبق يقول إنه لا مجال لمقارنة التغيرات الضخمة في المملكة مع طموحات سوق الفن في مصر، في ظل التضييق على الشركات المنافسة التي لا تتبع الدولة، وعدم وجود أرقام واضحة لحجم الاستثمارات في الصناعات الفنية، وعدم وجود طموحات في الاعتماد على الترفيه كمصدر لجذب السياحة وشركات الإنتاج العالمية وتحويل مصر لمركز تصوير وإنتاج الأعمال الفنية في المنطقة مثل السعودية حاليًا. لكن السؤال الأهم، كيف سيكون رد فعل «المتحدة» والقيادات المسؤولة عن الفن في مصر على هذه التغيرات السعودية المتلاحقة؟
تقارير ذات صلة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
«مرحبا دولة»: رحلة البحث عن «الشرطي الموظف» في الدراما
الجانب العبثي من حياة «البوليس»
«الريس بيتفرج».. إعلام ودراما الدولة في انتظار رصاصة الرحمة
ترقب وسيناريوهات غامضة لـ«المتحدة» بعد تصريحات الرئيس
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن