تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
هل يؤثر تغيّر المناخ على الكنافة بالمانجو؟

هل يؤثر تغيّر المناخ على الكنافة بالمانجو؟

كتابة: ندى عرفات 7 دقيقة قراءة

في يوليو من كل عام، تتحوّل مزارع مدينة الإسماعيلية إلى خلية نحل من شباب ورجال تجمع مختلف أصناف محصول المانجو، في موسم قصير نسبيًا، لكنه مقدس، ينتظره المصريون وغيرهم. لكن هذا العام، ونتيجة تغيّرات المناخ وتقلبات الجو التي سبقت موسم المانجو خلال مارس وأبريل الماضيين، تحوّلت أفراح المانجو إلى عزاءات بعد أن تكبد مزارعوها خسائر فادحة تمثلت في إبادة أكثر من نصف إنتاجهم. إذ انخفض إنتاج 300 ألف مزرعة مانجو نحو 80% وامتدت آثار الخسائر إلى السوق التي شهدت نقصًا كبيرًا في المعروض من المانجو، فارتفعت أسعار مختلف أنواع هذه الفاكهة بمتوسط 40%.

في حين يتراوح متوسط إنتاج الفدان بين ستة وثمانية أطنان من المانجو في المعتاد، انخفض إنتاج مزارعها هذا العام إلى نحو طن أو طنين فقط للفدان الواحد، وفقًا لمصادر متعددة تحدثت إلى «مدى مصر»، وهو ما عزاه استشاريون زراعيون إلى تضرر ثمار المانجو من تقلبات جوية عنيفة، كان من الممكن تخفيف جزء من آثارها إذا استعد المزارعون قبلها، في ظل تقاعس وزارة الزراعة عن القيام بدورها في الإرشاد الزراعي وتوعية المزارعين.

خسائر محبي موسم المانجو لم تتوقف عند هذا الحد، لكنها قد تهدد برفع أسعار الكنافة بالمانجو التي صارت جزءًا أساسيًا من طقوس شهر رمضان، بل قد تؤدي إلى ما هو أسوأ؛ بحث الشركات عن بدائل أرخص كالموز أو الشمام، تُقدم في الكنافة الرمضانية الشهيرة، فكيف سيحدث ذلك؟

***

يعتبر الخبراء المانجو أحد الفاكهة الحساسة لدرجات الحرارة. لاكتمال عملية إنبات المانجو، درجة الحرارة المُثلى هي بين عشر درجات ليلًا، و28 نهارًا. يحدث ذلك في فبراير، بعد أن يزهر شجر المانجو زهورًا تتحول ثمارًا ثم يكتمل نموها بعد 40 يومًا وتصبح جاهزة للقطف، كما أوضح المهندس الزراعي الاستشاري، كرم سليمان لـ«مدى مصر»

لكن، هذا العام لم تكن الظروف الجوية مثالية لاحتياجات أشجار المانجو. وفقًا لمزارعي مانجو بمحافظة الإسماعيلية، اجتاحت موجة حارة مفاجئة في بداية فصل الشتاء المزارع، أعقبتها موجة أخرى في أواخر مارس، ووصلت درجات الحرارة خلال مارس وأبريل الماضيين إلى خمس درجات ليلًا، و25 درجة صباحًا.

بسبب حرارة الجو في النهار وبرودته أثناء الليل تساقطت الزهور المسؤولة عن إنتاج الثمار قبل اكتمال نموها.

سقوط المانجو - تصوير منعم سامي

أحد أصحاب المزارع في التل الكبير بطريق الإسماعيلية الصحراوي، والذي فضّل عدم ذكر اسمه، أكد لـ «مدى مصر» أن مزرعته أنتجت العام الماضي نحو 35 طنًا، فيما لم يتجاوز إنتاجها هذا العام أربعة أطنان، وهو ما قال إنه تكرر مع عدد كبير من المزارعين في منطقته، المعروفة بتركز زراعة المانجو فيها.

محدودية المحصول وارتفاع سعره دفع شركات تجميد المانجو إلى تكثيف مشترياتها من المزراع لبيعه العام المقبل بسعر أكبر، وفقًا لعلي صقر، المهندس الزراعي بشركة تصدير فاكهة، وأصحاب مزارع تحدثوا جميعًا لـ«مدى مصر»

يجمع خالد عويس المانجو ويخزنها في ثلاجات -يؤجرها من أصحابها- ثم يبيع مخزون المانجو المُجمد إلى محلات العصير والحلويات، وقد تصل مدة التجميد إلى عامين.

عامل يعبئ ما تبقى من المانجو تمهيدًا لبيعه - تصوير منعم سامي

أوضح عويس لـ«مدى مصر» أن محلات العصير تستهلك من المانجو صنف الزبدية، وتستعمل محلات الحلويات «الكيت» لأن هذا الصنف هو الأفضل في صناعة الحلويات، والذي يتوقع أن يصل سعره هذا العام إلى 25 جنيهًا بدلًا من 12 جنيهًا فقط، في نفس الوقت من العام الماضي. وفي الصعيد، وصل سعر «الكيت» إلى 18 جنيهًا هذا الموسم بينما لم يتجاوز العام الماضي عشرة جنيهات وفقًا لممدوح الأنصاري، صاحب مزرعة فاكهة بمحافظة الأقصر.

وبالنسبة لـ«الزبدية»، فقد اشترى عويس الكيلو منه العام الماضي بسعر تراوح بين 10 و12 جنيهًا، وبعد تخزينه باعه بـ16 جنيهًا. وخلال العام الجاري، تراوحت أسعار الصنف نفسه ما بين 17 إلى 21 جنيهًا فيما يتوقع أن يُباع بعد التجميد بـ25 جنيهًا.

***

الضرر الذي لحق بمزارع المانجو، ليس الأول، إذ جرت أزمة مماثلة للمانجو في 2018، وتكرر الضرر على مدار السنوات القليلة الماضية لمحاصيل أخرى مثل الزيتون والبطاطس والقمح والأرز والقطن، وفقًا لرئيس مركز معلومات تغيّر المناخ، محمد فهيم. هذه الأزمات أنذرت بتأثيرات أكثر فداحة في السنوات القادمة.

رغم العديد من التحذيرات العالمية من عواقب تغيّرات المناخ، استمرت أغلب الدول في الاعتماد على الوقود الأحفوري، ما فاقم ظاهرة الاحتباس الحراري. تجلت هذه العواقب في تقلبات جوية عنيفة، فضلًا عن فيضانات وحرائق اجتاحت دولًا عديدة خلال الأسابيع الماضية، أودت بحياة المئات وشردت الآلاف، وفقًا لتقرير حديث صادر عن الأمم المتحدة. كما ارتفعت درجة حرارة سطح الأرض بمقدار 1.1 درجة مئوية، مقارنة بمتوسط درجات الحرارة بين 1850 و1900، وهو أعلى معدل تشهده الأرض منذ 125 ألف عام.

بالرغم من فداحة هذه الخسائر، لكن أكثر القطاعات هشاشة وبالتالي تأثرًا بالتغيّرات المناخية هو القطاع الزراعي.

أشار تقرير صدر في 2018 إلى أن التغيّرات المناخية لها آثار فادحة على الزراعة، نتيجة تغيّر أنماط هطول الأمطار، وارتفاع معدلات الجفاف، وأحيانًا الفيضانات. فيما توقع تقرير للاتحاد الأوروبي انخفاض إنتاج المحاصيل الغذائية أكثر من 10% بحلول 2050 بسبب ارتفاع درجات الحرارة والإجهاد المائي فضلًا عن زيادة ملوحة مياه الري.

ضرر التغيّرات المناخية لا يتوقف عند تقلبات الجو السريعة. وفقًا للدراسات، وبعيدًا عن المانجو، تغيّرات المناخ تقلل مدة فصول الربيع والخريف والشتاء تدريجيًا، ما يخفض إنتاجية المحاصيل التي تُزرع في هذه الفصول، وفي المقابل طول فصل الصيف قد يؤدي إلى تغيير الخريطة الحقلية في مصر، وفقًا لدراسة لوزير الزراعة السابق، أيمن أبو حديد، التي كتبها خلال رئاسته لمركز البحوث الزراعية في 2010. توقعت الدراسة نقل زراعة الحبوب إلى الشمال بدلًا من الصعيد، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة في الأخير خلال فصل الشتاء، دون تحديد حدوث ذلك.

بخلاف ذلك، التغيّر المناخي يرفع مستوى ملوحة التربة نتيجة ارتفاع مستوى البحار، ما يجعل التربة غير صالحة إلا لزراعة محاصيل معينة تتحمل الملوحة العالية، وتحتاج أيضًا للري بمياه غزيرة لتخفيف هذه الملوحة، وذلك في الوقت الذي يصبح توفير المياه تهديدًا بفعل تغيير أنماط سقوط الأمطار المُعتادة، فضلًا عن الجفاف المتوقع تفاقمه بفضل أزمة سد النهضة الإثيوبي.

ووفقًا لفهيم، موجات الصقيع والحرارة أدت لظهور أجيال جديدة متحورة من الحشرات والأمراض الفطرية مقاومة للأدوية. في 2018 انتشرت حشرات مثل المن والذبابة البيضاء بسبب قصر فصل الشتاء، ما سمح بتكون أجيال متراكمة من الحشرات سببت خسائر لمحاصيل مثل البطاطس، والقطن، فيما تضرر النخل جراء انتشار «سوسة النخيل»

***

هذا الضرر الضخم الذي لحق بمحصول المانجو يصعب تجنبه، ولكن هل هناك سُبل لتقليص تلك الخسائر؟

اعتبر المهندس الزراعي الاستشاري، كرم سليمان، أن اتباع أساليب صحية أكثر في الزراعة والري والتسميد وتوعية المزارعين بمخاطر التغيّر المناخي ومتابعة نشرات الطقس قد تحقق جميعًا ذلك، ولكن مصر تعاني من ضعف في توفير شبكات الأمان للمزارعين لمواجهة تلك المخاطر.

يتجلى ذلك مثلًا في قصور آليات التحذير من المواسم الزراعية الصعبة. كان تقرير لمركز البحوث الزراعية، قد أنذر، مطلع يونيو الماضي، بتراجع كبير في الإنتاجية قد يصل إلى 85% في محافظة الإسماعيلية، التي تتركز بها زراعة المانجو، بالإضافة إلى الشرقية والسويس والبحيرة، جرّاء تغيّرات المناخ، لكن هذا التقرير لم يصل إلى نحو 13 مُزارعًا ومالكًا لمزارع مانجو بمناطق مختلفة تحدث إليهم «مدى مصر»

تصوير منعم سامي

أحمد عسل، أحد مزارعي المانجو بمحافظة الإسماعيلية بالقنطرة، قال لـ«مدى مصر» إن الإرشاد الزراعي ليس له أي دور يُذكر في توعية المزارعين بتقلبات المناخ وكيفية الاستعداد له «محدش قالنا نعمل إيه ولا حتى كان فيه أي تعويضات على خسايرنا.»

الإرشاد الزراعي هو خدمة تقدمها وزارة الزراعة لتوعية وتثقيف الفلاحين بخصوص كل ما يخص الزراعة من خلال مهندسين زراعيين بالجمعيات التعاونية الزراعية الموجودة في كل مدينة أو قرية.

وفيما يقوم رئيس مركز معلومات تغيّر المناخ، محمد فهيم بدور توعوي لتقلبات الجو وتغيّرات المناخ وتأثيرها على الزراعة عبر فيسبوك، ويشاركها في بعض الصحف والقنوات التليفزيونية، إلا أنها لا تصل للجميع، في الوقت الذي يتقلص أثر الإرشاد الزراعي باستمرار، رغم افتتاح «مركز المرشد الزراعي» بمنطقة القنطرة شرق الإسماعيلية مطلع العام.

«الإرشاد الزراعي عامل شغل كويس مؤخرًا إعلاميًا لكن مش على الأرض، رغم إنهم لو عملوا شغلهم ده كان ممكن يقلص خسائر المزارعين» بحسب المهندسة بالمعمل المركزي لتغير المناخ، آلاء خيري*.

ما يؤجج الأزمة هو أن معظم المتضررين هم من أصحاب الحيازات الصغيرة، التي تتراوح بين عشرة و20 فدانًا، ويعانون، بالإضافة إلى غياب دور وزارة الزراعة الإرشادي، من عدم تمكنهم ماديًا من اتخاذ الإجراءات الاحترازية للاستعداد لتقلبات المناخ، أو توفير استشاري لمساعدتهم في اتخاذ القرارات السليمة للتعامل مع التغيّرات المفاجئة، ولا يستطيعون توفير أغطية لثمارهم في المواسم الحارة -وهي أحد الوسائل المُتخذة للحيلولة دون تلف المحصول- نظرًا لتكلفتها المرتفعة.

هذه الأزمة قابلة للتكرار في الأعوام المقبلة، ليس في مصر فقط، إثر التغيّرات المُتسارعة للمناخ، وتأثيرها القوي الذي يهدد الأمن الغذائي العالمي. وبعيدًا عن المانجو والكنافة، ضرر المناخ طال محاصيل أكثر أهمية مثل القمح، الذي أشارت تقارير إلى وجود عجز في إمداداته عالميًا هذا العام، جراء ارتفاع الحرارة وموجات الصقيع، ما قد نقلق بشأنه باعتبار مصر أكبر مستورد للقمح في العالم.

وفقًا لسليمان «المهندس الزراعي الفترة الجاية لازم يكون مهندس مناخ، مش بس مهندس زراعي»

*اسم مُستعار

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن