تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
هل طردت الحكومة طه حسين من مسكنه؟

هل طردت الحكومة طه حسين من مسكنه؟

هذا النص ضمن العدد 08# من «مُنتهى الأدب»

كتابة: معاذ محمد 9 دقيقة قراءة
تصميم مهرة شرارة

في الأعوام الأخيرة، طفا اسم طه حسين مجددًا على السطح، رغم وفاته منذ أكثر من نصف قرن. تبنّت مشاريع هيئات ثقافية ودور نشر مختلفة إعادة بعث العميد مرة أخرى، بعناوين مثل «استعادة طه حسين» أو تجديد تراثه. وما بين إنتاج طبعات جديدة لكتبه، وإتاحة نشرها إلكترونيًا، وإنتاج كتب جديدة تتأمل حياته ومشروعه بوصفه «النهضوي الأخير» و«الدكتور طه حسين»، عاد شبح العميد ليظلل شوارع القاهرة. ولكن كيف أصبح طه حسين الذي نعرفه باسم «العميد» عميدًا؟

في خريف 1927 قرر أساتذة جامعة الآداب قرارًا جريئًا بانتخابه عميدًا للكلية في الانتخابات القادمة. ما جعل القرار تاريخيًا هو احتكار السفارات الأجنبية لمناصب عمداء الكليات للأجانب، ووصول مصري لقمة كلية يمكن أن يُفهم كتحدٍ للنفوذ الأجنبي في البلاد. ولكن أساتذة الكلية يكملون الطريق للنهاية، وينتخبون طه حسين عميدًا لهم ويلقون بالنتيجة فوق مكتب وزير المعارف، علي الشمسي باشا، مثل كرة اللهب لإعتمادها. يقابل الوزير العميد الجديد في مكتبه ويصارحه بالضغوط على الحكومة والإحراج الذي يمكن يتسبب فيه تعيينه. يرد طه بأن عهد الاستقلال يجب أن يكون للمصري فيه أولوية على الأجنبي، ثم يبتسم ويخبر الوزير بأنه على الرغم من موقفه سيوفر له مخرجًا آمنًا من الأزمة بصدور قرار تعيينه كما هو، ومن ثم سيستقيل في نفس اليوم ويتم تعيين الفائز الثاني بعده، وهو أستاذ فرنسي. 

في الرابع من يناير من العام التالي 1928 صدر قرار التعيين وكما اتفق الرجلان تلته الاستقالة، ولكن طه لم يتفق مع الشمسي على خطوته بعد الاستقالة، ألا وهو تقديم طلب لنقله من كلية الآداب لأي وظيفة أخرى لما يراه أن ما حدث لا «يلائم كرامته». يزور الوزير عميد «اليوم الواحد» في منزله لمعاتبته وإقناعه بالقيام بعمل عميد الجامعة بسبب غياب العميد الفرنسي الجديد ووكيله عن مصر حتى عودة أحدهما. في الأعوام الأربعة التالية تنفجر البلاد سياسيًا، ويختمر الغضب ضد الديكتاتورية الحكومية ممثلة في حكومة محمد محمود وإسماعيل صدقي، وحل البرلمان، وزيادة النفوذ الإنجليزي في البلاد، في هذه السياقات تقترب انتخابات الكلية مرة أخرى. يعرف الأساتذة أن هناك مرشحًا انجليزيًا محتمل لمنصب العمادة فيصمموا مرة أخرى على انتخاب طه حسين وينجحون في ذلك في عام 1932، وترفع النتائج مرة أخرى لوزير المعارف، سيد أحمد باشا، وزير المعارف في حكومة صدقي ليقرر.

بحسب كتاب «ما بعد الأيام»، ففي يوم دراسي عادي، اجتمع طه حسين مع أحمد لطفي السيد، مدير جامعة فؤاد الأول -جامعة القاهرة الآن، وفجأة، دخل أحد الموظفين لإبلاغ لطفي السيد اعتماد الوزير تعيين طه أول عميد مصري لكلية الآداب، يهنئه لطفي، ويخبره بأن هنالك مندوبًا من الحكومة ينتظره بالخارج لأمر عاجل، يترجل طه ويعود صامتًا عبوس الوجه حتى نهاية الاجتماع، ثم ينصرف دون التحدث مع أحد.

في صباح اليوم التالي، يستقبل وزير المعارف سيد أحمد باشا العميد الجديد، بعد التهاني والتبريكات يبدأ الوزير في الموضوع الأهم و«بيجيبهاله على بلاطة»، ستصدر حكومة إسماعيل صدقي جريدة جديدة بميزانية مفتوحة لتكون لسان حزب «الشعب» الناشيء، وتريد الحكومة من العميد الجديد تولي رئاسة التحرير، يجيب طه بأن المرسول الذي زاره في الجامعة بالأمس أخبره بنفس العرض وقد رفضه، يرد الوزير «بشيك على بياض»:

لن نفرض عليك سياسة تحريرية، بل سيكون لك مطلق الحرية في نشر ما تريد، وكل طلباتك المادية وغيرها مُجابة.

يرفض طه حسين دون تفكير، فيرد الوزير بمهمة أخف، ماذا عن كتابة المقال الافتتاحي فقط؟

يرفض أيضًا، يحاول الوزير للمرة الأخيرة، كتابة المقال الافتتاحي دون إمضاء، يرفض طه رفضًا قاطعًا ويقول:

«لا ينبغي لعميد كلية الآداب أن يسخر نفسه للكتابة في صحافة الحكومة فيتعرض بذلك لازدراء الزملاء والطلاب جميعًا»

عاد طه حسين لعمله في كلية الآداب، وأثناء ذلك يتم تبديل وزير المعارف الذي عين وفاوض طه حسين، بوزير آخر وهو محمد حلمي عيسى باشا. وصل الوزير الجديد مكتبه وفوقه كومة من الطلبات المعلقة، من بينها ملفين يخصان كلية الآداب. الأول: طلب من مدير الجامعة المصرية بترقية عميد «الآداب» طه حسين، وعميد كلية العلوم مستر بنجهام درجة وظيفية. رفضت الحكومة الطلبين، ولكنها صرفت تعويضًا لمستر بنجهام لتعويضه عن الترقية وتجاهلت طه حسين. والثاني طلب لإنشاء قسم للآثار في كلية الآداب، والذي رُفض أيضًا. كان هذا أول «كتف» من عيسى للرد على موقف العميد الحازم. في تلك الأثناء كان رئيس الوزراء، إسماعيل صدقي، يسعى لترويض الواقع السياسي القمعي وإلباس حكمه القمعي ثوبًا دستوريًا وهميًا، صورة تظهر فيها مصر بمظاهر الحكم الدستوري، دستورًا وبرلمانًا، وكان دخول الجامعة المصرية لدعم دائرة البروباجندا مهمًا للغاية. يبدأ عيسى باشا مهمته في ترويض الجامعة بالإتصال بمديرها وطلب تنظيم احتفال ضخم يشرف عليه الملك فؤاد الأول، ستمنح الجامعة الدكتوراه الفخرية لبعض الأجانب ومصريين موالين للحكومة منهم عيسى نفسه صاحب الاتصال، ورئيسي مجلسي الشيوخ والنواب، وبعض الوزراء. يرد لطفي السيد بأن القانون يجبره على عرض الموضوع على مجالس الكليات ليقرروا، يرد الوزير بأن عليه التعجل لأن الاحتفال يجب أن يتم بحلول آخر فبراير.

يرفض طه حسين الطلب، ويدعي أن مجلس الجامعة هو الوحيد الذي يمتلك حق منح الدكتوراة الفخرية وليس الوزير، ويقول:

«تريد الحكومة منح درجات دكتوراه فخرية لبعض أنصارها، وكذلك لأشخاص من الأجانب لا نعرف حتى أسماءهم، وتريد أن تمنح الدرجات لهؤلاء الأجانب دون أن يحضروا بأنفسهم لتسلّم درجاتهم، فإن الملك سيزور الجامعة ويشهد منح درجات الدكتوراه الفخرية المطلوبة بعد أيام قليلة، يوم سبع وعشرين من فبراير، عندما قررت جامعة باريس منح درجة الدكتوراه الفخرية للرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، وهو رئيس أكبر دولة منتصرة في الحرب العالمية، أصرت جامعة باريس على حضور ويلسون بنفسه ليتسلم الدرجة الفخرية، وحضر رئيس الولايات المتحدة فعلًا من بلاده، وكان سعيدًا بحضوره، لماذا نقلل نحن من أمر جامعتنا وأمر بلادنا؟ وكيف نوزع شهادات دكتوراة حسب الجنسية؟»

لتهدئة الأجواء، يطلب مدير الجامعة من عمداء الكليات ومن ضمنهم طه الذهاب لمقابلة الوزير ومناقشة عدوله عن هذا الطلب، ويدور بين طه حسين عميد كلية الآداب، وحلمي عيسى وزير المعارف هذا الحوار:

حلمي عيسى: بإعتبارك عميداً لكلية الآداب، نريد منك أن تقدم اقتراحًا للجامعة بمنح الدكتوراه الفخرية لعدد من الأعيان.
طه حسين: يا باشا. عميد كلية الآداب ليس عمدة، تصدر إليه الأوامر من الوزير. أنا لا أوافق على إعطاء الدكتوراه الفخرية لأحد لمجرد أنه من الأعيان. ولا أستطيع حتى أن أعرض الأمر على مجلس كلية الآداب. لأن المجلس لن يوافق.
يرد حلمي عيسى بغضب ولهجة أمرة: طيب.. أنت لا تسمع الكلام؟ هنشوف مين هينفذ كلامه؟

في هذه الأجواء من «العِند» يُعرض الأمر على مجالس الكليات لتحديد الرأي النهائي، ترفض كلية الآداب بقيادة العميد وتقرر عدم ترشيح أحد لنيل الدكتوراه ويتسبب هذا في إحراج الوزير حلمي عيسى الذي تحجج أمام الملك بأن أعطال في عمل البريد هي التي منعت «المختار» من الحضور وليس عدم ترشيحه من الأساس. سيذكر المندوب السامي «سير بيرسي لورين» هذا الموقف في تقرير لحكومته وسيحمل طه حسين المسؤولية عن هذا الإحراج. لم ترفض كلية الآداب إقامة الاحتفال وحدها، بل شاركتها كلية العلوم بقيادة مستر بنجهام، بينما قبلت كلية الطب، وكلية الحقوق لتتصاعد الأزمة. يقرر رفض التصديق على لائحة جديدة للجامعة اشترك طه حسين في إعدادها، وتقيم الحكومة الاحتفال في موعده بقوتها السياسية. يحفز هذا الإصرار الطلبة للعناد مع السلطة. يحكي طه حسين عن يوم زيارة الملك فؤاد بأن مدرسين الجامعة سألوه، هل نلقي محاضرات خاصة بمناسبة الزيارة الملكية؟ ليرد بالنفي، كل شيء كما هو. يصل الملك قاعة المحاضرات ويجد الطلاب يستمعون لمحاضرة عن الحكم الدستوري فيستفزه ذلك، ثم يلاحظ الملك أن الهتاف والتصفيق له لم يكونا بالحماس المأمول، بل يبدأ الطلبة في الهتاف للجامعة وأساتذتها، لم يكن طه حسين ساذجًا ليتوقع أن الأمر سيمر بسلام وكما توقع حدث، بعد أربعة أيام من الاحتفالية يأتي «الكتف» الثاني من حكومة صدقي عن طريق خبر مقتضب منشور في جريدة «المقطم» بنقل طه حسين من عمادة كلية الآداب إلى وزارة المعارف العمومية في وظيفة «مساعد مراقبة التعليم الأولي»، ليبدأ فصل جديد من «المطحنة».

ردًا على نقل عميدهم تنفجر كلية الآداب بالمظاهرات وتلحقها بقية الكليات، ثم يقرر الطلاب الإضراب عن الدراسة، وترد الحكومة بإغلاق الجامعة. يحاول الوزير عيسى الدفاع عن نفسه أمام الرأي العام فيوعز لأحد نواب الموالاة في مجلس النواب بتقديم استجواب له لسؤاله عن تهاونه مع طه حسين، وتحدد جلسة 7 مارس 1932 لمناقشة الاستجواب. قبل نقل الأمور لمجلس النواب، تقرر الحكومة رمي «آخر كروتها»، يرسل عيسى العرض الأخير للعميد والسخي جدًا؛ قبول قرار النقل من الكلية للوزارة واستلام وظيفته الجديدة، مقابل اختيار طه لأي وظيفة يرغب بها في الوزارة، وتعطيل تعيين عميد لكلية الآداب تمهيدًا لعودته بعد مرور بعض الوقت، وأن يُصرف له بدل مادي «بدل عمادة» في الفترة التي يقضيها في وظيفته الجديدة، وأن يطبع له ما شاء من الكتب، وأخيرًا سيمرر الوزير لائحة الجامعة المرفوضة. إن وافق طه حسين سيقف الوزير في الاستجواب ليهاجم النائب ويدافع عن العميد وقيمته الثقافية والعلمية، يرفض طه حسين ويعلل موقفه بأنه لن يعطي عيسى شرعية نقل ومعاقبة أساتذة الجامعة كلما أراد، لينتقل الصراع لحلبة مجلس النواب الذي يلتقط الخيط ويكمل الهجوم على العميد ويتشعب الأمر للتشكيك في دينه. 

صباح يوم الأربعاء 20 من مارس عام 1932 يأتي «الكتف الثالث والأغشم» للعميد عندما خرج إسماعيل صدقي رئيس الوزراء إلى مندوبي الصحف بعد اجتماع وزاري وأذاع عليهم البيان التالي:

 «قرر مجلس الوزراء فصل الأستاذ طه حسين أفندي الموظف بوزارة المعارف العمومية، من خدمة الحكومة» 

اعتبرت الحكومة طه حسين شخصًا مارقًا ومغضوب عليه، وأن التعاون معه ستعتبره السلطة تصرفًا غير ودي ضد حكومة مصر وملكها. إذا كان هذا موقف الحكومة والبرلمان من طه حسين، فما هو موقف الملك؟ وهل كان يكره طه حسين؟ سيجيب العميد بنفسه عن هذا السؤال بعد 40 عامًا في عام  في 1972.

بدأت علاقة الملك فؤاد بالعميد عند رجوع الأخير من بعثته للدراسة في فرنسا ونيل الدكتوراه، استقبل بترحاب شديد وأخبره الملك بأن يعتبره «اخوه الكبير». بعدها يذهب أحمد لطفي السيد لعرض قائمة من الأسماء للتعيين في المجمع اللغوي فيعلق الملك فؤاد: «كيف تضع كل هذه الأسماء وتنسى أهم واحد عندنا .. تنسى طه حسين؟ ضع اسمه.. أقول لك هذا وأنا أكرهه.. ولكني احترمه». وصل للعميد أيضًا أن الملك قال عنه «ما أعظم الرجل لولا أن رأسه لا يلين!». عند حلول الأزمة كان الملك ضاق ذرعًا من كتابات طه حسين المُطالبة بالحرية السياسية والحياة الدستورية، لذا سمح للحكومة بنهشه دون تدخل. وصل الأمر لإبلاغ العميد من شركة سكك حديد القاهرة الكهربائية وواحات هليوبوليس «البلجيكية» بإخلاء المسكن الذي تؤجره له الشركة في شارع المنيا بمصر الجديدة بصفته موظفًا حكوميًا. الشركة المعروفة الآن بشركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير أسسها الصناعي البلجيكي، إدوارد إمبان، رفقة آخرين وهي التي شيدت حي مصر الجديدة، ربما مررت بقصر البارون إمبان من قبل، كانت الشركة تؤجر مساكن للحكومة لإيواء موظفيها، وكان منهم العميد، تبلغه الشركة بإخلاء الشقة ولكنها تبلغه بأنها تملك عقارات أخرى مجاورة غير مخصصة لموظفي الحكومة يمكنه تأجير إحداها. يعلم الجميع قدر الصعوبة التي واجهها الطفل طه حسين حتى أصبح عميد الأدب العربي. ولكنه لم يعش حياة مليئة بالتقدير والاحتفاء المطلق، ولم تكن مسيرته مفروشة بالورود، ومن المفارقات أن مسكنه محل استهداف، بإختلاف شكل هذا المنزل. وكما لم يُترك مرتاحًا في منزله في ثلاثينيات القرن الماضي، لم يُترك مرتاحًا في نومته الأبدية في عشرينيات القرن الحالي. واضح أن «العميد» مكنش متقدر أوي يعني زي ما صفحات النوستالجيا بتقول!

اعتمدنا في كتابة هذا النص على القائمة التالية:  

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن