تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
هلال شومان: «حزن في قلبي» محاولة لتجاوز الكتابة السهلة

هلال شومان: «حزن في قلبي» محاولة لتجاوز الكتابة السهلة

عن الحرب والجنسانية والاغتراب وأشياء أخرى

كتابة: محمد عمر جنادي 23 دقيقة قراءة

تبدو آثار الحرب اللبنانية الهاجس الأقوى في أعمال الروائي اللبناني، هلال شومان، (1982). ربما تتشابه رحلة يوسف في رواية شومان الأخيرة «حزن في قلبي» (من إصدارات خان الجنوب) مع رحلة ناديا في الفيلم الوثائقي «همسات» (1980) للمخرج اللبناني، مارون بغدادي . كلاهما يعود إلى لبنان، ويحاولان التعرف على ذاتيهما، ويُعيد التنقل بين الأمكنة والدروب صياغة روحيهما.

في وثائقي بغدادي، تُتابع كاميرا المخرج اللبناني الشاعرة ناديا تويني وهي تسير بين أطلال بيروت وغيرها من المدن، بعد وقف الاقتتال الذي استمر خمس سنوات. تقول الشاعرة في البداية إن البلد صارت «آثارًا». ويرصد الفيلم رحلة الشاعرة التي تقابل خلالها فنانين ورجال أعمال ومهنيين، ورؤية كلٍ منهم حول المستقبل وإعادة إعمار لبنان.

 لكن، بينما تبحث ناديا عن ملامح للمستقبل، ويملؤها الحنين إلى ماضي ما قبل الحرب، يحاول يوسف، في وقتنا الحاضر، نبش الماضي والبحث عن ذاكرةٍ ما. الحاضر الذي يعيشه يوسف هو المستقبل الذي كانت الشاعرة ترنو إليه رفقة مارون بغدادي وكل من ظهر في الفيلم. أما حاضرهم فيمثل الأطلال التي يعود إليها هلال شومان، ويقدمها من خلال عودة بطله يوسف إلى بيروت باحثًا عن ماضيه.  

يوسف، هو أحد الأطفال الذين هُرِبوا من بيروت إلى برلين خلال الحرب الأهلية اللبنانية. يتبناه رجل لبناني مع زوجته الألمانية. يكبر الطفل ويقرر العودة إلى مسقط رأسه والبحث عن والديه «الحقيقيين». يرغب أبوه بالتبني في مرافقته، لكن السفر يتعثر بسبب مرض الأب الشديد، وتوتر العلاقة مع صديقه آزو. يسافر يوسف إلى بيروت ليحقق وصية والده بالتبني، بنثر رماد جثته في مواضع متعددة من البلد. ومن خلال التنقل بين المواضع التي حددها الأب، يعيد يوسف التعرف على والده الذي عاش معه طيلة حياته، وأيضًا يكتشف دوره في الحرب وما قبل الهجرة إلى برلين، وبذلك تصير رحلة نثر الرماد وسيلة يوسف في تقصي جذوره.

يقيم شومان في كندا منذ ثلاث سنوات. قبل ذلك كان يعيش في دبي منذ 2012. ويوضح أن الجيل الذي ينتمي إليه هو ما يُعرف بـ «جيل ما بعد الحرب»، حسب تعبيره. وكما في رواياته السابقة، يتناول شومان إرث الحرب، وينطلق منها إلى أسئلة قلقة حول الذاكرة والحب والاغتراب. إلا أن القراءة المتعجلة للرواية ربما تعجز عن إدراك ذكاء الرواية الثاقب ومدى تنوع ثيماتها وأفكارها.

في حواري معه، تطرق حديثنا إلى تاريخ رواية الحرب اللبنانية وتنوعها، ورؤى الكاتب حول الذاكرة والجنسانية والأسلوب، ومدى اختلاف «حزن في قلبي» عن رواياته السابقة مثل «ليمبو بيروت» و«كان غدًا». وأيضًا عن ظروف النشر وصعوباته.     

caption

عن إرث الحرب وآثارها

 بدأت المقابلة، عبر تطبيق زووم، بدعابة:

عندما سألت صديقة عن رأيها في رواية أصدرتها دار النشر التي تعمل محررة بها، لكاتب لبناني مرموق، قالت: «رواية جميلة..» ثم أضافت: «هي عن الحرب الأهلية على فكرة..». فقلت مازحًا: « طالما كاتب لبناني تبقى الرواية عن الحرب الأهلية».

 بعد أن ضحكنا، تشاركت مع هلال الانطباع الذي ربما يكون عند الكثيرين، أن الحرب الأهلية تبدو كأنها قدر الرواية اللبنانية المعاصرة، مثلما تبدو الحكاية وكأنها قدر الرواية.. أي رواية.

 يرد هلال: هذا الانطباع عن الرواية اللبنانية يوجد فيه ما هو صائب وما هو خاطئ كذلك.

والصائب في هذا الانطباع أنه بعد أن انتقلت الرواية اللبنانية عامةً من كتابات الريف والضيعة ممثلة في مارون عبود وميخائيل نعيمة وغيرهما، فإن من كتبوا بعدها الرواية اللبنانية الحديثة كانوا روائيي الحرب اللبنانية بالفعل. أنتمي إلى الجيل التالي لجيل روائيي الحرب الأهلية. وأجد هذا الجيل اللاحق أكثر تحديدًا/موضوعية مقارنةً بروائيي الحرب الأهلية الذين عاشوا الحرب يوميًا، ومعظمهم كان ملتزمًا سياسيًا. وبالتالي ظهرت الرواية اللبنانية كما نعرفها. يمكنها أن تكون كتابة «عن» الحرب، مثلما كتب إلياس خوري في فترة من مسيرته، ويمكنها أن تكون على تماس معها مثل كتابة هدى بركات أو حسن داوود، أو كما كتبت نجوى بركات عن العنف دون ذكر الحرب تحديدًا. وطبعًا لدينا مثال جبور الدويهي الذي أظنك تعرف كتابته عن الحرب.

 - كما في «شريد المنازل» مثلًا؟  

 بالضبط. هذه الرواية أسميها «رواية الحرب الأهلية». والحرب في الرواية اللبنانية قد لا تقتصر على الأحداث التي بدأت عام 1975، لكنها أيضًا القلاقل التي حدثت قبلها. يمكن مثلًا أن تقرأ عن معركة مزيارة 1957 في رواية الدويهي نفسه «مطر حزيران».

يوجد مثال، في رأيي هو مؤسس للرواية الحديثة، وأحيل إليه باستمرار، لكنه لا يحظى بالانتشار كما أنه لا يعاد نشره؛ وهو يوسف حبشي الأشقر. كتب الأشقر ثلاثية روائية: الرواية الأولى «أربعة أفراس حمر» (1964)، ثم «لا تنبت جذور في السماء» (1971)، والرواية الثالثة «الظل والصدى» (1989). ومن يحب أن يقرأ عن هذه الروايات يمكنه أن يرجع إلى رواية ربيع جابر «البيت الأخير» حيث استخدم رواية «الظل والصدى»، واستدعى شخصياتها لتكون جزءًا من روايته، مضيفًا عليها المخرج مارون بغدادي كشخصية روائية. وعلى ذكر ربيع جابر، فإنه قام بتوسعة إطار الرواية اللبنانية نحو الرواية التاريخية الشبيهة بروايات أمين معلوف، لكنها مكتوبة بالعربية كنص أصلي.

تتميز روايات شومان بتقديمها مقاربات مغايرة لما يمكن أن نسميه «إرث الحرب الأهلية»، لكن «حزن في قلبي» تبدو مشغولة بسؤال أعمق أو أكثر جدلًا.

أشرت إلى هلال بفكرة الأثر Trace وليس مجرد الإرث، أي انقضاء الشيء وبقائه محفوظًا في باقي علاماته حسب تعبير جاك دريدا. أي أن الحرب يمكنها أن تؤثر على أي فرد مهما كانت صلته بـ«لبنان» واهية، مثل «يوسف» الذي عاش معظم حياته في برلين ولا يتحدث العربية. سألته:

- يقول آزو، صديق يوسف: «إننا نُخلق مع إرث نحمله». رأيت بين سطور الرواية رؤية شعرية أو ربما ميتافيزيقية أسطورية لذلك الإرث، كمن يعزو فعل قتل معاصر إلى نوع من الخطيئة المتأصلة المتوارثة من القاتل الأول. كأن ذاكرة الحرب باتساع العالم، وأن آثارها غير قابلة للفناء. هل رغبة يوسف في معرفة ماضيه استدعت الحرب كمجرد خلفية للأحداث؟ أم يمكن القول إن ما حدث في الحرب لن يُفنى وأنها ستمس أي فرد له أصل لبناني؟

يجيب هلال: ولدت عام 1982. وبالتالي، فإنَّ معرفتي بالحرب الأهلية كانت من خلال ذاكرة طفل دون العاشرة. لذلك انطباعي عن البلد يتعلق بـ«السلم الأهلي» أو «ما بعد الحرب الأهلية» أكثر من كونه انطباعًا عن الحرب نفسها.

ومن الطبيعي أنه مهما بحث الفرد وكتب عن أشياء لا يعرفها، فإن كتابته عن ما يعرفه ستكون حتمًا مختلفة. لذلك سترى أن تناول الحرب في «كان غدًا» مختلف نوعًا ما عن روايات جيل روائيي الحرب الأهلية.

أرى أن الرواية اللبنانية حاليًا هي «رواية السلم الأهلي» أكثر منها «رواية الحرب الأهلية».  هذا السلم المصطنع، الذي ثبِّت نظاميًا بعد «انتهاء» الحرب، من دون النقاش حول كنه/ماهية البلد وطرح حلول جذرية لإدارة النزاعات الأهلية المستقبلية ومنع انفلاتها نحو حروب موضعية متكررة.

ذلك البلد صرت أعرفه، فلنقل منذ عام 91 منذ بداية وعيي، إلى الآن، أكثر من ثلاثين عامًا. لكن المعرفة والاعتياد شيء والفهم شيء آخر. للشاعر الفلسطيني محمود درويش عبارة شهيرة في كتابه «ذاكرة للنسيان» (1982): «لم نفهم لبنان، لم نفهم لبنان أبدًا، ولن نفهم لبنان، لن نفهم لبنان إلى الأبد». بالرغم من ذلك، تستمر المحاولات الدائمة لفهم لبنان، سواء ممن هم داخل البلد أو خارجه. والفهم -لا مفر-  يمر بمسار سياسي. ولذلك يختلف فهم إلياس خوري الملتزم  لـ« لبنان»، عن فهم هدى بركات التي عاشت فترة طويلة بالخارج، ويختلف فهم كليهما عن فهم ربيع جابر الذي استثمر وقته في الأرشيف.

أنا بعيد عن لبنان منذ عشر سنوات، وأزور البلد بشكل متقطع. تركت لبنان في 2012، وعشت في مدينة دبي. وأعيش الآن في كندا منذ ثلاث سنوات. وبالتالي، عندي شيء متعلق بالذاكرة في سبيله إلى التلاشي. يعني إذا أغمضتُ عيني محاولًا تخيل الطريق في لبنان من المطار إلى بيتي، أجد أن معالم الطريق يقل وضوحها مع كل محاولة.

كيف يمكن إذًا  لشخص من الخارج outsider مثل يوسف، إنسان لبناني وفي الوقت نفسه ليس كذلك، أن يفهم لبنان. وما هو منظور الأجيال التي جاءت إلى العالم بعد جيل الحرب الأهلية؟ ما انطباعها أو تجربتها عن العيش اللبناني، خاصة مع الأمور التي تحدث في لبنان مؤخرًا؟

حين بدأت في الاشتغال على هذه الثيمة في «حزن في قلبي»، كان من السهل أن أحكي بالتفصيل في أحد الفصول عن ما حدث للأب خلال الحرب اللبنانية. كانت فكرة قائمة. لكني اعتبرتها لا تلائم هذه الرواية تحديدًا، حيث ينبغي للأشياء أن تظل غائمة، لكنك قادر على الإحساس بها رغم ذلك.

لا شيء يُكتشف في لبنان. كل شيء يُجتر. من العادي أن تقدم لك التجربة اللبنانية أمراء حرب يعودون بعد خمس وعشرين عامًا إلى البلد كي يستلموا السلطة ويصيروا نوابًا ورؤساء جمهورية. لا توجد مساحة للدهشة في الموضوع  كما ترى.

والتفكير في معنى الحرب يفضي إلى التفكير حول معنى البلد. أي كيف يتعايش الشعب بجماعاته المختلفة؟ الحرب الأهلية لم تتوقف. بمعنى أن هناك تسوية قد حدثت. تسوية لا مصالحة، لأنها كانت قائمة بالأساس على تقاسم السلطة.

- طرحت فكرة مهمة للغاية، أن التحدي في الكتابة عن الحرب الأهلية يكمن في أنها مكتوبة سلفًا، وأنه لا توجد مساحة للدهشة. ربما ذلك ما يدفعك إلى أن تخلق في الحبكة رغبة في اكتشاف شيء ما.

 الحرب مكتوبة سلفًا بالفعل. لكن انتبه، كتابات الحرب تختلف من راوٍ لآخر، ورؤية الحدث نفسه تختلف من كاتب لآخر.    

- لم أقصد أنها مكتوبة «أدبيًا» بل قصدت فكرة مثل «الإعادة» التي تناولتها في روايتك «ليمبو بيروت» حيث تصبح أحداث مايو/آيار 2008 مجرد إعادة باهتة لما صار في الحرب قبل ذلك. فكرة تكرار المصير، الحقائق تعاد ولا مساحة للفعل الإنساني في مواجهتها.

caption

- هناك موقف عابر في الرواية، لكنه شديد الدلالة، متعلق بفكرة المصير المحتوم. حين تحكي الأم بالتبني ليوسف عن معارضة والدها (الألماني) الزواج من أبيه الذي يصفه بـ«المشرقي الآتي من بلد تملأ أخبار حربه الأهلية الصحف والتليفزيونات». ويضيف قائلًا: «كلهم قتلة أولاد قتلة، وما الذي سيفعله أبناء القتلة غير القتل؟». ورغم تعسفية الرؤية، وربما عنصريتها كذلك، فإن أحداث الرواية تكشف أن بها قدرًا لا يستهان به من الصحة. يبدو أن مصير الفرد في الأزمنة الصعبة مقرر سلفًا: إما قاتلًا أو مقتولًا؟

هذا سؤال مهم للغاية، لأنه لا يتعلق بسؤال رواية الحرب الأهلية اللبنانية فقط، وإنما بسؤال روايات الحرب والرواية العربية بشكل عام. إذا تابعت بيانات الجوائز العربية، من عشر سنوات إلى الآن، ستجد الحديث يتكرر عن «نبذ الحرب الأهلية»، و«انهيار المجتمعات»، إلخ.. في رأيي، لا معنى للكتابة عن حدث ما، إن لم تكن الرواية في قلب الحدث الذي تكتبه. أنا أنظر إلى الرواية كنوع من الكتابة السياسية. حتى إن قدم الكاتب روايته ككتابة غير سياسية، فإن في تقديمه هذا موقفًا سياسيًا.

بمعنى آخر، لا يوجد معنى للكتابة الروائية إذا لم تشتبك مع الحدث أو الثيمات أو الأفكار المراد تناولها. موقف الأب الألماني، والذي تتشكل كل معرفته عن لبنان من خلال الأخبار، يشبه الموقف الحالي تجاه اللاجئين السوريين. نفس الخطاب لا يتغير منذ خمسين عامًا. لا أستطيع تجميل الأشياء أو تلطيفها خشية أن تقدِّم إحدى شخصيات الرواية موقفًا عنصريًا.   

- تلك الرؤية حول المصير تقدم أيضًا أفقًا شعريًا، وذلك رغم حرص الرواية من خلال أسلوبها ولغتها على البساطة والواقعية والتحرر من المجاز. كأنها تطرح سؤالًا «فوق واقعي» يمكن للرواية وحدها أن تجيب عليه.

من السهل أن تتناول الكتابة موضوعات مثل الحرب أو الحب أو التحرر بأسلوب شعري. وفي رأيي، هناك نوعان من الشعر أو من المقاربات الشعرية في الكتابة: الشعر الذي يحاول أن يتفادى الحكي عن أشياء معينة، والشعر الذي يعطي المعنى لمثل هذه الأشياء من دون التقليل من وطأتها.

الموقف من الحرب الأهلية يختلف بحسب الأشخاص. ولكن، من سمات عصرنا اتخاذ المواقف السهلة في كل شيء. من الممكن أن أريح بالي وأن أتخذ مواقف سهلة -ولو متناقضة- حتى أشعر أنني شخص أخلاقي، فأنظر إلى نفسي بالمرآة راضيًا. الكتابة الناشطية أو الأخلاقية لا تنتج أي نقاش، لأنها كتابة لا تضايق أحدًا. 

في «حزن في قلبي»، لكل شخصية سياقها وتجربتها. منها المسيَّس ومنها غير المسيَّس. منها من انتحر لأنه لم يستوعب ما فعله خلال الحرب، ومنها من أراد جني الثمار السياسية لما بعد الحرب. وهذا المزج بين السياقات والتجارب المختلفة يخلق النقاش حول ما حدث. وصلت البلاد إلى وضعها الراهن لأننا لم نتناقش حول الحرب وما تم بعدها من تسوية. ولا معنى للكتابة إن لم تشتبك نقديًا مع الأحداث، وإن لم تحاول أن تضع نفسك محل الشخصيات المختلفة، وأن تتلبسهم وتقدم خطاباتهم. في الرواية، يقول السائق جميل ليوسف إن كل من تراه في الشارع، ممن هم في منتصف العمر، قد شارك في الحرب.

وعليه، فمن السهل إدانة الحرب شعريًا، لكن هناك أسباب موضوعية لاندلاع الحرب وأسباب موضوعية لتوقفها. 

 تمثيل الجنسانية وتجاوز سؤال القمع

- تتجاوز «حزن في قلبي» سؤال القمع المرتبط دائمًا بتقديم المثلية الجنسية في الرواية العربية. نطالع غالبًا شخصية المثلي مقموعًا أو منبوذًا في محيطه الاجتماعي كما في رواية «في غرفة العنكبوت» لمحمد عبد النبي، أو «رجل من ساتان» لصهيب أيوب. قدمت روايتك المثلية بوصفها تمثيلًا طبيعيًا للجنسانية، وكأن فعل الحب هو مقاومة في ذاته. كيف ترى هذا «التطبيع»؟ هل كإنجاز سعيت إلى تحقيقه روائيًا أم كمجرد تصوير يلائم العيش في متروبول كبير مثل برلين؟

حين أبدأ في إنجاز مشروع أفكر في الجديد الذي يمكن أن أقدمه على مستوى الأسلوب والموضوع، وما الجديد الذي ستقدمه روايتي مقارنة برواياتي السابقة وروايات الكتّاب الآخرين. لهذا استغرقتُ خمس سنوات في كتابة الرواية الأخيرة رغم صغر حجمها.

كتابة «القمع»، في رأيي، لا ينبغي أن تكون الكتابة الوحيدة عن الشخصيات الأكثر عرضة للتنكيل اليومي. هذه النقطة أيضًا شبيهة بكيفية التعامل مع موضوع «الحرب الأهلية». أعني أنَّ هناك نظامًا قمعيًا قائم بالفعل، لكنَّ الناس يخرجون من بيوتهم كل يوم، وقد يضطرون لسماع الحكايات والنكات من حولهم. 

فما الإضافة المرجوة إذا قدمنا الشخصيات المثلية كضحايا ونزعنا منهم قدرتهم على المجابهة والعيش اليومي؟ قد لا تكون مجابهة قدر كونها قدرة العيش على هامش المجتمع أو في فقاعة طبقية يرونها أكثر أمانًا. هناك من يدفَع إلى المجابهة حين تُفرض عليهم أمور بعينه أو عندما لا يمكنهم العيش على الهامش.  

أجد الاشتغال أكثر على التقنيات الدفاعية، كما في حالة أي شخصية تتعرض للتعنيف، أكثر إثارة للاهتمام. أتفادى كتابة رواية الجماعة لأنها كتابة مكبلة، رغم أنها قد تُقرأ بشكل أوسع.

تمنح برلين موضوعية ما لتصرفات الشخصيات. في برلين حرية جنسية، لكن فيها أيضًا فقاعات عربية وأوروبية محافظة وصعودًا للمد القومي كما بلدان أوروبية أخرى.

استهداف الأقليات سلطوي بالأساس. أي أن الاجتماعي يلحق بالسياسي. فمثلاً إذا خرج وزير الداخلية أو المفتي بخطاب ضد المثليين، فإنَّ الموضوع سيصير حديث الساعة وستتبنى الأغلبية هذا الخطاب.

العنف موجود دائمًا، عنف ضد الأقليات الدينية أو الجنسية أو أو. لكن عندما يتخطى العنف مراحل معينة، تستثمر السلطة في استيعابه. شيء شبيه بـ«إدارة التوحش». بمعنى، أن دول ما بعد الاستقلال قد وصلت إلى مرحلة لا تتمكن فيها من الحكم إلا بـ«تزكية» العنف والتوحش في مجتمعاتها.

إذا كنت تتابع أخبار لبنان، فهناك حملة جارفة ضد المثليين في ما يبدو نهايةً لنشاطات وحراكات التحرر الجنسي المتعارف عليها في طبقات وأمكنة محددة، وذاك بدوره يظهر مواكبًا لانهيار الصيغة اللبنانية. لم يعد هناك نظام للعيش، ولم تعد هناك أساسيات للعيش. التوحش ينفلت من عقاله. سترى أنه في الوقت الذي لا يوجد فيه الخبز، يصدر وزير الداخلية والمفتي بيانات ضد بعض الفعاليات بسبب علاقتها بـ«المثلية». 

بالعودة إلى الرواية، تتحدد جودة أي كتابة روائية بمدى قدرة الشخصية على الإقناع.  كل كاتب يقدم خطابه، لكن هناك حدًا إذا تجاوزته تصير رواية الكاتب نفسه؛ تخضع شخصياته لخطابه. يجب أن يمهد الكاتب السياق للشخصية ويمنحها القدرة على التحرك.

وهنا يأتي سؤال اللغة العربية. كيف يمكن أن تكتب مثل هذه الرواية دون أن تكبلك اللغة؟ «تكبلك» وفق المعنى الشعري المجازي أو حتى المعنى الرقابي. إذ من السهل الانزلاق إلى أسطرة المشهد الجنسي في الكتابة. لكن إذا اتبعنا ذلك الأسلوب، فإنَّ الناتج الأدبي، مع شخصيات «حزن في قلبي» والوضع اللبناني، سيكون مثيرًا للضحك. أيضًا، تخيَّل الرواية مكتوبة دون المشاهد الجنسية. ستكون مجرد رواية أخرى عن الحرب الأهلية، ولن تشبه تلك الشخصية (يوسف) في برلين، أو في المجتمعات الصغيرة التي تعرَّف عليها في بيروت.

في الوقت نفسه، من المهم أن لا تسيطر عليك جدلية الموضوعات التي تتناولها. يجب أن تأخذ مسافة منها، وتحاول أن تصل إلى كتابة تُشعر من يقرأها أنها طبيعية.

كان الهدف من تجاوز فكرة تكسير التابو أن تكون الكتابة جديدة. لا أعرف إلى أي درجة نجحت أو فشلت في هدفي.   

اكتشاف الجسد والإيروسية والاغتراب

 يؤكد يوسف على رغبته في اكتشاف جسده وإعادة التعرف عليه. يقول عن علاقته بآزو: «تغير جسمانا منذ تعرفنا أحدنا على الآخر.. عرفت جسمي بعينه، وبدأت أعرف جسمه بدوره».

ومن خلال الحس الإيروتيكي في السرد، تظهر «الصفة الإيروسية للجمال» بتعبير هربرت ماركوز، فالنص يتكلم اللغة المتحررة التي تنتصر لمبدأ اللذة. فالعمل الفني ذكرى لحظة المتعة رغم حرصه المستمر على الواقعية والموضوعية.

يقول شومان إنه تفاجأ من امتلاكه «العدة اللغوية» اللازمة لكتابة المشاهد الجنسية. ويظهر ذكاء شومان روائيًا في ابتعاده عن عقد المقارنات بين الواقع البرليني والبيروتي، أو الأوروبي والعربي بصفة عامة، عدا بعض المواقف المكتوبة بعناية.  يحيل هلال في تعقيبه عن قيمة الذكاء في الكتابة الروائية إلى كتاب «الروائي الساذج والحساس» للروائي التركي الحاصل على نوبل  أورهان باموق. «كيف تكتب كتابة مقروءة وجديدة، ذكية لكنها ليست متعالية، هناك تأرجح دائم في الكتابة بين السذاجة والحساسية».

caption

- لا تقتصر الإيروسية على إثارة الأسئلة السابقة فقط. في رأييّ كان السؤال الأهم  متعلقًا بما يمكن أن تكشفه من جوانب الشخصية الرئيسية. يقول الفيلسوف والكاتب الفرنسي، جورج باطاي، إن غاية الإيروسية أو النشاط الجنسي الإيروتيكي «إدراك الكينونة في عمقها إلى درجة الإحساس بانقباض القلب». وفق هذا التصور، فمن المفترض أن تكون محاولة يوسف إعادة تملك جسده كافية للتغلب على الشعور بالاغتراب. لكنها لم تكن كذلك في الرواية، مما دفعه إلى البحث عن جذوره في الماضي. لطالما تصورنا في مجتمعاتنا العربية أن تحرير الجسد هو الخطوة الأهم لمقاومة الاغتراب. أتساءل: ما منبع هذا الشعور عند يوسف وما حدوده؟ وهل التحرر وحده لا يكفي للتخلص منه؟    

الجنس أحد مكونات الشعور بالاغتراب، وأعتقد أن هناك أكثر من مُكون لهذا الشعور. تختلف التجارب من موقع لآخر. ومع شخص مثل يوسف، الذي يعيش مع أب ليس أبيه وكذلك تركته أمه، قد تبدأ اهتماماته بالجنس، وباكتشاف هويته الجنسية، إلا أنه سرعان ما يتجاوز الاهتمامات السابقة نظرًا لوجوده في مدينة تقدم له كل الحريات الجنسية. والأهم في رأيي أن التعرف على الجسد يختلف من العلاقات العابرة للعلاقات العاطفية الطويلة. في العلاقات العابرة، كان يوسف يلاحظ أجسام الآخرين لكن لا يعرفها. صار امتلاك يوسف لجسده أسهل بعد دخوله في علاقة جدية مع آزو. رغم أنه يسأل نفسه دومًا عن معنى العلاقة، وعن معنى الحب نفسه. لا يتحقق امتلاك الجسد إلا من خلال تجربة معرفة جسد الآخر.

هوية يوسف بالمعنى الأعم هي ما يشغله: كيف أصبحت في مكاني الحال؟ ولماذا لا أمتلك ذاكرة؟ الجنس هو مكون واحد ضمن مكونات كثيرة للشعور بالاغتراب. وبالتالي حسم هذا المكون لا يعني بالضرورة القدرة على نفي ذلك الشعور.

واغتراب يوسف يتفاقم بخسارته لأبيه، وكونه لم يشعر بأنه أبوه إلا بعدما خسره، وبانتقاله إلى مكان لا يعرفه مثل بيروت.

- في مواجهة الإيروسية، هناك حضور كثيف للموت في صوره المختلفة: آثار، علامات، ورماد. والموت عنصر متواتر في كتاباتك. فمثلًا، تفتتح رواية «كان غدًا» باكتشاف خمسة هياكل عظمية في بئر مهجورة. وفي «حزن في قلبي»، يفقد يوسف أباه ويسير حاملًا رماده. هل أردت أن تكون الرواية بين حدين: الإيروسية، أي الحياة في قمتها، والموت؟  

لا أرى أنها كتابة «الموت» بقدر كونها كتابة «الفقد». الفقد بسبب الموت أو الغياب بشكل عام. أعتقد أن «الفقد» يشبه منطق العيش بلبنان منذ بداية التسعينيات. أن تشعر بوجود شيء لا تقدر على التقاطه، وأنك في انتظار ما لا يحدث. هناك دائمًا شعور بالغياب حتى وأنت حاضر. ويتفاقم هذا الشعور عندما يترك الفرد لبنان. كتبت وحررت رواياتي الثلاثة الأخيرة وأنا خارج البلاد. أكملت كتابة «ليمبو بيروت» في دبي بعد كتابة نصفها تقريبًا في بيروت. «كان غدًا» كُتبت وحُررت في دبي، أما «حزن في قلبي» فكتبتها في دبي وحررتها في كندا. كان الفقد حاضرًا أثناء الكتابة. وتتكرر في الروايات معانٍ مثل العودة والبقاء، الحضور والغياب، مع بعض الاختلافات.

caption

بالنسبة لعلاقة الموت بالإيروسية، هناك مشهد بالرواية يشعر فيه يوسف بانفصاله عن جسده أثناء ممارسة الجنس، ويبدأ في النظر إلى السقف. إضافة إلى الكثير من تفاصيل المشاهد التي لها علاقة بشعور يوسف أنه حاضر، أو محاولة الشعور بـ«الحضور»، في محاولة لتخفيف الشعور بالاغتراب. الصراع من أجل شعور الفرد بأنه حاضر، وأنه قادر على أن يمسك الإحساس بلحظة معينة. هي كتابة الأطلال إذا أردت، فيها تنظر الشخصيات إلى الأمور من الخارج، وبشكل بانورامي، ومحاولة معرفة مدى حضورهم من عدمه.

عن الأسلوب والاستبطان والمحاكاة السردية

يتحدث شومان عن «أزمة الكاتب» في الكتابة الأدبية العربية، أي حضوره المبالغ فيه داخل النص. لذلك يؤكد على ضرورة وعي الكاتب بالنص الذي يكتبه، والعمل على «استبعاد» المقولات والآراء المعرفية والسياسية مع بقاء دلالتها أو آثارها داخل النص.

«الكتابات العربية تهجس بصياغة الجمل الجميلة، من دون أن تكون الكتابة نفسها جميلة. نصير إزاء لغة من أجل اللغة». بالنسبة لهلال، فإن إيقاع النص هو جزء من اللغة، واللغة نفسها يجب أن تكون غير متكلفة، كما يرفض «الشطح في الكتابة الإنشائية» وفرضها على المشروع الروائي.  

يقول هلال إن أول ما كتبه في الرواية كان مقطعها الأخير. «كنت أعلم أن يوسف سيذهب إلى مكان ما، ويمسك يد أمه العمياء، ثم ستحل لحظة صمت. كنت أعرف أني سأصل في النص إلى هذه النقطة. لكن، كيف سأصل إليها؟ تلك عملية كاملة».

«بالنسبة لطريقة عملي، فإنَّ البنية تُمثل لي أهمية كبيرة». ويوضح أن تجربة القراءة تتعلق بإيقاع الرواية. والكتابة الجيدة تورط القارئ.

يعمل هلال في مجال البرمجيات والاستشارات المتعلقة بها. «أنا شخص غير متفرغ للكتابة. لذلك فإن تحديد البنية الروائية مسبقًا يساعدني على إتمام الرواية». «كل فصل من 'حزن في قلبي' أقل من خمسمائة كلمة لكن هناك تنوع بين المونولوجات والأحلام والمحادثات مع المعالج النفسي».

هلال شومان- تصوير: نادية أحمد

يبدأ يوسف في تمارين كتابية بطلب من أدريان معالجه النفسي. والرواية في معظمها عبارة عن تدوين يوسف ليومياته وأفكاره وأسئلته وهواجسه. قرب نهاية الرواية، يتيقن يوسف أنه «لا مفر من الكتابة». ويكتب يومياته في مفكرة الأب الراحل، لتتجاور «الكتابة بالألمانية قرب العربية». يصبح النص محاكاة سردية في سبيل معرفة الذات. حول هذه الفكرة، سألت هلال:

- كيف ترى العلاقة بين السرد والاستبطان، خاصة أن النص لديه قدرة فائقة على الاستبطان، أي تكوين منظور شخصي للحالة الذهنية والشعورية؟ وهل ترى في الرواية، من خلال عملها كمحاكاة للذات في العالم الاجتماعي، إمكانية أن تكون مصدرًا لمعرفة العالم وتعزيز فهم الآخر؟  

يتكرر في رواياتي حديث الشخصيات عن نفسها، وعرضها لأفكارها على القارئ. لكن الاستبطان، أو الوعي بالذات، ليس واضحًا على الدوام. إنها عملية قد ينجحون في بعض أجزائها ويخفقون في أجزاء أخرى. أعتقد أنه نمط كتابي، يتعلق بكيفية فعل ما سبق، وفي نفس الوقت بمحاولة إشعار القارئ أن الشخصيات تشبه أفكارها، وليست مفروضة منه، ما يحتم عليه تكرار شرحها. هناك ميزان دقيق بين الشرح والعرض.

يقوم جزء مهم من كتاباتي على إعطاء الشخصيات حقها كتابةً. أي أن تعطيها «المساحة/المنصة» التي تحكي من خلالها. ويتحقق ذلك في «حزن في قلبي» بأشكال سردية مختلفة، من خلال المونولوج، المحادثات مع المعالج النفسي، الحديث مع الحبيب، أو أن تقوم الشخصية نفسها بالكتابة. لكن المنحى الذاتي مضبوط وأجرب أن لا أفرط في استخدامه.  

- وعلى المستوى الشخصي، هل يمكننا الوثوق بنظرتنا الشفافة إلى العالم عندما نحاول اكتشاف ما نريده أو نشعر ونؤمن به؟ فكما تشير العديد من الدراسات في العلوم الإدراكية والنفسية: الاستبطان عرضة إلى حد كبير للخطأ المعرفي وخداع الذات؟ 

فهم العالم فكرة جدلية، قد تصل بك إلى نوع واحد من الكتابة. تتأثر الرواية، مثل أي وسيط آخر، بالزمن الذي أُنتجت فيه. فلا ينبغي أن نتعاطي مع كل رواية وكأنها كتابة تمثيلية. أي أنني إذا قرأت هذه الرواية سأفهم عن هذا موضوع أو هذه الأشياء. لذلك أميل أكثر إلى اعتبار كل رواية عالم في حد ذاته. عالم تصنعه الشخصيات. يتماس هذا العالم مع زمن كتابتها والزمن الذي تحكي عنه. إذا توصلت من خلال العالم الروائي القائم على التخييل إلى إدراك تفصيل ما، أو التفكير بطريقة مختلفة، تكون الكتابة ناجحة في ظني. لكن أحيانًا لا تبتغي الكتابة ذلك على الإطلاق.

ورغم أنني أعالج موضوعات أجدها ضرورية في السياق اللبناني، فأنا أحاول دائمًا أن توجد مساحة للتخييل بشكل أو بآخر. وأحب لمن يُقدم على قراءة رواياتي، من أجل فهم شيء عن لبنان، أن يخرج بخيبة أمل. في رأيي، الكتابة الروائية تعقيد للأشياء لا تبسيط لها. إذا أردت التبسيط بإمكانك قراءة بيان سياسي. التشويش الذي تحدثه الكتابة يجعل القارئ متورطًا. 

- ألم تتخوف من أن تنطوي الرواية تحت جناح التحليل النفسي أو أن تخضع لسطوته؟ أن تصير رحلة علاجية للبطل بدلًا من أن تكون رحلة في الذاكرة والماضي اللبناني؟

 سؤال صعب. الوعي بالذات عملية مستمرة. انتقال من سؤال لآخر ونفي للأجوبة. وهذا يعطيني التعقيد الذي أريده. الكتابة التحليلية النفسية تعزز الشك ولا تعطيك إجابة واحدة. من الممكن أن يكون الكتاب القادم خاليًا من ذلك كله. يتوقف الأمر على المشروع نفسه. هنا، ولأن الكتابة كلها عن شخص واحد، تدور الأحداث حوله، فأنت أمام حلين: إما أن تخلق راويًا آخر حتى يعطيك توازنًا ما، وإما أن تدخل إلى البعد الجواني للشخصية حتى توصل الإحساس بالمعقولية أو الطبيعية أثناء القراءة.

على ذكر التشوش، يرتبط سؤال السرد بسؤال الذاكرة. يتساءل يوسف «كيف يرتبون الأحداث في القصص بشكل خطي؟».. «وهل هكذا تعمل الذاكرة؟».. ويحاكي السرد عمل الذاكرة رغم النمو الخطي للأحداث. لكننا في النهاية نرى يوسف وهو يصرح: «وللمرة الأولى لم تعنِ لي الذكريات كثيرًا.. لقد حدثت الأشياء وانقضت» وذلك رغم اعتقاده أن مشكلته تكمن في عدم امتلاكه ذاكرة وأنه غير قادر على فهم ماضيه. بذلك، فإن لحظة الصفاء التى استخلصها يوسف توازيها قمة التشوش عند القارئ.     

هذا الرأي يصلني دائمًا. تصور أنه في رواية «كان غدًا»، والتي تتجاوز 450 صفحة، جاءتني تعليقات، ويمكنك قراءة بعضها على جودريدز، أن الرواية انتهت سريعًا. دائمًا هناك انطباع بأننا نريد أن نكتشف شيئًا ما. بالنسبة لي، انتهت الرواية عندما وصل يوسف إلى نوع من المصالحة. مصالحة مع أبيه وآزو، وأيضًا المصالحة مع ذاكرته.

يجلس يوسف مع أمه على الدكة نفسها، هي لا تقدر على رؤيته، وهو يرى ما لا يفهمه. وفي نفس الوقت، يمسكان بأيدي بعضهما.

 لا أخفيك أني أحب فكرة الـabrupt ending (أي النهاية المفاجئة أو الحادة)، لأنها تجعل القارئ يفكر في ما يقرأه أو يعيد القراءة مرة أخرى. في القراءة الأولى، يكون القارئ منغمسًا في رغبته بالاكتشاف، ويصير غير قادر على رؤية طبقات العمل وتفاصيله. وبمجرد أن يبتعد عن النص ويرجع إليه في قراءة ثانية، يكف عن تلك الرغبة، أو يتحول اكتشافه إلى مستوى آخر بعيدًا عن الحبكة ومسار القصة.

ما الصعوبات التي واجهتك في نشر «حزن في قلبي»؟ وهل كانت هناك مصوغات واضحة من دور النشر الرافضة للرواية؟

لا تخبرك كل الدور عن أسباب عدم قدرتها على نشر العمل. أعلمتني بعض دور النشر إنه لا يمكن نشر الرواية ولا يمكن حتى الحذف منها. هذا أمر جيد بالنسبة لي، فهي أيضًا طريقة في الكتابة: حسنًا إذا أردتم أن تمارسوا رقابة على النص، فأي أجزاء يمكن حذفها؟ أي حذف سيخل بباقي البناء.

وهناك ما أسميه «كربلائية دور النشر»؛ أي القول بـ«أننا متوقفون عن النشر الآن» أو الحديث عن وباء الكورونا، وهكذا. 

نظرًا للوضع الحالي، فإن شراء كتاب الآن بلبنان قد صار من الكماليات. والموضوع خطير إذا فكرنا فيه: لدينا دور نشر لبنانية تريد أن تستمر في البيع، ولديها قارئ مستهدف. لكن هذا القارئ المستهدف لم يعد موجودًا في لبنان. منذ البداية كان القراء اللبنانيون المهتمون بقراءة الروايات العربية محدودين للغاية. وبالتالي، صار نظام الإنتاج والاستهلاك قائمًا على أن يتقدم الكاتب للجوائز. ويقوم نظام النشر أيضًا على اختيار نوعية الكتب التي يمكن عرضها في معارض الرياض وجدة وأبو ظبي والشارقة. هذه الرواية لا تتماشى مع أيٍ من المتطلبات السابقة. كما أنه لم تعد هناك قوة شرائية في لبنان. لذلك صارت منظومة النشر اللبنانية في خدمة من هو أبعد من القارئ اللبناني فقط. أضف إلى كل هذا، ما تثيره الرواية من مخاوف، خاصة مع ما يحدث عندكم في مصر من أفعال الرقابة وما يتعلق بها من قضايا.  

أعتقد أن هذا الكتاب كان لا يمكن أن يُنشر إلا في مشروع يشبه «خان الجنوب». المشروع موجود في أوروبا، يخدم قارئًا محددًا للغاية، ونحاول أن يوجد، على الأقل، إلكترونيًا من أجل القارئ العربي.

كنت مهتمًا كذلك بألا يثير كتابي المتاعب لأي ناشر. فبماذا يُفيدني أن يتعرض أي ناشر للحبس من جراء نشر الرواية؟ 

- هل زرت برلين من قبل؟

نعم. زرتها ثلاث أو أربع مرات. لكن إذا لاحظت، فإن نمط الكتابة ليس وصفيًا. وقمت أيضا بتدقيق بعض التفاصيل الجغرافية مع بعض الأصدقاء المقيمين في برلين. كنت أسأل عن تلك التفاصيل حينما أرسلت المخطوطة لتقرأها مجموعة الأصدقاء.

الدرجة المناسبة من الحزن

- بالنسبة ليوسف، فإن الحزن هو منظوره للعالم، ويشكل دوافعه ورغباته وأفعاله. وأزعم أننا مثله، الجيل الذي شهد عالم ما بعد الهزيمة وعاصر الانتفاضات ووعود التغيير. لذلك أحببت العنوان وما به من عاطفية، والتي ربما كنت سأتعالى عليها فيما مضى. سؤالي الأخير، أسوةً بيوسف وأفكاره : كيف نخمد سطوة الحزن بداخلنا؟

الحزن ليس عائقًا أمام رحلة البحث والمصالحة. وأعتقد أنه من غير الطبيعي أن نمر بكل تلك الأحداث دون نمو الحزن بداخلنا. لو أصبح الحزن عائقًا أو ذا قدرة على إيقاف شؤون الحياة، فحينها تصير المشكلة، ونجد أنفسنا في موقف عدمي. الحزن في هذه الحالة مرضيٌ، ويحتاج إلى تدخل علاجي.  

يشكل الحزن رؤية الكاتب أورهان باموق للحياة في اسطنبول. وكانت رؤيته ملهمة لي. العنوان «حزن في قلبي» مستلهم من عنوان رواية باموق «غرابة في عقلي». فإذا كانت الغرابة في العقل، فإن الحزن محله القلب.

في مقطع من الرواية، حين تُغنى الأغنية الكردية، نقرأ: «[...] أثق بحزني معك / ويقيني أنَّ حزنًا مثله / لا ينمو إلا بين حبيبيْن». في رأيي، يجب أن تكون هناك درجة من الحزن بين الأشخاص حتى يقدروا على المواصلة. ومهما حاول المرء كبت الحزن، فإنه سينبعث في لحظات معينة، سواء أحب المرء ذلك أو كرهه.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن