هكذا اختفى السكر
أمام محل نصف جملة بإحدى قرى محافظة الغربية، وقفت سيدة أربعينية تسأل البائع «كيس سكر»، فأخبرها أنه نفد، فاستدركت: «مش بسأل عن سكر تموين»، فقال: «لا سكر تموين ولا غير تموين مفيش سكر خالص».
حال سيدة الغربية يتشاركه ملايين المصريين خلال الأشهر القليلة الماضية. هذا ما كشفته جولة ميدانية قام بها «مدى مصر» في أربع محافظات: الغربية، القليوبية، الجيزة، قنا، في رحلة للبحث عن السكر وأسعاره، لنكتشف نقصًا كبيرًا في سلاسل الهايبر والسوبر ماركت منها: «بيم»، «كازيون»، «أسواق العثيم»، «مترو ماركت»، «كارفور»، «خير زمان»، فيما لا تزال سلاسل «لولو ماركت» تعرض كميات للبيع بسعر 36 جنيهًا للكيلو، لكن بشرط حصول الفرد على 2 كيلوجرام فقط.
النقص نفسه ظهر في المحال التجارية الصغيرة التي يعتاد المستهلكين التردد عليها لتوفير احتياجاتهم اليومية، وإذا وُجد السكر في إحدى هذه المنافذ يكون سعره فوق 40 جنيهًا للكيلو، ويصل إلى 50 جنيهًا في بعض المحافظات مثل الغربية والقليوبية وقنا، رغم استمرار المبادرة الحكومية لتخفيض أسعار تسع سلع، بينها السكر، بين 15 و25% منذ بداية من أكتوبر الماضي.
وفي محاولة للتعامل مع الأزمة، قال وزير التموين، على المصيلحي، الجمعة الماضي، إن الوزارة طرحت السكر في بعض المنافذ والسلاسل التجارية للبيع بسعر 27 جنيهًا للكيلو.
بناء على تصريحات الوزير، سأل «مدى مصر» ثلاثة منافذ تابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية، وشركة النيل للمجمعات الاستهلاكية، التابعتين لوزارة التموين، عن السكر المُتاح بخلاف السكر التمويني. مدير أحد الفروع قال لنا إن الفرع لم يستقبل أي كميات من السكر للبيع بالأسعار الحرة، وكل الكميات التي تصل إلينا تخص البطاقات التموينية.
مدير فرع آخر، قال إن الوزارة ترسل نصف طن فقط كل أسبوع، هذه الكمية لا تستغرق أقل من ساعتين لتنفد، وأغلب المشترين يكونون من السكان المجاورين، موضحًا: «النص طن بيتنسف في أقل من ساعتين من وقت وصول عربية الشحن، الناس بتشوفها فكله بيجري يشتري علشان مفيش سكر خالص في المحلات، والتكالب دا مش علشان السعر قليل، لكن السبب الحقيقي ان السوق مفيهوش سكر والناس مش لاقيه أي كميات».
تاجر تجزئة في محافظة الغربية، قال إنه توقف عن بيع السكر منذ أواخر أكتوبر الماضي، موضحًا: «لما وصل السعر 40 جنيه ناس كتير اعترضت وقالت عليا حرامي ونصاب، والنهاردة لما وصل الكيلو لـ50 جنيه، هجيبه لمين، دا لو لقيت السكر عند تجار الجملة أصلًا».
مديرة مبيعات في إحدى شركات تعبئة وتغليف السكر، طلبت عدم ذكر اسمها، قالت لـ«مدى مصر»، إن مصنع التعبئة متوقف عن العمل لأكثر من أسبوع بسبب عدم وجود أي كميات سائبة (أجولة) لدى وكلاء المصانع، ولم تتجاوز آخر كمية اشترتها الشركة ثمانية أطنان، مقارنة بالضعف قبل ذلك، وبسعر 40.5 ألف جنيه للطن.
وقال صاحب إحدى شركات تعبئة وتغليف السكر، لـ«مدى مصر»، إن الكميات المعروضة من قبل مصانع التكرير تقل بمرور الوقت، ولا نجد الكميات اللازمة لاحتياجات السوق، كما أن الكميات المستوردة تدخل بأسعار مرتفعة، نتيجة اعتماد المستوردين تسعير الدولار وفقًا لسعر السوق السوداء الذي زاد عن 50 جنيهًا حاليًا، وليس سعر البنك المستقر عند 30.8 جنيه في المتوسط.
وكيل أحد مصانع السكر، قال لـ«مدى مصر»، إن المصانع لم تعد تُتيح الكميات المعتادة من السكر بسبب تراجع المخزون لديها في الآونة الأخيرة، مشيرًا إلى أنه يشتري طن السكر بأسعار تتراوح بين 37 و40 ألف جنيه حاليًا، بحسب الصنف والجودة.
أسباب عديدة دفعت إلى شُح السكر خلال الأشهر القليلة الماضية، في ظل الفجوة المعتادة التي تعاني منها السوق المصرية بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، والتي قدّرت بيانات وزارة الزراعة الأمريكية أنها سترتفع فوق 930 ألف طن هذا العام، حيث يبلغ الإنتاج المحلي نحو 2.7 مليون طن سنويًا، في حين تصل احتياجات الاستهلاك إلى 3.68 مليون طن، وفق البيانات التي اطلع عليها «مدى مصر».
مصدر في وزارة التموين، قال إن الحكومة تحاول سد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك عبر الاستيراد. هذا العام، سمحت الحكومة، من خلال أكثر من طرح، باستيراد نحو 280 ألف طن من السكر الخام لتكريرها، منذ يونيو الماضي، بالإضافة إلى إعلانها التعاقد على استيراد نحو 100 ألف طن جديدة من السكر الأبيض المُكرر، لكن المصدر يقول إن الوزارة ستستورد 87 ألف طن فقط بسعر 780 دولارًا للطن، شاملة تكاليف الشحن. وأمس، أعلنت «التموين» عن مناقصة جديدة لاستيراد 50 ألف طن من السكر الخام.
وبناءً على أسعار العالمية، ستتجاوز تكلفة طن السكر المُكرر المستورد حاجز 24 ألف جنيه بقليل (وفق السعر الرسمي للدولار)، لكن لا ضمانة لوصول هذه الكميات إلى المستهلكين بأسعار الحكومة، وعدم تسربها إلى السوق السوداء، يقول مصدر من أحد شركات استيراد السكر لـ«مدى مصر».
لكن إجمالي هذه الكميات لن تعوض السوق عن العجز الحاصل بسبب ضعف الإنتاج المحلي مقابل الاحتياجات الحقيقة، خاصة مع تراجع إنتاج الموسم الأخير نفسه من القصب والبنجر.
مصدر من داخل وزارة الزراعة، قال لـ«مدى مصر» إن المحاصيل السُكرية من القصب والبنجر تعرضت لإخفاقات عدة خلال الموسم الأخير، ما تسبب في تراجع قدرة المحصولين على إنتاج السكر بنحو 20%، منها 10% فقط في محصول البنجر الذي أصيب بمرض «ريزومانيا»، بحسب المصدر.
يقول تقرير لوزارة الزراعة الأمريكية، إن «ريزومانيا» هو أحد الأمراض التي تصيب التربة ويسبب خسائر قد تصل إلى 100% من الحقول الموبوءة، وتفشى في عدد من الحقول بمصر. ورغم عدم إعلان «الزراعة» المصرية بشكل رسمي عنه، إلا أن تقرير «الزراعة الأمريكية» أكد أن العديد من الحقول أصيبت به بالفعل، خاصة في المساحات المستصلحة بالصحراء.
وقال مصدر وزارة الزراعة إن الإصابات الحشرية التي أصبحت تُصيب البنجر في العروة الأولى من الزراعة خلال يوليو وأغسطس مع ارتفاع درجات الحرارة خلال تلك الفترة، قلّصت مساحات الزراعة، وبالتزامن مع عدم إعلان الحكومة عن تحريك سعر البنجر، لم يكن يتجاوز 875 جنيهًا للطن، شاملًا علاوة الحلاوة وتبكير الإنتاج وقتها، كلها عوامل قلصت من رغبة عدد كبير من الفلاحين في زراعة المساحات المعتادة في تلك العروة.
يُزرع بنجر السكر في ثلاث عروات: الأولى، تبدأ منتصف يوليو وحتى أول سبتمبر، والثانية من أول سبتمبر وحتى أول أكتوبر، والثالثة من أول أكتوبر وحتى 15 نوفمبر، ويبدأ موسم الحصاد في منتصف فبراير وحتى نهاية مايو التالي له.
أغلب الفلاحين أصبحوا يفضلون الزراعة بداية من منتصف العروة الثانية والثالثة بالكامل، تحديدًا في الفترة التي تبدأ درجات الحرارة في الانخفاض، ما يساعدهم على حصاد إنتاجية أعلى وأجود، ما يمكنهم من الحصول على أعلى علاوة ممكنة لارتفاع نسب السكر، يقول المصدر.
في العروة الثانية والثالثة، اتسعت المساحات ليزيد الإنتاج منها بصورة لم تستطع مصانع السكر استيعابها بالكامل، وهو ما دفع المصانع لتأجيل بعض عمليات التصنيع، والتي امتدت إلى العروة الثالثة أيضًا، ما أفقد الإنتاج نحو 10% من نسبة السكر المعتادة به. وفي الطبيعي تصل نسبة السكر إلى 16% في رأس البنجر الواحدة، حيث وصل الأمر إلى ارتفاع كمية البنجر اللازم لصناعة طن سكر من ثمانية إلى 15 طن.
أيضًا، يوجد تراجع إضافي في إنتاجية قصب السكر بعد انخفاض المساحات المنزرعة هذا الموسم إلى أقل من 315 ألف فدان مقابل نحو 336 ألف فدان في الموسم السابق له.
بالإضافة إلى ذلك، يفقد المحصولان خلال عمليات الحصاد والنقل إلى المصانع نحو 7.4% أو (2.2 مليون طن) من إجمالي الإنتاج المقدر بـ30 مليون طن، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. هذه الكمية تكفي لتغطية ما يزيد على 20% من الفجوة السنوية، بما يصل إلى 200 ألف طن سكر أبيض، وفق تقديرات المصدر من وزارة الزراعة.
مصدر آخر في واحدة من أبرز شركات إنتاج السكر، أشار إلى أن وزارة التموين اجتمعت مباشرةً مع المصانع عقب انطلاق «مبادرة السلع» التي بدأت أكتوبر الماضي، وطلبت منهم بيع كميات من السكر بسعر 24 ألف جنيه للطن من خلال بورصة السلع، بدلًا من 24.3 ألف جنيه، وبواقع نحو 250 طنًا لكل شركة، على أن يصل الكيلو إلى المستهلكين بسعر 27 جنيهًا، وهو ما حدث بالفعل.
المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه، قال: «رغم أن المصانع التزمت في البداية بمطالب وزارة التموين، لقينا [سعر] السكر لسه بيزيد في السوق، وبالتالي تراجعت المصانع عن الاتفاق غير المعلن، وحاليًا وصل السعر من أرض المصنع لحوالي 39 ألف جنيه للطن الواحد، وبيوصل للسوق التجاري حتى 42 ألف جنيه للطن».
وأوضح: «خلال أول أسبوعين من عمل مبادرة تخفيض أسعار السلع، تهاوت الأسعار المحلية للسكر بنحو 11 ألف جنيه في الطن بأسواق الجملة، نزولًا إلى 24 ألف جنيه، بدعم من ارتفاع نسبي في المعروض من خلال طروحات بورصة السلع التابعة لوزارة التموين، وبدعم من دخول بعض الكميات المستوردة وقتها، لكن الأسعار عادت للزيادة بشكل مفاجئ بعد ذلك».
المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، قال إن الحكومة ممثلة في وزارة التموين، اتخذت مجموعة خطوات خلال الأسابيع القليلة الأخيرة، لكنها لم تساعد في حل الأزمة، ولا نراها حلولًا جذرية لنقص المعروض، وكان منها، إلزام الشركات ببيان أسبوعي بالكميات المخزنة وسعر البيع للمستهلك، والأمر نفسه بالنسبة للمستوردين، وإلزامهم بتدوين أسعار البيع للمستهلكين في مكان ظاهر على العبوات، لكن أحدًا لم يلتزم.
مصدر في واحدة من أبرز شركات إنتاج السكر من القطاع الخاص، أشار إلى أن أحد أسباب أزمة السكر هذا العام، تعود إلى استمرار عمليات التصدير رغم قرار الحظر الحكومي الصادر في مارس الماضي.
قفزت قيمة صادرات السكر خلال أول تسعة أشهر من العام الجاري بنحو 57.6% لتصعد إلى 394 مليون دولار، مقارنة بنحو 250 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات المجلس التصديري للصناعات الغذائية، اطلع عليها «مدى مصر».
مصدر آخر في إحدى شركات إنتاج السكر، أشار إلى أن التصدير استمر بهدف الاستفادة من الأسعار العالمية المرتفعة للسكر، والتي بلغت أعلى مستوى لها في 12 عامًا تقريبًا قرب 780 دولارًا لطن السكر المكرر، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار السكر الخام للمستوى نفسه بواقع 567 دولارًا للطن.
المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أوضح أن الصادرات استمرت طوال الأشهر الماضية رغم قرار الحظر بسبب الاستثناءات التي قدمتها الحكومة بموجب نص القرار نفسه، والتي تحصل عليها الشركات بعد موافقة وزارتي التموين والصناعة. وقت صدور القرار في مارس الماضي، لم تكن قيمة صادرات أول شهرين من العام قد تجاوزت 51 مليون دولار، وفق بيانات المجلس التصديري للصناعات الغذائية.
مصدر بوزارة التموين قال إن استمرار التصدير لم يتوقف عند المصانع الخاصة فقط، بل امتد إلى بعض الشركات الحكومية، ومنها شركة السكر والصناعات التكاملية التي صدّرت نحو 60 ألف طن من السكر البني هذا العام، وتسعى للوصول إلى متوسط الصادرات السنوية حتى نهاية العام، عند 75 ألف طن في المتوسط.
أيضًا، أدى وضع وزارة التموين حدود قصوى لصرف السكر على البطاقات التموينية، إلى ارتفاع طلبات المستهلكين على السكر من القطاع الخاص، وفي المتوسط كانت تحتاج البطاقات التموينية لنحو 1.1 مليون طن من السكر سنويًا لتغطية احتياجات البطاقات، وفق المصدر بوزارة التموين.
المصدر من «التموين»، أوضح أن الحكومة سمحت للمصانع التابعة لها بتصدير الجزء المتبقي بعد حاجة البطاقات التموينية، بهدف جمع أكبر قدر ممكن من العائدات الدولارية.
وقلّصت وزارة التموين كمية السكر على البطاقات في مؤشر على محدودية الإتاحات لديها، فحددت لكل بطاقة تضم أربعة أشخاص حدًا أقصى (ستة كيلو سكر)، كما رفعت أسعاره في الشهر نفسه من 10.25 جنيه للكيلو إلى 12.6 جنيه، مبررة ذلك بارتفاع أسعار السلع العالمية، وزيادة تكاليف الشحن، بالإضافة إلى تقليص الفارق بين أسعار السلع المدعمة والحرة، لوقف فساد وتربح البدّالين والموظفين، حسبما قال مصدر بوزارة التموين لـ«مدى مصر»، مشككًا في جدوى هذه الخطوة، لتحقيق هدف الوزارة المُعلن، مشيرًا إلى أن الهدف الحقيقي، هو زيادة الواردات المالية للوزارة، في ظل الأزمات المستمرة.
تقارير ذات صلة
السيطرة على الأسعار بـ«التهويش»
لا وجود لجريمة تدعى «التلاعب في الأسعار» في أي من القوانين المصرية
سوق الدواجن «للكبار فقط»
حل الأزمة لا يكمن في الاستيراد
هكذا اشتعلت الأسعار واختفى «الدخان»
لماذا اختفت السجائر وماذا حدث في السوق؟
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن