تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
هذه المدينة أعرفها.. عن فيلم «من القاهرة»

هذه المدينة أعرفها.. عن فيلم «من القاهرة»

كتابة: هبة خميس 6 دقيقة قراءة

«تطاردني القاهرة مثل شبح»، على لسان هالة جلال يبدأ فيلمها التسجيلي «من القاهرة»، برحلة داخل مخرجة العمل لفهم نفسها ومخاوفها أكثر، وعلاقتها بالقاهرة، المدينة التي تطل علينا كشبح، في معظم مشاهد الفيلم، الذي عرض مؤخرًا على منصة «نتفليكس».
تتبع جلال في الفيلم حياة امرأتين إحداهما هي الفنانة والأم الوحيدة هبة خليفة، والأخرى هي المخرجة آية يوسف، في محاولة لاكتشاف مساراتهما في القاهرة ونفسيهما أكثر. وأثناء تتبعها لحياتهما تتشابك الحكايات بين أمومة هبة ومشروعها عن الجسد الأنثوي وبين انشغال آية بفيلمها عن ضحايا مياه النار. 

في الفيلم أتوحد مع شخصية هبة وأمومتها لابنتها ورد، التي تظهر في الكثير من المشاهد تفتح الأبواب عنوة، وتقاطع أمها لتخبرها أي شيء تضمن به انتباهها لها ثم تعود لغرفتها دون غلق الباب، ذلك الفعل البسيط يحيلني لأمومتي المليئة بالأرق. 

يؤرقني صوت الأبواب المفتوحة عنوة دون استئذان، أفكر في أن تلك الطريقة المثلى في وقف تدفق الأفكار في رأسي لكنني مع الوقت أعتاد ذلك الفعل. أجلس على سريري أمام شاشة اللاب توب وأكتب فيما ينفتح الباب عنوة بيد ابني الصغير، فأتوقف لأتحدث معه أو أستمع إليه ثم يخرج تاركًا الباب مفتوحًا،  فأعود لأكمل ما أعمل عليه. 

caption

في الندوات الأدبية كثيرًا ما يوجّه لي ذلك السؤال عن الكتابة بعيدًا عن طفلي، يتساءل البعض إذا كنت أختبئ في مكان سري كي أضمن لنفسي التركيز الكافي للكتابة، فأسترجع تفاصيل ذلك المشهد من انقطاع الأفكار داخل رأسي. علمتني الأمومة أن الإبداع ليس شيئًا مقدسًا مثلما كنت أعتقد، أكتب بينما يقاطعني ابني، أكتب وفي اليد الأخرى أختار له ما يرتديه، أكتب وفي يدي الريموت لأختار له برنامجًا عن الحيوانات التي يحبها، مثل هبة التي تكمل العمل على مشاريعها بينما تقاطعها طفلتها، التي تريد أن تضمن أن تكون محور اهتمام أمها.

من بعيد تبدو علاقتي بالكتابة معقدة إذ أنها لم تكن فعلًا مستمرًا في حياتي. توقفتُ عن الكتابة لسنوات كي أستوعب تجربة أمومتي، وعدت إليها بإيعاز من الأمومة نفسها، التي ظلت مرجعيتي لكل شيء في حياتي. جعلتني الأمومة أدق وأكثر تركيزًاعلى مشروعي في الكتابة .

تخلع الأمومة عن حياة الأمهات الفنانات القدسية والفوضوية، فيبدعن أكثر في ظل روتين اليوم الثابت المطلوب لتنشئة أطفالهن. تتحرك ورد بين غرف المنزل لتلعب، ثم تعود لمذاكرتها مع أمها التي تترك ما تعمل عليه ثم تعود إليه ثانية طوال الوقت بعادية شديدة.

يحيلنا الفيلم من البداية لشريط الصوت بمشاهد من شريط الصوت المتداخل لأحد مشاهد الأفلام المصرية عن الحب بينما تتحرك سيارة جلال لتترك الحب وتحكي عن خوفها من كل شيء، تلك المشاهد بالسيارة سنشاهدها لأكثر من مرة بين المخرجة وبين آية نفسها وأيضًا من نافذة في ميكروباص لهبة، فتعطي لنا انطباعًا عن رحلة البطلات أنفسهن في تلك المرحلة من حياتهن.

البحث عن القاهرة
في أيام مراهقتي الأولى وتحت تأثير متابعتي لمجلتي «الشباب» و«أخبار النجوم»، تعلق قلبي بتلك العاصمة الممتلئة بعناوين المشاهير. أقرأ في أحد أقسام المجلة بورتريه لأحد الفنانين الشباب وفي نهايته عنوان منزله لأحبائه من هواة المراسلة. في نوتة صغيرة كنت أتتبع تلك العناوين، ومن خلال خريطة سياحية لمدينة القاهرة/العاصمة كنت أخطط على تلك المناطق لتبدو القاهرة مكانًا مكدسًا مليئًا بالنجوم. 

caption

كنت أزورها أحيانًا مع الأسرة فأتخيل لقائي بأحد تلك الوجوه التي أحبها والكثير من المصادفات المبهجة. لكن العاصمة لم تعطني تلك الحكايات الخيالية، بل أعطتني زحامًا خانقًا وتأخر ساعات على فقرات الرحلات المنظمة، مسافات شاسعة، وبشرًا متزاحمين حول اللا شيء.

لذا كنت أتابع المدينة من خلال شاشة التليفزيون، لأبحث فيها عن وجهها الرومانسي في مشهد لنور الشريف في مطعم على النيل، أو سهرات صاخبة تجمع بين بطلين أحبهما وأكتفي بتلك الصورة عن العاصمة.

بشكل تلقائي، ومن المشاهد الأولى لـ«من القاهرة» بحثتُ عن القاهرة. تتحدث هالة عن مطاردة القاهرة لها كشبح فيما تتحرك هبة بحذر في شوارعها، ولا تستطيع آية خلع حجابها فيها، فتطارد المدينة الكل. حضورها ضاغط على البطلات وحركتهن .أتابع القاهرة التي تظهر في خلفية المَشاهد، وأشعر أن تلك المدينة التي لا تستطيع المرأة التحرك فيها بتلقائية مدينة أعرفها، واختبرت تلك الحركة القلقة في شوارعها.

من شقة هبة إلى مكتب عمل آية وإلى صالة الديربي، تتحرك الكاميرا بحرية أكبر من الشارع، فلا حائط من حوائط بيت هبة ممنوع. ندخل إلى مرسمها ومطبخها الضيق المفتوح كما نتابع المشهد من نافذتها وهي تنشر غسيلها وفي الخلفية مبنى الخارجية والهواء المليء بالغبار.

caption

مسارات في القاهرة
في كتاب «الإسكندرية تاريخ ودليل» للكاتب الإنجليزي فورستر، يتحرك الكاتب الذي زار المدينة في عشرينيات القرن الماضي كجندي إنجليزي، ومكث فيها عدة سنوات مكنته من وضع مسارات ثابتة في المدينة ليتتبعها ويكتب عنها في تلك الفترة، تلك المسارات الثابتة التي تحرك فيها «فورستر» أصبحت جزءًا من أطلس المدينة في العشرينيات، وواحدًا من أهم الكتب التي تحكي عن معالمها.

ترتبط المدن بالمسارات دومًا. لكل واحد منا عدة مسارات ثابتة من العمل للمنزل ومن المنزل للعمل. تعلق مساراتي بمسارات ابني. ففي أيام الدراسة لا نخرج خارج المسار الروتيني إلا في نهايات الأسبوع كنوع من أنواع كسر الملل فيبدو المسار مثل حلقة ندور داخلها، دون البحث عن نهاية، ولا تتغير مساراتنا إلا بتغير اختياراتنا. تجبرنا المدن على اتخاذ تلك المسارات وإذا تحدثنا عن القاهرة كمدينة ضخمة فلكي ننجو منها يجب علينا اتباع مساراتنا الثابتة.
تعلق الكاميرا في مسار هبة خليفة الثابت في الفيلم، تتحرك من منزلها لاصطحاب ابنتها من باص المدرسة ثم تتحرك في السوق بين الباعة لشراء طعام الغداء وتعود لمنزلها، تتحرك هبة حركة مشحونة ومحملة بالقلق إزاء مساحتها ومساحة ابنتها الشخصية .
تبدو تلك النسخة عن القاهرة منطقية أكثر عن النسخ الهادئة التي اعتدتها في مراهقتي، مدينة كبيرة مغبرة محملة بالنظرات العالقة المتفحصة، مدينة ممتلئة بالمانيكان الذي يتكرر وجوده في كثير من مشاهد الفيلم، بين تمثيله للجسد الأنثوي في مشروع هبة خليفة، وأيضًا مشاهده في  الشوارع خلف الفاترينات وبين أيدي الباعة بسلاسة.

 تلك النسخة أعرفها جيدًا إذ أنني قبل الجائحة قررت الانتقال من خارج القاهرة بمدينة الشيخ زايد لداخلها، رحلتي معاكسة لرحلة هبة من داخل القاهرة لإحدى المدن خارجها .
لسنوات عشت خارج القاهرة على اعتبار أنني لست ابنة لتلك المدينة، لكن فور سؤالي عن محل سكني كنت أخبر الناس أنني أعيش بالقاهرة، على اعتبار أن القاهرة كبرى تطوي الكثير تحت اسمها، لكنني لم أعش بتلك المدينة وفي فترة قررت الانتقال من الخارج للداخل بابني لتسهيل دخوله مدرسة جيدة، وأيضًا اختصارًا للوقت الذي نستهلكه في التنقل من وإلى القاهرة.
راجعت عدة مناطق حتى استقريت على بناية في منطقة عابدين قريبة من كل شيء، مثلما أخبرني السمسار وفور دخولي مدخل البناية قابلني البواب. لم يشبه البواب الذي أعرفه لسنوات في منزلنا بالإسكندرية فنظرته كان بها شيء من السطوة وظل يحدثني عن السكان .
بالنسبة للمستأجرين يعتبر البواب هو مدخل المنزل فيراقب بشكل دائم الشقق المؤجرة، يفحص سلوكهم وزوارهم، ويبدى اعتراضه أحيانًا على تصرفاتهم، خاصة لو كان المستأجر فتاة أو سيدة وأم وحيدة.
خرجت من البناية وفي نيتي قرار أن تلك المدينة لا تناسبني، وعقب تلك الواقعة بينما كنت في زيارة للإسكندرية بدأت الجائحة، التي جعلتني أظل بالإسكندرية حتى الآن دون تفكير بالعودة.
تخرج هبة من منزلها المؤجر بمنطقة وسط البلد لتنظف شقتها الجديدة في إحدى المدن خارج القاهرة، تتحدث عن طويها لمراحل من حياتها من خلال التنقل من مكان لآخر ثم تخلع آية حجابها فأجد نفسي في تلك التفاصيل التي نشبه فيها بعضنا البعض كسيدات نعيش في نفس المجتمع.
«من القاهرة» فيلم حساس ودافيء عن القاهرة، تلك المدينة التي عرفتها جيدًا، من خلال رحلتي للدخول والخروج منها، تشبه رحلة بطلاته الكثير منا بكل صراعاتنا واشتباكنا مع المجتمع ومحاولة الفكاك من يد ذلك المجتمع المتحكمة في حياتنا وأجسادنا.

عن الكاتب

هبة خميس

كاتبة وروائية مصرية صدرت لها، عن دار «الشروق»، رواية «مساكن الأمريكان». في 2019، حصلت على جائزة ساويرس في الأدب عن المجموعة القصصية «زار». وحصلت على الجائزة المركزية لقصور الثقافة في…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن