تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
نوع فريد يبحث عن ميزة في قلب الوحل: كيف اكتسب بابلو كاريزمته؟

نوع فريد يبحث عن ميزة في قلب الوحل: كيف اكتسب بابلو كاريزمته؟

كتابة: محمد طارق 9 دقيقة قراءة

في 48 ساعة يتربع مروان بابلو على تريند يوتيوب من المغرب إلى الإمارات بأغنية «غابة»، والتي عاد بها بعد 11 شهرًا اعتزل فيه الظهور.

تعاون مروان بابلو مع سليم صادق وعمار أبوبكر في إخراج كليب «الغابة»، ترجم سليم الصادق الغابة إلى المدينة التي نعيش فيها، واستلهم من عناصرها كتل الخرسانة والأسمنت والحديد وأعمدة الإعلانات ليظهر مروان عالقًا فيها، كما يقول الصادق في لايف على انستجرام على صفحة الشركة المنتجة بعد أربعة أيام من إذاعة الكليب.

اختار الصادق أعمدة بيلبورد وخزان إمبابة ومحور صفط الذي يقسم بولاق الدكرور إلى نصفين، وترك لفنان الجرافيتي، عمار أبوبكر، المساحة ليلعب كيفما يشاء في أماكن التصوير، بحسب قول أبوبكر نفسه لـ«مدى مصر».

أبوبكر بدوره، بدأ افتتاحية الكليب ببركة مياة راكدة، واستخدم عروق الخشب المستخدمة في البناء بعد أن كساها بجلاد ورقي، وكان يقصد كسوة المباني الخضراء التي تغطي أعمال الإنشاء والصيانة، ومزجها فيما بعد بألوان عديدة مستلهمًا صورة شهدها في شارع ترسا لعمارة مهدمة، بقى منها حوائط ملونة للغرف التي تتصل بالعمارة المجاورة. كما رسم صورة وراء مروان في ظهر «التريلا» على محور صفط، مستخدمًا العناصر الجمالية التي يسعى سائقو «التريلات» للتزين بها، يقول أبوبكر وجدت أن «التريلات» تمر بأكثر من مرحلة للتزيين، رسم واستيكرات وأضواء. يأخذ أبوبكر صف فن الشارع، البعيد عن أعين المشهد الفني في مصر، يتعامل مع اكسسوارات عربات الكارو وصناديق تلميع الجزم، «الأشياء التي تبدو بسيطة في ظاهرها ويتعامل معها الفنانون بتجاهل بسبب عجزهم عن تفسيرها»، يقول أبوبكر.

المشهد المقتبس من «أرض الخوف» كان من فكرة مروان نفسه، في أحد الأيام أرسل للصادق فيديو على يوتيوب من الفيلم وأخبره أن الدقيقة أربعين من الفيلم بها حركة كاميرا جيدة، وأخبره سليم بأننا يمكن أن نستلهم من مشهد المخرج، داوود عبدالسيد، تكريمًا له، باعتباره واحدًا من رموز السينما المصرية، حتى إن صورته معلقة على حائط معهد «السينما» التي درس الصادق فيه.

عاد مروان بعد توقف عن الغناء لـ 11 شهرًا نتيجة دورة اكتئاب مر بها، سببها توقعات متابعيه بتقديمه إنتاجًا بمستوى أعلى دائمًا، والضغط الزائد عليه نتيجة النجاح السريع الذي حققه.

بحسب أول لايف فيديو بعد اعتزاله، حاول مروان شرح خوفه من الاستسلام لرأي وذوق متابعيه الذي شعر أنه يدفعه إلى التوقف عن التجريب في الغناء، ولخصه في آخر مقطع من أغنية «فري» قبل اعتزاله؛ واختتم آخر جملة فيها بوصف نفسه «فنان وليس مجرد مغني راب».

يجمع مروان مهارات الغناء وكتابة الشعر وإنتاج الموسيقى، يكتب للغناء كما يتحدث، وكرد فعل على الضغط استمع لنداء الجنون الذي دعا له في «فري»، وأعلن اعتزاله معطيًا ظهره للنجاح والشهرة التي حققها في أقل من عامين بثمان أغاني، اختفى عن السوشيال ميديا فيما عدا ظهوره في ثلاثة فيديوهات لايف خرج فيها إلى الناس، تحدث في الأول عن أسباب اكتئابه وتوقفه عن الغناء، دون الخوف من أن يظهر للناس ضعفه، والثاني تنصل فيه من أغنية «ديناميت» التي نشرها «مولوتوف» على قناته الخاصة بعد شهرين من اعتزال مروان، وكانت التعاون الرابع بينهم أثناء التسجيل بين حلوان والمعادي، والثالث لدعم ناجيات «قضية الفيرمونت» ودعا فيها أي بنت تعرضت لعنف جنسي إلى عدم الصمت.

قبل يومين من إذاعة فيديو كليب «غابة»؛ تسرّب فيديو قصير على تويتر من الكليب تمهيدًا لرجوع مروان، يتسلق أعمدة «بيلبورد» ضخمة على سطح عمارة بالقاهرة، ويرقص أمام الكاميرا، وفي الخلفية مقطع من الأغنية.

«حلّك مني عشان أنت عطلة، ما شفتكوش أيام الحارة، كنتوا فين؟ أيام ما سهرنا تحت المطر، أيام الأكشن والإثارة».

زايد مروان في الجزء الوحيد الذي سرّب من الأغنية على سلوك مغنو الهيب هوب في مصر طوال عام اعتزل فيه الغناء، والذي صادف ذروة حرب بين «أبيوسف» و«مروان موسى» و«ويجز». في نفس يوم تسريب مقطع الفيديو كليب، نشر «مروان موسى» أغنية حط فيها على «أبيوسف»، ونشر «أبيوسف» أغنية في المقابل، حط فيها على «موسى»، واستمر الاثنان بالحط على بعضهما البعض ليومين آخرين، فيما اكتفى «ويجز» بالهجوم عليهما في يوميات انستجرام، وحاول التماهي مع ما يقوله الناس عنه «اشتغلت لحد ما قالولي اتغير أصلك»، والتعافي من «جنون الفلوس» التي سعى لها منذ خروجه من حي «الورديان» بالإسكندرية، قاصدًا العيش في كمبوندات على هامش القاهرة بين مدينتي والشيخ زايد، بعد أن قضى عام 2020 متنقلًا بين إعلانات شركات الاتصالات.

بالنظر لإنتاج «ويجز» و«أبيوسف» ومروان موسى هذا العام، يمكننا فهم السبب الذي دفع «بابلو» للاعتزال، مارس 2020، لم يتحمل بابلو الحرب بين الرابرز، واقتصار أغلب أغانيهم على «هجاء» بعضهم، ارتبك حين تعرض لهجاء/ نكش مغنيين له، وفي المقابل حين يروه على القهوة يقابلوه بالأحضان، حسب أول لايف فيديو بعد اعتزاله، قال إن من ضمن أسباب الاعتزال، أن أقرانه من المغنيين يفكرون فيه، وفي نجاحه السريع الذي حققه، أكثر ما يفكرون في أنفسهم، يكتبون الأغاني تحت دافع الهجوم عليه، والغل منه، ومحاولة نكشه، فيما يعرف في أغاني الراب بـ«الهجاء»، أو الـ «Disrespect»، قاصدين استفزازه للرد عليهم، ورغم حبه لهذا النوع من الراب الذي يعتمد على النكش، لكن يرى أن اقتصار الراب على هذا النوع غير مفيد لتوسّع موسيقى الراب في مصر.

قال إن الجمهور لن يفهم هذا الكلام، بمعنى أن الراب كان كده طول عمره في مصر؛ قائم على النكش، فقط، وعلى عكس هذا النمط، حاول مروان فتح اتجاهات أخرى في كتابة أغاني الراب، كأن يشد من أزر نفسه، أو يحرضها على الجنون وكسر التابوهات، ولا يتعمد القسوة عليها، أو يتحدث معها بصدق، حاكيًا رأي تكون عنده بعد تفكير طويل «كبرنا فهمنا/ خسرنا وكسبنا/ دايماً حاضرين/ مهما غيبنا/ الفقر شوفنا/ والقحط عشنا/ ربك بيعوض/ الحمد لله». لذلك كان واقعيًا أن نصدق مروان في غنائه، فعلى الأقل آخر جملة قالها في أغنية «فري» قبل اعتزاله «أنا مش رابر أنا بيكاسو».

في فيديو اعتزاله قال إنه قصد أن يكون غنائه مثل كلامه، والعكس، ليكون شخصية واحدة، منتقدًا من كان يستفزه من الرابرز لمبارزة في أغنية. ثم يظهر ودًا مصطنعًا له عندما يقابله. بالنسبة له لم يستطع العيش بشخصيتين، أو بمعنى أصح «وِشّين»، شخصية فنان ينكش أصحابه في أغانيه، وشخصية إنسان يقعد معاهم على القهوة ناسيًا نكشه لهم، بعكس ذلك اتبع مروان حدسه؛ «لو دخلت مع حد في نكش وشفته ع القهوة همسك فيه». في أغنية «شتاء»  التي أنتجها عندما كان يغني بشخصية «داما» قال «عمري ما كان أسلوبي، أجي على حد، عشان أداري عيوبي». لذلك، كان صادقًا حين طرح في فيديو اعتزاله أفكاره حول الـ «disrespect»، تربى على أن هذا «نفاق». لذلك؛ «يمكن تكون المشكلة عنده»، «غير قادر على الفصل بين الحاجات»، مثلًا.

«كل التماثيل هتتكسر/ مش بمثل أنا مش ببتذل/ في وشك أصارحك أنا مش حتكسف/ الشياطين عمالة تزن في ودني».

في بداية الفيديو الذي نشره على انستجرام بعد اعتزاله مباشرة، قال إنه خرج أولًا ليواجه شائعات «اتهبدت» في أسباب الاعتزال، كان أكثرها قسوة عليه عندما قرأ خبر موته. وتمنى مروان لنفسه الموت فعلًا. «ياريتني كنت مُت، مبدئيًا كده». رغم ذلك، روحة الحلوة كانت حاضرة عندما تحدث، حضرت على باله أغنية إشاعات من مسرحية ريا وسكينة، ولحّ عليه سماعها أثناء تحدثه للناس. رفض وصف مشاهدي الفيديو له بـ «الأب الروحي للتراب التي قالها في أغنية «عايز فين»، أول أغنية «خارج نطاق» الراب. والتي تسببت في أول تعاون بين منتجي الراب والمهرجان في مصر، حتى إن السادات أمام انبهاره بكلمات مروان، أعاد غناء الأغنية بنفس الكلمات بعد أن أعاد فيجو توزيع موسيقاها بطبل وصاجات المهرجان، ونشرها السادات على صفحته بيوتيوب دون أن يخاف من سياسات حقوق الملكية.

لدى بابلو من المهارة ما يجعله يكتب أغانيه كأنه يتحدث عادي جدًا، كلماته كلها من تعاملاته اليومية، سواء ما يقوله له الناس أو ما يقوله هو لهم، ويستخدم متلازمات من اللغة المصرية المعاصرة التي تخرج من الناس بحسن نية ثم تتحول بشكل لا إرادي إلى إفيه، أغنية «عايز فين» مثالًا على ذلك»، المصطلح الذي بدأ عفويًا من سائقي التاكسي في مصر لسؤال الراكب على عنوان محدد، وأصبح فيما بعد مصطلح يستخدمه الجميع في اللغة العامية، وبدلالات مختلفة، ليصبح استخدامه مشاعًا، هذا المشاع اعتمد عليه السادات حين غنى الأغنية، بعد أن سمع نفسه يدندن «ملناش في العوجان، بس نزاهة وشيك»، وفي المقابل تعاون مع مروان بـ«لازمة» أغنية «عزبة الجامع» التي أنتج مروان موسيقاها وكتبها وغناها، وذاع بسببها صيت مروان أكثر وأكثر في عالم المهرجان، بعد أول أغنيتين في مشوار شخصية بابلو سيطر بهما على عالم الراب. «لو متابع، مش من اليوم السابع، داما مات بابلو راجع».

في سنة اعتزاله تخلى مروان عن عدة مكاسب حققها فنانو موجة الغناء الجديدة، أهمها زيادة حجم الاستماع والمشاهدة على قنواتهم في يوتيوب وسبوتيفاي وأنغامي، وهو واحد من الأوائل الذين كسروا حاجز المليون مشاهدة على يوتيوب بعد إنتاجه ست أغاني بين 2018 و2019، لكنه كسب نفسه على الأقل.

«احتاج البعد شوية»، بعد أن أدرك في لحظة أن طاقته موزّعة على الناس من حوله.

زاد الضغط عليه بسبب توقعات الناس المتعطشين لجديد في بلد أشهر المغنيين بها فوق الخمسين عامًا. و«أنا في الآخر بني آدم ممكن أغلط، أو أعمل حاجة تحت سقف توقعاتكم، وللأسف دايمًا بفوق سقف توقعاتكم».

تغيرت كلمات الأغاني على يد مروان منذ إنتاج أول أغنية له -«الغلاف»، حتى إن «ويجز» أشهر مغني الراب الآن، والذي خلت له الساحة العام الماضي بعد توقف مروان عن الغناء، تأثر في بداية مشواره بأغنية «الغلاف» و«عايز فين»، «ويجز قبل ما يعرفني حاجة، وبعد ما عرفني حاجة تانية، ولو قال غير كده يبقى كداب، وهو عارف إني بحبه وبحب الحاجات اللي بيعملها».

استمتع مروان هذا العام بالرجوع للحياة الطبيعية، كأن يمشي في حارات الحضرة -عزبة الجامع سابقًا، نافضًا من على كتفه عبء الشهرة، يذهب إلى الجامعة مع صديق له، محاولًا التخلص من ذنب شعر به عندما عرف مدى تأثيره على مراهقي جيله.  بعد أن قال في أحد ارتجالاته أو الـ«فري ستايل» الأولى التي وثقتها «معازف» له، «دماغ شغالة مش بتنام، صاحبي كس أم العلام، بجيب فلوس دلوقتي أشطة». انتقد مروان نفسه على هذا المقطع، في الفيديو الأول، الذي أعقب اعتزاله، بدت جملة «صاحبي كسم العلام» مزعجة بالنسبة له، قال محاولًا أن ينصح الشباب الذين بدا لهم قدوة تعبّر عنهم؛ «مش شرط أن شكل حياتي دلوقتي يمشي على حياتك».

«كبرنا فهمنا/ خسرنا وكسبنا/ دايمًا حاضرين/ مهما غيبنا/ الفقر شُفنا/ والقحط عشنا/ ربك بيعوض/ الحمد لله».

ومع ذلك، لم يرد مروان تكدير صفو منتجي الفيديو بطلب إزالته، كما فعل «ويجز» في نفس الفيديو الذي ادعى ليوتيوب أنه صوّر مقطعه ولم يكن يعرف أنه سيذاع، واضطرت «معازف» إلى حذف الفيديو وإعادة نشره بدون «ويجز». بعكس ذلك، تحمل مروان مسؤولية تصحيح وجهة نظره، واعتذر أيضًا في أغنية «فري» وأكد على أهمية الدراسة في حياة الفرد، «ع الشهادة خريجين، والحساب يوم الدين».

يبدأ مروان أغنية «غابة» كالعادة، محاولًا البحث عن نفسه، مثلما فعل في افتتاحية «الغلاف» التي بدأها بـ «عوزت في مرة ألاقي نفسي»، و«سندباد» التي حاول أن يقول لنفسه «صح النوم»، و«فري» التي أيقظ نفسه فيه بـ«الجنان»، يفتتح غابة بـ«السلام عليكم اظهر يا مختفي»، محاولًا إحضار نفسه من الشرنقة التي دخل فيها، والارتباك الدائم من المقدمات، «ساوند كليشيه أنا عارف بس ريل»، «مش بمثل أنا مش ببتذل».

استطاع مروان ترجمة ما عاشه العام الماضي، «كبرنا/ فهمنا/ خسرنا/ وكسبنا»،  ازداد ثقة بنفسه التي يبحث عنها دائمًا، ووعيًا بأهميته في هذا المجال، وإبعاد شياطين (الخوف وانعدام الثقة) التي كانت تزن في رأسه بأن نجاحه كان محض صدفة، بعدما لمس حضوره طول العام الذي توقف فيه عن الغناء، «دايمًا حاضرين مهما غِبنا».

في الآخر يتوصل للحقيقة، الدنيا كالغابة. يا تكون فريسة يتكون صيادها.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن