تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
فهرس المقال
مقابلة مع السرب: كواليس الكواليس في «نسر السين»

مقابلة مع السرب: كواليس الكواليس في «نسر السين»

كتابة: محمد الأسواني 25 دقيقة قراءة

كحال الفنانين الاستثنائيين في التاريخ، لم يعرف الجمهور قيمته إلا بعد وفاته، ولم يعش «نسر السين» ليشهد تعاطف الناس مع قصته، ولا اقتباس منافسيه لخلطته الفنية الفريدة «راي على تراب وتراب على شعبي وشعبي على تراب على راب». رحل بعدما تحققت نبوءته الوحيدة «لما تلاقيني تريند على يوتيوب هترجع»، بتحول العمل الوثائقي عن قصة صعوده إلى تريند حقيقي على يوتيوب ومواقع التواصل. خمس حلقات فقط على يوتيوب، لا يتجاوز مجموعها مدة ساعة، كانت كفيلة بجعل «نسر السين» العمل الفني الأبرز هذا العام على السوشال ميديا، تجربة إنتاجية وفنية طموحة، رغم قلة الإمكانيات، جاءت في وقتها الصحيح وكلها جديد في جديد؛ السرد والتصوير وطريقة العرض وبناء الشخصيات والضحك وغيرها. 

بدأت الحكاية بفكرة عبقرية من هوبز مدير أعمال عُمدة، باستدعاء مكتب «كريم وكريم للمناسبات» لتصوير وتوثيق قصة نجاح عمدة في مجال الراب، ومنها عرفنا كواليس قصة صعوده وصراعاته الفنية والنفسية وعلاقته بعائلته النسور في «السرب»، الذين اجتمعوا لهدف واحد وهو جعل عمدة على القمة، كل بطريقته ورؤيته: «هوبز» بأفكاره «السماوية» وشخصيته الغامضة والتي تغلب المصلحة حتى لو على حساب السرب، «بدران» مغني الراب الذي يقنع بالمركز الثاني والثالث بعد عمدة ويدعمه معنويًا في كل القرارات لحد «التطبيل»، «تيمو» العقل الموسيقي والبرديوسر العبقري الذي يتولى مهمة تنفيذ رؤية عمدة الفنية، «هانز» مصمم حركة الإصبع الأوسط في السرب، وأخيرًا «مدة» فتوة السرب ومسئول تحركات وتأمين عمدة.

caption

مثل معظم جمهور «نسر السين»، شاهدتُ العمل من حلقته الرابعة بعد انتشارها على السوشال ميديا بسبب ظهور شبيه ويجز، قبل العودة لمشاهدته من البداية، وكوّنت انطباعات متناقضة عن صنّاعه. عند المشاهدة الأولى شعرتُ أنهم مجموعة محترفين عارفين بيعملوا إيه كويس، أو أن هناك جهة إنتاج ما لهذا العمل وأنه كُتب بعناية، وبعدها شعرت أنهم غالبًا مجموعة من الأصدقاء الهواة العاملين في مجالي الراب والسينما، لذلك ساقني الفضول للتواصل مع أبرز الأسماء على التتر وبطل العمل «عمدة» للتعرف على تاريخهم قبل «نسر السين» ورحلتهم في صناعته، والسماع منهم قبل الحديث عنهم.

 في هذه المقابلة يقص علينا كريم الألفي وكريم مرتضى، مخرجا ومؤلفا ومنتجا العمل، وسارة الشاذلي المنتجة المنفذة، ومحمد عماد «عمدة» بطل العمل، كواليس التقاء سرب النسور ورحلة صنع المسلسل أو البرنامج وعرضه.

ما وراء «نسر السين»

مكتب «كريم وكريم» للمناسبات يقدم:

تعرف معظم فريق عمل «نسر السين»  على بعضهم خلال دراستهم في الجامعة الأمريكية منذ سنوات، وقرروا من وقتها عمل مشاريع فنية سويًا، فتخرجت سارة الشاذلي من قسم مسرح وإعلام في الجامعة أمريكية، وعملت بعدها في مشاريع مسرح مع المخرج خيري بشارة، بجانب عملها مع كريم الألفي في أفلامه القصيرة بعد التخرج، وكان «نسر السين» هو أول عمل تجاري وجماهيري لهما من خلال شركة «nocturama»، التي أسسها كريم الألفي بعدما درس تجارة واقتصاد وتمويل في الجامعة الأمريكية، ودرس المسرح والسينما والمونتاج بشكل ذاتي أثناء عمله في مجال التمويل قبل أن يتفرغ لصناعة الأفلام والإعلانات، في حين درس كريم مرتضى صحافة في الجامعة الأمريكية وعمل في التسويق الإلكتروني بعد تخرجه في 2016، قبل أن يحقق حلمه في العمل بالتصوير وإنتاج المحتوى والأفلام من خلال شركته «سكيما»

قبل ثلاث سنوات، كان كريم مرتضى مقيمًا في كندا ويفكر في عدة مشروعات فنية ومنها فكرة حول شخصية رابر مزيف، خطط له أن يكون مجهول الهوية ويرتدي قناع ويثير به حيرة الراب سين، وبدأ بالفعل في كتابة أغاني تناسب الشخصية، ولكنه عندما عاد إلى القاهرة وجد أن «الفكرة ممكن يتعمل عليها حاجة»، وحينها اقترح الفكرة على مجموعة من أصدقائه ومنهم شريكه في المشروع كريم الألفي، وتطورت الفكرة من الرابر المزيف إلى «نسر السين»

تطورت الفكرة بعد عدة مناقشات، إلى أن عثر الثنائي كريم وكريم على فيديوهات مضحكة لـ«عمدة» أو محمد عماد على انستجرام، يصورها بشكل هاو مع أصدقائه ويتقمص بها عدة شخصيات مثل راقص بريك دانس من شمال إفريقيا، أو مدرب تنمية بشرية ومدرب كلاب وغيرها، فقرر وقتها الثنائي اختياره ليكون نسر السين وتكوين بقية السرب على أساسه كما يتذكر كريم الألفي: «كان عُمدة بيعمل ستوريز وكده وقلنا إن الشخصية دي تنفع نعمل بيها الفكرة، وأنا شفت اللقطة دي وعجبني، وهو شخص كوميدي جبار، وقُلنا خلاص نبتدي وعندنا الفكرة المبدئية والشخصية الرئيسية، وكنّا عارفين إن هيبقى فيه ارتجال جامد»

رحلة تكوين سرب النسور

 «فيه مهندسين كتير بس مفيش نسور راب»

لم تكن طريقة العثور على «عمدة» المفاجأة الوحيدة في طريقة اختيار كاست العمل، إذا كنت تعتقد مثلي في البداية أنهم ممثلون محترفون بالفعل، لقدرتهم على الإيحاء أنهم أصدقاء حقيقيون، وعلى تقديم أداء تمثيلي ومضحك بدون تفاوت، فشخصيات «نسر السين» هي العناصر الأكثر جاذبية في العمل، ويعطون انطباعًا أنهم شخصيات مكتوبة ومرسومة بعناية بسبب عمقها الدرامي رغم خفة العمل. فمع نهاية الحلقة الأولى بعد خسارة «عمدة» في السايفر، تستطيع أن تتعرف على الشخصيات حوله ودور كل واحد منهم، وطبيعة شخصياتهم وطريقة تفكيرهم وحديثهم وأحيانًا توقع طريقة تصرفهم في المواقف المقبلة، وكذلك طبيعة الصراع بينهم حول موقعهم في السرب وأهميتهم لدى عمدة. 

من كواليس التصوير

وكانت المفاجأة الأخرى أن بقية الشخصيات لم تكن مكتوبة، بل ارتجالية، وكذلك لم يعمل معظمهم في التمثيل من قبل، كان لدى «بدران» و«هانز» تجارب مسرحية في الجامعة، أما هوبز وتيمو وريان ومداح وعمدة فكانت تجربتهم الأولى:«كان عندنا بدران، وهو اشتغل مسرح في الجامعة الأمريكية وشفت الأدوار بتاعته وكان عندي تصور هو اللي هيبقى الواد الخبيث بس مَا كنتش عارف هيبقى خبيث إزاي، وهوبز أول مرة يمثل وطالع على طبيعته أكتر، وقُلت دول هيبقوا مثلًا انعكاس لبعض أو ضد بعض، وإحنا معاهم». يصف الألفي طريقة توليف سرب النسور أيضًا بأنها خرجت على الهواء أثناء التصوير لساعات طويلة، وينتقل بعدها إلى المونتاج لاختيار المشاهد الأنسب وتشكيل الشخصيات بوضوح «وكنّا بنسجل مثلًا ساعتين ماتريال وناخد من المونتاج ونشكّل الليلة كلها، وكنت أنا وكريم نبتدي نكتشف الشخصيات دي، ومع التصوير ابتدينا نستكتشف الحاجات دي»

لم يتخوف صُنّاع «نسر السين» من عدم احترافية طاقم التمثيل، بل اعتبر مرتضى الفضل يرجع إليهم في شهرة العمل «الفضل الكبير يرجع لكل ممثل، لإن فيه مثلاً تصور عام للشخصية ولكن بسبب الأداء العالي للشخصيات الموضوع اتطور جامد». يضرب مرتضى المثل بشخصية «تيمو» التي لم تكن متواجدة من الأساس، ولكن قبل التصوير بدقائق ارتدى تيمو باروكة وتحدث بها، وهنا ولدت شخصية «البروديسوسر اللي مالوش فيها، وفي الراب»، وبعدها فكروا في وجود شخصية مثل هانز «اللي هو ملوش لازمة ولا بيزود ولا بيضر وموجود كده وعايش على قفاهم وبس وكله بيحبه»، وشخصية  بدران «زي الدراع اليمين للي بيطبله ويتخانق له في أي حاجة»، وهوبز «مدير الأعمال الراكز اللي لو كان سمع كلامه في الأول كان عمدة وصل»، وأخيرًا مداح أو مدة، الذي لم يجرب التمثيل إطلاقًا في حياته «قُلنا هينفع وتخيلناه لابس فانلة حملات وبشنب وبلطجي كده، والكيميا العالية بينهم والتطور يرجع للممثلين آه فيه توجيهات بس كله ارتجال». 

انتقلتُ بالحديث إلى عمدة برغبة لاستكشاف مخزونه عن الضحك والراب سين وسر تقمصه غير الطبيعي للشخصية، لدرجة اعتقاد البعض في البداية إنه حقيقي، وكانت المصادفة أن عمدة نفسه مر بمرحلة شبيهة بنسر السين في مراهقته، «كنت بغني راب في إعدادي بس كبرت خلاص ومحيت الحاجات دي». افتتح عمدة حديثه بكشف هذا السر عنه نفسه. كان مهتمًا بعالم الرابرز والمغنيين، وأسس فرقة اسمها «راب ماشين» وعاش التجربة بارتداء ملابس نجوم الهيب هوب الواسعة والغناء للقضايا الجادة، ولكن الفكرة اختفت من حياته بعدها «كبرت وبقيت نسر ومعايا سرب، ده كان طيش مراهقة..»

درس عمدة التسويق في الأكاديمية البحرية وظهر كموديل في إعلان بالصدفة مع المخرج تميم يونس، الذي كان مقتنعًا جديًا أن عمدة مغني راب بسبب موهبته في الارتجال والفري ستايل، وظهر أيضًا في كليب «باشا اعتمد»، إلى أن تعرف على صُنّاع «نسر السين» وتحمس للعمل معهم: «نسر السين بقى مختلف، الناس دي أعرفها، كنت أعرف هانز وفاضل وريان، المخرجين عرفتهم ساعة لمّا اتكلمنا وقالوا لي الفكرة وتحمست للفكرة على طول، ومفكرتش في الشغل كشغل المهم عندي نعمل حاجة رايقة، يافرحتي لو شغل وحاجة دمها تقيل»

ارتجالات نسر السين

«الكلام ده كلام الشارع يا مان.. فاهم صاحبي زميلي ياو.. شارع فاهم»

ما يميز ارتجال «نسر السين» أنه ارتجال محكم وموجه، لا يخرج عن الإطار العام المكتوب أو عن سياق العمل نفسه والشخصيات المقدمة، حتى لا تشعر أنه ارتجال من الأساس، على عكس الارتجال المسرحي والخروج عن النص الذي أحيانًا يسبب فوضى ومللًا بها. نجح «نسر السين» في تحقيق هذه المعادلة بنسج الارتجال مع الأحداث المكتوبة وتكثيف الحوار والمواقف، مثلما يقول كريم الألفي: «الجزء المكتوب هو الأحداث والفقرات فقط، برضو الأسئلة في الأول وهما بيردوا بالشخصيات، وإنت توجههم لو حد جاوب بعيد عن الكاركتر نوجههم، ويبتدي يمسك الفكرة دي»

نجح «نسر السين» في عدم ربط الجمهور شخصياته بنجوم السين الحقيقيين، ويعتقد الألفي أن السبب هو أنهم لم يفكروا في ذلك من البداية، وكان همهم الأساسي شكل الشخصيات ومصادر الضحك: «مَا كناش داخلينها كده ومش بنسخر من حد، ومحدش كان بيفكر فيها، بعدين بقى فيه ناس بتقول آه إنتو بتسفوا على حد وبتاع»، ورأى أنه لولا الارتجال لكانت «الخطوط دي بطبيعة الحال هيبقى الصوت فيها واحد»، ولن تتنوع مصادر الضحك بسبب اختلاف طريقة هزار كل شخصية بناء على تجاربها الشخصية وخلفياتها «يعني شخصية تيمو هو بيعرف يلعب مزيكا والحاجات اللي بيقولوها اتعامل معاها في حياته وبياخد حاجات مختلفة ويحطها في الشخصية، فكنا نسيب لكل واحد مساحة يرتجل وانت بتمشي معاه لغاية لما ياخد سكة ونبني حاجة مع بعض، وحاجات جاية من تجارب شخصية لكل واحد فيهم، وكل واحد بيقول من هزاره هو وتجربته، وكل واحد عنده هزار من حتة معينة أو بيضحك من حتة معينة، وواحد كان بيطلع بفكرة والتاني يزود عليها، والفكرة إنك ازاي تتفاعل وتتجاوب مع اللي قدامك».

caption

بالحديث عن الارتجال، عُدتُ بالسؤال إلى «عمدة» حول طريقة تحضيره للشخصية وتفاصيلها الحركية والكلامية لدرجة اعتقاد البعض أنه رابر حقيقي، وأخبرنا أنه حاول بالفعل ولكنه فشل في التحضير للشخصية قبل التصوير: «كنت بسمع الأسئلة لأول مرة وأجاوب على طول عادي، كل حاجة جات كده ارتجال، عملت حركات مثلاً وكام كلمة بس في الشخصية، في الفترة دي من سنتين كنت بقدم في الجيش وكنت بصور ومشغول، حاولت أقعد أحضر وأفكر مَا عرفتش، هي حلاوتها من كرم ربنا إن الناس اللي معايا جامدين قوى». وابتكر عمدة عدة مشاهد مثل مشهد إحباطه بعد هروب ويجز وانعزاله خلف «الخشبة» في استديو تيمو.

استغل عمدة موهبته في الـ «فري ستايل» في مشهد السايفر، «مش متفقين على حاجة وما كنتش عارف الرابر اللي قدامي هو هيقول إيه ولا أنا هقول ايه. أنا كنت حضَّرت البارين بتاع 'نوسة ومحمد سعد' والتاني 'ريحة باطاطتك..'، والباقي ارتجال، وميخا الرابر التاني اللي قالي خالتك اسمها هانيا فقولته أنا خالتي متوفية ده disrespect».

من المسلسل

أما باقي الممثلين فقد حافظوا جميعهم بجانب عمدة على تماسك نسق شخصياتهم، رغم فترة التصوير الطويلة والتباعد بين الحلقات، على عكس المتوقع أنها صورت في نفس واحد، كما يقول كريم الألفي: «فيه طفرات في القصة وعشان بنصور على مدى سنة ونص، خلصنا أول 3 حلقات في فترة قصيرة، واللي يعتبروا تَعرُّف على الشخصيات»

«العازل يا بيتر»: التحدي الإنتاجي في «نسر السين»

نقلتنا فكرة التصوير في عام ونصف إلى الحديث إلى رحلة العمل الإنتاجية بعد اكتمال الشخصيات، وتحدي تنفيذ كل هذه الشخصيات والأفكار والارتجال على مدار فترة طويلة وبدون منتج؛ ففي البداية عند عودة كريم مرتضى من كندا للعمل في «نسر السين»، أراد التصوير سريعًا بسبب إجازته القصيرة «التصوير بدأ في شهر يوليو 2020، وقبلها كلمنا كل الشباب وخدنا 8 أيام بس في التحضيرات وابتدينا نصور، وكنت قاعد في مصر بس 3 أسابيع وكان فيه ضغط وقت وأجلّت سفري 3 مرات، وقعدت حوالي 7 أسابيع ولّا حاجة خلصنا فيهم الحلقات الاساسية، ورجعنا عدنا حاجات بعدين لكن الهيكل كان موجود في 6 أسابيع»

في هذه الأسابيع، والانقطاع لفترة عن التصوير والعودة لتصوير مشاهد وحلقات أخرى، كانت رحلة إنتاجية ثرية أيضًا من إدارة مشاهد خارجية وداخلية وطاقم ممثلين ومجاميع ومواقع تصوير مختلفة، في ظل إمكانيات ذاتية، ولكنها  كانت ملائمة لسياق العمل، فهم مجموعة من الشباب المعدمين، يستعينون بمكتب تصوير مناسبات وأفراح لتسجيل عمل وثائقي عن نجاحهم الوهمي، لذلك كان السؤال الأبرز عن الجانب الإنتاجي وتأثيره في طريقة خروج نسر السين بهذا الشكل.

 تولت سارة الشاذلي، المنتجة المنفذة للعمل بجانب خالد زكي، مهمة تسهيل وتنفيذ أفكار المخرجين: «خالد زكي هو البروديوسر اللي ابتدا معاهم في التحضيرات والحلقات الأولى، وبعدها توقفوا لفترة وانضميت ليهم، وعملت من الحلقة الرابعة والخامسة، وبعدها شاركت في البوست برودكشن في المونتاج والتلوين وكده، وخالد زكي كان في الأول وفي تظبيط اللوكيشن والتصوير» دارت أحداث «نسر السين» في مواقع تصوير مختلفة منها جراج بالحلقة الأولى وشقة واستديو وشرفة ومزرعة أو حديقة في الحلقة الخامسة، وتصرف بها فريق الإنتاج بجهود ذاتية من دوائر الأصدقاء والمعارف، بسبب عدم وجود منتج والعمل وفق ميزانية محدودة، فلم يستعينوا مثلًا بمخرج فني لتصميم أو اختيار مواقع تصوير، وكانت عملية الإنتاج كما تقول عنها سارة «كنت بنفذ طلبات المخرجين وبنمشي الدنيا، بس كل واحد كان بيطلع حاجة أو فكرة نمشي بيها الدنيا».

من كواليس التصوير

كان الهدف الرئيسي لسارة من العمل المستقل «إن المشروع يحصل، وكان هو ده المبدأ»، بالإضافة إلى أنها فرصة للتعلم واكتساب خبرات من تنوع النواحي الإخراجية في الحلقات «بما إنه أخد وقت طويل فإحنا بنتعلم في الوقت ده، فانا كنت خدت خبرة في الآخر»

اتفق كريم الألفي مع سارة حول أسلوب العمل وفق ميزانية ذاتية، ولم تكن تلم عائق كبير لأنها من صميم العمل نفسه: «كونك بتصنع عمل مستقل فعندك مساحة على قد لحافك مدّ رجليك، الدنيا بتقلش لو بتعمل فيلم فضائي وانت low budget، لكن الفكرة إنت من الأول جايب شباب مش واصلين لحاجة في حياتهم وحياتهم عشوائية وعفرتة، مثلاً لو الميزانية بتاعتي تسمح أجيب استديو كامل متكامل فمش هينفع، زي ما جبنا استديو مثلًا حلو، بس لا يليق مع الفكرة لانهم ماعندهمش أكسيس للمكان ده، الدراما نفسها ساعدت في الموضوع ده..»

«كل اللي قدرت أعمله إني أنظم لهم الحاجة اللي بيطلبوها»، هكذا لخصت سارة الشاذلي دورها في إنتاج «نسر السين»، وشغلت عدة أفكار إنتاجية قطاعات من الجمهور، مثل شكل وتفاصيل الاستديوهات واكسسواراتها العشوائية، خاصة استديو «صاصا» الذي شهد معركة العرائس مع شبيه ويجز والسرب، وتقول عنه سارة «اللوكيشن بتاع الاستديو وشبيه ويجز، ودورنا عليه في درب 17 18، وكان فيه استديو أرخص بس كان شكله حلو قوي ولكنهم اختاروا ده، عشان مش هينفع يروحوا حتة حلوة، ودي غرف بتتأجر للفنانين الرسامين وكده، متر في متر، وجهزوا المرتبة عشان الصوت والاكسسوارات، واللي عنده آلة جابها وجابوا الجيتار اللي هيتكسر وغيره»، وبحثت سارة على «عرائس شو» تشبه الكابوس، بناءً على طلب المخرجين، ووجدتها بسهولة خاصة أن «الشباب كانوا متحمسين وبيحبوا التصوير وتيك توك وجم جاهزين، واتدفع لهم أجر طبعًا».

caption

ولم تخرج «العرائس» وحدها في الحلقة الرابعة كالكابوس، بل قد تتفق معي أن التفاصيل الإنتاجية جعلت العمل نفسه يشبه الحلم، قد يكون في منام عمدة وعقله الباطن، ولكنه حلم من أحلام «نومة العصرية» العبثية الغريبة، تجتمع بها الإحساس بالعظمة مع الفشل مع الموت، بعد خناقة مع عالم ديزني وشبيه نجمه المفضل في غرفة مضيئة بالكهارب، وأخيرًا الرقص والغناء في جنازتك على أنغام: «سهلة زي يوم الحد.. مش هانيجي بجد.. والشجرة واقعة على نفوخي بس أنا ماسك طولي..»، ويحضر أصدقائك خبيرة تقطيع تورتة من شرم الشيخ خصيصًا لقطع صورتك عليها، كما حدث في الحلقة الخامسة والأخيرة.

اعتمد المخرجان على عدة حيل إخراجية لتأكيد الوضع الإنتاجي لنسر السين مثل تعمد اهتزاز الكاميرا أو تقطيع الصوت أحيانًا، أو اختيار طريقة الإضاءة المظلمة أو الباهتة في بعض المشاهد، ومنها أيضًا كما يقول الألفي: «زي الحلقة الرابعة التصوير كأنه من ستوري بموبايل هانز، القرار الإخراجي في الحتة دي إن المصورين هيبقوا مع عمدة وهو رايح لمروان موسى، فطبيعي مش هنبقى معاهم وهما بيخطفوا ويجز، وفيه جزء ما اتكيناش عليه قوي إن حتى المصورين 'مكتب كريم وكريم' مش جامدين قوي برضه، وإنهم مكتب أفراح والمكتب نفسه مش واخد فلوس»

بهذه المعطيات الإنتاجية يعتبر الألفي الحلقة الرابعة هي أكثر الحلقات تكلفة: «غير المجاميع أجَّرنا ميكروباص وتاكسي واستديو، غير استديو الحلقة التالتة، وده كان استديو في بيت وعشوائي، والحلقة الرابعة كنّا بنتعامل بحاجات برّانا إحنا كشباب، وكنّا استهلكنا حاجتنا وشقتنا وكله»، بالإضافة إلى أنها أكثر حلقات تفاصيل «أكتر حاجة مكتوبة بالتفاصيل الحلقة الرابعة عشان كان فيها أحداث وتفاصيل».

من كواليس التصوير

ويؤمن شريكه كريم مرتضى أن إمكانياتهم ومعداتهم كانت قادرة على جعل العمل أكثر جودة واحترافية، ولكن ذلك سيضر فكرة وسياق «نسر السين»: «بنستخدم معدات كويسة، وكلها حاجات سينما واحترافية بتاعتنا، في الأول ومع الوقت كانت كل حلقة بتزيد عن اللي قبلها أكتر، وكنت بصور من زمان أنا وكريم ومعانا حاجتنا، وقولنا هنخلي التصوير فيه حركة سريعة مهزوزة من الكاميرا زي في الشارع، وكان ممكن نخلي الإنتاج أعلى بالإمكانيات والمعدات اللي معانا، بس هتاخد حتة من الفكرة وهتشيل فكرة التلقائية والطبيعية وماشية مع قصتنا إن كريم وكريم للمناسبات، ودي مش حتتنا برضه زيهم في الراب»

استمر الجهد الإنتاجي وراء «نسر السين» في خدمات ما بعد التصوير، والتي كانت الجزء الأعلى كلفة إنتاجية، من واقع تجربة مرتضى بالعمل: «أكتر حاجة متعبة ومكلفة كل ما بنقرب لآخر حلقة التكلفة بتعلى والبوست برودكشن كان أكتر جزء متعب، ورُحنا لناس توب ومحترفين واشتغلنا عليها والموضوع ده ساعد..»، وتولى كريم الألفي مهمة المونتاج، والتي أخذت منه جهدًا كبيرًا خاصة في اللمسات النهائية، ومن واقع تجربته أيضًا يتفق أن «الجزء بتاع التلوين كلّف برضه»

 فكرة الإنتاج المستقل والتشاركي في تجربة مثل «نسر السين»، تجعل الإجابة عن السؤال حول كم كلف العمل إنتاجيًا صعبة، فيراها كريم الألفي «موضوع نسبي ممكن تعمل فيلم قصير مكلف جدًا وممكن تعمله بألف جنيه»، وفي نفس الوقت فهناك احتمالات للخسارة المادية في حال فشل المشروع، ولكن كريم مرتضى لم يخف من الخسائر لأنه «في الأول والآخر عملنا مشروع طموح إحنا بنحبه من الأول، ولو الواحد بيعمل حاجة بيحبها لو نجحت أو لأ، المهم تكون عجباه ومقتنع أنه عامل أفضل حاجة بالإمكانيات اللي كانت معاه، نجح أو اتشتم إحنا شايفينه كويس»

وإذا لم يحقق العمل أرباحًا مادية، فهو في النهاية أتى بمكاسب أكبر كما يقول مرتضى «إحنا برضه اتعلمنا منه جامد، وده كان أول مرة نعمل حاجة زي ده في المستوى ده، ودي حاجة مهمة وناس كتير لقت نفسها، مداح مثلًا بقى مايل للتمثيل، وعمدة لقى نفسه في الحتة دي وفي الكوميدي، وهوبز في الحقيقة بقى يعمل مزيكا، وأنا شايفهم موهوبين جدًا».

«مفيش مونتاج»

نسر السين: مسلسل ولّا برنامج؟

أثرت طريقة إنتاج «نسر السين» في طريقة تصنيفه فنيًا وفي تلقي الجمهور له، خاصة بسبب اختلاف طريقة السرد به «موكيومنتري»، غير المعتادة في الإنتاج الفني العربي، وهو دراما وثائقية هزلية، بهدف الـ«بارودي» أو السخرية. ففي «نسر السين» نرى هذا الاتجاه، باختلاف طريقة الحكي ما بين كتابة بعض الأحداث أو التعليق الصوتي للشخصيات على الأحداث، بالإضافة إلى المشاهد الوثائقية لحياتهم ومقابلات معهم وفلاش باك للأحداث أحيانًا وغيرها، بجانب يشبه الكاميرا الخفية بمفاجأة الناس في الشارع بشخصية «نسر السين»، لذلك يعتبره البعض «برنامج» وآخرين «مسلسل»، واعتقد آخرون في المشاهدة الأولى للعمل أنه عمل حقيقي بالفعل.

توصل كريم وكريم لطريقة السرد في «نسر السين» بناءً على تجارب سابقة لهما ومن تجارب أخرى شاهداها وتأثرا بها، يتذكرها كريم مرتضى: «طريقة السرد جات من حاجات كتير كنت بتفرج عليها زي مسلسل the office، وزي 'بورات' وThe Real Bros of Simi Valley وغيره، وفي 2015 كنا مصورين حاجة مع كريم شبه نسر السين في 4 حلقات وكانت بالتليفون بناس تقف قصاد الكاميرا تتكلم وبتاع، ومع الوقت قولنا ليه مندخلش الستايل ده في فكرة حلوة وأحسن، وقولنا نجرب والستايل ده عارفينه وبنحبه».

The office

وبسبب الاستايل المبتكر تخوف كريم مرتضى وزملائه من أن يأتي بنتائج عكسية لدى المتلقين «كان فيه مخاوف إن الناس تفهم الاستايل ده، وفي الأول الناس مكانتش فاهمة إنه مش بجد، وخفنا يكمل على كده وقولنا اللي خايفين منه هيحصل، ومع الوقت الصورة وضحت والحمدلله». وشاركه كريم الألفي نفس التخوف مع عرض الحلقات الأولى «أول ما نزلنا الناس كانت متخيلة إنهم بجد وناس مش فاهمة، كان مهم انه يبان كأنه بجد، وعلى قد ما هو كان حاجة مخيفة إن الناس مش فاهمة إنه مش بجد، وناس تسأل مين دول اللي أحسن رابرز في مصر؟ وخوفنا الموضوع يقف على هنا، ومن أول الحلقة التالتة الناس ابتدت تفهم، وده يرجع إنه معكوس على تمثيلهم، وده بسبب إنهم طبيعين»

تشكلت طريقة السرد في «نسر السين» والاستايل المختلف من جلسات المونتاج التي تولاها كريم الألفي: «أكتر حاجة اشتغلنا فيها المونتاج، بالذات في الأول لأن الرسمة لسه مش متكونة ومَا عندكش ريفيرنس [مرجع] عالأقل عربي لده، إحنا كده كده كنا عارفين إنه وثائقي، لكن الفورمات الأخير اللي one -one وتقطع على حدث أو تعكس على حاجة بيقولوها أو تعمق اللي بيقولوه، دي جت مع الشغل والمونتاج، اكتسبناها في أول حلقتين، كنا بنصور مشاهد كتير وإزاي تاخد من ده وتعمل حاجة منها، فمش هتسيب الناس تقعد تتكلم»

 تحول تحدي ضعف الميزانية في «نسر السين» إلى مصدر آخر للضحك وطريقة إضافية للسرد، بإضافة صراع جديد بين أعضاء الشلة وفريق التصوير، والمنازعات بينهم مثل إصرار هانز على الإشارة بإصبعه الأوسط للكاميرا واقتراحه أن تقص في المونتاج، ولكن لا يوجد مونتاج لدى مكتب المناسبات، وتملص منهم الجميع في النهاية بعد وفاة عمدة حتى انتهت ببحثهم عن محامي متطوع للحصول على أجورهم. 

كانت هذه الحيلة الإضافية متفق عليها من البداية كما يقول الألفي: «خدنا قرار مش هنظهر شخصيًا في الوثائقي، بس يظهر إيه السبب إننا بنسجل، إن هوبز جابنا عشان يرصد رحلة صعود عمدة وبناء على هذا إحنا موجودين عشان كده بنتفاعل معاهم ونزق معاهم في الأسئلة لو بيحوروا، وزي لقطة الفلوس في الاخر.. و one shot في البداية كان فيه أصحابنا وصحاب صحابنا وأنا اللي كنت بصور، وهي مقصودة ومَا فيهاش قطعة، وأنا وكريم قررنا هناخدها وتبقى الفاتحة للشخصية والسايفر، وكله عمال يزق في بعضه ومش عارفين عمدة فين ودي تبقى لقطة تاخد المشاهد»

وبرزت تقنيات تصوير مميزة في العمل بسبب هذا الاتجاه مثل المشهد الافتتاحي في معركة السايفر وتصويرها one shot داخل جراج مظلم مليء بالشباب والمشاحنات إلى أن وصلت إلى عمدة داخل السيارة، لتكون افتتاحية ملحمية تناسب إحساس أهمية نسر السين، وكذلك تصوير مشاجرة أعضاء السرب مع العرائس داخل استديو ضيق مليء بالتفاصيل والأشخاص.

دراما نسر السين: «عمدة نام مقامش»

أنتجت هذه التوليفة الإنتاجية والارتجالية مع الجهد الكبير في المونتاج عملًا مليء بالدراما والتفاصيل أيضًا بجانب الضحك، فهي على الورق قصة بسيطة حول شاب يؤمن ظاهريًا بموهبته الفذة في الراب، ويعامله المحيطين به على هذا الأساس، ورغم التقديمة الأسطورية التي حظي بها في السايفر إلا أنه يمر بلحظات شك داخلية في طريقه وأهميته عند اقترابه أخيرًا من ملامسة النجاح بمقابلة ويجز ومروان موسى، فيلجأ إلى الدعوات «يارب ابقى رابر مشهور يارب.. يارب ابقى أشهر واحد في الدنيا في الراب يارب.. يارب الراب يوصل للناس يارب».

caption

وفجأة انهار كل شيء في لحظة عبثية بعد هجوم العرائس على استديو «صاصا» وتدمير «هارد» تيمو، دخل بعدها عمدة في حالة إحباط واكتئاب وانعزل عن السرب وشعر بالوهم لأول مرة «عايز أبقى رابر مشهور يا تيمو.. حاسس إن عندي الموهبة بس مفيش حاجة»، وفي لحظة عودة الأمل بعد نجاح تيمو في إشعال شغفه مرة أخرى «هنبتدي من بكرة وهنعمل مزيكا وهنحط راي على تراب وتراب على شعبي وشعبي على تراب على راب وهنعمل لونّا». مات عمدة في ظروف غامضة ودرامية، في لحظة كنّا ننتظر تصاعد الأحداث بعدها خاصة أنها تحتمل المزيد من الحلقات والمواقف قبل الحلقة الخامسة الأخيرة، ولكن عزاءنا أن عمدة حظي بوداع لا يقل أسطورية عن تقديمته.

قصة درامية- عبثية، تعددت بها مصادر الضحك أيضًا، أبرزها اعتماده على السخرية من «الراب سين» والعالم الضيق للـ«المزيكاتية والآلاتية» الذي لم يستهلك بَعد، ولم يلحق المشهد في الاستقرار لفترة حتى يتحول إلى كليشيهات مضحكة مثل الغناء العاطفي مثلًا، ورغم أن الراب سين لم يمر عليه أكثر من خمس سنوات في الذروة، إلا أن عمدة يستغرب عدم استغلال ذلك المجال من قبل في الكوميديا: «المجال ده ماتريال ابن وسخة، ومستغرب إزاي الماتريال ده محدش استخدمه، ودلوقتي الراب بقى مشهور وإزاي الناس مش واخدة بالها فيه حتة كده مش متشافة، اللي هو قشطة حاجة عالرايق.. اكتب «راب شارع» هتلاقي فيديوهات هتشوف إن نسر السين ده حقيقي، وفيه ناس كده حقيقية بجد، متسوحة التسويحة دي، ودول كتير مش واحد بس، وفيه معروفين ومش معروفين وهي دي اللقطة وحلاوتها في كده»

بحثت بالفعل عن «راب شارع» على يوتيوب، ووجدت مئات الفيديوهات لشباب لديهم نفس كونسبت «نسر السين»، مئات الفيديوهات المصورة لشباب ورابرز في معارك كلامية وخناقات، إحساس عارم بالأهمية والقوة والشهرة والنجومية داخل جراجات مكتظة بالعشرات،  حتى أن عدد من مشاهير الراب الحاليين بدأوا شهرتهم من هذا العالم السفلي للراب.

لكن عمدة شاهد هذه الفيديوهات قبل دخوله «نسر السين» وكون فكرته الرئيسية وخلفيته عن مجال الراب من علاقاته السابقة به: «أنا إخواتي ليل بابا وأبو الأنوار وشباب المكسيك وكنت مشارك في كليب 'باشا اعتمد'، وكنت بسمع الجيل القديم، وأبيوسف خلاني أسمع مصري بعد كده وكل الراب، وبرضه بحب اتفرج عالراب والباتل والحاجات دي، الحاجات دي فيها ضحك جدًا، وأنا واخد حتة منهم ومن إيه العبث اللي بيحصل ده، مكانش فيه حد في دماغي لمّا عملت الشخصية دي، وكنت فاكر إن الناس هتقول إني بقلد حد معين، والفكرة كل واحد على طبيعته وعمل الكاركتر ويلّا بينا».

«أنا لسه مخلصتش»: ماذا بعد «نسر السين»؟

لم تنته رحلة عمل «نسر السين» على كل هذه العوامل السابقة فقط، ولكن بذل أيضًا الفريق مجهود آخر في تسويق العمل، وإرساله لصفحات الراب، استكمالًا للجهود الذاتية والجماعية في تنفيذ العمل، قال عنها كريم الألفي: «كان فيه مجهود جامد قوي وكان الفريق سارة وكريم وأنا، إزاي نوصل ومفيش حد نجم ولا حاجة يساعد، استخدمنا السوشال ميديا وصفحات الراب، ونحاول نزق في تيكتوك، وابتدى الموضوع يتحرك وكله بجهود ذاتية، وفي المرحلة الأخيرة ابتدا يسوّق نفسه، في الأول لو جبنا 3 آلاف مشاهد أول يوم كانت حاجة عظيمة، بعدها انتشر، خصوصًا بعد تفاعل الرابرز مع الموضوع، هنا الموضوع ابتدا يمسك نفسه وما بقاش محتاج تسوق له».

caption

شعرت سارة الشاذلي بالقلق بعد مساعيها للترويج للعمل بسبب اعتقاد البعض أنه عمل حقيقي، وتحول القلق إلى خضة بعد النجاح في الحلقة الرابعة، ورغم ذلك فهي كانت واثقة من نجاح العمل رغم قلة الإمكانيات ومخاوفها من ردود الفعل: «كان عندي ثقة رهيبة وقُلت لهم لازم ينزل، ويا جماعة إحنا عملنا حاجة مختلفة، وكلنا فاكرين إنه لذيذ من ردود أفعال ناس صحابنا، بس مَا كناش عارفين الناس هتستقبله إزاي والناس هتضحك ولا لأ، وبعد أول كام حلقة حاولنا نعمل دعاية على البيدجز بتاعة الراب وكانت فيه ناس بتكتب مش أحلى كومنتات، وفيه ناس بتشتم وناس فاكرة إنه حقيقي وكنّا مقلقين، وأول ما وصلنا للحلقة الرابعة كلنا اتخضينا..الراب سين ابتدى يقوم شوية، والعمل بيضحك، والضحك اللي هو مختلف، وكله عاجبني بس تمثيل الشباب والفكرة أكتر حاجة عجباني»

وعلى عكس سارة، لم يتوقع عمدة الصدى الواسع لنسر السين، لدرجة أنه شعر أن «دمه تقيل» بعدما شاهد العمل أكثر من مرة على مدار عامين: «توقعت انه هيضرب بس عالضيق مش بالطريقة دي، اللي خلاني أحس إنه ضرب لمّا الناس اتكلمت زي هشام ماجد والكُتّاب والناس اللي ملهاش في الراب، وتوقعت أنه هيضرب في حتة الراب بس وده جمهور صعب جدًا»

مثّل «نسر السين» بالنسبة لي نتاج ثقافة الهيب هوب المتصاعدة في مصر، وبداية مرحلة جديدة في الإنتاج الكوميدي للسوشال ميديا، التي اقتربت هي الأخرى من دخول مرحلة حرجة في الكوميديا مثل التلفزيون والسينما، بالاعتماد على كوميديا الانفلونسرز أو تيكتوك، والفيديوهات الشخصية التي يدخل نجومها بعد ذلك في المنظومة التقليدية التي تعاني من فقر الكوميديا من الأساس، ولكن الجديد في «نسر السين» أنه إنتاج منظم وجماعي ومخصص ليوتيوب والسوشال ميديا من الأساس، واتفق معي كريم مرتضى بها: «الناس بتقول إنه رجعنا للعصر الذهبي لليوتيوب والمحتوى ده، والعوامل كلها على بعض خلت الموضوع ينجح كده، مخططين للموضوع من زمان اننا مكملين بس مش متخيلين النجاح بالسرعة دي»

«كل حاجة في وقتها ومكانها ومشيت صح، مثلًا الوقت والممثلين والكيميا بينهم، وطبعا حتة الكوميدي» هي وجهة نظر كريم مرتضى كمشاهد وليس كصانع في «نسر السين»، حيث يشكو بصراحة من أن «الكوميدي مؤخرًا وقع تمامًا الصراحة»، وأن الجمهور مُتعطش لمشاهدة أي جديد بها سواء في التلفزيون أو يوتيوب «البرامج دي مش موجودة والكوميدي كله معتمد ع الإفيهات، وده راحت عليه شوية، وإحنا عملنا كوميدي جديد مفيش إفيهات، الواحد بس عايش مع الشخصية، وهما مضحكين، وبيقولوا الحاجات في الوقت الصح، ودي حاجة جات رباني، وإحنا عارفين انهم الكاست الصح، بس ما تخيلناش الكيميا العالية بينهم كده»

«إحنا بنشجع بعضينا، تأثير الراب غيّر حاجات كتير، غيّر طريقة كلام ومصطلحات وكل دي حاجات بتنمي بعض، المزيكا بتتطور هتلاقي السينما بتتطور..»، هي وجهة نظر كريم الألفي في العمل كمشاهد أيضًا، وفي نفس الوقت بصفته فنان مستقل «فيه حتة دلوقتي مَا لكش عذر قوي إنك تقول مش معايا شركة إنتاج مش زي زمان، إنت ممكن تشتغل لوحدك والمعدات مَا بقتش غالية ودي بتساهم تلاقي أصوات مختلفة وفورمات جديدة، واحد زي أبيوسف مثلًا كان بيسجل في الدولاب بتاعه، وإن شاء الله نشوف حاجات جديدة»

«مش حاسس بحاجة» هكذا أجاب «عمداني» بطريقة كليشيهية بعدما سألناه السؤال الكليشيهي للممثلين «حاسس بإيه بعد نجاح نسر السين؟»، وصدمنا عمدة أنه رغم كذلك ما زال لا يسعى لاحتراف التمثيل بشكل كامل: «أنا من قبلها قشطة شوية كنت بنزل فيديوهات ساعات بتسمع فاللي هو قشطة، بنزل استوريز بس، زي أي حد طبيعي ومعاه صحابه وبهلس عليه لحد زي مانت شايف كده، وأنا صغير ما كنتش عايز أمثل ولا في دماغي وكنت بحب المزيكا أكتر وأحب أحضر حفلات وأركز مع الناس دي»، لم يسع عمدة للتمثيل منذ صغره بل جاءت الفكرة «على كبر» بعد أن شجعه الناس ونصحوه بالتركيز على التمثيل ورأى رد الفعل على فيديوهاته «لقيت الناس مبسوطة وتشجعني فقُلت أجرب، بس أنا الصراحة مش مستنيها قوي، مش محمد رمضان مثلًا أروح أسعى واقف على مسارح وكده، ودي صدف وكرم من ربنا»

يمتلك عمدة طاقة تمثيلية وكوميدية فطرية وجبارة، برزت من فيديوهاته قبل «نسر السين»، قد تكون تلك مجرد بداية لمشروع نجم كوميدي جديد، ولكنه لا ينظر إلى أبعد من وضعه الحالي حتى الآن «حوار الإعلانات والكليب خلتني اتشاف أكتر وخلت الناس تشوف الاكونت وتدوّر عليَّ وكده، وعرفت المخرجين في نسر السين من فيديوهاتي على انستجرام، مش عارف لو جت ليّ فرص للتمثيل مش هقول لأ، بس مش قادر أسعى لها، بس مركز مع شركة سكيما، ولو ربنا كرم هنكمل مع بعض وهما الشغل الأساسي»

في النهاية حاولتُ استغلال حديث كريم مرتضى في النهاية لكي يسرب لنا سرًا عن الموسم الثاني لـ«نسر السين» إلا أنه اختار ترك كل الأبواب والاحتمالات مفتوحة «دلوقتي مش هينفع نستنى كتير ولازم نبتدي وحاجات من عالم نسر السين برضه ومن روحه، وبرضه نفس الفكرة بس فيه أفكار تانية وفيه لسه أفكار كتيرة، وقُلنا هنراكم قريبًا، والناس تستنى وتشوف، وفيه ناس بتحاول تفسر وكده بس بنسيب لهم الحتة دي.. كله نجاح مش من ناحية واحدة وكل اللي شارك برّه وجوه والدعم والناس اللي في السين والفضل يرجع لكل الناس دي وشلة ناس كبيرة وكله».

caption

« الشو انتهى.. راح.. الكلام ده كمان خمس سنين تاريخ» 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن