تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رومان بونكا.. هنا وجد ضالته

رومان بونكا.. هنا وجد ضالته

كتابة: شريف حسن 9 دقيقة قراءة
رومان بونكا من الفيلم التسجيلي city of sounds  عام 2015

في حلقة من البرنامج الرمضاني «حوار صريح جدًا جدًا»، عام 1989، استضافت المذيعة منى الحسيني المطرب محمد منير، وكان أحد أسئلة الحلقة «ما هي أسوأ لحظة عشتها في حياتك؟» وكان رد منير: «فيه لحظات كتير، أنا فقدت بالإضافة لأبويا وأمي ناس كتير مع الزمن، ودي حكمة الحياة، لكن أنا فاكر من تلات أو أربع سنين، كنت بغني في راس السنة في عاصمة عربية، وقدمت هناك أسوأ حفلة في حياتي، لأن في اليوم ده جالي نبأ وفاة عمر فتحي. غنيت. كان لازم أغني، بس غنا دمه تقيل».

كان ذلك الحوار أول ما جاء في ذهني عند سماع خبر رحيل رومان بونكا (1951-2022)، كيف سيغني منير في حفلته القادمة بعد أقل من شهر في الإسكندرية، بعد غياب عشر سنوات عن عروس البحر؟ شعور مخيف وحزين أن تفقد أصدقاء العمر واحدًا تلو الآخر خاصة مع تقدم العمر، رحيل محمود أبا اليزيد مدير أعماله وابن عمه وزوج شقيقته منذ عامين، تلاه إصابة رفيق الرحلة عازف الكوله عبد الله حلمي بسرطان الحنجرة، ثم رحيل بونكا بعد معاناة مع السرطان أيضًا. 

لم يكن بونكا مجرد عازف استهوته الموسيقى الشرقية وآلة العود، بل كان واحدًا من أهم الأسباب في مسيرة منير لتقديم البوب المصري بشكل مختلف تمامًا عما يدور في الساحة الموسيقية المصرية، لذلك حزن جيل الثمانينيات والتسعينيات على رحيله، لأنه يعلم حقًا أهميته. كيف جذبته الموسيقى الشرقية؟ ولماذا قرر التعاون مع منير دونًا عن كل مطربي مصر في الثمانينيات؟

أكثر من 50 عامًا قضاهم بونكا في رحاب الموسيقى بشكل عام، والتنقل بين أنواعها المختلفة، التعرف عن قرب لثقافة الشعوب بجانب موسيقاهم. كانت زيارته الأولى لمصر في مطلع الثمانينيات، وقبل أن نحكي تجربته في مصر ومع محمد منير، لنتعرّف على حياته قبل هذه المرحلة.

قبل مجيء بونكا إلى مصر، كانت له رحلة طويلة من التجارب والبحث والتعلم والسفر. ولد في ألمانيا عام 1951، في أسرة موسيقة، لأب يعزف الجيتار. خلال مرحلة الطفولة تمرّن مع أسرته على الموسيقى الألمانية التقليدية في ذلك الوقت، إلا أنه مع بداية مرحلة شبابه المتزامنة مع انتشار موسيقى الروك وثقافة الفرق الموسيقية، قرر البحث عن موسيقاه الخاصة خارج إطار العائلة، فكانت موسيقى الروك والجاز هما البداية. وبعد التنقل بين العديد من الفرق الموسيقية، انضم لفرقة «Embryo» وقدم معها عدة ألبومات ناجحة في ذلك الوقت بين الروك والجاز، وعزف معها أول آلة شرقية «الباغلاما التركية»، والتي عُرفت بفضل وجود الكثير من الأتراك في ألمانيا.

بونكا في إحدى حفلاته نهاية الستينيات

السفر الكثير خارج ألمانيا بنية اكتشاف الموسيقى المختلفة بثقافاتها الحاضنة، وانفتاح بونكا على الألوان الموسيقية المتنوعة، كان سببًا مهمًا في تشربه للموسيقى الشرقية. استمع كثيرًا لموسيقى الفلامنكو والإيقاعات الإفريقية، وعود حمزة الدين، حتى إنه بعد أن استمع إلى رياض السنباطي في الإذاعة الإسبانية وأعجب بعزفه سجل المقطع حتى يستطيع أن يبحث عنه فيما بعد، ليعرف من أحد أصدقائه أنه أحد كبار ملحني الموسيقى المصرية، وأحد أهم أعمدة تجربة أم كلثوم.

بعد تجوله في أوروبا، وتعرفه على الموسيقى الجزائرية والمغربية، سافر في رحلات خارج القارة، إلى بلاد مثل الهند وأفغانستان، وهي الرحلات التي سجلت في الفيلم الوثائقي «Vagabunden Karawane»، في نهاية السبعينيات مع فرقته. تعتبر تلك الرحلة التجربة الأهم في تلك المرحلة، باكتشافه الموسيقى الشعبية في أفغانستان، والاكتشاف هنا ليس معناه فقط الاستماع للموسيقى، ولكن الاندماج مع الحالة بشكل كامل وبالثقافة والشعب. كانت تجربة مكتملة تركت آثارها على بونكا.

بعد هذه المرحلة، جاء قراره بالسفر إلى مصر، لاكتشاف الموسيقى الشرقية وتعلم العود بشكل أكثر احترافية. فبونكا الذي امتلك عودًا منذ بداية السبعينيات، كان قد اشتراه من تركيا في إحدى رحلاته الفنية، وعزف عليه مع بعض الفرق في ألمانيا، كان يعلم أن عالم العود أكثر رحابة بكثير، وأن تعلم آلة ذات خصوصية مثل العود، يوجب عليه معايشة أجوائها بشكل أعمق. لذلك كانت مصر خطوة مهمة، خاصة بتعرفه على الموسيقي عبده داغر. يمكن مشاهدة تلك العلاقة في هذا الفيلم الوثائقي الألماني عن آلة العود. 

بعد كل هذه المراحل، جاء تعرف بونكا على محمد منير، بمثابة الكنز في نهاية الرحلة، لتبدأ رحلة جديدة ومختلفة ومهمة في مسيرة الاثنين. منير كان يبحث عن تقديم نفسه بشكل مختلف عن كل من سبقوه وحتى عن السائد في تلك المرحلة، خاصة أنه يحمل ثقافة وموسيقى غير مستساغة للمصريين أنفسهم، معتمدة على السلم الخماسي والإيقاعات الإفريقية، وبونكا كان مهتمًا بتطويع موسيقى الشعوب في موسيقاه وتوزيعاته، بتفهم لذلك المزج وتفهم أكبر لأهمية التعايش مع المكان والتاريخ والثقافة. لذلك كان لقاؤهما مثاليًا، واستمر لمدة 40 عامًا.

رومان بونكا مع محمد منير

منذ سنوات وأنا أحب مشاهدة فيديو لا يتخطى الدقيقتين لمنير يغني «تعالي نلضم أسامينا» في صحبة أحمد منيب وبونكا على العود وأشخاص آخرين. مؤخرًا اكتشفت أن المقطع من فيلم وثائقي عن رحلة قام بها فريق «Embryo» الألماني عام 1984، بصحبة بونكا في مصر، للتعرف بقرب أكثر عن الموسيقى المصرية الأصيلة الفلكلورية، واللعب مع عازفين وفرق شعبية، من المولد للأرياف للصعيد والعزف في حرم الآثار الفرعونية، وأخيرًا العزف مع فرقة من فرق الزار في حالة من الاندماج الموسيقي للثقافات، ذلك ما يحب بونكا وما يبحث عنه، وما وجده في الموسيقى النوبية وألحانها بصحبة منير.

بعد ضربة البداية مع منير في ألبوم «اتكلمي» 1983، وعزفه لصولو عود في «بعتب عليكي»، ظهر بونكا مجددًا عام 1987 مع أغنية «وسط الدايرة» في ألبوم حمل الاسم نفسه، بصوت العود المميز في بدايتها. في هذا الألبوم ظهرت أيضًا أغنية «حكمت الأقدار»، من التراث الجزائري وبها دخل منير موسيقى الراي قبل تحقيقها النجاح الكاسح في التسعينيات. كان السؤال من أين جاء منير بتلك الأغنية، لنجد أن الأغنية كانت قد قدمتها فرقة «Dissidenten» عام 1986 تحت عنوان «Telephone Arab»، وهي فرقة ألمانية جزائرية، شارك فيها بونكا مع حميد البارودي، والذي أصبح صديقًا مقربًا لمنير، وكانت بينهما تعاونات أخرى عديدة، أشهرها «إمبارح كان عمري عشرين» والتي غناها  قبله حميد، وهي في الأصل أغنية الهاشمي قروابي، ويمكنك مشاهدة حميد يغنيها بصحبة بونكا في حضور منير. ربما كانت تلك اللحظة التي قرر فيها منير تقديم الأغنية في ألبوم يحمل اسمها عام 2005. 

كان كل ذلك بسبب بونكا الذي كان مفتاح التواصل مع الثقافات الأخرى لمنير، ومحفزه على التعاونات واكتشاف طرق جديدة لتقديم أغنية بوب مصرية مختلفة ولها خصوصيتها. كانت أيضًا فترة التجارب مهمة، مثل تقديم منير وبونكا توزيع مختلف عن الاستديو لأغنية «صفصافة».

مع نهاية الثمانينيات كان بونكا وصديقه «إدجار هوفمان» من فرقة «Embryo»، كونا فرقة جديدة تحت اسم «Logic Animal»، لم تقدم إلا ألبومًا واحدًا، لكن الثنائي قدم توزيعات في ألبوم «شيكولاتة» عام 1989، لأغاني «شيكولاتة» و«يا طير» و«شمس المغيب» و«مزامير». وفي ألبوم «إسكندرية» عام 1990 كانت أغنية «اتكلموا»، كما وزع بونكا أغنية «أدي» من نفس الألبوم. كل تلك الأغاني والتوزيعات كانت تخلق لمنير مساحة ومكانة خاصة به.

فريق «Logic Animal»

أما في التسعينيات، تشعر أن بونكا أصبح أكثر قدرة على التعامل مع الموسيقى الشرقية، فقدّم تجارب موسيقية بعيدًا عن الأغاني، فتعاون مع عبده داغر في حفلة مسجلة باسم «ملك التقاسيم» عام 1993، تحولت بعدها لألبوم، وقدم فيها مقطوعة «Quartertone Bycicle». ثم كان ألبومه الموسيقي الأول بالعود «Color-Me-Cairo» عام 1995، ثم أتبعه بتعاون مع عازف القانون المصري حسام شاكر وفرقته رحالة في ألبوم «إن شاء الله» عام 1997. وفي نهاية التسعينيات كانت مشاركته مع يحيى خليل في ألبوميه «حكاوي القهاوي» و«ألوان».

ألبوم بونكا color me cairo

وفي التسعينيات أيضًا قدم بونكا توزيعين لأغنيتين لمنير، كانت الأولى «يا عندية» في ألبوم «لقاء النجوم» عام 1998، وفيها نجد اللعب المحبب لبونكا مع السلم الخماسي والموسيقى النوبية، ثم نرى بصمته أيضًا في أغنية «افتح قلبك» عام  1999، وتداخل عوده مع الدفوف والدرامز مع جيتار عزيز ناصر. كانت فترة من العمل المكثف لبونكا داخل حيز الموسيقى المصرية بشكل عام والبوب المصري بشكل خاص.

مع الألفينيات وتطور وتغير الموسيقى في الساحة الفنية في مصر، كثف منير تعاوناته مع بونكا، الذي وزع له «قلبي مساكن شعبية» و«حكايتي مع الزمان» في 2001، ثم «مدد» في ألبوم «الأرض والسلام» عام 2002، و«أحمر شفايف» و«ابكي» وحنينة» في 2003، ثم ألبوم «إمبارح كان عمري عشرين» في 2005 ، الذي قدم فيه توزيعات لـ«أيديا في جيوبي» و«بننجرح» و«حكايته حكاية»، ثم «أبو الطاقية» و«نيجيري بيه» و«سؤال» في ألبوم «طعم البيوت» عام 2008، لتدرك من التنوع والتباين في الأغاني وتوزيعاتها وذكرياتك معها، أن بونكا كان جزءًا مهمًا ليس فقط من تجربة منير، لكن من تجربتنا نحن -جيلي- مع الموسيقى وأغاني تلك المرحلة وذاتنا أيضًا.

قدم بونكا تجارب كثيرة خارج إطار منير كما ذكرنا، وصولًا إلى تجاربه مع الجيل الجديد، مثل عازف الإيقاع المصري أيمن مبروك، أو حتى تجاربه المنفردة على العود، أو توزيعاته الجديدة لأغان مصرية مثل «أسمراني اللون» لشادية، بعدما استمع لها من منير، لكن كان توزيعه بعيدًا عن منير والكلمات، توزيع موسيقي فقط، يعزفه هو و«Roland Schäffer». وكانت كثير من تلك التجارب تقع في منطقة الحفلات فقط، ولا تثمر عن إصدار رسمي، فقط من أجل المتعة والتجربة. إلا أن رحلته مع منير كانت أكثر تجاربه التي غلفها الشغف. تجربة توضح رؤية بونكا للموسيقى وشغفه بها، وكيف كانت رحلته طويلة في بلاد وثقافات مختلفة، حتى وجد ضالته في السلم الخماسي، والموسيقى النوبية، ومن حظوظ جيلنا إنه كان في نفس وقت مطرب نوبي يخرج للنور لنقل موسيقاه وتراثه للعالم أجمع.

أتذكر أن مع بداية حضوري لحفلات منير مع بداية الألفينيات، أصبحت نسخ الحفلات هي الأقرب لقلبي، خاصة كلما خرج منير من الإطار المصري، ففيها يأخذ راحته في المزج بين الكلمات النوبية والمصرية في أغانيه، كما أنه يعطي مساحات أكبر للموسيقى والتوزيعات. كان واحد من أهم أسباب ذلك هو بونكا، الذي بدأ يحضر الحفلات مع منير في تلك الفترة، ما زاد ارتباطه بجمهور منير.

ربما كان حضوره للحفلات عرفانًا وشكرًا من منير لرفيقه في الرحلة. تعرف عليه الجمهور أكثر، وارتبط بصولوهاته، على العود كانت أو الجيتار. يصرخ منير باسم بونكا في منتصف الصولو، سعادة به وتقديرًا له ولتجربته معه. لذلك حزن جيل الثمانينيات والتسعينيات على رحيله، لأنه ساهم كثيرًا في تكوين ذاكرتنا الموسيقية، وأمتعنا كثيرًا خارج إطار الموسيقى البوب التجارية.

لذلك كان خبر الرحيل صعب على منير بكل تأكيد بعد تلك الرحلة الطويلة، وقد كتب منير في رثاء صديقه: «لقد فقدت اليوم أخي وصديق عمري الموسيقار رومان بونكا الذي كان بمثابة عمودي الفقري والقاسم المشترك في حياتي الشخصية والعملية.. لقد صنعنا تاريخنا سويًا من الموسيقى الجميلة التي أثرت في كل الأجيال.. سأفتقدك وإلى روحك الطاهرة الرحمة يا عزيزي رومان». ربما تكون المواساة الوحيدة أن أعمال رومان بونكا ومنير ستبقى خالدة وسنبقى نستمع لها ونستمتع بها.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن