«فهمان دنيا وراب»: هكذا تحدث مروان موسى
مع بداية 2019 كان المجال الموسيقي في مصر يتهيأ لاستقبال ذروة الموجة الموسيقية الجديدة وتصدر نجوم الراب الشباب للساحة بعد سنوات قليلة من محاولاتهم الأولى، وأصبحوا الآن من جيل الرواد بعد صولاتهم وجولاتهم في الراب سين منذ ذلك التاريخ. وقتها سمعت مروان موسى لأول مرة في تراك كليب «شيراتون»، لاهتمامي بأخذ فكرة فقط عن هذا اللون الجديد، وتوقفت عند غرابته من الناحية الصوتية والبصرية، حتى أن أذني أخذت وقتها لكي تألف هذه التركيبة غير المألوفة.
جذبتني طريقة التصوير وستايل موسى المختلف عن زملائه، وأدائه الواثق والهاديء غير المبالي وهو يقول: «شايل بس مش متضايق.. مر دايق بس مودي رايق. لسه قايم ليا مدة نايم.. بس دايمًا ع المجال دا فايق، زي ما أنت شايف». كان الانطباع الأول إنه شاب مذاكر جدًا «اللي بيعمله»، ليس من ستايله وثقته فقط، ولكن لأنه بروديوسر التراك، وكان الإيقاع لافتًا. وعززت هذا الشعور اللقطة الأخيرة في الكليب، وهو يجلس منتظرًا انتهائه، حتى يلتفت بعيدًا عن الكاميرا، ويخرج عن الشخصية التي قدمها في الكليب.
تفصيلة صغيرة فهمت بعدها بسنوات إنها ضمن إشارات موسى المستمرة في أعماله وحواراته، أن هناك شخصًا حقيقيًا خلف هذه الصورة الفنية المُتخيلة. عدتُ لزيارة أعماله في فترة 2022 و2023، كان مروان يقدم بها توليفة صوتية مختلفة وبطاقة أقوى من فترة «شيراتون»، في تراكات مثل «بطل عالم» و«حدوتة ألماني». كانت هذه المرة الإشارات أكثر وضوحًا على اختياره أن يظل حقيقيًا ومخلصًا لعالم الراب، بعد رؤيتنا لتطورات الموجة الموسيقية ووضوح شخصيات معظم زملائه.
كانت هذه هي اللحظة التي دفعتني لمقابلة مروان، لاستكشاف هذا العالم من عدسته، وبدافع الفضول تجاه شخصيته الحقيقية التي لا تهتم بحسابات الأرقام والتسويق والظهور في البرامج والإعلام بقدر الاهتمام أن يظل صادقًا ومتسقًا مع نفسه وما يقدمه. وقد يكون أكبر دليل قبوله الجلوس مع صحفي لا يعرف عنه شيئًا سوى تقديره للراب والموسيقى. تحقق اللقاء بالصدفة بعدها بسنوات، وربما لحسن الحظ أنها جاءت في مرحلة جديدة يعيشها بعد ألبومه الأخير «الرجل الذي فقد قلبه».. ننصحك بالاستماع إليه ولكن في نهاية المقابلة.
رسمتُ صورة لشكل اللقاء، متخيلًا إياه داخل الاستديو الخاص به، حيث يعمل ويفكر. تخوفت أن يكون متحفزًا من لقاء صحفي قد يشعر أن في قلبه ذرة شك في الراب، ولكن تبخرت هذه الصورة بعد استقباله المرحب وهو يعد شيئًا لتناوله قبل الاستعداد لتلقي الأسئلة في الشغل، استرجعت حينها كل باراته التي استعرض بها مهاراته في طبخ وإعداد موسيقاه.. «في المطبخ بوراك، في المطبخ بنشيّف».. «في البلد دي أنا حتة تقيلة، باشا دي التتبيلة».. «الصوص في كل حتة معايا التسبيكة».
فكرت في سؤاله عن سر الطبخة الخاصة به في الراب، مسترجعًا حوارًا إذاعيًا معه، كان يشرح به بطريقة الشيف المتمرس كيفية صناعة تراك تجاري هيت: «عايز إفيه جامد، كاتشي كورس، بيت يبقى بيرقص.. فيه خلطة معينة، طبعًا لو كلام بناتي إنت وصلت. دي كلها خلطات بتاعة هيت»، ولكنه لا يفعل ذلك، بل يعتمد مقادير أخرى خاصة به لصنع تراك «كويس» فقط. تجاوزت الفكرة حتى لا أبدأ الحديث بروح مفيد فوزي.
المرحلة الأولى: الشهرة
« مجالنا زي البورصة.. الأرتيست هو السلعة اللي فيها مودّية»

عرفت في وقت اللقاء أن مروان يُبعد نفسه عن قراءة التعليقات على أغانيه بيوتيوب، فاستهليت حواري معه بقراءة تعليق عشوائي لأحد المعجبين على ألبومه الأخير: «مروان اتجنن، وعمل بفلوسه كلها تراكات». لديه حق بالفعل، كيف تطرح في 2025 ألبوم من 23 أغنية عن مشاعر الفقد والحزن والتجاوز وغيرها؟ اعتبرتُها مخاطرة تسويقية وإنتاجية أيضًا، ولكنه كان واثقًا فيما يفعل، ولديه أسبابه: «أنا بحب اللي بينزل أغاني كتير، ومابحبش الناس اللي مابتنزلش أغاني كتير. جزء من إنك تبقى فنان جامد إن يبقى فيه تنوع مع غزارة إنتاج. كده بتثبت أن جواك داتا بيز كبير متنوع».
نفذ مروان 16 أغنية، واستمر في العمل إلى أن وصل عدد الأغاني إلى 27 أغنية، وكان يهدف إلى طرح عدد منها فقط. ولكن قبل أسبوع من الألبوم لم يستطع حذف الأغاني: «مابقتش عارف أشيل أغاني من الآخر. وحسيت إن فيه مراحل، وحلو أفرش الفكرة على مساحة أطول، لأن ليها كونسيبت».
يؤمن مروان أن الألبوم قد يأخذ حقه بعد طرحه بعامين مثلًا، لأنه مر بهذه التجربة في ألبومات سابقة، وفوق ذلك هو يحب الألبومات، رغم صعوبتها في عصر الأغاني السينجل: «بحب الألبومات أكتر، بس حتى أنا ما بقتش أسمع ألبومات.. عشان مفيش وقت في العالم اللي إحنا عايشين فيه. طلّع لي أنت ساعة كده تقعد تسمع فيها ألبوم؟ مستحيل». يوافق على فكرة أنه من الممكن أن نسمع الألبوم بالتزامن مع نشاط موازي في حياتنا، ولكن ذلك يؤكد فكرته أننا «مش زي زمان».
شعرت بالفضول لمعرفة البعد الإنتاجي أو الاقتصادي بالنسبة للألبومات مقارنة بالأغاني المنفردة، ولكنه لا يهتم بهذه الأشياء، ولا يشغل باله بالتسويق «أنا عمري ما أفكر في الحاجات دي، أنا بنتج لنفسي، لكن مابفكرش أو آخد الخطوة بتاعة التسويق، مش مهتم. أصل بيبوظ لي إحساسي بالشغل. لازم تفضل محتفظ بالحتة دي، لأن لو ابتديت تركز في الحاجات التانية هتبقى بتاع تسويق مش فنان».
مع ذلك لم يقصد مروان التقليل من التسويق أو النظر إليه بشكل سلبي لأن «أي فنان من ليفل معين بيبقى بتاع تسويق. بس أنا بقولك فيه نوع تاني، اللي هو أنا مثلًا.. التفكير في التسويق بيبوظ لي الحاجة اللي بحاول أعملها، بحس مافيهاش صدق».
انفتح مروان على الحديث باستفاضة عن الجانب التسويقي، بعدما ذكّرته بالضغوط التي يواجهها الفنانين حاليًا من أجل القيام بمهمات عديدة بجانب الغناء، ومن بينها التسويق وإنتاج محتوى وغيرها، هو يراها غير ضرورية، ويشبهها بموظفين في شركة يتسابقون على جذب اهتمام مديرهم من خلال القيام بمهمات إضافية طوال الوقت من أجله «لو إنت جامد كفاية إنك ما تعملش الحاجات دي فماتعملهاش.. اللي بيعملها هو اللي محتاج يعملها. عن نفسي مش شايف نفسي في براند إني لازم أعمل كونتنت، بس لازم أواكب شوية حاجات، ودي حاجات بسيبها للتيم، يعني أعمل فيديو على تيك توك ومش عارف فين. أنا كمروان بعمل الحاجات دي كجزء من الشغل بس مش بتطلع مني تلقائيًا. اللي بيحصل معايا تلقائيًا إني أعمل مزيكا، وأقعد في الاستديو، وأعمل تراك وبييت وكده». في النهاية كلها أشياء يعتبرها مروان محاولات من الفنان لإرضاء الجمهور أكثر.
تذكرت حوارًا سابقًا لمروان يذكر به أن اهتمامه في البداية بالأرقام جعله يشعر بالضيق، ويشعر أن الفنان مثل السلعة، خاصة أننا كنا في زمان آخر نستمتع بالأغاني دون معرفة أرقامها، أخبرته أن حديثه ربما مثالي أو غير واقعي بالنسبة للعصر الحالي، خاصة أن المشاهدات تُعبّر عن نجاح المنتج الفني وأرباحه، وهي الشغل الشاغل للفنانين الآن، ولكن وجهة نظره أن «حلو أن الجمهور اللي بيسمعك مايبقاش عارف، المشاهدات حلوة لينا إحنا، إن إحنا نشوف ده باع وده كدة كجُوَّه.. دلوقتي أصبح كمان الجمهور في موضوع المشاهدات».
يرى مروان أن وجهة نظره لا تعني أن المشاهدات غير مهمة لأن «زمان كان في مبيعات برضه، بس كانت ظاهرة ليك إنت، مش إن الجمهور يجي يقولك إنت ما بعتش كويس ليه؟! يعني مرة نزلت خمس أغاني مع بعض لقيت واحد بيقولي نزلهم واحدة واحدة عشان المشاهدات تعلى، طب أنت إيه مضايقك؟! أنت المفروض مبسوط، ليه بقى؟ لأنه بيبقى فان لمروان موسى، فعايز يروح لفان فنان تاني يقوله على فكرة مروان جاب 150 ألف. الموضوع بقى زي تشجيع الكورة.. الموضوع اتجسد عندهم كده».
حفاظ مروان على تركيزه على أن يكون فنان في المقام الأول مجهود مثير للإعجاب، ويفضل «عيشة فنان بلاعب السبونسورز استغماية»، كما يتغنى في تراك «ربع قرن». المجهود الأكبر بالنسبة لي هو إصراره على أن يكون متسقًا مع أفكاره وطبيعته، وألا يعطي انطباعًا واحدًا غير متناسب مع شخصيته سواء الفنية أو الحقيقية، فهو مثلًا من البداية إلى الآن لا يقدم نفسه «كشخص خارق» أو «جانجستا»، قوته التي يتفاخر بها غالبًا في أغانيه هي روقانه وروشتنه ورفاهيته دون مجهود، فقط من ذكائه ونبوغه، مثل باراته في تراك «مطار»: «واثق من نفسي مش لازم أتّنك في القعدة وأفهم الناس إني خارق»، ويؤكد عليها في تراك «ودي»: «ما احتاجتش أعمل شبح ولا أتغير ولا أتنكر، أبقى أعملها في عيد الهلع»، وأخيرًا في تراك «عامل إيه»: «مش عايز أعمل أغاني إني جامد طحن».
يملك مروان نظرة مختلفة عن الشهرة وتأثيرها على الفنان، وكان سؤالي في بداية هذا الجزء عن فكرة تفاخر الجمهور بأرقام مشاهدات نجمهم المفضل تتعارض مع خوف بعض المعجبين من شهرة نجمهم المفضل، ورغبتهم أن يظل مقتصرًا عليهم، فاجأني مروان بصراحته أنه مثلهم أيضًا ويريد أن يظل الفنان كما هو بعد الشهرة «أنا كده، بكره الفنانين دول.. مابحبش اللي يخاف على حاجة. إيه يعني اتشهرت وتفضل خايف على اللي بنيته؟! أنا بحب اللي يوصل لأعلى ليفل ويفضل يتصرف كأنه عادي، وبيجنن ويلسع، هو ده الصح.. أنت ليه مصدق أن الموضوع حاجة كبيرة؟»
يشعر مروان بالضيق من الفكرة وراء هذا الموضوع، واتفق معي أن الاستمرار هكذا مع الشهرة مقاومة كبيرة «أعتقد أن الواحد مابيعرفش يعمل غير حاجة واحدة. لو جيت يعني للشخص اللي هو مشهور بس متمرد مثلًا، هو ماكانش ينفع يبقى غير كده، لو حاول مش هيقدر. لو جبت الواد اللي هو بيعمل كل حاجة بتتقال له من ساعة ما اتشهر، ولازم يبقى مشهور كده ويعمل الأغنية المعينة.. الشخص ده تلاقيه هو طول عمره كده. دا اللي أقصده».
يحب مروان الفنان الذي يظل محافظًا على حقيقته مهما نال من الشهرة «عشان هو ده الفن على فكرة، الفن هو حرية، الفن مش أن حد يقولك حاجة فإنك تعمل شبهها، هو فني أكتر إنك تبقى ضد ده، مش فني أكتر إنك تبقى عامل ألبوم ناجح فيجولك تاني يقولك اعملنا نفس الحاجة.. مابيبقاش الموضوع فن».
استدعى حديث مروان عن الشهرة بار «كرهت الشهرة أول ما نلتها، رغم إني حلمت بيها وأنا صغير»، من تراك «شواف» في الألبوم الأخير، استخدم هذه الجملة لأنه «أعتقد وأنا صغير كنت دايمًا بتخيل أن أنا هبقى مشهور، بس مش هعمل حاجة عشان أبقى مشهور، يعني أنا مقتنع أن أنا هعمل حاجة وهبقى مشهور.. ممكن لو هبقى مخرج هبقى مشهور، يعني لو كنت عايز أبقى لعيب كورة كنت هبقى مقتنع، كنت متخيل أن هتحصلي بس أنا مش فاكر أن أنا سعيت عليها.. أنا كنت عايز أبقى مشهور بنجاحي، كنت عايز أبقى مثلًا مخرج عامل أفلام جامدة أو لعيب كورة ناجح..».
المرحلة الثانية: الراب من القمة
«وبدون مبالغة؟ أنا إديت المجال ده عمري»

شجعني شعوري بالارتياح من صراحة مروان في الحديث إلى توجيه بعض الأسئلة الساذجة له عن الراب، من منطلق كوني من خلفية أخرى، وأريد تفسيرًا عن سبب ردود فعل جمهور الراب العنيفة أو تعاملهم بطريقة تشجيع الكرة، كان تفسير موسى لهذه الظاهرة يرجع إلى أن «الراب أصلًا مجال بيقول إني أجمد واحد وأن أنا رقم واحد.. فأي حد بيحب الراب بيبقى عنده ميكس كده أنه مغرور، هو الراب بيعلمك كده، وبيدي لنفسه قيمة عالية قوي، إنك تعلي قيمتك قوي في نفسك، بس في ناس بتاخدها في ليفل الغرور، يعني في ناس بتبقى معندهاش ثقة في نفسها، بتستخدم الراب أنه ياخد ثقة في نفسه. أنا كنت كده، أنا اللي حببني في الراب أنه ساعدني يبقى عندي ثقة أكتر في نفسي».
مع ذلك لم يكن الراب موجود بهذه القوة في ثقافتنا قبل عشر سنوات مثلًا، لذلك انتشاره وتأثيره السريع كان مثيرًا للتساؤل، يفسرها أيضًا موسى بأن الراب وَجد لينك مع الجانب النفسي والإيجو لدينا «في ناس كتير من الجيل القديم أو من الناس عامة من اللي مش ملمين بالراب يقولولك حاجات بمعنى: إيه ياعم ده! وأنا أحسن واحد وأنا أعظم واحد!.. الناس بتاخدها بفكرة أن إحنا في مصر عيب تبقى كده، كويس إنك تبقى إنسان كويس..».
يضرب مروان المثل بنفس الشخص الذي يستنكر هذا الكلام في أغاني الراب، وبعدها بدقائق قد نجده يستخدم نفس الطريقة في التفاخر بنفسه في الشارع أو في مواقف أخرى مع الناس لأن «هو أصلا الراب تعبير عن الإيجو، ويعني كل نوع مزيكا ليها دور ووظيفة، في مزيكا بتاعة أغنية حب في ساعة الحب، وأغنية بتاعة رقص ساعة الرقص.. وفي أغنية الإيجو ساعة إنك لما تبقى عايز بلسانك كدة تقول كلام أن أنت جامد». أما العوامل الأخرى، يلخصها في أن «الراب انتشر في العالم كله، أنت بقى بتشوف هو انتشر في كل حتة في العالم بأنهي شكل، الشكل اللي انتشر بيه بيعبر عن البلد».
طرحت على مروان وجهة نظري أن المهرجانات هي سبب رئيسي في تقبلنا السريع لفن الراب، من الناحية الفنية، خاصة أن انفجار موجة الراب جاءت في مرحلة كان بها الراب قريبًا من المهرجانات أو في ما يسمى «التراب الشعبي»، شهدت هذه الفترة جدالات واسعة حول استخدام الأصوات الشعبية كالصاجات والطبل في إيقاعات الراب، استمع مروان إلى نظريتي باهتمام، وفاجأني أنه لم يفكر في هذا الأمر بهذه الطريقة من قبل ولكنها صحيحة «لما بقى فيه مهرجانات من 2012 ولغاية 2017 و2018، ولما جه الرابرز في الوقت ده، مابقوش يقولوا إيه ده أنت عامل كده ليه؟ ممكن بالعكس يكون المجتمع شافه خطوة أعلى فقالوا له تعالى.. أنا مش بقول إيه الأحلى وإيه الأوحش.. لأنه في الآخر تعبير، هو الفن كده إنك تقول الحاجة. هما دايمًا الراب والمهرجانات فاتحين أوضة على بعض. ودايمًا ده بياخد وده بيدي وكده على طول».
أما عن التزاوج الموسيقي بين الراب والمهرجانات والتراب الشعبي وغيرها من الجدالات حول حدود الجنرات الموسيقية المختلفة، فعند مروان التاريخ بالطبع «أول تراك شرقي كان "الجميزة"، وبعدها ثلاثة أشهر نزلت "البوصلة ضاعت"، وبعديها كان في "بالسلامة" و"دورك جاي" لويجز، وبعديها كان فيه "شيراتون" وكان في "ديناميت" في الفترة دي.. وتقريبًا كان في الفترة دي أنا وويجز ومروان بابلو، كل واحد عمل أغنيتين. أنا عملت "البوصلة ضاعت" و"شيراتون"، وده عمل "دورك جاي" و"بالسلامة"، وده عمل "الجميزة" و"ديناميت" وعمل "جيب فلوس" كمان».
يتذكر أكثر مروان موسى هذه الفترة «طبعًا الموجة بتاعة مروان بابلو كان ليها علاقة بمولوتوف هو وويجز، أنا الموضوع ماكانش بالنسبة لي أنه موجة تراب شعبي، الموضوع بالنسبة لي، إننا ننقل الموسيقى إنها تكون أصلًا مقسوم وإيقاعات. الصدفة اللي حصلت ممكن جدًا جدًا يكون ليها علاقة أن كان فيها بيتات على مقسوم». في نفس الوقت يؤكد مروان أن موجة أخرى نجحت دون هذه التوليفة: «زي "باظت" لويجز، دي ضربت في تراب، زي "فري" ضربت جامد في تراب، وأنا كان ليا "نهاية العالم" ضربت في تراب. الراب أصلًا كان هيضرب هيضرب في الوقت ده، لأن كلنا كنا في السن المظبوط، وكلنا كنا جمهورنا متابعنا، وكان أبيوسف بيسطب بقاله سنين والموضوع كان لازم يضرب. ما كانش في حل».
كانت نظريتي أن القرب من الأصوات الشعبية والمهرجانات جعل من الجمهور غير المهتم بالراب من أمثالي يشعر بارتباط أكبر معه، أو أن هذه التوليفة السبب في نجاحه خارج حدوده، مع ذلك موسى يتمسك بفكرة أن الراب كان سيصل بالضرورة «موضوع الشرقي والمقسوم رمى الرمية أبعد، زودها عشرة متر، بس هي كانت رايحة أصلًا، كانت كدة كدة هتروح، بس دي اللي ودتها أبعد وزودتها. أصل هي كانت بقالها تلات سنين شغالة، وكنا بنعمل أغاني، وكان لينا نوع أغاني الجمهور مستنيها مني، وعايز أولد سكول وعايز تراب وعايز أغنية حب.. يبقى الجمهور مكانش معتمد على الشرقي بالعكس، الشرقي لجلج الجمهور، الشرقي ساعدنا أن إحنا نجيب اللي هما بتوع بره الراب».
يستخدم مروان دائمًا مصطلح «شرقي»، ويرى أن هناك فرقًا بين الشرقي والشعبي «أقولك إيه الفرق؟ أنا أول ما طلعت الفكرة، طلعت قلت شرقي، في دماغي. بعدين لما الموجة دي حصلت كله قال تراب شعبي، وأنا بحب المهرجانات فعملناها تراب شعبي. لما فات كده سنتين تلاتة اللي هو من كام شهر، لاحظت أن أنا مكنتش عايز أوديها في شعبي. يعني أنا هعمل تراك شعبي، وأنا امبارح لسه عامل تراك شعبي، بس أن الموضوع كله يبقى تحت حاجة اسمها شرقي».
وصل مروان إلى فكرة أن الشرقي أوسع وأشمل من الشعبي «لأن إحنا مش بنعمل بس تراب، إحنا بنعمل غربي. الشاب عندي في الراب سين مثلًا بيقوم عامل أنواع تانية زي روك مثلًا أو بيعمل أنواع زي تكنو.. هو الموضوع مش عن إني عايز أخليك تعمل شعبي، الشعبي ده نوع من الأنواع الشرقية. من الأنواع الشرقية في مقسوم بتاع الرقص، في بيبقى ساعات تخت شرقي، في ساعات بيبقى شعبي، فاهم قصدي؟»
واستمرارًا لحالة التساؤلات الساذجة، اعتبرت أن ذلك التوسع والانفتاح الموسيقى يعني أننا قد لا نطلق عليه «راب» في النهاية، لذلك شرح مروان مفهومه الأوسع عن المصطلح «هو إيه الراب؟ موسيقى شبابي». استطرد مروان شرحه بعدما رأى الاندهاش على وجهي من هذا الاختصار: «أمال إيه؟ ثقافة أمريكية اتولدت في.. ماشي، تعالى نطلع أن هي اتولدت في نيويورك.. أصل دي بقت حاجة بتاعت العالم كله، هي بدأت في أمريكا، خلاص بقت في العالم كله. تركيا فيها رابرز، بقى في أيرلندا راب، بقى في اليابان راب. طيب ده إيه بقى لما راح في كل البلاد دي؟ يبقى هو مش الراب الأمريكي، يبقى هو موسيقى شبابي بيسمعها الشاب بصوت عالي بيعبر فيها عن نفسه بالإيجو بتاعه بلسانه».
يربط مروان الراب بالعديد من الأنواع الموسيقية الجديدة الأخرى التي خرجت بنفس الطريقة «كل دي حاجات شبه المهرجان مثلًا، ما المهرجان اتعمل لوحده وبقى كده.. يبقى هي في حاجة اسمها موسيقى شبابي، زي الشيلات مثلًا في السعودية، زي في موسيقى في الهند في تكاتك برضه. يعني من الآخر كده الشاب لما بيبقى عنده 17، 18، 19، 20 سنة بيبدأ يبقى عنده طاقة، عايز يخرجها في المزيكا، بيبقى عنده طاقة متضايق، غضبان، عايز يطلعها في المزيكا. الراب من الأدوات اللي ممكن تساعدك تطلع ده.. فلو أنا مثلًا عايز أخلي الراب شرقي، أنا مش لازم أخليه راب، أنا لازم أعمل موسيقى بخامات شرقي تبقى قوية كفاية أن الشاب ده يعمل عليها شغل شبابي».
أعادني الحديث عن الطاقة والغضب إلى ألبوم مروان الجديد «الرجل الذي فقد قلبه»، لم يقدم مروان في الألبوم تراكات بل «خريطة للحزن» مستوحاة من تجربته الخاصة ومفهومه عن الحياة في هذه المرحلة من حياته وبعد تجاوز اختبارات أصعبها رحيل والدته، بنى مروان الألبوم على افتراض أن للحزن خمس مراحل، الأولى الإنكار، بتراكات تبدأ من حيث انتهى مروان في تراكاته السابقة للألبوم، لا يبالي بشيء، يتحدث عن نفسه وتفوقه في الراب، قبل أن يصطدم بمرحلة الغضب.
يسيطر الغضب على أداء مروان الصوتي وكلماته والموّد الموسيقي العام لأغاني هذه المرة، يتساءل مخنوقًا: «الدنيا جات عليا قوي كده ليه؟ مشيتها دوغري واستفدت إيه؟ على فين؟ دنيا زايفة، ناس هايفة، والغدر ع الخلق اتطبع»، وصلت إلى الذروة في تراك «بص يا كبير»، عزز إحساسها الغاضب والبائس في مشاهد سريالية في الكليب وموسيقى تشبه جرس إنذار الطوارئ قبل الانفجار، قبل الانتقال إلى مرحلة المساومة، بها يواجه الجزء المفقود من حياته المقسومة على صورتين، ويستقبل الشكوك والتساؤلات: «أنا فهمان دنيا إزاي اتخض؟ إزاي تاه مني النُص التاني.. نصي الألماني؟»
سيل من التساؤلات عن الوحدة والندم والموت والانطفاء وغياب الحب والأمنيات المفقودة، تنتهي بالاعتراف بالمشكلة وطلب المساعدة في ذروة مرحلة السواد والعدمية «أنا مجرد إنسان، عنده شوية أحلام، واختفائي من الكون، استحالة هيبان»، حتى نصل أخيرًا مع خروج مروان من رحلة البحث عن قلبه المفقود بندوب وآثار ودروس «طلعت من العاصفة، بس مش بدون خساير»، ونسمع أخيرًا أصوات العصافير في الخارج «شايف الدنيا بالألوان لما ببص من الشباك.. بلاقي هم م الهموم طاير بخفة من ع البال».
استعاد مروان نبرته الحيوية والساخرة في المرحلة الأخيرة من الألبوم، بعد أن ترك المسكنات وأخذ العلاج، بل وقدم روشته من شخص مجرب وليس طبيب، في فهم خريطة الحزن «جربت تقول اللي في نفسك؟ جربت تصارح نفسك تصالح نفسك وعقلك واسمك؟»، واستنتج أن النجاة ليست فردية في النهاية «بساعد اللي داق المُر إزاي وأنا لسه أصلًا ماحاسِبتش مشاريبي، لو شُفت البريء في ضيقة أكيد همِد إيدي، وعارف أن دا بيأذيني بس دا جزء من شخصيتي».
ذكر مروان في لقاءات سابقة أن الألبوم رحلة تعافي نفسي بالنسبة له، ومع ذلك يخبرني أنه لم يفكر في صناعة الألبوم من أجل تفريغ الطاقة فقط، وأنه أراد رسم خريطة لمن يقول دائمًا إنه حزين أو متضايق، على أمل أن يشعر بشيء مختلف «لما أنا لقيت موضوع خمس مراحل حزن، قلت طب ما الواحد ممكن لما بيعرف حاجة ممكن يدرسها بشكل أدق، يعني بيبقى عارف تفاصيلها، اللي هو مثلًا أنا في المرحلة (كذا) فاهم قصدي؟ قلت طب لو أنا عملت الألبوم رسمته بالصورة دي، هل ممكن واحد أما يخلص الألبوم مش يتعالج، يعني يحس أحسن شوية، أو توضح له الصورة بتاعته..أه ده اللي أنا كان نفسي فيه».
هذه الخريطة بالنسبة لمروان ليست «مجرد أغاني حزينة وخلاص»، ولكنها جاءت بدافع منه أن «جزء من دور الفن أن هو يساعد الناس بشكل عملي». وهي نفس دوافع صنع الأغاني الأخرى بالمناسبة «يعني ممكن الناس تقول إن أغنية الرقص مثلًا تافهة بس هي عمليًا الناس محتاجاها دلوقتي عشان ترقص في الفرح مثلًا، فهي حاجة عمليًا مهمة، فنفس الحاجة مثلًا في الألبوم. يعني حسيت اللي هو لو أنا بعمل لك أغنية حزينة أنا عايزها تكون عملية بالنسبة لك في الحياة بتاعتك.. يعني عامة لما بيبقى في أغنية بتساعدك تعيط، الأغنية دي عمليًا مهمة في حياتك، أنا دلوقتي محتاج الأغنية الفلانية اللي بتخليني أعيط لأن أنا دلوقتي حاسس بكده، ولو عيطت هفك هبقى أحسن بعديها، فالأغنية دي هتساعدني عاملة زي حاجة بتفك لك».
المرحلة الثالثة: «حلويات الودن»
«بيقولوا الصورة بـ100 كلمة.. بس أنا الكلمة بـ100 صورة.. والصورة بـ100 فلتر»

أعتبر التجارب الصوتية المختلفة التي يقدمها مروان في أعماله واحدة من أكبر مزاياه، ليس لقدراته التقنية العالية بعد دراسته هندسة الصوت وهكذا، ولكن لمخزون الأصوات الذي يستدعيه في أعماله بطبقات مختلفة، كل مرحلة لها صوت في مسيرته، بداية من ألبوم «فلوريدا» في 2021، كان صوت الدرامز الشرقي عنوان المرحلة الصوتية، إلى أن انتقل إلى الإيقاعات الإفريقية والمغربية والعالمية في مرحلة «برازيلي» و«بطل عالم» وألبوم «عقد احتراف» و«كذا كايرو» وغيرها، وقدم بينهما مزيجًا بين الصوت الشعبي والراب بروح عالمية.
وصل مروان بمرحلة صوت «الرجل الذي فقد قلبه»، إلى مستوى آخر من الناحية التقنية أولًا، بتعاونه في ماسترينج الألبوم مع مهندس الصوت الحاصل على جرامي جو لابورتا، ومع دور رئيسي لأدائه الصوتي في الأغاني في تقديم الأحاسيس والمعاني المختلفة في مراحل الحزن التي عاشها، مع أدوار ثانوية لأصوات بشرية أخرى أبرزها صوت المطربة دنيا وائل، التي لعبت دور المرشدة النفسية له أو صوت عقله وضميره، وتميز مروان في هذه الخلطة التي تشبه الديالوج في أعمال كثيرة أثرت تجربته الصوتية في كل مرحلة.
لذلك تجد متعة في اكتشاف أصوات جديدة في كل مرة تستمع إلى أغانيه، وطبقات موسيقية خلف الموّد العام الذي يخلقه في الأغاني، يخلق مروان تجربة صوتية أو بيئة صوتية في أعماله، وفي مرحلة الاتجاه إلى الموسيقى الشرقي حاليًا، ليس غريبًا أن نجد لمرة نادرة أصوات العود والبيانو والكمان تلعب بشكل حي وواضح في تراكات راب في الألبوم، أو موسيقى الجاز واستدعاءات لأعمال سابقة كأغنية «شجر اللمون» و«إنت كنت غالي»، ومن قبلها تجارب مثل أجواء الموالد وحلقات الذكر في «حدوتة ألماني» وغيرها.
ومع ذلك يعترف مروان أنه ببساطة لا يهتم بمثالية الصوت لهذه الدرجة «في أغاني بتطلع صوتها مش عاجبك، النسخة بتاعتها الأي كلام أجمد 100 ألف مرة من النسخة اللي معمولة، هندسة الصوت فيها روح برضه، فلما أنت بتعملها في الأول وأنت بسرعة وأنت بتعمل أغنية، اللي هو تك تك ومش عارف إيه وتدوس على حاجة وتك تك تك، بترسم فني، بتعمل كده.. لما تيجي بقى بعد كده تقعد ورقة وقلم وبتهندسها، مفيش تايم ليمت، بتقعد براحتك، مابتطلعش الأغنية روحها جامدة، ما بتطلعش الأغنية عاملة كده، بتطلع الأغنية اللي هو مظبوطة. فاهم قصدي؟»
لا تُغني نظرة مروان للهندسة الصوتية عن اهتمامه بإمتاع المستمع صوتيًا «أنا مش بهتم، أيوه أنا بحب التفاصيل، بس أنا مابحبش الاهتمام الأوفر بهندسة الصوت كـ إنه لازم هندسة الصوت.. لأ، بس لازم في حاجات جاية يمين وشمال، لازم في حاجات تطلعلك مش عارف إيه، لازم يكون في مفاجآت في الصوت، حاجات تسحلك أو بيسموها "ear candy"، فاهم؟ اللي هو حلويات الودن.. اللي هي حاجة بتيجي كده تقوم تمتعك بصوتها الغريب يعني، أه أنا بحس كده، إن هو إيه أجمد حاجة؟ إن يبقى الشيء نفسه بيطلع لك حاجات جديدة جوه لما تسمع تاني وتالت، فـ أنا معرفش أنا عملت ده برضه بليفل إيه يعني».
جزء من الحالات الصوتية أيضًا تبني مروان لثقافة «السامبلينج»، أو إعادة استخدام الإنتاجات السابقة في تراكاته، مثل صوت فيروز من قبل في «أمريكا وإفريقيا»، وفي الألبوم أصوات محمد منير وعايدة الأيوبي، ويراها من الأدوار الهامة التي يلعبها الهيب هوب «من الحاجات اللي حببتني في الهيب هوب إن أنا كنت بسمع أغنية مثلًا وأبقى بحب الأغنية دي قوي بعدين أخش كده على موقع ألاقي إنها متسمبلة من مش عارف إيه، فأروح أسمع الأغنية الأصلية.. سيبك من إنها تعجبني، أنا أصلًا كنت بستغرب يعني كأن حاجة جواها عالم تاني، وهو هنا بس واخد شكل صغير، حسيتها كدة حاجة جامدة يعني. فكنت دايمًا بحب أسامبل بشكل أن كأني بسامبل للناس، أن أنا أقول لهم هارش أنا واخدها منين؟»
بجانب الألعاب الصوتية فهي أيضاً تربط الأذن بالقديم من خلال الجديد «عشان تعرف إيه اللي جه قبلك، هو السامبلينج أنا بشوف أن هو مفيد للي أنت بتسامبل له، بيكون اتنسى من الجيل الجديد.. طب أنا عرفت أسامي فنانين أمريكان قدام بسبب كده، أه تخش تشوف مثلًا مين أريثا فرانكلين.. أه ده واخد من بوب ديلان مش عارف إيه، فبتخش تلاقي..».
أعجبت كثيرًا بمصطلح «حلويات الودن»، يختصر كثيرًا في الوصف، وتشجع هذه الخلطة التي ينتجها مروان في أعماله إلى خلق تخيلات وصور بصرية مختلفة لدى المستمعين، بجانب طريقته في الكتابة والوصف -راجع تفاعلات الجمهور مع أغانيه على تيك توك مثلًا- تجد أغلب الأغاني الرائجة له لم يقم بتصويرها من الأساس، وتخرج منها فيديوهات تفاعلية غير متوقعة، أو كما يقول هو في تراك «سحمد»: «بيقولوا الصورة بـ100 كلمة.. بس أنا الكلمة بـ100 صورة.. والصورة بـ100 فلتر».
راجع أيضًا ألبوم «الرجل الذي فقد قلبه» وستجد أغانيه تدفع إلى ذهنك مشاهد عديدة مصورة، اعتقدت أنها ميزة إضافية لديه من دراسته السابقة للسينما، قد تكون أكسبته ميزة الكتابة للشاشة في أغانيه، في حين مروان يرى دراسته للسينما بنظرة أخرى «أنا أيوه كتابتي فيجوال.. وساعات بحط أصوات حاجات في الإيديت، بس أكتر حاجة عمليًا، قعدتي على الجهاز كمونتير هي نفس بالظبط قعدتي دلوقتي على الجهاز. وعشان كده أنا يعني ساعات بقعد دلوقتي مثلًا على الجهاز، أو حصلت لي من سنتين، كنت حسيت أن أنا وصلت لـ10000 ساعة، عارف النظرية دي؟».
يشرح مروان هذه النظرة أكثر «عارف نظرية إن أنت عشان تبقى متمكن في حاجة لازم تقعد 10000 ساعة بتعملها؟ من سنتين حسيت أن أنا وصلت لده في قعدتي على الجهاز، مش كليركس أو أن أنا رابر، فبعدين قعدت أقول إزاي برضه الوقت ده وأنا بقاليش غير من 2017! .. فبعدين حسبت كده أن أنا أعتقد بمنتج من 2008، من وأنا عندي 13، 14 سنة، عندي مونتاج وفاينال كت وبتاع.. فقلت أكيد الـ10000 ساعة، لوجيك منهم شوية ساعات من لما كنت في الأربع سنين بتوع الجامعة وبمنتج، لأن هو لوجيك زي "فاينال كت" ونفس "الإنترفيس" ونفس كل حاجة، نفس الستايل يعني سوفت وير، فاهم قصدي؟»
الجزء التقني والتشابه في البرامج بين المونتاج والميكساج الصوتي، هو ما استدعاه مروان عن تأثير دراسة السينما على أعماله -هذا لا يمنع وجود تأثير على طريقة الكتابة والتوزيع الموسيقي أيضًا- وهذا ما يتذكره مروان عن فترة دراسته التي تركزت على الجانب الإبداعي أكثر من العملي «بتنعكس.. أنا بقولك أنا الحاجات اللي أخدتها كلها كأني مثلًا في حاجة كرييتف، إن أنا بتعلم حاجات ليها علاقة بإنك تبقى مبدع، ماشي؟ بس ماكنتش بعمل حاجة بإيدي غير أن أنا أكتب فيلم أحيانًا، والحاجة التانية اللي فادتني بجد بجد اللي هي شغال بيها لغاية دلوقتي أن أنا كنت أصلًا بتاع مونتاج.. فـ كان لازم أجيب الهارد درايف وآخد وأنقل الحاجة وأقعد أمنتج، فالمونتاج ده كنت بتقعد بالـ8 وبالـ10 وبالـ15 ساعة».
المرحلة الرابعة: زمن الخوارزميات
«الكلام كان على فن وإبداع»

يعطي مروان في تراكاته دائمًا إشارات إلى قضايا وموضوعات أوسع من محيطه الضيق أو ذاتيته، قد نستنتج عنها فلسفته الخاص في النظر إلى العالم، منها إشاراته العديدة في تراكاته عن حرية الاختبار مثلًا، بدأها في تراك شيراتون «زي ما يكون كل اللي بيحصل مقصود.. ورق مختوم.. دنيا ومصيرنا محسوم»، ووصل بها في ألبومه الجديد «البخت بيتوزع بعد ما الكروت تتفنط.. الدنيا مصيرها متحدد من الأول زي السكك الحديد»، وشهد الألبوم إشارة أخرى إلى تأثيرات التكنولوجيا والسوشيال ميديا، كما يقول «التكنولوجيا أكتر حاجة فادت وأذت جيلنا.. زرعت في الناس كلها جنون عظمة بلا استثناء».
كان غريبًا أن أسمع رأي نقدي للتكنولوجيا والسوشيال ميديا من فنان شاب، سواء في أغنية أو في حديثي معه، يهتم مروان كثيرًا بتأثير هذه التطورات على الإنسانية «إحنا فعلًا استفدنا، يعني عمرك ما تقدر تقول إن التكنولوجيا في جيلنا عملت حاجة سلبية، هي أكيد ساعدتنا بشكل مهول، بس في نفس الوقت خدت حاجة.. خدت زي الإنسانية يعني فاهم؟ يعني بحس أن إحنا بنتحول لروبوتات، ومش بقولها مجازًا يعني، بقولها بجد أن هو الروبوت إيه؟ اللي هو تكنولوجيا، فأنت لما أنت مثلًا خلاص بقى 40% من اللي أنت بتعمله محتاج تكنولوجيا، فأنت دايمًا بتبقى آلي أكتر، بجد يعني.. هو بجد بيبقى روبوتيك.. أنا مش بقولها كفيلم يعني أو حاجة، فاهم؟»
ميزة أخرى إضافية في مروان موسى، في فهم موقعه وحدوده من كل شيء حوله جيدًا، انتبهت لأول مرة لهذه الميزة في الفيديو التريندي الشهير له «عشان أنت معشتش اللي هم عاشوه»، في نقده لظاهرة الاستيلاء على ثقاقة الهيب هوب في مصر، وتظهر أيضًا في تحديد موقعه كفنان في زمن الخوارزمية، أو كفنان راب في مجتمع مثل مصر، بالإضافة إلى موقع الراب السين المصري في المنطقة ككل والعالم.
ساعد هذا الفهم مروان في تحديد هويته جيدًا، وكان تمسكه بالشرقي ومجتمع الراب المصري وأصوله اختيارًا وليس اضطرارًا، ضمن اختياره العام أن يكون حقيقيًا إلى النهاية، هي ليست إشارات مثل المواضيع السابقة، ولكن تأكيدات وبيانات حالة من مروان في تراكاته الأخيرة «ماسيبتش مصر انا لسه ف بيتي. ماعيشتش fake وماعيشتش زيف. أنا من الأرياف انا راجل البيت، والعيش والملح يا ابويا ما نسيت»، ويفخر أيضًا مروان برحلته إلى الخارج ونصفه الألماني من والدته هو باختصار «شاب جامد عايش في المعادي.. من السبع آبار، ابويا راح مدرسة السماكين.. مارو ألماني بس مصري.. أبيضاني إفريقي».
يتيح موقع مروان له بالنظر بشكل أوسع على حال الراب السين في مصر في السنوات الأخيرة، مثل انتقاده لحاله في ألبومه الأخير «الكلام كان على فن وإبداع، دلوقتي الكلام على ألبوم ونص نص.. مجالنا واقع ودي عليها إجماع»، مازحت مروان أن هذا كلام خطير، ووصل إلى قمة صراحته في هذه النقطة من الحديث «يعني لأ، الأغاني مابقتش أحسن حاجة.. بص أولًا أنا بشوف أن المستوى كله نزل بما فيهم كلنا، بما فيهم أنا. عشان بس ماحدش يفتكرني أنا بقول أنتو، وأعتقد أنه عشان بقينا بنعمل أغاني بتقلد أغانينا، مش بنعمل أغاني جديدة».
يُشبه مروان الوضع الحالي مثل تكرار الزيارات التقليدية والروتينية «عارف اللي هو زي مثلًا أنت أول مرة جيت لنا هنا البيت قعدنا نهزر وقمت قاعد هنا، فأنت هتجيلنا بعد بكرة فمتخيل أن إحنا برضه لازم نقعد في المطبخ، وبعدين نقوم جايين أنا وأنت هنا ونشرب نفس كوباية الشاي، مع أن اليوم التاني ده ممكن يوم تاني، ممكن نطلع نقعد على البلكونة، يعني أنا دلوقتي بقيت لازم أفكر نفسي اللي هو (ولا أتكلم بجد متقعدش تقول..) أصل أنت بتلاقي نفسك بتقول حاجات اللي هي متوقعة إنك تقولها، إنك المفروض إنك بتقولها، كأنك على أوتو بايلوت».
ليست نظرة تشاؤمية من مروان، خاصة أنه يرى أن الراب يستعيد عافيته بعد عام من التراجع «على فكرة ما هي عليها إجماع، ما هو خلاص عليها إجماع، مش أنا اللي بقول، كل حد قالها.. والسنة دي رجع، يعني أنا قلت الكلام ده من سنة، مكتوبة من سنة، بس 25 جامدة، يعني سنة 25 سنة حلوة لغاية دلوقتي كراب».
من أسباب تراجع الراب قليلًا وتعافيه مرة أخرى وفق مروان «حاجتين في مصر بيخلوا المجال يبقى فيه حاجة جديدة، إن واحد يخترع طريقة قوالة جديدة، زي ما مثلًا حصل في الدريل اللي حصل في 2022، يا إما بروديوسر يجي بصوت جديد.. وطبعًا لما تقول صوت جديد مش هنقول الصوت اللي بتوع بره، أنا بتكلم عن ناس زي لما مولوتوف جاب صوت جديد أو لما الوايلي جاب صوت جديد، ناس عملت حاجات مصرية».
منع «التواضع» مروان موسى من ذكر إسمه كبروديوسر مؤثر بجانب مولوتوف والوايلي، بعد سؤاله عن نسيان نفسه، ويكمل وجهة نظره «حلو أن يبقى في حاجة جديدة في أمريكا اسمها (ريج)، وحلو أن إحنا نعرف ننفذها، حاجة حلوة بتبين أن إحنا كمجال راب على مستوى عالمي بنعرف ننفذ الشيء اللي هو كله مودي فيه عالميًا بشكل جامد.. بس أنت كمصر، أنت شايف أن أنت زي ألمانيا؟ أو أنت شايف أن أنت زي إيطاليا؟ أصل دول ما عندهمش صوت، الصوت بتاعهم هو نفسه صوت أمريكي، هو قالب غربي كبير، أنت شايف أن أنت المفروض تبقى زيه أو زي أستراليا.. ليه يا عم؟ أنت عندك أصلًا حاجة أجمد، فاهم؟ بس فدايمًا هيحصل موجة لما حد يعمل كده، أو طريقة القوالة.. لما جت مع الدريل عملت موجة ليه؟ لأن هو جاب طريقة الشارع وقام حاططها بشكل معين جامد».
عمل مروان مع الوايلي في ألبومه الأخير في تراك «ياما» بمشاركة عفروتو، وهنا ذكرت له أن السين يتأثر بابتعاد البروديوسرز مثل اتجاه الوايلي لعمل الموسيقى التصويرية، وفض شراكة مولوتوف مع ويجز ومروان بابلو في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى تأثر السين بإتجاه عدد من نجومه إلى أعمال أخرى استغلالًا لشهرتهم.
تساءلت هل هي علامة على عدم الثقة في صمود الراب لفترة طويلة؟ وأجاب مروان أنها اختيارات خاصة بالأشخاص أنفسهم «كل واحد ومشروعه، فاهم؟ ما ينفعش نروح لواحد هو مشروعه مثلًا مشروع نجم، ونقول له أنت ليه مش عامل مشروع صوت؟ هو مش مشروع صوت يا عم، هو الراجل ده مشروع سيليبريتي، في واحد بيبقى مشروع مثلًا الوايلي مثلًا، تركيزه ده واحد هو أنا عايز أعمل النهاردة؟ كذا، أنا حاسس كذا. ففي ناس جزء من شخصيته إنه بيحب يشوف الدنيا تحركه لفين مثلًا، فاهم قصدي؟ بس السؤال بتاعك أن ليه أنا بقول إن مجالنا واقع ومش عارف إيه؟ لأن ما فيش الشيء اللي هو جه وطور ده بقاله كتير».
حاولت دفع مروان مرة أخرى للحديث عن السين من الناحية الاقتصادية، لربما هناك أسباب مادية وراء عدم استقرار المستوى، أخبرته أن العديد من الفنانين الشباب يشتكون من قلة الأرباح خاصة من إيرادات نسب الاستماع والمشاهدة، وأعاد تذكيري بما قاله في بداية حديثنا «عارف من شوية كنت أنت بتقول حاجة، اللي هو كنت بتتكلم عن ليه لازم الفنان يصنع محتوى؟ فكنت بقول لك إحنا بس بنتنافس على انتباه المشاهد أكتر، فواحد بيجيب له شاي، فالتاني يجيب له تورتة، فالناس بتتنافس على المحتوى اللي هتقدمه للجمهور، ماشي؟ ده عشان إحنا في زمن الخوارزمية، فإحنا لازم كلنا نراضيها، عشان كده الناس بتعمل كل الكلام ده».
يفكر مروان في أهمية التوازن بين الفن والخوارزمية، والتي يبدو أنها مسألة صعبة «دلوقتي الشيء ده اللي هو الألجوريزم، الفنان برضه في الأغنية بيحاول يرضيه، لما فنان بيعمل أغنية والكورس بتاعها بيبقى صوت مثلًا زي "تي تي تي تي"، الحاجات دي اللي هي بتبقى باينة أوي أن هو عايز يرضي الألجوريزم عشان يروح لناس كتير، فاللي أنا عايز أقوله إيه، إن في ناس هتقع دلوقتي، ليه؟ لأن اللي يرضي البتاعة دي بزيادة هيخسر الفن، فمش هيلاقي حاجة يمسك فيها، وفي نفس الوقت اللي يفضل ماسك في الفن بأفورة مش هيعرف، فهو زمن صعب، أنت لازم من ناحية ترضي الشيء ده وتعمل حاجة تترند وتعمل حاجة تجيب والناس تتفرج عليك وتبقى جامد ومش عارف إيه وبتاع، بس في نفس الوقت أنت هتخسر نفسك فنيًا.. عشان كده الراب الناس بتقول هو ليه مابقاش مزيكته حلوة؟»
بادر مروان هنا بسؤالي «أقول لك على حاجة أحلى، الراب في السنة ونص اللي هو الناس قالت إن هو واقع فيه، إيه المجال اللي بقى راكب وبقى رقم واحد في مصر في وجهة نظرك؟»، أخبرته أنها ربما الأغاني الشعبي مثل عصام صاصا ومحمود الليثي ورضا البحراوي وغيرهم، وذكرت أن السبب ممكن لحالة الفراغ في المنافسة.
السبب بالنسبة لمروان ليس الفراغ في المنافسة ولكن «لأن هما متخانقين، هما مع بعض دخلوا في بيف، شوف مستوى الأغنية حصل فيه إيه، الليثي عمل اللي هي بتاعت أنا عم المجال، جايبة مش عارف 150 مليون.. رضا البحراوي رد عليه في أغنية يقوم جايب 40، والأغنية بتاعت الليثي أجمد من اللي كان بيعملها السنة اللي قبلها، لأنه متخانق دلوقتي فلازم يعمل أغنية فاجرة. فبيسخن.. عصام صاصا الناس متابعة قصته أنه داخل السجن، وبعدين طلع وقام مدي أغنية جابت 10 مليون في أربع أيام، بس عصام صاصا عامل إيه في الأغنية دي؟ فـ أصلًا في تنافس».
تشعر بالحماس حين يتحدث مروان كل مرة عن أهمية المنافسة و«البيفات» في الراب سين، ويصفها أنها ثقافة موجودة منذ «أيام الجاهلية» في لقاء سابق له، حتى في تراك «فرعون» تمنى العودة لأيام الفراعنة لنشر الراب وتحديهم «على أيام الفراعنة فين توت عنخ آمون ورمسيس.. لما ألاقيهم هقولهم: لو دكورة انزلوا بيف».
القصة ليست بيف لمجرد البيف، بالنسبة لمروان هي مثل النجوم الكبار قديمًا حين يجرون حوارات إعلامية وصحفية، كانوا يتحدثون عن أعمال زملائهم ويأكدون تفوقهم عليهم، ولكن يقولون ذلك ليس للنشر: «الفرق الوحيد إن إحنا بنقولها في الأغنية، ده الفرق». ويرفض مروان منطق الترفع أو التعالي على الرد والبيفات لدى بعض الرابرز حاليًا باعتبارها «صياعة» ويقولون مثل «إيه يا ابني أنا أكيد مش هرد، ولأ يا عم ما تديلوش اهتمام، يا ابني أنت مجنون هرد عليه؟»، ويوجه مروان حديثه في هذه النقطة لهؤلاء: «ماشي خلاص أنتوا جامدين خليكم، هو مش بيبقى خايف، هو مش عايز يواجه، هو هيقعد يقول لك أنا مش عارف إيه، ماحدش عايز.. مفيش نيرف. في الآخر إيه؟ اللي عنده نيرف هيكمل. عشان كده بقول لك في ناس هتقع دلوقتي. الناس اللي خايفة.. هتقع».
حاولت مرة أخرى تشجيع مروان للحديث عن الناحية المادية، ولكن من خلال المقارنة مع الراب سين في المغرب، ذكرت أنه من الممكن أنهم هناك أكثر تطورًا من الناحية التنظيمية، وهنا لاحظت تقدير خاص من مروان للسين المغربي، ليس من الناحية التجارية أيضًا، لأنه يرى أنه لا توجد فروق ضخمة «المغرب فيها ميزة عننا، إن زي ما أنت هنا بتسمع مهرجانات وعصام صاصا وكابونجا، ده الراب عندهم، يعني الراب عندهم واخد الشريحة الشعبية، فدي حاجة في مصلحة الراب. بس دي أول حاجة هتقوم باصص للواد اللي هنا في مصر وتقول له: طب خلاص غني شعبي؟ قبل أي حاجة، لو أنت عايز تبقى زي الراب.. يبقى غني بقى الغنا الشعبي بتاع بلدك. ده أولًا».
«تاني حاجة، أنا بقول لك بقى، الراب في المغرب لأن هو الحاجة اللي كل واحد في الشارع بيعملها، ففي ناس أكتر بكتير، فالواد بيبقى بيعملها بجد تلقائيًا، بتطلع منه تلقائي، فاهم؟»، وأبدى مروان احترامه للراب المغربي «كل حاجة، الثقافة، الطريقة، اهتمام، بادئين من بدري قوي من 91، المنافسة، يا عم ده حتى الحروف كلامهم بيطلع جامد قوي في الراب، بيليق على الراب».
ويفخر مروان بسبب ذلك بلحظات المنافسة القوية مع السين المغربي ولحظات التفوق أحيانًا وذكرته المقارنة أن «الفن أصله ليه علاقة بإنك ما تقعدش تفكر وإنك تعمل وخلاص، الفنان أصلًا لازم دايمًا يغضب المجتمع، مش عشان هو قاصد لأن هو ما بيقدرش يعمل غير اللي في دماغه فبيغضب الناس»، وعلى نفس النهج أشاد مروان بالراب السوداني أيضًا، بعد تعاونه مؤخرًا مع الرابر حليم في «ميكافيلي» في الألبوم الأخير، خصوصًا أن الراب السوداني ما زال «فريش» ولديهم أصوات ولهجة جميلة ومميزة.
المرحلة الخامسة: سبيس شرقي
«لسه بشوف أحسن طريقة أطبخ بيها الخلطة»

يستعد مروان للمراحل الجديدة بعد ألبوم «الرجل الذي فقد قلبه»، وعرفت من لقاءات سابقة أن تركيزه على عمل مشروع بموسيقى شرقي خالصة، يطلق عليه «سبيس شرقي»، أعطاني فكرة عما يدور في ذهنه ومطبخه الفني حوله «بص، سبيس شرقي ده نوع مبني على فكرة إحساس أكتر من ما هو خامة معينة. ابتديت أعمل له زي قعدات كده. بفكر فيه إنه ليه شكل بصري وليه صوت وليه موّد، يعني ما ينفعش يبقى سبيس شرقي لو هو حزين، عمره ما بيكون حزين، بيكون دايمًا يوفوريا، وبيكون دايمًا إحساس بالانبساط وبالراحة النفسية وبالهدوء وبتاع، ويكون في تلحين، يكون في مساحات كبيرة».
أخرج مروان هاتفه وأسمعني النصف الثاني من أغنية «تقاطع» في الألبوم الأخير، في مقطع دون إيقاع أو درامز، وذلك كمثال تقريبي لفكرته عن مشروع «سبيس شرقي» الذي يعد له: «بيبقى دايمًا فيه سبيس كده في الصوت، فيه ريفيرب كبير، فيه مساحة، دي مزيكا تسمعها وأنت في البراح كده في الجبل. يعني مزيكا فيها برضه خامات طبيعية كتير قوي، مش سينثيتك قوي. أنا كنت بفكر إن السبيس تلات حاجات: السبيس في المساحة ما بين الكلام، أول سبيس هو صوت الصدى الكبير اللي هيبقى في الأغاني دي، بعدين في أنه سبيس ما بين الكلمة والكلمة، يعني مثلًا ممكن أربع موازير ما بين الكلمة والكلمة، بعدين السبيس الأخير هو المكان..
عاد مروان لشحصية المخرج أثناء شرحه لمشروعه الجديد، وأثبت لي دون أن يقصد قوة الجانب البصري في طريقة عمله وتفكيره: «السبيس اللي هو أجواء سينا وجبال سينا والبحر ده. الشكل المصري في الصحرا مثلًا الصحرا البيضا، مش عارف إيه، الحاجات دي، ده الشكل، ده السبيس برضه المكان».
ويكشف مروان أسرار أكثر عن المشروع المنتظر وقيد العمل «عايز أعمل حاجة جديدة شوية، يعني المشروع ده عايز آخد مكان سبيس اللي هو من الأماكن دي وأعمل فيه الورشة بتاعت الصوت وأجيب معايا مصورين ومش عارف واحد بتاع لبس، وأه عازفين، وأجيب مصور ومخرج، والمخرج هطلع أقول له مثلًا عايزك تعاين شكل الصحرا نطلعها إزاي في البروجكتات. يعني أنا عايز أعمل في الآخر كده بروجكت يبقى 3D شوية، يبقى أنا مش بس أديك مزيكا، أنا مديك المزيكا وشكلها وصوتها واللبس بتاعها والمش عارف إيه.. فدي فكرة السبيس شرقي».
كان لا بد أن أنهي الحديث مع مروان، رغم العديد من الأسئلة الأخرى التي تدور في ذهني سواء عن الألبوم الجديد أو عن الراب أو عن طريقة عمل مروان نفسه ورؤيته للموسيقى والصناعة وغيرها، وفي النهاية أخبرته أن ألبوم «الرجل الذي فقد قلبه»، لا نبالغ حين نعتبره أنضج محطة وصل إليه الراب المصري وليس في مسيرة مروان وحده فقط، وربما أكثر ألبوم متكامل سواء في الراب أو البوب في السنوات الأخيرة، متكامل العناصر الفنية ويروي قصة وأكثر من معنى، ناهيك عن الجودة في الصوت أو الصورة في الكليبات التي قدمها في الألبوم.
الجميل في ألبوم مروان إنه في حال إنك لم تعرف قصته وأنه عن خمس مراحل من الحزن، وأنها تجربة مروان نفسه في التخطي والتجاوز، ولم تسمعه بهذا الترتيب، فإنه سيصل إليك أيضًا، قد تفهم أنه تجربة شخص مع أزمة ربع أو منتصف العمر، أو عن مراحل تكوين الشخصية من المراهقة وطيش الشباب إلى البلوغ وتحمل المسؤولية ومواجهة الحياة، وربما قد تشعر أنه عبارة عن كابوس يفيق منه صاحبه بانتهائه بصوت تنهيدة عميقة، وأن صوت دنيا وائل مثلًا قد يكون ضميره أو حبيبته مثلًا، كل التأويلات والتفسيرات ممكنة عن حالة الألبوم.
لم يصرح مروان بتواضعه هذه المرة، ولكن شعرت به، أو للأدق استقبل الأمر بواقعية «أنا معرفش مين نزل كونسبت يعني، معرفش ككونسيبت مين عمل، بس أنا دايمًا مغرم، أنا مغرم بالفكرة دي.. يعني أنا في 2012 وأنا في الجامعة أول سنة أو تاني سنة ليا سمعت كونسبت ألبوم بتاع كيندريك لامار مثلًا وقعدت أفصصه كدة خطوة خطوة في كل حاجته، الموضوع فرق معايا أو حبيت أوي ساعتها ده إنك تسمع الألبوم من أوله لآخره، ولما عمل ألبوم تاني برضه في 2016 "To Pimp a Butterfly"، كانت الألبومات دي إيه بيبقى كونسيبت ألبوم مثلًا 20 أغنية، وبعدين عمل كونسيبت ألبوم تاني كان 22 أغنية، وبعدين لما عمل تالت ألبوم ليه "DAMN" كان عامله بس 14 أغنية، فأنا اتضايقت حسيت أنه إيه يا عم أنا هخش أحلل.. أه لأ يعني مرضتش أخش أحلل الألبوم وأعرف قصته من كتر ما أنت 16 بس وبتاع.. فأنا عشان كده برضه ماكنتش خايف أن أنا أعمل للناس أغاني كتير، كنت حاسس أن الناس ممكن تاخدها تحدي.. المحتوى، مين هيودي أكتر، مين هيسمع».
ألبوم «الرجل الذي فقد قلبه»
تقارير ذات صلة
«عاشت لتمنح الأمل».. مقابلة مع زبيدة فارسي
منذ مقتل فاطمة في 16 أبريل/نيسان، قُتل عشرات آخرين. ولم يقتصر الأمر على الصحفيين فحسب
سينما تناضل ضد الاستعمار| حوار مع ماتي ديوب
عن فيلمها «داهومي» الفائز بـ«الدبّ الذهبي لأفضل فيلم» في مهرجان برلين السينمائي
الفيلم أداة مقاومة| مقابلة مع باسل عدرا ويوفال أبراهام
حول «لا أرض أخرى» الفائز بجائزتين في الدورة الـ74 من مهرجان برلين السينمائي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن