نواجيب #6| نجيب الذي بالأرشيف
#جو عام
يقدم تامر فتحي سادس النواجيب، الذي لم يكتبه مقربون أو أصحاب أحكام مسبقة على نجيب محفوظ، لكن صُنّاعه يعتبرون نجيبهم الأقرب للحقيقة لأنه تشكّل من بحث وتمحيص وثائق ومسودات ونصوص ومعلومات. ومع هذا النجيب، نرى أثر الأرشيف على قراءة محفوظ الذي صار يعيش داخل عقول وكتابات مَن قرأوه ويأخذ أشكالًا وأبعادًا تجعله منه نواجيب.
#قراءة #نواجيب #دليل
بعيدًا في براري قرية هاوورث المنعزلة، بمقاطعةِ غرب يوركشاير البريطانية، ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وداخل بيت يهيمن عليه أبٌ بارد متسلّط يعمل كاهنًا في كنيسة القرية، نشأت ثلاث فتيات يتيمات الأم وأخوهنّ بعد أن فقدوا أختين جراء السل. لكن هذا الفقد والحزن سيلقي على الأبناء محبة وترابطًا وتوافقًا كبيرًا بينهم، وسيشعل فيهم طاقة لخلق العوالم وسرد الحكايات.
كانت تسليتهم الوحيدة صنع كتيبات صغيرة جدًا بعيد عن عين أبيهم، حول حكايات خلابة كُتبت ببراعة تنمُّ عن موهبة فطرية عن ممالك سحرية تُسمى بلدة الزجاج، أنجريا، جوندال. لدرجة أنهم خلّفوا ورائهم أرشيفًا كبيرًا من المخطوطات الصغيرة لحكايات، مسرحيات، قصائد، رسائل ويوميات.
هؤلاء البنات سينجزنَّ فيما بعد أعمالًا أدبية ستكون علامات في الأدب الإنجليزي: جين إير، مرتفعات ويذرنج، أجنيس جراي، ونزيل قاعة ويلدفيل. لكن الموت سيخطفُهن جميعًا وهن في ريعان الشباب. في الأول يموت الأخ لتلحق به أخته الوسطى ثم الصغرى فالكبرى ليموت كل الأبناء ويظل الأب ليعيش بضع سنوات ثم يلحق بهم.
إنها قصة آل برونتي: شارلوت، إيميلي، آني، وأخوهم برانوال كما روتها إليزابيث جسكيل، صديقة شارلوت، في كتابها المنشور عام 1857 تحت عنوان «حياة شارلوت برونتي».
في هذا الكتاب صنعت جسكيل صورة عن عائلة شارلوت سيُعاد إنتاجُها بحذافيرها في أغلب سِيَر الأخوات برونتي اللاحقة، وذلك لندرة الوثائق الأصلية، وستتحوّل إلى فيلم، ومسرحية، وحكايات تُروى عن القوة الإبداعية التي خرجت من رحم المأساة والمعاناة.
لكن رواية جسكيل لم تكن حقيقية. القصة الحقيقية للأخواتِ برونتي اكتشفتها جوليت باركر التي عملت لست سنوات كأمينة متحف بيت القسيس بروتني في قرية هاوورث. وفي أثناء عملها، استطاعت باركر أن تجمع مجموعة ثمينة من مصادر محلية وأوروبية لم تُفحص من قبل. وفي عام 1994، دحضت بها، وبشكل منهجي، صورة جسكيل الضمنية في دراسة من العيار الثقيل في 1100 صفحة تحت عنوان «آل برونتي».
ليتضح لنا أن قرية هاوورث لم تكن منطقة نائية بل كانت مركزًا متواضعًا للتجارة والسياسة. وأن منزل آل برونتي كان أكثر حياة مما وصفته جسكيل، مليئًا بالكتب والمجلات والألعاب، وأبوهم رجل لطيف متسامح أحضر لابنه مدرسًا للموسيقى لمّا التمس فيه حبًا لتعلّم الموسيقى. كذلك كشفت باركر أن الأخوات برونتي لم يكُنّ روائيات موهوبات بالفطرة، فلم تكن تعدو كتيباتُهن الصغيرة الأولى أكثر من مجرد كُتب غير متقنة، تفتقر لأيّ علامات نبوغ، محاكاة صريحة لقصص ومقالات وكتب ومجلات وأصوات أدبية في هذا العصر.
هذه الكتب الصغيرة تكشف لنا أن الكتابة، بالنسبة لآل برونتي، لم تكن نتاج وعي أدبي، أو سعيًا لطموح فني، بل كانت بالفعل عملًا بغاية المؤانسة واللعب وقضاء وقت ممتع بين الإخوة، مثل لعب الكوتشينة أو بنك الحظ.
في الوقت ذاته وضعت باركر يدها داخل هذه الكتيبات على بذور العوالم التي تفتّحت وتفرّعت في مخيلاتِ الشقيقات الثلاث منذ طفولتهن وظهرت في أعمالهن لاحقًا. ثم أشارت بدقة إلى الإرهاصات الأولى لمشاهد وشخصيات شكّلت أحداث روايات الأخوات برونتي.
مثل جوليت باركر، وكثيرين غيرها من الباحثين وكتّاب السِيَر، يفعل الكاتب والصحفي محمد شعير الشيء نفسه مع نجيب محفوظ. يحاول نقض السرديات المزيفة السائدة حوله وبيان اللحظة التاريخية التي نُشرت فيها أعماله الأدبية في محاولة منه لتأسيس سردية أكثر اتساقًا مع الحقيقة.
في 2011 بمناسبة مئوية ميلاد محفوظ، يبدأ شعير، الذي اعتقد أن نجيب قُتِل بحثًا، كتابة موضوع صحفي عن مصر يوم مولده، كيف كانت مدينة القاهرة وكيف تحولت وما طرأ على الناس فيها، ليجد نفسه أمام سؤال أكبر حول مآلات الحداثة في مصر، مستخدمًا نجيب كوسيلة باعتباره راوي مصر الحديثة.
في أثناء عمله يستوقفه مشهدان في حياة نجيب، أولهما ولادته المتعسّرة في الجمالية بدايات القرن العشرين، حين تلجأ أسرته إلى طبيب نساء قبطي لإنقاذ الأم وجنينها، وبعد أن تلد الأم ابنها بسلام تسميه على اسم الطبيب تقديرًا وعرفانًا لما قام به. والمشهد الثاني في 2006، عند وصول جثمان نجيب إلى مسجد الحسين لصلاة الجنازة، حيث يقتحم شابٌ صفوف المصلين صارخًا: «إنه كافر لا تجوز الصلاة عليه». أمام المشهدَين، يتساءل شعير: ما الذي جرى في المجتمع؟ وكيف كنّا متسامحين ثم انقلبنا متشدّدين متعصبّين؟ من عند هذه الفكرة سيقرر شعير العمل.
يدفعه بحثه عن الحداثة، التي انتكست، إلى كتابة «سيرة الرواية المحرّمة» التي يتقصى فيها اللحظة التاريخية التي نُشرت فيها رواية «أولاد حارتنا» بكل ملابساتها الاجتماعية والثقافية والسياسية، وما تلاها من تبعات، باعتبار الرواية وما أحدثته من ردّ فعل هو محطة هامة في مسار الحداثة المصرية.
رويدًا رويدًا يكتشف شعير أثناء عمله أنّ محفوظ مثل جبل الثلج العائم وما يظهر منه أقل مما يخفيه، شخصٌ مولع بالتخفّي، يقول عن نفسه إنّه موجود داخل النص ولكي نعرفه علينا أن نعثر عليه هناك. يعرف شعير أن نجيب يجيد استخدام الأقنعة فيقرّر البحث عنه خارج النص لعلّه يكشف بعضًا عن حياته وإبداعه، أو يعرف ما الذي جرى في مصر عبر قرن من الزمن هو عمر نجيب تقريبًا.
يفتش في أرشيفات المجلات والدوريات المنشورة مطلع القرن العشرين لرسم ملامح المجتمع المصري وقتها، ثم يسعى إلى لملمة أوراق نجيب المتناثرة أو صور منها من عند أصحابه أو الصحف والمجلات أو لدى أسرته، وعند بحثه عن مسودات «أولاد حارتنا»، تمنحه أم كلثوم، ابنة محفوظ، صندوقًا مليئًا بأوراق ومخطوطات أبيها، في هذه اللحظة ستنتَاب شعير لذةٌ غامرة كأنه على وشك «اكتشاف مقبرة فرعونية»* أو «كنز أدبي بكل ما يتيحه للنقاد من دراسات جديدة ومختلفة على تاريخ النص وتطوّر الشخصيات وأسلوب الكتابة عند صاحب الثلاثية». من طيات هذا الكنز سيُخرج لنا شعير مجموعة «همس النجوم» وهي قصص تُنشر في كتاب لأول مرة (2018).
بعدها سينشغِلُ بالبحث عن مشروع رسالة ماجستير في الفلسفة كان قد بدأها نجيب في جامعة القاهرة عام 1934 تحت إشراف الشيخ مصطفى عبد الرازق، وبحثًا عنها سيتواصل مع سيدة أميركية، فنانة تشكيلية مقيمة في مصر جمعت أرشيف نجيب لصالح مكتبة أميركية للكتب والوثائق النادرة حاولت إقامة مزاد عليه في لندن عام 2011، لكن أسرة محفوظ أوقفته لعدم موافقتها. يراسل شعير المكتبة معرّفًا نفسه بأنه أحد الباحثين في أدب نجيب محفوظ، وأنه يفتّش عن رسالته للماجستير المفقودة، وبالفعل تردّ عليه المكتبة ليجد في أحد الصباحات داخل وارد بريده الإلكتروني كنزًا جديدًا، ملف إلكتروني من 500 صفحة لأوراقِ محفوظ.
لم تكن رسالة الماجستير ضمن الأوراق المرسلة، لكن بدلًا منها يعثر شعير على مسودات أعمال حديثة ومعروفة سبق نشرها مثل مخطوطات «أحلام فترة النقاهة» وبعض القصص القصيرة، ورواية لم تُنشر من قبل، يبدو أنها بروفة أولى للثلاثية، وأوراق رسمية، وكراسات كان يسجل فيها محفوظ أفكارًا حول الفلسفة الإسلامية، بالإضافة إلى كراسة سجل فيها وهو في الثامنة عشر من عُمره سيرة طفولته حين كان يقطن في الجمالية على غرار سيرة طه حسين «الأيام» وأسماها «الأعوام» وكانت قد فُقدت من منزل والدته ولم يعثر عليها وقد ذكرها نجيب في حوارات صحفية متعددة.
في هذه اللحظة سيتحوّل مسار شعير البحثي ويتخذ مسارًا جديدًا، وبدلًا من العمل خارج نص نجيب ينتقل إلى العمل في قلب نصوصه بحثًا عنه دون أقنعة التخفي التي يرتديها، حتى يُخرج لنا وجهه الحقيقي.
في البداية يتعامل شعير مع الأرشيف، الذي جمعه، كالأثريّ الذي يعمل على خبيئة فرعونية تعجّ بالاكتشافات الجديدة، يخوض فيه باعتباره قطع أثرية، ينفض عنه غبار المسلمات ويتقصّى فيه التحوّل التاريخي للعالم الخارجي للنص استجلاءً للحقيقة.
تمامًا مثلما يفعل في مستهل كتابه «أعوام نجيب محفوظ: البدايات والنهايات»، إذ ينطلق من اللحظة التاريخية التي وُلد فيها نجيب، مصر 11 ديسمبر 1911، النقطة الأولى في مشروع شعير، عبر أرشيف الجرائد والمجلات والكتب، يقدم لنا عرضًا بانوراميًا للمشهد الراهن وقتها منطلقًا من حدث صغير عابر إلى أحداث أكبر، بدءًا من إعلانات تجارية وأخبارِ حوادث حتى الأحداث السياسية الكبرى، ليسلّط الضوء على شكل الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، كما فعل في سيرة الرواية المحرمة، ثم يعود وينقلنا بعدها إلى الجمالية حيث الغرفة التي تلِد فيها السيدة فاطمة، أم نجيب، ولدها لنسمع جميعًا صرخة الولادة مدوّية.
يكشف لنا شعير أن ما قيل عن تسمية نجيب على اسم طبيب النساء المعروف وقتها «نجيب محفوظ» لم يكن حقيقيًا، السردية التي كان يصدق فيها شعير نفسه عند بداية بحثه، لكنه هنا ينقضها من خلال تقصّيه في مذكرات الطبيب ليكتشف أنه وقت مولد نجيب كان يقضي إجازة من عمله للزواج، ما ينفي أنه مَن قام بإجراء عملية الولادة، ثم يذكر رواية حكها نجيب عن أمه أنها كانت تريد تسميته على اسم حافظ نجيب، اللص الأديب صاحب القصص البوليسية، لكن مَن ذهب لتسجيله في مكتب الصحة اختلط عليه الاسم وسمّاه نجيب محفوظ.
لا يدري شعير أي الروايتين أصدق، فنجيب نفسه كان متشككًا فيهما، وقال: «ربنا أعلم بالحقيقة، وقد تكون هذه الحكايات مجرد أساطير اختُرعت، ويكون اللي خلفونا روائيين زينا»
بعدها يجد شعير نفسه ينحرف عن سؤال الحداثة الكبير إلى الكاتب نفسه، يترك العالم الخارجي ليدخل عتابات مسودات النص التي هي مُنتَبذ الكاتب وفيها يمارس الكتابة بمعزل عن سلطة النشر أو القارئ، يكتب ويمحو كما يشاء، ويغيّر أقنعته قبل أن يعتلي خشبة النص. عبر هذه المسودات يسترق شعير النظر لينقلَ لنا كيف كان يفكر نجيب؟ هل كان يمارس على نفسه رقابة ذاتية أم كان حرًا تمامًا؟
يدخل شعير كراسة «الأعوام» ليجد فيها طفولة كمال عبد الجواد كما وردت في الثلاثية، وطفولة الراوي في «حكايات حارتنا»، وكذلك طفولة قاسم في «حديث الصباح والمساء»، حتى آخر أعماله؛ «أصداء السيرة الذاتية» و«أحلام فترة النقاهة»، حيث تتجلى الطفولة بنفس الوصف المكاني ومشاهدها ولكن كوميض الذاكرة.
يتتبع تجليات صورة أم نجيب كاشفًا حجم تأثيرها الكبير عليه، فهي مخزن الحكايات ودليله لرؤية العالم أمام غياب تأثير أبيه أو حضوره الشاحب، كما يصفه شعير. ويذكر لنا عن أساتذته الذين تركوا في وجدانه أثرًا كبيرًا: مدرس اللغة العربية في الثانوية الشيخ عجاج، وطه حسين، ومصطفى عبد الرازق، والمنفلوطي، وقصص حافظ نجيبب البوليسية. ليخلُص في الأخير إلى أن الكاتب الكبير هو ابن الطفل الصغير، الذي كانَه في الجمالية، المُحب للحكايات.
وقبل ختام كتابه، ينتقل شعير إلى مسودات «أصداء السيرة الذاتية» مستعرضًا تعامل نجيب الحسيس مع اللغة، وممهّدًا الطريق لمشروعِه الثالث والأخير عن محفوظ؛ «المخطوطات المجهولة» الذي يعمل عليه حاليًا.
مع المسودات يتحرّر شعير من دور المؤرخ ويدخل في طور القراءة النقدية والنفسية لمخطوطات العمل الأدبي. وبذلك يتحوّل الأرشيف، بالنسبة له كباحث، من مجرد قطع أثرية يستشفّ منها الحقيقة إلى مكان يختلي فيه بنفسه، يمكنه الولوج إليه بمعزل عن أي سلطة تُمارس عليه، هو وأوراق نجيب فقط، حرٌّ في الإطلاع عليها وتركيز الضوء على ما يشاء فيها، وإعمال عقله وأفكاره بكل حرية فيها ودون أي وصاية، وكأن الأرشيف صار ملجأً له هو الآخر كما كان لنجيب.
لكن شعير لا يدرك أنه بذلك، وبامتلاكِه لهذا الأرشيف وإطلاعه عليه وتحديد ما يراه مناسبًا لعرضه على القراء وبيان دلالاتِه، إنما يؤسس لسلطة الخبير أو المُقيّم لمدى مصداقية السرديات المُثارة حول نجيب، باعتبار أن الأرشيف هو أيضًا أداة سلطوية.
ولا يُعد ذلك طموحًا شخصيًا لدى شعير بل هو بالأحرى طبيعة الدور الذي يفرضه سوق النشر ووسائل الإعلام العامة والاجتماعية، فأمام حالة السيولة التي تعتري كثير من الآراء والأدلة والسرديات، تحتاج هذه المؤسسات إلى خبراء ومحلّلين وباحثين وكُتّاب سيَر لتقديم سرديات حقيقية أكثر تماسكًا.
فعلى سبيل المثال، حلّت مؤخرًا جوليت باركر ضيفة على عديد من القنوات والصحف عقب عرض فيلم «إيميلي» المأخوذ عن قصة حياة إيميلي برونتي لتجيب على السؤال الهام هل نقل الفيلم بالفعل حياة إيميلي أم لا؟
لكن هل كل ما يقوله الخبراء وكتّاب السِّيَر هو الحقيقة دائمًا، الأمر ليس كذلك طيلة الوقت وهم يعرفون ذلك، فقد يلتقي الباحث بمصادر غير موثوق فيها، وقد تتضمن الوثائق نفسها أخطاء أو توجد منها نسخٌ مختلفة.
مثلًا، تاريخ ميلاد نجيب، يقول شعير إنه مُسجل في 11 ديسمبر 1911 بناءً على شهادة الميلاد التي لديه، بينما يقول ريموند ستوك، المترجم وأحد كُتاب سيرة نجيب، إنه وُلد في 10 ديسمبر 1911 وفق وثيقة لديه، وقد تكون الحقيقة لا هذا ولا ذاك، خاصة إذا افترضنا أن أسرة نجيب كغيرها من الأسر المصرية تسجل أبنائها بعد ميلادهم بأيام أو أسابيع أو شهور أحيانًا.
كذلك لا يمكن اعتبار أرشيف المجلات والجرائد أدلة على الحقيقة، فليس كل ما يُكتب في الجرائد حقائق فثمة رقابة على الصحف وتوجيه للرأي العام في الأنظمة الحاكمة الشمولية، وتدخُّل فيما يُكتب بالحذف والإضافة، كما أن عملية التحري عن الخبر وصياغته وقتها لم تكن دقيقة طيلة الوقت ثمة ثغرات تفتح الباب لتأويلات جديدة وإعادة بحث، وهي أمور واردة في العمل البحثي القائم على تفكيك المسلمات واختبارها.
لكن السؤال هنا: ما الذي سيستفيده القارئ العادي لرواياتِ نجيب لو قرأ مخطوطة كتبها في طفولته؟ ماذا سيجنِيه القارئ لو رأى وجه الكاتب الحقيقي؟ أليس نزع الأقنعة عن وجوه الممثلين إفساد للعرض ومتعة المشاهدة؟ نفس السؤال الذي خطر على بالي وأنا أقرأ ما كتبته باركر: ما الذي سأستفيدُه من سردية باركر وأنا أقرأ روايات الأخوات برونتي لأول مرة. بالتأكيد ستُطلُّ عليَّ باركر بسرديتها الحقيقية من بين السطور، وقد تقف حائلًا بيني وبين انخراطي وتأسيس قراءة تخصني إذ سأشعر بها قابعة في عقلي الناقد وأنا أهضم ما قرأتُ.
في كتابها «أسطورة برونتي»، تفنّد لوكاستا ميلر كيف ثبّت كُتّاب سِيَر الشقيقات برونتي صورًا مجتزأة لصنع صور ذهنية مُأسطرة تعكس تصوراتهم حيال دور الكاتبات، والجنسانية ومفهوم الشخصية، بل تذهب إلى استحالة كتابة سيرة حقيقية لأن كتّاب السِيَر مهما كتبوا لن يقدّموا حقيقة نهائية لأنها لا توجد إلا في أعمال الكاتب التي هي تعبير الذات الداخلية، على عكس ذات الكاتب الخارجية الأكثر هشاشة وعرضة للسرديات المختلَقة.
ألذلك انتقل شعير إلى مسودات نجيب بحثًا فيها عن ذاته الداخلية الأكثر قربًا للحقيقة، متخففًا من تصوراته حول الحداثة وتاريخ الرقابة كما تجلت في كتابه «سيرة الرواية المحرّمة»، ومقدمة «البدايات والنهايات»، وألقت بظلالها على محاولته لإثبات الرابط الفكري بين نجيب واثنين من أهم رواد الحداثة المصرية: طه حسين، كأستاذ منحه صك الاعتراف النقدي، والشيخ مصطفى عبد الرازق، كمشرف لمشروع رسالة بحثية لن يكتمل؟
في الأخير، مثل هذه التنقيب الذي يقوم به الباحثون حول الكُتّاب والشخصيات العامة المؤثرة يفيد بالدرجة الأولى المتخصصين من الكُتّاب والنقّاد والباحثين الآخرين والقراء المهتمين، خاصة في سياق عام يتعذّر فيه الوصول إلى المعلومة ويحيط الاطلاع عليها كثير من العراقيل، على النقيض من السياق الغربي المفتوح الذي يعمل فيه باحثو وكُتّاب سِيرة آل برونتي مثلًا، ما يجعل ما يقوم به شعير وغيره من المؤرخين والباحثين في سياقاتِنا العربية عملًا هامًا؛ لفتحِ الباب لمزيد من البحث والأسئلة وحرية تداول المعلومات.
لكنه، على الجانب الآخر، يحُول بين القارئ العادي والنص، ويحدّ من مساحات خياله وقدرته على التأويل وفق حدود السردية الحقيقة التي يسوقها الباحث، ويؤثر على عمل عقله الناقد، ويصبغ الأثر الذي تخلّفه القراءة بصبغتِه من خلال دوام الإحالة إلى مناطق بعينها في حياة الكاتب الشخصية داخل النص.
بالتأكيد لا يسعى شعير لذلك، ففي حوار سابق يقول: «أسعى إلى البساطة […] وأن تستند كل كلمة إلى مصدر أو مرجع. كنت أحاول أن أنقّي العمل من صيغ أفعل التفضيل أو أحكام القيمة ومن مصطلحات النقد الصارمة، حتى أترك للقارئ مساحة لكي يسأل ويتخيل، يقارن، يحكم بنفسه، يكوّن رأيه المستقل، لا أسعى لفرض وصاية عليه، ولا أطلب منه أن يؤمن بما أراه».
لكنها طبيعة الدور الذي يلعبه وما يفرضه من سلطة ووصاية للحقيقة المستندة على الأدلة والأرشيف. لذا لا تقرأ شعير أولًا قبل قراءة نجيب، اقرأه بعدها.
انتظروا آخر النواجيب، وربنا يصبرنا على القراءة والكتابة وسلام.
*مقدمة محمد شعير لمجموعة نجيب محفوظ «همس النجوم» (2018).
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن