لافتات الدعاية تنتشر في كل دوائر انتخابات مجلس النواب، لكن الحال في دائرة «الدقي والعجوزة وقسم الجيزة» يختلف عن غيره. غمرت اللافتات شوارع وميادين الدائرة كافة. إلى جانب مرشحي القوائم، لا يمكن تجاهل لافتات المرشحين على مقعدي الفردي. ثلاثة منهم على وجه التحديد أثاروا أسئلة عن انتخابات هذه المرة وكيفية إدارتها.
الثلاثة هم محمد أبوالعينين، وعبدالرحيم علي، وأحمد مرتضى منصور. جميعهم أعضاء في مجلس النواب الحالي، ومحسوبون ضمن المقربين من دوائر السلطة وأجهزتها.
ترشح أبوالعينين كـ«مستقل» رغم استمراره في منصبه كنائب لرئيس حزب مستقبل وطن، والذي يعد بشكل ما حزب الدولة. في مواجهته، ترشح عبدالرحيم علي، الإعلامي الذي عانى خلال اليومين الماضيين من تسريب صوتي وضعه في موقف انتخابي حرج، أيضًا كـ«مستقل».
يتنافس كلاهما مع أحمد مرتضى منصور، الذي نجح والده، النائب الحالي كذلك والمحامي ورئيس نادي الزمالك، في إبقائه كنائب بالبرلمان ومنع إسقاط عضويته استجابة لحكم محكمة النقض بأحقية الباحث عمرو الشوبكي بمقعده في الانتخابات السابقة. وترشح منصور الابن عن حزب «الشعب الجمهوري». وإلى جانبهم، يتنافس 15 مرشحًا آخرين، بينهم اثنان عن حزب مستقبل وطن.
وعلى عكس معظم دوائر المرحلة الأولى، والتي شهدت إقبالًا ضعيفًا من الناخبين في محافظاتها الـ14، مع انطلاق التصويت أمس السبت، تحتدم المنافسة الانتخابية في هذه الدائرة، وتستمر في يومها الثاني والأخير اليوم، الأحد.
الدائرة التي كان يمثلها في السنوات السابقة أربعة نواب، اثنان عن مدينة الجيزة وضواحيها، ومثلهما عن منطقة الدقي والعجوزة، أصبحت دائرة واحدة تُمثل بـ«نائبين فقط»، ما جعل حلفاء الأمس خصوم اليوم.
يطرح السباق الانتخابي في هذه الدائرة أسئلة ملحة حول آلية عمل ماكينة السياسة في الوقت الحالي. تراجع «مستقبل وطن» عن ترشيح نائب رئيسه، أبوالعينين، لتمثيل الدائرة في مجلس النواب القادم، وتقلص فرص عبدالرحيم علي، وأحمد مرتضى منصور، في هذا السباق، يخبر كثيرًا عما يعنيه القرب من دوائر الحكم وأجهزتها لبعض أبرز لاعبي السياسة هذه الأيام.

في شارع البحر الأعظم على بعد أمتار قليلة من قسم الجيزة، كان الحضور الجماهيري حاشدًا في صباح اليوم الأول للتصويت. الزحام شديد أمام مقر جمعية النائب محمد أبوالعينين لـ«النشاط الاجتماعي والخيري»، حيث اصطفت أكثر من 150 سيارة ميكروباص على جانبي الطريق لنقل الناخبين من نقطة التمركز المتواجدة أمام مقر الجمعية إلى مقار لجانهم، ومن اللجان إلى الجمعية مرة أخرى.
حملت السيارات جميعها لافتات دعائية لأبوالعينين، وأسماء المدارس المتواجدة بها اللجان وأرقامها. كما تواجد مندوبون عن الجمعية الخيرية معهم استمارات مدون بها قوائم الناخبين المدرجين بكل لجنة ورقم السيارة المخصصة لنقلهم إليها.
«الجمعية سجلت 180 ألف ناخب من أبناء المنطقة، وكلهم صوتهم لأبو العينين وماهيتاب عبدالحميد»، يقول مصدر مقرب من جمعية أبوالعينين، التي تديرها شقيقته وزوجها، لـ«مدى مصر»، موضحًا أن الجمعية تخدم أهالي المنطقة طوال السنة، وليس فقط في أيام الانتخابات.
ولفت المصدر، الذي اشترط عدم ذكر اسمه، إلى أن الجمعية طالبت أهالي المنيب وجزيرتي الدهب والقرصاية والدقي والعجوزة خلال الـ20 يومًا الماضية بإعادة تسجيل بياناتهم فيها. يقوم الأهالي بتسليم الكارت الذي يحصّلون به المعونات الشهرية والمواد التموينية في الأعياد والمناسبات مع بطاقاتهم الشخصية لتسلم كارت جديد وبطاقة تشبه بطاقة الاقتراع مدون بها البيانات الانتخابية لكل شخص (اسم لجنته ورقمها ورقمه في الكشوف الانتخابية)، فضلًا عن تقسيم الناخبين إلى مجموعات وتحديد موعد لتصويت كل مجموعة وسيارة خاصة لنقلهم إلى اللجان.
أضاف المصدر أن الجمعية انتهت من تسجيل بيانات الناخبين ومنحهم كارت عضوية جديد، إلى جانب بون بقيمة 200 جنيه لكل منهم لشراء مواد غذائية من عدد من المحال التابعة لها.
ينافس أبوالعينين على مقعدي الدائرة في مجلس النواب زميليه في الحزب: زكي عباس، الأمين المساعد للحزب بالجيزة، ومنتصر رياض، عضو مجلس النواب الحالي عن الحزب. اللافت أن المرشحين سبق أن أدارا الحملة الانتخابية لأبوالعينين خلال الانتخابات التكميلية لمجلس النواب التي خاضها عقب وفاة نائب الدائرة محمد بدوي في نوفمبر الماضي، قبل أن يدفع بهما حزب «مستقبل وطن» في مواجهة بعضهم البعض.
مصدر برلماني في حزب «مستقبل وطن» أوضح لـ«مدى مصر» أسباب مشاركة أبوالعينين في الانتخابات على مقاعد الفردي بدلًا من القائمة الوطنية من أجل مصر، والتي تضم 12 حزبًا بقيادة «مستقبل وطن». طالب الحزب أبوالعينين بتحمل جزء كبير من نفقات الدعاية الانتخابية للقائمة الوطنية على مستوى الجمهورية، مثلما فعل خلال انتخابات مجلس الشيوخ السابقة، الأمر الذي كلفه عشرات الملايين من الجنيهات. وبحسب المصدر الذي اشترط عدم نشر اسمه، رفض أبوالعينين هذا الطلب ليقرر الترشح بشكل فردي كمستقل.
ما ذكره المصدر عن سبب استبعاد أبوالعينين يتفق إلى حد كبير مع ما ذكره مصدر مقرب من القائمة الوطنية لـ«مدى مصر»، والذي أرجع استبعاده إلى صراعات داخلية بين أجنحة جهاز الأمن الوطني الداعم لحزب مستقبل الوطن، ومطالبة أبوالعينين بدعم مالي يصل للملايين، رفضه في النهاية.
وأعلن أبو العينين في 21 سبتمبر الماضي، خوض الانتخابات مستقلًا على المقعد الفردي في دائرة الجيزة والدقي والعجوزة بعد 48 ساعة من بيان سابق له نفى خلاله ما تردد في وسائل التواصل الاجتماعي عن استقالته من «مستقبل وطن»، وأكد أنه يمارس عمله من واقع منصبه الحزبي كنائب لرئيس الحزب في تلك الفترة الهامة قبيل خوض الحزب لانتخابات مجلس النواب 2020.
أشار المصدر البرلماني إلى أن القائمين على إعداد القائمة الوطنية تناسوا القاعدة الجماهيرية التي يستند عليها أبو العينين في دائرة الجيزة منذ دخوله الانتخابات في عهد الحزب الوطني عام 1995، والتي مكنته من الاستمرار في مجلس الشعب حتى قيام ثورة يناير 2011. وتوقع المصدر فوز أبوالعينين بأحد مقعدي الدائرة في مجلس النواب بعدد أصوات كبير، وإخفاق مرشحا «مستقبل وطن» في حسم حجز المقعد الثاني لأي منهما في المرحلة الأولى للانتخابات ودخولهما جولة الإعادة معًا.
«دخول أبوالعينين مجلس النواب من بوابة الفردي سيتبعه زيادة نفوذه داخل مستقبل وطن واستعادته لرئاسة لجنة الصناعة»، بحسب المصدر البرلماني.
المرشحة الأخرى التي طالبت جمعية أبوالعينين جمهورها بانتخابها بجانب أبوالعينين على مقعدي الفردي هي ماهيتاب عبدالهادي، مرشحة القائمة الوطنية في دائرة شمال ووسط وجنوب الصعيد، وابنة رجل الأعمال محمد عبدالهادي. «إحنا بنقول للناس الحاج أبو العينين وماهيتاب بنت الحاج محمد عبدالهادي وأي حد معاهم من بتوع مستقبل وطن»، يقول المصدر المقرب من الجمعية.
طبقًا للمصدر السابق، توسط أبوالعينين لها خلال الفترة الماضية للانضمام لعضوية «القائمة الوطنية»، وهو ما استجاب له القائمون على اختيار أعضاء القائمة، مشيرًا إلى وجود اتفاق بين أبوالعينين وعبدالهادي لدعم بعضهما البعض من ناحية، وتشتيت أصوات المقعد الفردي الثاني للدائرة من جانب آخر عبر دعوة الناخبين لاختيار أحد مرشحي حزب مستقبل وطن دون تحديد أيهما.

باستثناء شارع البحر الأعظم، مركز الثقل الانتخابي لأبوالعينين، لا يمكنك أن تشعر أن هناك انتخابات في الدائرة مترامية الأطراف. في شوارع مصدق والنيل ومراد، لا يوجد أي مظاهر للانتخابات باستثناء عدد محدود من لافتات الدعاية الانتخابية الخاصة بعدد من المرشحين. لم يكسر الصمت أمام مدرسة أسماء فهمي بشارع مراد بالجيزة سوى وصول سيارة ميكروباص في الحادية عشرة صباحًا، على جانبها الخلفي لُصقت صورة أبوالعينين، وبها عدد من السيدات والرجال والأطفال وعلى الجانب الأمامي رقم اللجنة الانتخابية.
لا يبشر هذا بالخير للمرشح عبدالرحيم علي، والذي اكتفى طوال فترة الدعاية الانتخابية ببث مقاطع مصورة عبر حسابه على فيسبوك يؤكد من خلالها على أمرين. الأول أنه «المرشح الذي يساند الدولة ورئيسها وجيشها والشرطة في معركتهم ضد الإخوان»، بحسب تعبيره. والثاني أن أجهزة الدولة تساعد على طغيان المال السياسي وشراء مرشحي الفردي للأصوات في دوائر عدة على مستوى الجمهورية، في إشارة إلى حزب مستقبل وطن من ناحية، ومنافسه محمد أبوالعينين من ناحية أخرى.
قبل أعوام، كان علي أحد أبرز الإعلاميين المقربين من الأجهزة الأمنية. ارتبط في الأذهان ببرنامجه «الصندوق الأسود» الذي اعتاد فيه إذاعة مكالمات صوتية لعدد من النشطاء والمعارضين السياسيين دون توضيح الكيفية التي حصل بها عليها.
لكن، بحسب مصدر برلماني ثانٍ، لم يعد علي يحظى برضاء أجهزة الأمن، واعتبره أحد الأجهزة السيادية مقربًا من المرشح الرئاسي الأسبق أحمد شفيق. كانت قناة «العاصمة» بثت في يونيو 2015 برومو لحوار أجراه علي مع الفريق أحمد شفيق قبل أن تتراجع القناة عن بثه.
وفي 2017، أبعد علي نفسه عن نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال واحدة من أكثر الأزمات السياسية حساسية بالنسبة له، بعد أن أعلن رفضه تسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وتأكيده على مصريتهما، ليتوقف بعدها عن الظهور على الشاشات.
إلى جانب هذا، قضى علي ما يقرب من ثلاثة أعوام من عضويته في البرلمان الحالي في فرنسا بحجة العلاج، بعد أن أحرج البرلمان الحالي عبر السخرية من أعضائه ومطالبته بـ«فحص القوى العقلية للبرلمانيين» في أحد مقالاته عبر صحيفة «البوابة». تسبب هذا في عاصفة هجوم من بعض النواب ضده ومطالبات بإسقاط عضويته.
حاول علي تدارك هذه المواقف بنشر مقالات يؤيد فيها انتخاب السيسي لفترة رئاسية ثانية، والاعتذار لرئيس مجلس النواب، علي عبدالعال، ونشر ملف بعنوان «إنجازات برلمان 30 يونيو في 500 ساعة».
لكن محاولات التراجع فشلت على ما يبدو. تلقى علي ضربة كبيرة قبل يوم واحد من انطلاق السباق الانتخابي، ولم يساعد الخطاب المتناقض الذي تبناه خلال حملته الانتخابية في تجاوز كل هذا.
الضربة تمثلت في تسريب صوتي بدأ مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي في تداوله، الجمعة الماضي، زعموا أنه مكالمة هاتفية بين علي وزوج ابنته تضمن إساءة للرئيس السيسي والقضاة، وامتلاكه مستندات «تحبسهم كلهم وأنه لا يجرؤ أحد على الذهاب به للنيابة العامة».
ورغم نفي علي في رسالة مصورة بثتها صفحته في فيسبوك وجريدة البوابة التي يمتلكها صحة التسريب، واتهامه جماعة الإخوان المسلمين بفبركته باستخدام إحدى التقنيات، إلا أن عددًا من العاملين بأحد المطاعم في شارع سليمان جوهر بالدقي اعتبروا أنه «هُزم بالضربة القاضية قبل بداية الانتخابات» أثناء حديثهم لـ«مدى مصر». بحسب وصف أحدهم، فإن «صندوقه الأسود سيحبسه».
يتفق المصدر البرلماني الثاني مع هذا التقييم. طبقًا له، قضى هذا التسريب على أي فرصة له في الفوز.

اتفق أحمد مرتضى منصور منذ اليوم الأول للدعاية الانتخابية له مع منافسه عبدالرحيم علي في ضرورة التصدي للمال السياسي، ودعا المرشحين المتنافسين على مقعدي الدائرة إلى التوقيع على ميثاق شرف انتخابي يهدف بالأساس لمحاربة المال السياسي.
أحمد مرتضى، المرشح عن حزب «الشعب الجمهوري» المقرب من أحد الأجهزة السيادية والذي ينتمي له 13 نائبًا في البرلمان الحالي واختار رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة نائبًا لرئيسه، قال في إجابته على أسئلة الناخبين عبر بث مباشر على صفحته بفيسبوك، إنه يستحق فرصة ثانية لعضوية مجلس النواب، حيث لم يخض تجربة العضوية لأنه «امتنع عن الذهاب إلى البرلمان احترامًا لحكم محكمة النقض، وحتى لا يتسبب في حرج لزملائه النواب في المجلس».
الحكم الذي أشار إليه أحمد مرتضى هو حكم أصدرته محكمة النقض في يوليو 2016 ببطلان عضويته وأحقية عمرو الشوبكي في مقعده. تصاعد الجدل في بداية الأمر، لكن البرلمان تلكأ في النهاية عن قبول الحكم، الأمر الذي استمر حتى أوشك البرلمان الحالي على الانتهاء من أعماله.
وقتها، اعتبر مراقبون تحدثوا إلى «مدى مصر» أنها «مسألة سياسية وليست قانونية»، وأن «البرلمان ليس حريصًا على أحمد مرتضى منصور، لكنه متوجس من وجود شخصية مثل عمرو الشوبكي داخل مجلس النواب».
في المقابل، أكد المصدر البرلماني الثاني أن نفوذ مرتضى منصور وعلاقته الجيدة مع رئيس البرلمان ورئيس اللجنة التشريعي، بهاء أبو شقة، هو السبب الرئيسي لعدم تنفيذ البرلمان لحكم محكمة النقض، لافتًا إلى أن رئيس البرلمان هو من طالب بعدم حضوره لتتوقف الصحافة عن التذكير بتجاهل البرلمان للحكم.
المصدر أشار كذلك إلى ما اعتبره تراجعًا للدعم الذي يتلقاه مرتضى منصور، والد المرشح، في الوقت الحالي من أجهزة الدولة. ويتضح هذا التراجع في تغير رد الفعل تجاه قرار اللجنة الأوليمبية المصرية إيقاف مرتضى منصور عن رئاسته لنادي الزمالك. في البداية، اعتبر البرلمان في بيان رسمي أن التحقيق مع مرتضى أو توقيع عقوبة ضده غير قانوني في ظل تمتعه بالحصانة البرلمانية. لكن، ومع إصرار اللجنة على قرارها، اكتفى البرلمان بالصمت. وبحسب المصدر، فإن هذا يعني مباركة أحد الأجهزة الأمنية لـ«تحجيم» مرتضى.
ورغم اعتماد منصور الابن على أعضاء نادي الزمالك ومؤيديه بالدائرة، وهي قاعدة جماهيرية لا يستهان بها، إلا أن لعنة الشوبكي وتناقص نفوذ والده في الوقت الحالي، يجعل فرص فوزه بالمقعد تكاد تكون معدومة، بحسب المصدر.
تقارير ذات صلة
هل تنجح الدولة في إنقاذ «النوّاب» من انتخاباته؟
أوصى الرئيس في بيان على فيسبوك بنظر الجهات المعنية في المخالفات،
مسلسل الانتخابات مستمر.. قليل من الأصوات وكثير من الشكاوى والبيانات والأموال
اليوم الثاني للانتخابات.. الداخلية تقابل استمرار الانتهاكات بأسلوب مغاير
فرز الأصوات يكشف «هندسة» البرلمان الجديد بمشاركة «الوطنية للانتخابات»
مصدر بالقائمة الوطنية: حسبة الأمن تمنح فوزًا مبكرًا لغير المحبوبين ومرشحي ديكور للإعادة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن