تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
نفق التعليم الفني

نفق التعليم الفني

كتابة: محمد أشرف أبو عميرة 8 دقيقة قراءة
مدرسة التكنولوجيا التطبيقية للميكاترونيات تصوير: صفحة مدارس التكنولوجيا الطبيقية على فيسبوك

محمد الفار، سائق، وأحد خريجي مدرسة الترسانة البحرية بالدقهلية عام 2005، بدأ حياته العملية منذ الطفولة كصياد، ثم عمل في مجال صيانة المحركات البحرية. ولعدم اهتمامه بالتعليم، حصل على مجموع ضعيف في المرحلة الإعدادية، فكان خياره دخول «الترسانة البحرية» ليتطور في مجاله أكثر، لكن تجربته لم تكن كالمتوقع.

مدرسة الترسانة البحرية هي إحدى سبعة أفرع لذلك النوع من المدارس على مستوى الجمهورية، بحسب إبراهيم السيد، المعلم بالمدرسة. أُنشأت أول مدرسة في عهد الرئيس الأسبق، جمال عبدالناصر، بالتعاون مع روسيا عام 1963 بهدف تخريج عمالة فنية مُدربة للعمل على السفن المصرية في ذلك الوقت. 

انتقلت فكرة إنشاء تلك المدرسة إلى محافظات الدقهلية، وشمال سيناء بمدينة العريش، ودمياط بمدينة رأس البر، ومحافظة البحر الأحمر بمدينة سفاجا، وأسوان. تضم المدرسة بالدقهلية مبنيين واسعين، أحدهما للقسم النظري، والآخر للعملي، وأربع ورش كبيرة المساحة، وبها ثلاثة أقسام: المحركات البحرية، وبناء سفن، وملاحة بحرية.

يقول الفار «لمّا دخلت شفت مواد ومعدات وورش، أنا لسه مشفتهاش بره. لو يجتهدوا المدرسين بتوع المدرسة دي يطلعوا عباقرة منها. بس الانطباع العام إنك إنسان فاشل ومش لاقي حاجة خالص فتخش الترسانة، والمعدات زي ما يكون عهدة ممنوع اللمس، والمدرسين دول بيبقوا خريجين من الترسانة، بياخدوا سنتين تدريب، ويرجعوا يدرّسوا، ومنهم بيكون مش عارف يقرا حتى، بيمسك الكتاب مبيعرفش يشرحلنا، فمش هيّدوا الطالب حاجة فيها ورش ومعدات»

الوضع الذي يشير إليه الفار ليس مختلفًا عن باقي المدارس الأخرى في نظام التعليم الفني، الذي يعود تاريخها إلى ما يُقارب 200 عام، إذ أنشأ محمد علي أول مدرسة فنية في مصر عام 1829، وهي «الدرسخانة»، وكانت مدرسة زراعية في وسط القاهرة، أعقبها إنشاء عدة مدارس، بينها «المهندسخانة» عام 1834 في حي بولاق بالقاهرة، لتعليم أصول الهندسة، ومدرسة أخرى للري. 

مع الوقت، وتوالي العصور وحاجة مصر إلى هذا النوع من المدارس لتوفير العمالة الماهرة، وصل عدد المدارس إلى 2500 مدرسة تعليم فني مختلفة في أنواعه الأربعة: صناعي، وزراعي، وفندقي، وتجاري، ويُشكل عدد طلاب التعليم الفني، الذي يمثل بديل الثانوية العامة لمن لا يحصل على الحد الأدنى من المجموع في المرحلة الإعدادية، نحو 8.6% من إجمالي عدد طلاب التعليم ما قبل الجامعي، البالغ عددهم 24 مليون طالب، حسب إحصاء الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2018/2019. 

لكن، لم يضاهِ هذا التاريخ وهذا التطور في عدد المدارس تطورًا في منظوماتها، سواء من حيث قدرات المعلمين أو جودة التدريب العملي أو تحديث المناهج. لم يحدث تطور على الأقل بالمنطق التقليدي الذي يربط التعليم بالعمل، فأصبحت المدارس الفنية مجرد موروث تاريخي وقد تاه هدفه ومعناه في اللحظة الراهنة.

يتحدث إبراهيم السيد عن قوة إمكانيات المدرسة العملية غير المستغلة. «طبعًا الشغل العملي بيبقى بالجهود الذاتية، يعني إحنا بنجيب حاجات وبنفكها ونركبها قدام العيال ونعلمهم. والوزارة بتوفر لنا برضو أجهزة حديثة، لكنها بتبقى عهدة، فبيبقى فيه خوف مننا من استخدامها، فمبتقدرش تستعملها أوي عشان متتهنش يعني»

يشكو السيد من عدم توفير وزارة التعليم دورات كافية لهم كمعلمين، ويرى ذلك سببًا في غياب قدرتهم على التدريس بشكل يلبي طموحات الطلاب. 

وبالرغم من أن المدرسة تستطيع تقديم الكثير من المميزات لخريجيها، مثل الحصول على جواز السفر الأسود الذي يُتيح لحامله العمل في صيانة أي سفينة عابرة للحدود، فضلًا عن دخول كلية الهندسة (تؤهل المدارس الفنية نظريًا الطلبة لدخول معاهد وبعض الكليات المحدودة، كلٌ بحسب تخصصه)، وهو ما حققه الكثير من الطلاب سابقًا، إلا أنه مع الوقت تلاشى دور المدرسة في تحقيق ذلك، بحسب السيد.

وفيما يعمل الفار كسائق الآن، يُشير إلى أن كثير من زملائه ومعلميه، يعملون معه في نفس المهنة.

عبدالحليم وليد لديه تجربة شبيهة. وليد، 20 عامًا، طالب في الصف الخامس بقسم ميكانيكا التشغيل في مدرسة جلال فهمي الفنية المتقدمة بمنطقة الساحل في القاهرة. التحق بها لاكتسابها سمعة على مستوى الجمهورية أن طُلابها يؤهلون جيدًا للالتحاق بكلية الهندسة، فضلًا عن تداول الكلام عن المدرسة أن معلميها أكثر تأهيلًا، وربما يسافر الطلبة المتفوقين لألمانيا بعد تلقيهم تعليم على مستوى عالٍ، إلا أنه لم يجد ذلك.

caption
تصوير: صفحة مدارس التكنولوجيا التطبيقية على فيسبوك

يقول وليد عن تجربته «مدرستي كان بها كمّ ورش مهول، لكن أعتقد أن جِدّي كان بيشتغل عليها»، في إشارة إلى قِدم معدات تلك الورش. 

تُعد مدرسة وليد، التي أُنشأت عام 1970 أحد أبرز المدارس الفنية في مصر تاريخيًا، ويُعد تنسيقها هو الأعلى على مستوى الجمهورية، واكتسبت شهرة كأحد أفضل المدارس الفنية على مستوى الجمهورية. 

لا يمتلك الطلبة المعلم المؤهل الذي يستطيع تدريبهم على المعدات التي يقضي معها الطلبة يومين في الأسبوع، «أصلًا المدرس ميعرفش يشغلها»، فمعلومات المعلم محدودة للغاية عما يُدرّسه عمليًا، وغايته من التدريس تحصيل الأموال من خلال مجموعات الدروس الخصوصية، بحسب وليد الذي يقضي وقته هو وزملاؤه من التدريب العملي في تنظيف الورشة. 

يربط عبدالحفيظ طايل، مدير المركز المصري للحق في التعليم، بين سبب عدم تأهيل المعلمين، وتوقف الاتفاقية المصرية الألمانية. الشراكة الألمانية، أو مشروع مبارك كول، بدأت عام 1991 بعد زيارة للرئيس الأسبق، حسني مبارك، إلى ألمانيا، عقد خلالها اتفاقية مع الجانب الألماني، ملخصها توفير تدريبات ومعدات متقدمة للمدارس الفنية المختلفة، وتمويل لتدريب المعلمين، مع تقسيم الدراسة لجزء نظري وآخر عملي في أحد المصانع، على أن يوفر المصنع للمتميزين فرص عمل بعد التخرج. توقف الدعم الألماني لمصر في هذا المشروع عام 2007. بحسب طايل، كانت الشراكة توفر تدريبًا متقدمًا لبعض المعلمين في عدد من المدارس، وعندما توقف الألمان عن ذلك توقفت الوزارة بدورها. 

يُرجع طايل مشاكل التعليم الفني إلى ما قبل توقف مشروع مبارك كول أيضًا، وتحديدًا إلى فترة السبعينيات، أي مباشرة بعد آخر فترة اهتمام من الدولة بهذا النمط التعليمي في الستينيات. ويقول إنها بداية تراجع مستويات التعليم بمختلف أنواعه، ويعود ذلك إلى تحول فلسفة الدولة من الاعتماد على الاقتصاد الإنتاجي إلى الاهتمام بالاقتصاد الريعي، والتجاري، وفتح الباب أمام الانفتاح الاقتصادي، ورأس المال الأجنبي، ما أدى إلى استبدال فكرة التركيز على وجود عمالة مصرية ماهرة إلى الاهتمام بعمالة مصرية رخيصة. 

هذا التراجع يحدث بالرغم من تشكيل القطاع الزراعي نسبة 14.7% من الناتج القومي الإجمالي، بينما يُمثل قطاع الصناعة حوالي 20%، أي أن القطاعين يُشكلان أكثر من ثلث الناتج القومي الإجمالي، بالتالي يكتسب نظام التعليم الذي يُوفر الموارد البشرية لهما أهمية خاصة، وفقًا لمركز العاصمة للأبحاث والدراسات الاقتصادية.

وبينما أفردت وزارة التعليم خططًا عدة لتطوير التعليم العام، تحدثت على استحياء عن تطوير التعليم الفني، والذي ارتكز على إنشاء بعض المدارس التكنولوجية خارج سياق أعم لتطوير المنظومة الأصلية.

بحسب تصريحات صحفية سابقة لمحمد مجاهد، نائب وزير التربية والتعليم لشؤون التعليم الفني، مدارس التكنولوجيا التطبيقية هي مدارس تُنشأ بالتعاون بين شريك صناعي و الوزارة، وتُوفر أثناء الدراسة تدريبات عملية بمصانع وشركات ذلك الشريك، مع توفير أولوية تعيين المتميزين بها.

أول مدرسة من ذلك النوع كانت مدرسة «العربي»، التي أعلنت عن استقبال طُلاب أول دفعة في يوليو 2018. وفي الأول من فبراير الماضي أعلنت الوزارة عن توقيع بروتوكول تعاون مع شركة فولكس فاجن الألمانية، لإنشاء أول مدرسة تكنولوجيا تطبيقية متخصصة بمجال إصلاح وصيانة السيارات. وبحسب تصريحات مجاهد، في 10 فبراير الماضي، وصل عدد تلك المدارس 17 مدرسة. 

caption

يبدو أن هذه المدارس لسعداء الحظ، فمدرسة «العربي» تفخر بأنها تُقدم للطُلاب: مكافآت شهرية، نظام تعليمي يعمل طبقًا للمعايير الدولية، أنشطة رياضية وفنية بالمدرسة، رعاية صحية، وجبة غذائية ساخنة متكاملة، الدعم والتدريب من قِبل المستشارين اليابانيين، بحسب أحد الملفات التعريفية بالمدرسة، وفي إشارة إلى نمط تمويلها بشراكات مع القطاع الخاص. 

لجأت الشركات الخاصة هذه لإنشاء ذلك النمط من المدارس، لأن مدارس التعليم الفني المختلفة لم تتطور لسنوات، فمجالات النشاط والمستوى المهاري الذي يتعرض لها الطلاب، لا علاقة لها بسوق العمل، فتنشأ تلك الشركات مدارس تُدرب فيها الطُلاب على النمط التعليمي الذي يضمن لها خريجين أكفاء يتعلمون لديها، بحسب منى عزت، الباحثة المتخصصة في مجال التمكين الاقتصادي للنساء، لـ«مدى مصر».

تبقى مدارس التعليم الفني التقليدية جاذبة للبعض، خاصة للرجال، لأسباب تتجاوز فرص العمل الناتجة عنها.

 يحكي مثلًا جمعة أحمد، وهو عامل باليومية من محافظة الفيوم، إن أولاده منذ انتهاء المرحلة الإعدادية وهم منجذبون للعمل بشكل غير منتظم لتحقيق ربح سريع بدلًا من انتظار التخرج واستكمال التعليم، لكنه يدفعهم دفعًا لاستكمال «دبلوم صنايع»، حتى تُصبح مدة خدمتهم بالقوات المسلحة عامين بدلًا من ثلاثة. 

بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، عدد الطلاب الذكور الملتحقين بالتعليم الفني في العام الدراسي 2018/2019 بلغ مليون و101 ألف و202 طالب، وهو ما يزيد بنحو 300 ألف عن عدد الطالبات.

هناك أيضًا مشاريع الزواج وربطها بالشهادة التعليمية. يتذكر محمود حسن، أحد قدامى خريجي «جلال فهمي»، إن كثيرين من زملائه «كانوا بيخشوا المدرسة عشان الشهادة حتى لو مش هيتعلم، أصل هستفاد بيها إيه؟ ولا حاجة، غير كده لو رحت مثلًا اتقدم لواحدة ومعيش شهادة، هيتقالي بنتنا متعلمة، ندهالك ليه؟ إلا لو معايا فلوس بقى»

ترى أستاذة علم الاجتماع ورئيسة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية السابقة، سهير لطفي، أن قيمة شهادة التعليم المتوسط أصبحت لكثير من خريجيه هدفًا يُحقق «البريستيج»، «لنسمع الجملة الشهيرة مثلًا، أنا نقاش بس معايا ليسانس آداب على فكرة». هكذا أصبح التعليم الفني مرتبطًا بالحصول على شهادة «ليس لأنها الأداة التي سأحصل على مهنة من خلالها، لكنها الوسيلة الذي سأحقق بها ميزة اجتماعية» بحسب لطفي.

هناك أيضًا تنميط لأدوار النساء والرجال في العمل الفني يجعل مدارس التعليم  الفني جاذبة بشكل أكبر للرجال. تقول عزت لـ«مدى مصر» إنه حاليًا أصبح هناك تمييز فيما يتعلق بفرص النساء في مجالات العمل الفنية. «حُصرن في مجالات معينة زي الخياطة، والزخرفة، والرسم وصناعات الدواء، عكس مرحلة ما قبل الخصخصة، كانوا منتشرين في مختلف الصناعات، مثل شركة تيليمصر على سبيل المثال التي ضمت أمهر النساء العاملات»

تفسر عزت ذلك بأن أغلب المصانع تطلب رجال، لأن طبيعة أماكنها الجغرافية تجعلها جاذبة أكثر لأهالي القرى، مثل مصانع برج العرب التي تأتي بأغلب عمالها من قرى كفر الدوار، وكفر البطيخ، وهنا يتولد انطباع لدى أصحاب تلك المصانع إن الفتيات القادمات من الريف «عمالة دوارة»، بعدما يتم تعليمها وتدريبها ستذهب للزواج، أو ستتوقف عن العمل بعد الولادة، لأنها ليست في احتياج حقيقي له. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#بودكاست

يعني إيه الـUSAID يقف في مصر؟

نلقي نظرة سريعة على بعض آثار القرارات التنفيذية التي أخذها ترامب لتقليص المعونة الأمريكية على مصر

عثمان الشرنوبي و فرح فنجري 1 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن