تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
نجم القاهرة إسكندرية أسوان| حتى نافورة النيل أو أبعد

نجم القاهرة إسكندرية أسوان| حتى نافورة النيل أو أبعد

كتابة: هاني المصطفى 15 دقيقة قراءة
تصوير: مُهرة

#جو عام

تحية ثانية لنجم القاهرة إسكندرية أسوان: محمد فوزي، يكتبها هاني المصطفى مُستعيدًا مشاعر بعيدة من الطفولة حين كان يشعر بهشاشة هويته كنوبي قاهري يقيم في مدينة نصر أمام أقاربه سكان مركز نصر النوبة بأسوان، الذين كانوا يحضرون محصنين بلسانهم النوبي الطليق وأخبار نجوم سماء الغناء النوبي في كوم أمبو ودراو وبلانة وغرب أسوان، لكن كل ذلك تغيّر بحضور سهرة نوبية بطلها فوزي تجلى فيها الانبساط والانسجام الهوياتي.

للعودة إلى التحية الأولى التي كتبها مصطفى شوربجي يمكن الضغط هنا.

#سماع

فرضوا علينا الهجرة المُرّة.. قالوا كوم أمبو الجنة الخضراء لا تعود «فرضوا» هنا على حكومة السد العالي ومشاريع خزان أسوان وتعلياته كما كان يقول صاحب الأغنية الفنان الراحل خضر العطار. بل تعود هنا على أقاربي قاطني مركز نصر النوبة الذين ظلوا لسنوات يشعروني -كأحد نوبيي مدينة نصر- بالتقزم والانسحاق الهوياتي لثقافة الشمال كلما زاروني في إجازات فصل الصيف، في ما قد نسميه بلغة اليوم كلاسيكو الأرض: نوبيو مدينة نصر VS نوبيو مركز نصر. 

قد تظن عزيزي القارئ -مثلهم- أنني قد قطعت جذوري بهويتي منذ نشأت هنا في القاهرة، ولكنك للأسف الشديد مخطئ، فكاتب هذه السطور تعلّم اللغة النوبية من خلال الشتائم التي كانت توجهها لي جدتي عندما تأمرني بفعل شيء بالنوبي ولا أفهمه. فحفظت الشتائم والأوامر فقط على أفضل وجه. ذهبت إلى الجمعيات النوبية لحضور واجبات العزاء واجتماعات المجلس كي أعرف مَن دفع الاشتراك ومَن لم يدفع. شجعت الأوليمبي السكندري مساندة لابن بلدنا أحمد الكأس الشهير بـ«كاسو». ادعيتُ كذبًا في المدرسة أنني ابن خالته بل أخذت هدايا من معجبيه لأوصلها له (عندما جمعني لقاء بالكابتن الكبير بعدها بسنوات وقصصت عليه ما فعلت معتذرًا، ضحك وسألني بلهفة: طب كانت هدايا حلوة؟) لم أذهب إلى حفلات زفاف غير نوبية حتى دخولي المرحلة الثانوية. تتساءل عزيزي القارئ لماذا يمثل حضور حفلات الزفاف غير النوبية بالذات هذه الأهمية، أخبرك بأن في رأيي الدعوة لحضور حفلات الزفاف هو تعبير حقيقي عن أواصر الأخوة والمحبة والقيمة الاجتماعية، فأنت تدعو إلى حفل زفافك أناس تفتخر بمعرفتهم مثل رئيسك في العمل، صديق دراسة ذي حيثية، لفيف من الأساتذة والأقارب الميسورين اللي مش بيعبروك في العادي بس حايشرفوك يومها بس. فهاتروح فين يا عُثمانة وسط الملوك! لذلك لم ير صاحب هذه السطور الغوازي ولا البوفيه المفتوح وصدور الديك الرومي التي تتصدرها إلا متسللًا مع ثلة من أصدقائه النوبيين وغير النوبيين غير المدعوين لمثل هذه التجمعات الفخمة.

عبد الرحيم، ابن راعي الغنم الصعيدي، وبلبل، ابن العجلاتي البورسعيدي، ودياسطي، ابن الساعي البحراوي، جيراني وأصدقاء طفولتي أحبوا أفراح النوبيين التي كنا نصطحبهم إليها. أفراحنا نحن نوبيو القاهرة -كأفراح البلد- لا تشترط عددًا. كنّا ننكت على الجوربتية الذين يحصون عدد الضيوف وعدد كروت الدعوة. لم تشترط أفراحنا أيضًا زيًا رسميًا. حضورك في حد ذاته فرح. «شوفتكم عيد» كما يقول السودانيون. والعيد لا يكون عيدًا دون عيدية. العلبة في الأفراح النوبية وزجاجة الكاكولا كانت العيدية الحق، والحب الأول في العلاقة بين أصدقاء حتتي وأفراحنا. فعلب الأفراح النوبية لجميع المدعوين ومحتواها متنوع وغير متمايز. جميعها تُصنع وتُعلّب في مخابز المنطقة التي يُقام فيها الفرح، ويزين اسمها سطح العلبة مع تهنئة رقيقة للعروسين. تحتوي العلب على تباديل وتوافيق من الكرواسون السادة أو الباتيه اللي بالجبنة وسندوتشات اللانشون أو اللحمة الباردة في الحادق، والجاتوه أو الملفيه أبو سكر بودرة -اللعين- في الحلو. الأخير لم أُجِد أبدًا فن أكله دون أن يسقط فتاته وبودرة سكره على ملابسي التي أريد أن أرقص بها على خشبة المسرح. كنّا بعد ما ناخد العلبة وإحنا داخلين باحترام زي الكبار وأصحاب الفرح بالتمام والكمال نجري على جنب ونفتح العلب ونشوف كل واحد طلعله إيه. كنت أحرص على تبديل الملفيه اللعين بالجاتوه أو الكرواسون أو سندوتش اللحمة الباردة حفاظًا على ملابسي. يتساوى الجميع في المأكل والملبس والمجلس في أفراح النوبيين، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالكف والأراجيد. بعد أن تفرغ العلب والحاجة الساقعة المرفوعة وراءها، نجلس في أي مكان ونرقص في كل مكان. المسرح مساحة محجوزة لراقصي فرقة علي كوبان أو شمس حسين أو نجم المعادي سليمان عبد الحليم. يرتدي الراقصون قمصانًا وبنطلونات مجسمة بطول الأذرع والسيقان تنفجر عند نهايتها بكرانيش اليدين وشارلستون الرجلين. يلهبنا حماس راقصي الفرقة فنتجرأ ونندفع نحو المحظور بالصعود على قمة المسرح لمشاركتهم الرقصة وتخريب التابلوه. يظهر في تلك اللحظة رجل يشبه حسن حامد -الرجل الشرير في أفلام الأبيض والأسود- ليطردنا من أعلى المسرح بالشلاليط. نشعر بنشوة للحظات عندما نطير ونحلق فوق الجميع الذين يتلقفونا بالود والضحكات ولعن أباليسنا المختلط بالكفوف والقبلات. أُقيمت أفراح تلك الفترة إما في الشوارع والأسطح أو في ساحات شعبية مثل مراكز شباب الجزيرة والأزبكية والقللي والاتحاد النسائي. لم يكن غريبًا أن يظهر ملعب كرة سلة في خلفية الفرح، أو شبكة كرة طائرة خلف كوشة ومعازيم ثملين بالفرحة قبل أن نبدأ نشعر بالخزي أمام هؤلاء الذين انتقلوا طبقيًا لأعلى وأصبحوا يقيمون أفراحهم في القاعات والديار والأندية الفخمة أسوة بالجوربتية الذين لم يدعونني يومًا إلى حفلات زفافهم. في المرحلة الانتقالية بين هذه وتلك، أُقيم فرح لأحد أقاربنا في حديقة مفتوحة داخل إحدى الدور الفخمة اصطحبنا إليه رفقاء السلاح عبد الرحيم وبلبل ودياسطي.

دفعنا الفضول لترك حفلة زفاف أقاربنا والذهاب لاستكشاف ماذا يحدث للمصريين في القاعة المُسماة بـ«الماسية» في نفس النادي. كان مرأى رجال الأمن ثلاثيي الأبعاد عن بُعد كاف لصرف النظر عن فكرة التسلل، خاصة وأننا كنّا لم نُشف بعد من علقة أكلناها من حراس باص أحد المدارس الأجنبية الخاصة التي كنا نزقلها بالطوب ونحن نمارس هوايتنا في التعليم على الطبقة الراقية. لكن عبد الرحيم يأبى إلا أن يداوينا من جرح الزمان ويقودنا إلى الباب الخلفي للقاعة الماسية لأرى، ولأول مرة، الرقاصة بشحمها ولحمها وهي تقود العروسين على أغنية لمحمد فؤاد 🎼 طب ع اللي ف قلبك.. قولي.. طب ع اللي ف نفسك.. قولي 🎼 نحو البوفيه والتورتة ذات السبعة أدوار التي فوجئنا بوجودها أمامنا وما أنسانا إياها إلا تمايلات الجسد الطري. يصرخ بلبل فينا بأنهم قادمون نحونا وستتحرك الأنوار معهم وحينها سننكشف ونُضرب مرة أخرى. دياسطي بدا غير مقتنع بأن ما نراه تورتة حقيقية، فيقرر التأكد على عجل، يضع إصبعه السبابة على سطح التورتة ليخرج ساعده منها بعد قليل مُكللًا بالظفر بطبقات من الفانيليا والشوكولاتة والمربى. السعادة التي بدت على وجهه وهو يمصمص أصابعه تدفعنا دفعًا لأن نغرز أصابعنا في التورتة ونغرز أعيننا في جسد الراقصة المتمايل والمقترب نحونا والمنبئ بسوء مصيرنا إن انكشفنا، عكفنا على الغرز والمصمصة -عزيزي القارئ- حتى اللحظة الأخيرة قبل ما  🎼 بحور -محمد فؤاد- تسافر في مراكبـ(ه) وتتوه يا حبيبـ(ه) وتوصل 🎼  إلينا. نهرب بعد أن نترك على سطح التورتة المهيبة هوة لم أتذكرها إلا وأنا أشاهد مشهد انكشاف هروب المسجون آندي في فيلم «وداعًا شاوشانك». لم نكن سنشعر بالأمان بالاختباء في فرح أقاربي في الحديقة التابعة للدار، فهربنا إلى الشارع نمصمص أصابعنا ونضحك ونقفز في الهواء احتفالًا بهذا الانتقام الذي جالنا على صدرنا فأخدناه فرست تايم زي جون أبو تريكة في الصفاقسي.

لم أكن أعي وقتها بأن هذه القصص والمواقف لها علاقة مباشرة بكوني نوبيًا. فقد كنت أظن أنها قصص قاهرية محضة. عزز هذا الشعور تسخيف أقاربنا القادمين من البلد لزيارتنا كل إجازة صيفية، والذين تعاملوا معنا كقاهريين نسيوا لونهم ولسانهم وجلدهم. ومهما قرأنا عليهم ما تيسر من أغاني علي كوبان أو حسين بشير أو بحر أبوجريشة وعبدالله روك، ومواقف التهميش الثقافي والاجتماعي التي نتعرض لها، كانوا يتمادون في تسفيهنا وتسفيه آلهتنا. كنّا نشعر بهشاشة نوبيتنا في وجودهم حولنا أو عند ذكرهم لاسم فنان جديد يسطع في سماء الفن في كوم أمبو ودراو وبلّانة وغرب أسوان. ما زلت أتذكر ذلك الصيف الذي أتوا فيه لزيارتنا في منتصف التسعينيات ومعهم شريط اسمه «سول بوري» للفنان محمد فوزي. كان هذا الصيف الذي بهت نوبيي القاهرة أمثالي. فبحسب أبناء عمتي، قدم هذا الشريط ليس فقط فنًا نوبيًا كلابشويًا أو دراويًا، بل فن المحس والسكوت من النوبة السودانية. وهذا شيء لو علمه نوبيو القاهرة لأصبحوا عُمدًا. كان الكلام واللحن ومفردات مثل محس وسكوت كفيلة بإخراسنا. عوالم لم نعلم عنها شيئًا وإن وُجدت نحن لا ننفع لها يا صاحبي. اكتفينا فقط بالرقص على الأغاني وفوزي يغرد «سويها الجَبَنَات سويها» ظانين أنه ينعتنا نحن بالجبانات بسبب نظرات أقاربي الساخرة من رقصي ولسان حالهم يقول: «إحنا النوبيين انتو مين؟ إحنا شربنا من نيلها، انتو شربتوا منين؟ إحنا بنعرف نغنيلها، وانتو ماتعرفوش إندو من ماندو». ظننا وقتها أنهم على حق. مثّلوا لنا النسخة الأصلية التي لا نجرؤ سوى على الافتخار بها في غيابهم. كنّا نشعر بنوبيتنا طوال العام إلا في أسابيع زيارتهم القليلة لنا. سلمنا بهذه الحقيقة حتى دُق في نعشها ثلاثة مسامير.

***

أول المسامير: كان ابن عمتي تاج الدين شخصية كاريزمية بحق. لديه قدرة هائلة على الاسترسال في قص حكايات يلعب فيها دائمًا دور البطولة. حتى أنه نجح في إقناعنا أنه صاحب الفضل على أخيه الأكبر أحمد عماد الدين، الشهير بـ«كاسو الجنوب» في إتقان لعب كرة القدم، وهذا حدث لو تعلمون عظيم.

(حقق الكابتن أحمد عماد الدين حاج علي جميع الألقاب الممكنة لمركز شباب قريتنا في لعبة كرة القدم. جميع البطولات التي شارك بها. أهداف إعجازية يتبارى مَن شاهدها في وصفها حتى يومنا هذا. تقول الأسطورة: كان في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي كأسين، كأس في نادي الأوليمبي السكندري يُدعى «كاسو الشمال»، وكأس ودوري وسوبر في مركز نصر النوبة يُسمى بـ«كاسو الجنوب». يعلم الجميع أن ما حال بينه وبين الأسطورة السكندرية أن كاسو الجنوب يفقد نصف مهارته عندما يرتدي حذاء الكرة الرسمي الصلب الذي يحول أصابع قدميه العشرة إلى كتلتين أصمتين. تلك الأصابع العشرة التي يُقال إنه كان يكتب على كل منها أسماء ضحاياه الذين يتلاعب بهم وهو يلعب حافيًا أو حتى مرتديًا الكاوتش الباتا. يتذكر أهالي القرية أيضًا أن كاسو الجنوب قضى ما زاد عن نصف مدة تجنيده بالقوات المسلحة في منزله مكافأة له على قيادته لفريق كتيبته للفوز في كل بطولة خاضها وتسجيله أهداف خلابة. لعن الله الأديداس والنايك والبوما والديادورا التي حرمت الملايين من مشاهدة الأسطورة كاسو الجنوب على شاشات التليفزيون)

أما أخيه تاج الدين أو «تجتوج» كما كنّا نحب أن نسميه كان يدرس في القاهرة ويزورنا تقريبًا مرة كل أسبوع. كان يخبرنا أن اهتمامه بالدراسة فقط هو ما حال بينه وبين تحقيق مستقبل كروي باهر كأخيه الأكبر. وفي بداية إحدى الإجازات الصيفية، تحدانا جارنا أن نفوز بدورة كرة قدم في مركز شباب مدينة نصر حيث كنّا نسكن. أخبرت تجتوج فتحمس، وجمعت فريقي واتفقت معهم على الخطة الذهبية «باصي لتجتوج» أسطورة الجنوب أو شقيق أسطورة الجنوب –حاجة في الرينج ده. حتى إذا التقى الجمعان ووضعت كل ذات حمل حملها إلا تجتوجًا كان يهرول كالبطة في الملعب مهدرًا كل فرصة محققة للفوز قبل أن يتبجح ويصرخ فينا صرخته المسرسعة «فين الناس!» صرخة أصبحت نكتة يتداولها أطفال وشباب الحيين السادس والسابع في مدينة نصر وينسبوها للاعب برازيلي وأسمر يرقص كالبطة حوّل الذكاء الشعبي اسمه من تجتوج إلى تختوخ. كان هذا عزيزي القارئ أول مسمار دُق في نعش المصداقية الكوم أومبية. انقطعت زيارات تاج الدين لنا طيلة ذلك الصيف، فلم نتمكن من تقطيمه على ما نلناه من سخرية في المنطقة بسببه. ولكننا اكتفينا بتحطيم أسطورته أمام إخوته الصغار الذين لم يقطعوا الزيارات ولم يتعجبوا مما حدث من أخيهم، بل زادونا من الشعر أبياتًا من مواقف مشابهة له في القرية التي لم نكن قد زرناها بعد.

***

المسمار الثاني دُق في حلم منتصف ليلة صيف في عام 1996. نجوم البرازيل في مهمة تبدو سهلة أمام الحصان الأسمر لبطولة كرة القدم في أولمبياد أتلانتا منتخب نيجيريا. حراس الهوية النوبية إخوة تاج الدين الصغار يحلون ضيوفًا على النوبيين المستنوبين -اللي هم إحنا يعني- ويشجعون نجوم البرازيل دون سمرة خجل ضد أبناء جلدتهم وعلى رأسهم نجم فريقهم المفضل ابن ميت عقبة إيمانويل أمونيكي! 

معلق المباراة الكابتن مصطفى الكيلاني يعوم على عومهم ويهلل بخبره الأبيااااااااض مع كل كرة برازيلية ويمني النفس بصعود سهل للنهائي في شوط المباراة الأول المتسيد من قِبل البرازيليين. أشاهد هذا المشهد الهزلي غير مصدق لما حولي. أين إفريقيا؟ أين الولاء والانتماء؟ فين الناس! أتى فرج الله مع بداية الشوط الثاني بأول تغيير بخروج معلق المباراة مصطفى الكيلاني ودخول فاكهة التعليق الكابتن محمود بكر الذي بشّر بأن عدالة السماء ستهبط على ستاد لوس أنجيلوس، وسرعان ما استجابت السماء لتهبط عدالتها على مشط رجل نوانكو كانو فيرفع الكرة بإصبع قدمه الأكبر، تمامًا كما كان يفعل كاسو الجنوب، ثم يدور كالأفعى ليلدع البرازيل والعقل والمنطق هدفًا أعاد الأمل وأطلق الآهات وصيحات الجيران والشارع بأسره فأتحمس ويتحمس نسور نيجيريا الخضراء والأفارقة الحقيقيين ليقلبَوا النتيجة على ملوك اللعبة السابقين وأقلب أثاث المنزل على رؤوس عرة السُمر الذين أصابهم الوجوم لفوز نيجيريا. احتفل بالفوز بضربهم بالشلاليط والبونيات ضربًا مبرحًا على انسحاقهم الهوياتي، وبالمرة انتقامًا من أخيهم تجتوج.

ساءت العلاقة بين أبناء العِرق واللحم والدم الواحد. كما أنني طردتهم وقلت لهم ماتتفرجوش على النهائي عندنا. فذهبوا إلى أمهم صباحًا يبكون. عنفتني عمتي وأخذتهم لقضاء بقية الإجازة في بيت عمي. استمتعت بمشاهدة النهائي بدون منغصات. إيمانويل أمونيكي، نجم الزمالك السابق، يسجل هدف الفوز في مرمى الأرجنتين ويحصد الذهب لأول مرة في تاريخ إفريقيا. اتصل بمنزل عمي لأحفَل على أبناء عمتي الحزانى بكل تأكيد. يرد على المكالمة أسطورة العائلة، كاسو الجنوب، أخوهم الأكبر. لم أعرف أنه قد انضم لهم قادمًا من البلد. يبارك لي كاسو على فوز نيجيريا ويسخر من إخوته المنبطحين المصابين بعُقدة الخواجة. يدعوني للذهاب معهم يوم الجمعة القادم لرحلة نيلية نوبية مع الفنان محمد فوزي. كان هذا طقس صيفي نوبي سوداني يتكرر كل جمعة وأحد. رحلة نيلية لمدة ساعتين مع فنان نوبي أو سوداني في قارب ذي طابقين يتحرك في حوالي الثامنة مساءً من أمام مبنى ماسبيرو حتى نافورة النيل أو أبعد، حسب العدد والأنغام والانسجام. فيكا، سليمان ديدي، حمو باطا، سيف الجامعة، ندى القلعة، ومحمد فوزي، هؤلاء كانوا نجوم هذه الرحلات. تأخذني العزة بالإثم فأرفض الدعوة متحججًا بارتباطات وهمية. تستمع جدتي لأطراف الحديث. توبخني على وقاحتي وسوء تربيتي. أحكي لها عن انبطاح أبناء عمتي وكراهيتهم للونهم ونوبيتهم، فتصعقني بقائمة من الأسئلة: تعرف تقعد معايا بالساعة زيهم تتكلم نوبي؟ تعرف أهلك زي ما هم عارفين أهلهم واحد واحد وقبيلة قبيلة؟ بتاكل جاكود وكرمديد ولا بتسيب البيت وتنزل تاكل حواوشي وشاورمة زي الفرافير؟ شربت الإجي كول بتاعك النهارده؟ كانت إجاباتي مخزية وظننت للحظة أنها تفضلهم عليّ. ولكنها تصعّد نبرتها وتخبرني بصوت حاسم بأن النوبة غرقت وماتت وشبعت موتًا. كوم أمبو زي مركز نصر زي مدينة نصر. كلنا قاعدين بننتمي لشيء معادش موجود ولكن كل واحد بطريقته. بلاش تتنططوا على بعض عشان لمّا تخسروا بعض يبقى النوبيين كمان غرقوا زيهم زي أرضنا وبيوتنا ونخيلنا.

***

كانت ليلة مقبضة لم أنم فيها جيدًا. فقد كنت أحب جدتي حبًا جمًا وأكره أن أغضبها بهذا الشكل. كما أنني شعرت بالذنب تجاه ابن عمتي الأكبر كاسو الجنوب الذي أكن له كل حب وتقدير. كيف أرفض دعوته وأنا أعلم أنه بدعوته هذه يريد أن يصفي الأجواء بيني وبين إخوته ككبير للعائلة بحق. لم يزرني النوم إلا قُرب الفجر.

أسمع صوت كاسو الجنوب آتيًا من الصالون يدق المسمار الثالث في نعش المصداقية إياها مُصححًا لإخوته أمام جدتي ما يظنونه فنًا نوبيًا في أغنية فوزي «سول بوري» فيقول إنها أغنية سودانية وتعني «سوي البوري» أي الكانون. يؤمّن الكاتب الكبير محمد مستجاب على هذه المعلومة ويقول إنه «أخو الكانون الصغير» وقد ذكر ذلك في كتابه «دقة قديمة». أما الجَبَنَة فلا تعني القهوة، بل الإناء الذي تُصنع فيه القهوة. فالأغنية ليست نوبية من الأصل وأن عليهم الاعتذار لي بمجرد أن أستيقظ من النوم. يوقظني ابن عمتي الأصغر قائلًا: «كسبتوا بجون أوفسايد». أرد عليه بصوت محمود بكر قائلًا: أكلتوها وشربتوها يا مغفل! أستيقظ من نومي ضاحكًا.

نتشعبط أنا وكاسو الجنوب وأبناء عمتي في أتوبيس 926 الذاهب للتحرير. يمتدح كاسو الجنوب مهارتي في الشعبطة ويسخر من كحولة إخوته المنهمكين في إزالة آثار السحلة على الأسفلت من على ملابسهم. أشفق عليهم فأساعدهم في التنظيف. ينتحون جانبًا رافضين مساعدتي. يعلمهم أخيهم الأكبر كيفية النزول من الأتوبيس دون أن يتوقف. وقع هذا على آذانهم كدروس في فيزياء الكوانتم. يسألهم أحد الركاب عن المواصلات في البلد، فيحكون له عن عربة الكبوت والجرس الذي يُضرب من الداخل فيقف السائق ويتأكد من هبوط الراكب بأمان وصعود غيره بأمان. كما أن الأجرة تُدفع مع انتهاء المشوار وليس قبله. ينال هذا العرض المعلوماتي استحسان الركاب ليتباروا بعد ذلك في امتداح أسوان وأدبها واللغة النوبية ودورها في حرب أكتوبر ومحمد منير وأحمد الكاس وعلي الكسار -اللي أصلًا مش نوبي. معنويات أبناء عمتي في السماء الآن ينظرون لي بتحدي. أقتل غرورهم بعبارة استعراضية: «لمّا أقولكم يلّا ننزل، ننزل على طول عشان لو فوتنا المحطة حَنمشي كتير» لتظل أعينهم عليّ مترقبة في الأتوبيس المزدحم من منشية ناصر إلى ميدان التحرير. أتظاهر بالتأهب للهبوط كل فترة فيقفون ثم يجلسون في أماكنهم. أضحكتني نظرة الحقد في أعينهم كل مرة. نقترب من ماسبيرو، فيتوقف سائق الأتوبيس بالكامل إكرامًا لناس أسوان موفرًا عليهم سقوطًا متدحرجًا وسخرية مضاعفة. المركب في انتظارنا وموسيقى فوزي تنطلق في الأجواء 🎼 أغروك ولا براك نسيت🎼  فوزي يظهر من خلف أورجين ضخمي الحجم  🎼 عشرتنا وأيام الصفا🎼 يهز رأسه بمزاج عالٍ 🎼عشرتنا كان زاد العمر🎼 يحيي زائرًا للمسرح بطرقعة إصبعه فوق رأسه حبابك عشر 🎼  في ظل الرياض الوارفة🎼  يضحك ويشعل سيجارة وتجري أصابعه العشرة على مفاتيح الأورجين. تنطلق المركب ويشتعل بالرقص في صفوف ودوائر 🎼 والليلة تتنكر تجور🎼  يرد الراقصون بصوت جماعي 🎼 في لحظة تنسى المعرفة🎼 يكرر فوزي  🎼والليلة تتنكر تجور. يصرخ كاسو الجنوب 🎼 في لحظة تنسى المعرفة🎼 فوزي يضحك ويهز كتفيه طربًا  🎼 أنا عمري ما فكرت يوم🎼  يأخذنا كاسو أنا وأبناء عمتي لننتظم في صف الأراجيد 🎼 آخر مطافنا يكون جفا.. أنا قلبي ما بيعرف خصام🎼 أقف أنا وأبناء عمتي في صفين متقابلين 🎼 يا ناسي أيام الوفا🎼  يبدأ فوزي وصلة عزف جنونية تُرقص الأمواج والمركب فاستحال الصفان المتقابلان دائرة، فيدفعني كاسو الجنوب داخل الدائرة لأرقص منفردًا 🎼الدنيا ياما تعلمك🎼 أفتح ذراعي مقلدًا رقص ابن عمتي المحترف 🎼 العِشرة أبدًا ما بتهون🎼 أسحب ابن عمتي معي في الدائرة 🎼والقسوة في ظلم الأحبة يا قاسي كم تجرح جفون🎼

تنتظم خطواتنا وترتفع أيدينا 🎼 حبابك عشر فوق رأسينا 🎼 ياللي اصطفيت غيرنا ومشيت رغم البعاد أنا ما بخون🎼 

نعود إلى الدائرة مرة أخرى ويدخل اثنان غيرنا، ونرد على فوزي: 🎼 أنا عمري ما فكرت يوم آخر مطافنا يكون جفا🎼

 تتوالى الدوائر والصفوف والغناء والمردات في ليلة نوبية لا نسمع فيها لاغية مع فوزي، أسطورة الغناء النوبي، الذي لا يغني نوبي، ولكنه يغني ما يعجبه كنوبي.

وانتظروا تحية ثالثة وأخيرة يكتبها هيثم الشاطر لنجم القاهرة إسكندرية أسوان، وسلام.

عن الكاتب

هاني المصطفى

مصور فوتوغرافي ومخرج أفلام قصيرة. يزور الكتابة أحيانًا كي يصف صورًا مرت عليه دون أن يلتقطها. يسافر في البلاد يُدرس الأطفال ويمشي في الأسواق. يسمي الله ويأكل مما يليه.

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن