موسيقى الأرواح
العزيزة مدى: ما العمل والطريق طويل ومليء بالضباب؟
في عيدنا العاشر، سألنا عددًا من أصدقائنا الذين نفكر معهم: ماذا يعني أن نكون هنا الآن؟ لم نكن نبحث عن تهنئة بمناسبة العشرية، أو طبطبة على الأكتاف لأننا بقينا على قيد الحياة. كنا؛ وما زلنا؛ ببساطة؛ نبحث عن معنى أن نكون هنا الآن. ربما في محاولة التفكير في السؤال، نجد ما يتعين علينا الانتباه إليه أو إعادة ترتيبه أو تخيله في أي من أزمتنا المتداخلة: ماضينا، حاضرنا و(بعد إذن الحب) مستقبلنا.
العزيزة مدى:
ما العمل والطريق طويل ومليء بالضباب؟
في ذكرى خروجك إلى النور، أودُ أن أهديكِ أغنية أسمعها كثيرًا هذه الأيام، هي أغنية طريق ضبابي Foggy Road، التي أشعر أن لها صلة بما يمكن أن تعنيه الذكرى اليوم، وما يمكن أن يعنيه اضطراب الحياة وسط الضباب.
في عام 1974 غنّى وينستون رودني المعروف ببيرننج سبير «Burning Spear» (الرمح المشتعل) بصوته القادم من عالم آخر؛ قائلًا: «الطريق مليء بالضباب. سِكّتي طويلة، والطريق مليء بالضباب. رأسي لا يزيغ، وقلبي لا يتحول. لن ينتابني الخوف أبدًا، رغم أن الطريق مليئ بالضباب. ضباب فوق ضباب. أرى بالكاد، جاه جاه هو نور عيني. كُن معي يا جاه جاه. بعضهم يكرهني، وبعضهم يحاربني. وبعضهم يُحاكمني ظلمًا. لكن لا يهمّ يا أخي، سأكمل سيري في الطريق المليء بالضباب».
كلمة «جاه»، التي يكثُر أن ترد مُكررة في الأغاني الجامايكية، هي اسم الإله عند طائفة الراستافاري «Rastafari»، وهي طائفة دينية شعبية، ظهرت في جامايكا في ثلاثينيات القرن العشرين، وانتمى إليها عدد كبير من أهم الموسيقيين أمثال بيرننج سبير، وصديقه بوب مارلي، وكليمينت دودّ، وجاه شاكاه، ولي سكراتش بيري، وغيرهم. اكتسبت هذه الطائفة زخمًا كبيرًا في الخمسينيات والستينيات بوصفها قوة معارضة، وذلك لانتقادها المؤسسات الحكومية والدينية الجامايكية ومقاطعتها، معتبرة إيّاها مؤسسات فاسدة وشريرة، أو بابلونية باللغة الراستفارية. انتشرت أفكار الطائفة بيُسر وسُرعة بين طبقات المجتمع الفقيرة والمسحوقة، لطابعها الخلاصي، وأدى ذلك إلى صدامات متتالية مع الشرطة وأجهزة الأمن، وتعرُّض أفراد الطائفة لحملات اعتقال وتضييق منظمة تصاعدت في أواخر الستينيات.
لا أعرف الكثير عن تعاليم طائفة الراستافاري، ولا يحق لي الكلام عنها. القليل الذي أعرفه يجعل منها بالنسبة لي مزيجًا روحيًا غريبًا، تختلط فيه الكثير من العناصر المسيحية واليهودية المحوّرة والمُعاد تأويلها. فهي تستدعي مرحلة السَبي البابلي اليهودي، ثم تُحوره إلى بابل جديدة، أو بابيلون «Babylon» عاصمة الشر الحديثة، التي نعيش فيها اليوم نحن الفقراء والمستبعدين تحت سيطرة قوى الظلام، وفقًا للمعتقدات الراستافارية. كذلك هناك مؤثرات مسيحية واضحة مثل فكرة الإله الإنسان. وما تكرار لفظ «جاه» مرتين، كما في الأغنية، أو التعبير عنه أحيانًا بجملة «I and I» أنا وأنا إلا شكلًا من أشكال التعبير عن اتحاد هذيّن المكونيّن.
لكن ما يلفت انتباهي كثيرًا في الراستافارية هو أنها تحجّ بأرواح أتباعها عائدةً بهم إلى إفريقيا. غريب، أليس كذلك؟ لماذا تخرج طائفة جديدة في القرن العشرين في جامايكا، لتنصّب أثيوبيا عاصمة لحياتها الروحية؟ بالتأكيد لذلك علاقة بتاريخ العبودية والشتات الإفريقي في الأمريكيتين. إذ أن يَنسِبَ بشر سود في مستعمرة بريطانية في الكاريبي أنفسهم -روحيًا- إلى إفريقيا، فذلك قد يعني إصرارهم على رفض ما يرغب المستعمر البريطاني في أن يراهم عليه، أي مجرد ذوات مستعبدة ومنزوعة عن تواريخها. كذلك فعلت الحركة الأثيوبية1، والتي خرجت الراستافارية من رحمها، عندما قامت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بتحوير التعاليم المسيحية ونقل بوصلة العقيدة لتشيرُ إلى مدينة لم يرها معظم المؤمنين بهذه الحركة، أي مدينة أديس أبابا. فهي كانت من خلال هذا التعديل تُقاوم العبودية والهيمنة البيضاء المُسلطة لا على تفاصيل ممارسة العقيدة المسيحية فحسب، بل على معظم تفاصيل حياة أفرادها أيضا. أليس هذا التحوير المثير الذي قامت به المسيحية السوداء هو طريقة في مناقضة النسخة البيضاء من المسيحية؟ طريقة في ممارسة حياة روحية واجتماعية تناهض بعمق البنية الفكرية الاستعمارية؟ أليس هو أيضًا طريقة في التذكّر تحشد الماضي وتحوّره، تُبقيه وتُغيّره، لتضرب به قوى الحاضر المهيمنة؟ لاعودة ممكنة بالتأكيد إلى الماضي الذي خلّفه المستبعدون، ولكن روح الماضي ذاك لا تقبع وراءهم بأي حال.
المفكرة الجامايكية سيلفيا وينتر تقول في مقالها: عُثِرَ على الطقس أو «The Ceremony Found2»، إن الاستراتيجية الجمالية للراستافاريا تقوم على الاستعارة والقلب أو الـ«overturn»، في محاولة لقلب عنف الاستعباد والتشرد والشتات. طائفة الراستافاري تستعير اللُغة التوراتية لأنبياء اليهود في فترة السبي البابلي، ثم تقلبها لكي تستخدمها للحديث عن سبي آخر، وعن بابل جديدة، تتحكم فيها الرأسمالية العنصرية وعلاقاتها الكولونيالية. تستعير شخصية النبي لكي تتحدث عن نبي آخر غير عبراني، نبي أقرب للشامان في الديانات المحلية الإفريقية. لغة الراستافاريا هي لغة مليئة بقلب ما هو معروف من أجل محاولة زحزحة ما هو راسخ. مثل قلب «Turn» مثلًا إلى «overturn»، أو قلب «oppression» إلى «downpression»، أو قلب بابل لتعني شيئًا آخر غير بابل نبوخَذ نصر. في سعيها لتقديم كوزمولوجيا مضادة، تستخدم طائفة الراستافاري، وفقا لوينتر، نظرة من أسفل وليس من أعلى. أي من واقع الطبقات المهمشة والمسحوقة، وحياتها الروحية والفكرية، والتي تعاني أيضًا من هذا التهميش والسحق. نظرة ربما أمكن وصفها بأنها تنطلق من الحياة الواقعية لمَن لَم ينتصروا في التاريخ، لكنهم في الوقت نفسه لم ينهزموا أيضًا. حياتهم المُصرّة على البقاء، وماضيهم الذي لا يعيش في عالم الصور أو الذكريات، وإنما يشاركهم حاضرهم بوصفه قوة تدفعهم لتجنب تكراره.
يلُوح لي أن الموسيقى النابعة عن هذا المناخ الروحي والاجتماعي هي موسيقى تتأسس على سؤال يخص علاقة الحاضر بالماضي، ويخص طبيعة الذكرى ووظيفتها. لذلك فعندما غنّى بيرننج سبير عن الطريق الضبابي الذي يسير فيه، فإنّه لم يكُن يتحدث فقط عن حاضر الراستفارية، والتي كانت تعيش آنذاك تضييقًا مستمرًا، وتتعرض لحملات اعتقال وتوقيف تلو الأخرى، وإنما كان أيضًا يربط ذلك الواقع بماضي قديم هو ماضي الشتات الأفريقي أثناء عصر العبودية، وماضٍ آخر أكثر قدمًا، ماضٍ سحيق يسبق التاريخ، هو ماض ميثولوجي يحتضن أساطير التكوين وقصص الآلهة. يمر عبر كل هذه اللحظات طريق طويل مليء بالضباب، يسير فيه المغني ومعه مستمعيه، ويتنفسون هواءً قادمًا من بعيد.
اسم الجنس الموسيقي الذي تنتمي إليه هذه الأغنية يشير أيضًا إلى تلك العلاقة، فالأغنية تنتمي إلى موسيقى الجذور أو «Roots»، والتي هي لون من ألوان موسيقى الريجا «Reggae»، وتُعنى بما يمكن تسميته العودة إلى الجذور. الجذور لا الأصول، وهذا الفارق مهم. فالجذور هي حواس تستخلص الغذاء من التربة المحيطة، والعودة إليها، أو بالأحرى التحول إلى جذور، يعني الإيغال في الأعماق لتجذير العلاقة بالتاريخ. بينما يُنظَرُ إلى الأصول بوصفها النقطة الثابتة النقية في الماضي، وبذلك فإن العودة إليها ليست تجذيرًا للعلاقة مع التاريخ، وإنما هي تقديس للحظة متخيلة.
صدرت أغنية طريق مليء بالضباب في منتصف السبعينيات عن ستوديو وان «studio one» الشهير في العاصمة الجامايكية كينجستون، في وقت كانت موسيقى الداب «dub» تشهد زخمًا متزايدًا في الاستديو نفسه على يد باقة من أهم عقول وآذان مهندسي الصوت في الاستديو أمثال لي سكراتش بيري «Lee ‘Scratch’ Perry»، والملك تابي «King Tubby»، وكان من الطبيعي آنذاك أن تصدر نسخة داب من كل أغنية تطبع على اسطوانة منفصلة «single LP»، النسخة الداب من الأغنية تكون عادة خالية من الغناء، سوى من شذرات صغيرة مهشّمة، ومليئة بالأصداء، والترجيعات، والإيقاعات المتهادية. كما يتغير فيها موقع النبرة اللحنية بسبب إطالة بعض الجمل، وتقصير أخرى. لاقت نُسخ الداب تلك رواجًا كبيرًا بين مُشغلي الاسطوانات DJs. كانت الأغنية الأصلية تحتل الوجه الأول من الاسطوانة، أو الوجه A، بينما توجد نسخة الداب على الوجه B منها.
وُلدت موسيقى الداب في النصف الثاني من الستينيات في استوديوهات الموسيقى، وسط الإمكانيات التقنية اللا خطية التي تُتيحها تلك الاستديوهات. وهي بذلك جنس موسيقي غريب، أقرب إلى الخيمياء. لم يُولد على يد فنانين موهوبين أو ملحين عباقرة، بل على يد «صنايعية» مبدعين، وخيميائيين مخلصين، ومهندسي صوت مرهفي الآذان. وبمرور الوقت تطورت هذه الموسيقى بوصفها جنس مستقل، ولم تعد تكتف فقط بإصدار الوجه الثاني أو الوجه B من الاسطوانات، وإنما أصبحت تنتج مقطوعات مؤلفة أساسًا لكي تكون موسيقى داب.
موسيقى الداب هي في الحقيقة موضوع رسالتي، وما أرغب في الحديث عنه معكِ. إليكِ أولًا نسخة الداب التي صدرت مع اسطوانة هذه الأغنية. ستلاحظين بالتأكيد اختفاء معظم صوت بيرنينج سبير، باستثناء بعض الكلمات التي لا يزال صوته يتردد بها، وقد تلاحظين غلبة الإيقاع والبيز على الأغنية. وكأن الأغنية أُرجِعَت إلى عناصرها الأساسية، وتحولت إلى فضاء فسيح تجوبه أصداء وترددات. غياب معظم الكلمات يجعلُ فضاءها السمعي فضاءً واسعًا ومنمنمًا في الوقت نفسه. فضاءٌ تَشغله بضع كلمات فقط. كلمات لا تشير إلى معنى بقدر ما تشير إلى الكثير من الكلام غير المسموع الذي يحيط بها. كلامٌ لم يُقل، أو لا يمكن أن يُقال. كلامٌ قاله بيرننج سبير ثم ضاع. اللغة في موسيقى الداب ليست أداة لإنتاج معنى، وإنما هي ممارسة للسحر. سحرٌ يُخفي الظاهر، لكي يُظهر المخفي. الداب هي موسيقى تسعى لأن تجد لغةً للغياب، بكل العنف الكامن فيه. موسيقى تسعى لأن تجد مكانًا حقيقيًا تتردد فيه همسات الأشباح المطرودين من الحاضر.
لنبقى قليلًا مع علاقة الموسيقى الجامايكية بالماضي وأشباحه. في عام ١٩٧٦ أصدر بيرننج سبير ألبوم داب تحت عنوان شبح جارفي أو «Garvey's Ghost»، والمقصود بجارفي هو ماركوس جارفي3 (1887 - 1940) «Marcus Garvey»، المفكر والسياسي الجامايكي المثير للجدل بسبب غلوّ أفكاره القومية السوداء، والذي يحظى باحترام الطائفة الراستافارية. ألبوم الداب صدر تاليًا لألبوم آخر للفنان بعنوان صريح هو ماركوس جارفي قبلها بعام. مرة أخرى الداب يأتي تاليًا أو متأخرًا خطوة، ومرة أخرى نحن أمام موسيقى تتذكر. موسيقى تسعى لتجذير العلاقة مع الماضي. تحمل صورة غلاف الألبوم صورة بالأبيض والأسود لمن يبدو أنهم أفارقة مستعبدين يدافعون عن أنفسهم برماحهم المجردة. ماركوس جارفي في النسخة الأولى من الألبوم أصبح شبحًا بلا مواربة في النسخة الثانية، ربما لأن موسيقى الداب هي الحيز الملائم للتواصل مع الأشباح، الذين لم يغادروا عالمنا قط. وإحياء الذكرى يعني أخذ مطالب الأشباح بجدية. صدرت في هذا الألبوم بنسختيه الأغنية الشهيرة أيام العبودية، وفيها يسأل بيرننج سبير: هل تتذكر أيام العبودية؟
يتساءل الكاتب والمفكر إدوارد جورج «Edward George4» في الحلقة الثانية4 من بودكاسته العظيم عن موسيقى الداب، بودكاست غرابة الداب «The Strangeness of Dub5»، يتساءل عن معنى هذا السؤال، وعن طبيعة التذكر. لماذا يسأل بيرننج سبير، بصوته الغريب في السبعينيات عن، بل ويطلب أيضا، تذكُر العبودية، وذلك بعد مرور عقود طويلة وأجيال كثيرة على نهايتها؟ يشير جورج إلى سجال كبير حدث في جامايكا الستينيات عن ذكرى العبودية بعد الاستقلال، ووجود اتجاه آنذاك لنسيان الماضي، رغبةً في الانعتاق من جراحه الغائرة. ردُ بيرننج سبير في هذه الأغنية يشير إلى أن العبودية ليست مجرد ذكرى، بل هي بنية ثقافية وسياسية. أليست هذه البنية حاضرة في النظام الاقتصادي التبعي الذي يحاصر جامايكا إلى اليوم؟ يرى جورج في أغنية بيرننج سبير إصرار الماضي على العودة إلى الحاضر، واصفًا إياها بأنها فضاء سمعي يسمح بالحداد من دون نوستالجيا أو ميلودرامية.
من المهم الوقوف لوهلة عند طبيعة التذكر في هذا السياق. فالتذكر في الموسيقى الجامايكية لا يعني استحضار حدث انتهى، والأهم أنه هو والنسيان قد لا يكونان طرفي نقيض. جورج يربط أغنية طريق مليء بالضباب بما أسماه الفيلسوف فريدريش نيتشه «اللا تاريخي» أو «The unhistorical»، وهو مصطلح يعبّر نيتشه من خلاله عن أهمية نسيان الماضي وعدم الوقوع في أسره، وذلك من أجل اكتساب القدرة على التفكير التاريخي. يرى نيتشه، وفقا لجورج، أن الحياة تراوح مكانها ولا تتقدم إذا بقيت أسيرة لذكرياتها، لا سيما في أوقاتها العصيبة، وأنها بحاجة إلى تدمير التوازن بين التذكر والنسيان، والميل نحو الأخير، من أجل الخروج من مأزقها. والوسيط الذي يعيش فيه ما يسميه نيتشه «اللا تاريخي» هو الغَيام. ربما ما يقوله لنا بيرننج سبير في أغنيته وهو يسير ملفوفًا بالضباب، ونحن معه، هو أن التذكُر صاعقة قد تشق الضباب فجأة، فتربط الماضي بالحاضر. المشي وسط الضباب يعني تعلُم المشي وسط النسيان، من أجل تجذير حضور الماضي على شكل ضربة، يؤمَلٌ أن تكون مُحرِّرة، وليس على شكل مجرد صورة أو ذكرى.
السبعينيات التي اشتد فيها عود موسيقى الداب في جامايكا، وقبلها الستينيات، كانت فترة صدام اجتماعي تكثر رؤيته في دول ما بعد الاستعمار. صدام ما بين أجهزة الحكم الحديثة من ناحية، تلك الأجهزة التي تمثل مصالح الطبقات الحاكمة، وبين ميراث من أفكار سحرية نظّمت حياة قطاع عريض من الطبقات المحكومة من ناحية أخرى. ليس هذا صدام بين الحداثة والتراث، بل هو صدام اجتماعي على طبيعة الحياة المشتركة. صدام يتعلق بالحياة التالية للماضي الذي لا يزال لديه مطالب حيال الحاضر المأزوم تحت حكم طبقة فاسدة حلّت محل الاستعمار. فضاء موسيقى الداب يحمل أثر هذا الصدام، ويفتح مجالًا لتجذير فكرة الماضي وترِكته. فهو فضاء غريب، خالٍ ومسكون، صامت وصارخ في الوقت نفسه. فراغ يُدعى وجه ب يتلو امتلاءً يُدعى وجه أ، ويتأخُر عنه زمنيًا. الوجه الثاني لا يُعيد ما حدث في الوجه الأول، وإنما يُكثفه، ويختصر كلماته. يحددٌ إحداثيات هذا الفضاء جيتار البيز وإيقاع الدرامز. النغمات الغليظة لكليهما، والتي تتصدر عادةً مقطوعات الداب، تعطي شكلًا لفراغ، أو فجوة. وفي داخل هذه الفجوة تتردد جمل مهشمة، وأصداء ماض لم يكتمل. لكن من المهم ملاحظة أن فضاء الداب هو أيضًا فضاءٌ تكنولوجيٌ ومستقبليٌ حتى النخاع، يعتمد بشكل كبير على مؤثرات الاستديو وتقنيات التسجيل. من يجيد استخدام هذه التقنيات يستطيع أن يستخرج من تكنولوجيا المستقبل رعدُ الماضي المفاجئ. فمطالبُ الماضي لا تعيش فيما مضى، بل هي قادمة من المستقبل.
***
العزيزة مدى.. صحيح أن الهُوّة سحيقة، لكن لها شكل. ومُهمة الفن هي في أحيانٍ كثيرة إيجاد هذا الشكل. أعمالٌ موسيقية، مثل موسيقى الداب، تساعد في تلمس ملامح الهوّة وأبعادها. فالفراغ الذي يتشكل داخل هذه الموسيقى الغريبة يعطي شكلًا للفجوة المظلمة، على أمل تجاوزها. تهشُّم جُمل الأغنية، وتكسُّر اللحن إلى أصداء متكررة وترجيعات، والحضور الشبحي للصوت البشري، وتحريك البيز والإيقاع من مكانهما التقليدي في الخلفية إلى الصدارة. كل ذلك يبني فضاءً معماريًا غريبًا، يشبه طللًا من الأطلال، لكنه طلل خال من أي رومانسية أو فيتشية. طلل هو أبلغ تعبير عن عنف الطرد من التاريخ. ما هو مستبعدٌ وغائب يصبح هو ما يؤسس المشهد بإيقاعه. ما تنتجه موسيقى الداب هو أمر غريب بمفاهيم عملية الإنتاج. فهي لا تنتج جديدًا، وإنما تنتج طللًا مما تم إنتاجه بالفعل. طلل مختلف عن الطلل الأوروبي الرومانسي المهجور. طلل أقرب إلى واقع الحياة المعاصرة في حواضر المستعمرات السابقة، حيث البنية التحتية متهالكة، والموارد محدودة. لا يندرُ في موسيقى الداب أن يُعاد استخدام جمل أو أجواء أو مقاطع من أغاني سابقة في تاريخ الموسيقى الجامايكية. الداب هو استنساخ دائم، هو مشاعية يتعاون فيها الناس على شظف الحياة باقتباس بعضهم البعض، واستعارة ما ينفعهم من بعضهم البعض. لماذا قد تكون مهمة الفن في لحظة تاريخية معينة ألا ينتج شيئًا جديدًا، وإنما ينتج طللًا؟ أو بكلمات أخرى، قد يكون أقصى ما يمكن فعله في لحظة مأزومة هو حشد كل ما في الحاضر من مستجدات وتقنيات لإنشاء طلل. هذا الطلل هو مشاع ويحيل إلى الماضي الغائب وأشباحه المستبعدين، من أجل الاستماع إلى مطالب ذلك الماضي، حتى لا يتكرر. قد يكون أقصى ما يمكن فعله في لحظة مأزومة هو رسم ملامح طلل، لا بناء عالم جديد من رُكام العالم القديم.
من المهم ملاحظة أن فضاء الداب ليس خاليًا تمامًا، بل تعبره دائما الأصداء أو الـechos الصوتية المنتجة غالبًا تقنيًا في الاستديو، أي أنه يحمل معه ما هو غائب عنه. الصدى يذهب ويعود. يعود بالصوت مهشمًا من مكان بعيد. الصدى هو علاقة صوتية بين ما هو حاضر وما هو غائب، أو بين مكان بعيد مفقود، في الماضي أو المستقبل، وبين مكان حاضر مؤذ وسام. هو علاقة بين ما حدث وبين أصدائه التي لا تزال تتردد خافتة. الصدى هو شكل الصدع وصوته. والموسيقى السوداء النابعة عن الشتات الإفريقي الذي تلى الاستعباد في الأمريكتين، مثل الجاز والداب والتيكنو، هذه الموسيقى تحمل معها دائما هذا الهمّ: كيف يمكن إيجاد شكل للصدع؟ كيف يمكن إيجاد شكل للعنف المسلّط على الحياة؟ كيف يمكن النجاة في حياة مرفوضة ومُجرَّمة؟ هذا السؤال لا يخصّ الحديث عن ذلك العنف كموضوع، أو تصويره فحسب، وإنما يخصّ محاولة العثور على شكل فني لتجربة الحياة التي تأسست اجتماعيًا وسياسيًا وعاطفيًا على علاقتها بذلك العنف، حياة لا تزال تُقاوم من خلال إصرارها على البقاء رغم كل شيء. الموسيقى السوداء هي تعبير جمالي عن واقع تاريخي. وحتى عندما تقترن بخطاب ديني، فإنها تحوله إلى ممارسة جمالية سوداء، مثلما فعلت موسيقى الداب التي تجاوزت الخطاب الديني للراستافارية، وفتحته على ممارسة جمالية وتاريخية.
أُفكر أن هذه الاستراتيجية لا تخصّ الطائفة الراستافارية فحسب، بل يمكن رؤية ملامح شبيهة في كثير من الموسيقى السوداء التي هي تعبير جمالي عن واقع تاريخي. موسيقى الداب تجاوزت الخطاب الديني للراستافارية، وحولتها إلى ممارسة جمالية وتاريخية.
تشغلني كثيرا العلاقة بين الشكل الفني/ الأدبي/ الفكري، وبين الشكل الاجتماعي/ السياسي/ النفسي، أو ما بين الشكل الجمالي من ناحية، والشكل التاريخي من ناحية أخرى. أشكالٌ فنية مثل الخرافة الشرقية وموسيقى الداب الجامايكية تثير انتباهي كثيرًا في هذا السياق، إذ ينفتح فيها فضاء غريب، يسمح بالتنفس بعد أن ضاق الهواء وكاد ينفد اليوم. في التقاليد الشرقية للخرافات، هناك شيء يشبه موسيقى الداب، فضاءها فسيح، وهواءها قادم من ماض لم يكتمل. الخرافات هي نسخ عن نسخ، تستأنس بأصوات من غابوا، أو غُيّبوا. الخرافات هي أيضا لون من المشاعية. أصواتٌ غائبةٌ تنفتح داخل أصوات حاضرة. اللغة فيها لا تُعلِم أو تُنبِئ فحسب، بل هي أيضا وسيلة حميمية لالتقاء لحظات زمنية متباعدة. والحكاية فيها تتقدم وهي تعترض طريقها بنفسها عبر الاستدعاءات والاقتباسات والطرق الالتفافية الكثيرة التي تسلكها. على هذا النحو أيضا تتقدم الأغنية في فضاء موسيقى الداب من خلال اعتراضها الدائم لنفسها. أغنية ليست موسيقى صرفة، ولا قصيدة صرفة. أغنية هي هشيم أغنية. أليس هذا الاعتراض الذاتي تعبير عن الصدع الذي يسمُ حياة المستبعدين؟ وأليس هذا الشكل الفني هو أيضا شكل من أشكال علاقة الماضي بالحاضر؟ الماضي الذي لم يكتمل بعد ولا تزال لديه مطالب تعترض المسار المهيمن للحاضر؟ أليس هذا هو أيضا ما قد يعنيه التذكُر؟
رسالتي طالت، ولعلّها أضحت أيضًا رسالة غريبة مثل الموسيقى التي تتحدث عنها. فبدلًا من الاحتفال بكِ والحديث عن أهميتك بمناسبة خروجك إلى النور، غرقتُ في تفاصيل مشتتة عن موسيقى غريبة قد لا تعجبك. عذري الوحيد هو أني أعتقد أننا ونحن نسير في سنوات التيه قد لا نكونُ في حاجة إلى تبديد الضباب المحيط بنا، وهي المهمة التي يبدو أنها تتجاوز حاليًا كل طاقتنا، بقدر ما نحن بحاجة إلى تعلم كيف ننظر من خلال هذا الضباب، وكيف نبقى على قيد الحياة وسطه، دون أن يعني ذلك البتة التوافق أو التطبيع معه. قد يكون بوسع الأطر الفكرية الطليعية التي تربينا عليها تقديم برامج جذرية لتبديد الضباب وتسليط الضوء، أي برامج من أجل التقدم نحو الأمام. لكن خبرة السنوات الماضية أظهرت لنا أننا بحاجة إلى تعلم أطر أخرى. لا يعني ذلك التخلي الكامل عن تلك الأطر أو عن تحليلاتها المادية والطبقية والتاريخية، وإنما يعني فحسب أنه قد تكون هناك حاجة لمقاومة تواريخ القمع والعنف والاستغلال من خلال أطر تتجاوز سيطرة مفاهيم مثل الثورة والتقدم والتنوير. قد نجد إحدى ضالّاتنا في التقاليد الجذرية السوداء، والتي هي ليست تقاليد فكرية فحسب، بل هي أيضًا أشكال موسيقية وفنية وروحية تلبي مطالب اجتماعية وتتوافق مع أشكال تاريخية. هناك الكثير مما يمكن تعلمه منها. هذه التقاليد تنبع من إدراك أن المُعين في الطريق المظلم الطويل ليس ضوء العقلانية الباهر وحده، بل ربما ليس ضوءً في الأساس، وإنما قد يكون صوتًا. صوت قادم من الماضي. نوع المقاومة الذي تقترحه هذه التقاليد، على خطأ تعميم الحديث عنها كأنها شيء واحد، هو مقاومة طويلة الأمد. مقاومة لا تستمد أدواتها من شعر المستقبل فحسب، كما طالب ماركس ذات يوم6، وإنما تحشد لذلك كل شعر الماضي. ذلك الماضي الذي واجه تاريخ العنف بأشكال مختلفة، ولا يعيبه أنه لم ينجح في النهاية. فالطريق، كما نعرف جميعًا، طويل، ومليء بالضباب.
***
العزيزة مدى.. موسيقى الداب ليست طقسًا للحداد، وإنما هي أيضًا طقس للاحتفال. فإعطاء شكل للعنف لا يعني الانهيار تحت وطأته، بل قد يعني إثبات أن العنف لم ينتصر. ها هي ذا الحياة التي عاشت رغم العنف، والتي ينبض بها دائمًا بيز الداب وإيقاعه، جميلة بندوبها. أتركك مع هذه النسخة المُبهجة من نسخ الداب لأغنيتنا نفسها، أغنية الطريق الضبابي، والتي مزجها أوجستوس بابلو. الداب هو نسخة عن نسخة، ولا يعرف سوى التذكر عن طريق النسيان والتحوير المستمر لما ظننا أنه ثابت لا يتزعزع. في هذه النسخة يختفى صوت بيرننج سبير تمامًا، وتُشرق الميلوديكا في سماء الأغنية. لعلها ليست كافية بعد لتبديد الضباب، ولعل بيرننج سبير لا يزال يسير وسط حُجَبِه، لكن ذلك الطريق الطويل أصبح الآن يصلح أيضا للرقص، أو على الأقل لتعلمه7.
كل عام وأنتِ بخير.
محبتي
تحية واحترام للنَمِرَة ولصاحب الإصبع الذهبي
تحية واحترام لتيكا تيكا
تحية واحترام لكوجو ايشون ولوي هيندرسن
- https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AB%D9%8A%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A9
- The Ceremony Found: towards the autopoetic turn/overturn, its autonomy of Human agency and extraterritoriality of (self-)cognition
Sylvia Wynter. Published in Black Knowledges/Black Struggles - Essays in Critical Epistemology. Liverpool University Press 2015 - https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%83%D9%88%D8%B3_%D8%BA%D8%A7%D8%B1%D9%81%D9%8A
- إدوارد جورج هو أحد مؤسسي جماعة Black Audio Film Collective الهامة، والتي تنظُر للموسيقى والفن الأسود من منظور مختلف عن المنظور الأمريكي. انظر: https://en.wikipedia.org/wiki/Black_Audio_Film_Collective
- https://morleyradio.co.uk/programmes/the-strangeness-of-dub-ep2/
- «إن ثورة القرن التاسع عشر الاجتماعية لا يسعها أن تستمد أشعارها من الماضي بل من المستقبل فحسب. أنها لا تستطيع أن تبدأ بتنفيذ مهمتها قبل أن تقضي على كل احترام خرافي للماضي».
الثامن عشر من بروميير للويس بونابرت - كارل ماركس 1853.
https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1852/ch01.htm - في محبة ديوان إيمان مرسال «ممر معتم يصلح لتعلم الرقص».
تقارير ذات صلة
على مدى الشوف: عشر سنين من الحكايات
بدأنا، منذ 10 سنين، بتسليط الضوء على أنفسنا أولاً، حينما سألنا الناس عن «مدى» ومعناها
10 سنين صحافة مستقلة: ما قلناه عن المجتمع
منذ أن أطلقنا موقع «مدى مصر»، ونحن ننشر قصصًا من واقع الحياة اليومية في مصر، وفي قسم المجتمع كان هدفنا الكتابة عن الظواهر المجتمعية بحيث تبرز كمساحة للتعبير عن قضايا…
10 سنين صحافة مستقلة: ما قلناه في السياسة
بمناسبة عيد ميلاد مدى العاشر #مدى10سنين، نعيد نشر أمثلة من إنتاجنا خلال العقد الأخير
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن