تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مواطنون دون مياه في انتظار وعود مؤجلة

مواطنون دون مياه في انتظار وعود مؤجلة

كتابة: أحمد عشماوي 10 دقيقة قراءة

شهد عدد من المحافظات مؤخرًا احتجاجات لمواطنين بسبب انقطاع مياه الشرب، وتفاوتت فترات انقطاعها من منطقة إلى أخرى. حركة المحافظين الجديدة التي أسفرت عن تعيين المهندس عادل النجار محافظًا للجيزة، بدلًا من اللواء أحمد راشد، دفعت أهالي منطقة الطوابق في حي فيصل إلى التجمع أمام شركة مياه الشرب بالجيزة، ومبنى المحافظة في 6 يوليو الجاري، على أمل أن يأتي المحافظ الجديد بحلٍ لأزمة انقطاع المياه المستمر منذ ولاية المحافظ السابق.

وفي محافظة الدقهلية، لم يختلف الحال عن الجيزة، حيث نظم العشرات من أهالي قرية أتميدة، وقفة احتجاجية في يونيو الماضي، أمام مجلس مدينة ميت غمر، الذي تتبعه القرية، بسبب الانقطاع الدائم للمياه، بحسب صحيفة «الوفد». وفي قرية العبد التابعة لمركز ومدينة شربين، قال أحد الأهالي لـ«مدى مصر» إن مياه الشرب انقطعت عن القرية منذ شهرين، ما دفع أهالي القرية في 10 يونيو الماضي، إلى الاحتجاج أمام وداخل مجلس المدينة.

إيمان أحمد، تسكن في منطقة الطوابق، تحدثت لـ«مدى مصر» عن معاناتها من انقطاع المياه منذ شهر رمضان الماضي، لأن المياه لا تصل إلى الشارع الذي تسكن به إلا ساعات معدودة في اليوم، لا تلبي احتياجاتها، خاصة مع وجود أطفال وكبار سن في الأسرة. تقدمت إيمان وسكان الشارع بشكوى جماعية رقم 8105538 إلى مجلس الوزراء بسبب انقطاع المياه.

إبراهيم السيد من الطوابق أيضًا، قال لـ«مدى مصر» إن المخزن الخاص بحي الهرم موجود بأول الشارع الذي يسكن به، توجد به المياه طوال 24 ساعة، في حين أنها لا تصل إلى الشارع الجانبي الذي يسكن به إلا لساعات معدودة، ما دفع بعض المواطنين خلال عيد الأضحى الماضي إلى الضغط على موظفي المخزن لإجبارهم على فتح باب المخزن والدخول للحصول على احتياجاتهم من المياه.

أزمة انقطاع المياه موجودة في مناطق عديدة على مستوى الجمهورية، وهي ممتدة ومتكررة، ما دفع أعضاء بمجلس النواب إلى تقديم العديد من طلبات الإحاطة. في يونيو الماضي، تقدمت عضوة مجلس النواب عن محافظة البحيرة، راوية خليل، بطلب إحاطة موجه إلى كل من رئيس الوزراء ووزير التنمية المحلية، بشأن انقطاع المياه لمدة 20 يومًا بالبحيرة. وفي صعيد مصر، تقدم عضو مجلس النواب عن قنا، خالد أبو نحول، بطلب إحاطة بشأن انقطاع المياه عن مركزي فرشوط وأبو تشت بالمحافظة، لفترات طويلة، ولأيام متواصلة، وكذلك امتدت طلبات الإحاطة لمحافظات الجيزة والسويس والبحر الأحمر، والدقهلية وبورسعيد وغيرها.

أزمة انقطاع مياه الشرب في أماكن وأزمنة مختلفة، تتكرر رغم زيادة كمية المياه المخصصة للشرب من تسعة مليارات متر مكعب عام 2014 إلى 11.3 مليار متر مكعب عام 2022-2023، بحسب تقارير الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، فيما بلغ متوسط نصيب الفرد من المياه النقية المنتجة 106.6 متر مكعب في عام 2022-2023، وبلغ نصيبه من المياه المستهلكة نحو 84 مترًا مكعبًا، بحسب «الإحصاء».

ورغم أرقام الحكومة وخططها، إلا أن تكرار أزمة انقطاع مياه الشرب في محافظات مختلفة يطرح تساؤلات حول أسباب ندرة المياه، وكيفية توزيعها، والسياسات الحكومية للتعامل مع الأزمة وتأثيراتها متعددة الأبعاد.

أحمد من شارع حمد ياسين بالطوابق، قال لـ«مدى مصر» إنه توجه بصحبة أهالي منطقته إلى شركة المياه في يونيو الماضي، للاستفسارعن سبب انقطاع المياه، ودوّن موظفو الشركة أسماء الشوارع التي يسكن بها الأهالي، على وعد بلحاق أحد الفنيين بهم إلى مناطقهم لحل المشكلة، إلا أن الشركة لم ترسل أحدًا حتى الآن. فيما قال إبراهيم السيد إن عددًا من المسؤولين بشركة المياه قالوا لبعض الأهالي بشكل ودي إن «المحابس مقفولة عليهم».

وصلت نسبة تغطية شبكات مياه الشرب إلى نحو 98.7%، لكن تلك الشبكات الممتدة قد لا تكون بالكفاءة اللازمة أحيانا لتوصيل المياه إلى كل نقطة تصلها. قرية العبد، بمحافظة الدقهلية، إحدى أبرز القرى التي تعاني أزمة حادة في نقص مياه الشرب. مسؤول بمجلس مدينة شربين قال لـ«مدى مصر»، مشترطًا عدم الكشف عن هويته، إن انقطاع المياه عن «العبد» ومناطق أخرى، مثل كفر الترعة الجديد، بسبب الضغوط المتزايدة لاستهلاك المواطنين للمياه خلال فصل الصيف خاصة مع موجة الحر الشديدة، ما يؤدي لعدم وصول المياه إلى المناطق المرتفعة عن المستوى الأفقي لمنسوب المياه، أو للمناطق التي تقع في نهاية خطوط المياه، بسبب ضغوط الاستهلاك التي يتم سحبها من بدايات الخطوط ووسطها. أضاف المسؤول أن المعلومات التي يطلع عليها تؤكد أن المرفق يعمل على ضخ المياه بأقصى ضغط، مع زيادة عدد ساعات المناوبة لفترات طويلة حتى تصل المياه إلى نهاية الخطوط، نافيًا أن يكون انقطاع المياه بسبب أعطال بالمرفق.

تصل نسبة الفاقد في شبكات مياه الشرب إلى 26.1%، تمثل نحو ربع المياه الموجودة بالشبكات، وبينما أعلن وزير الري المصري في عام 2019، خلال مؤتمر أسبوع المياه بالعاصمة اللبنانية بيروت، عن خطة قومية للمياه في مصر لمواجهة نقص المياه في البلاد بتكلفة 50 مليار دولار تستمر حتى 2037، لكن في العام التالي مباشرة، قال رئيس مجلس إدارة شركة الجيزة لمياه الشرب والصرف الصحي، منصور بدوي، إنه طلب نحو 250 مليون جنيه لصيانة خطوط الشبكة، لكنه تلقى 27 مليونا فقط.  

لتقليل فاقد المياه وترشيد الاستهلاك وتحقيق العدالة في المحاسبة على الاستهلاكات الفعلية طبقت «مياه الشرب» منظومة الكروت الذكية بإحلال عدادات المياه مسبقة الدفع (عدادات الكارت) محل العدادات القديمة كافة، وهي الخطة الحكومية التي كان من المقرر أن تستغرق مدة تطبيقها حتى نهاية عام 2030، إلا أن جائحة كورونا عجلت من تطبيقها، بحسب بيان لجهاز تنظيم مياه الشرب والصرف الصحي وحماية المستهلك.

لكن الباحث في مجال البيئة والتنمية، عبد المولى إسماعيل، قال لـ«مدى مصر» إن تسليع الحصول على المياه من خلال منظومة الكروت المُسبقة الدفع لعدادات المياه الجديدة «كارثة كبرى» لها تداعيات مجتمعية خطيرة، حيث تتيح هذه المنظومة شراء المياه دون قيود لمن يمتلك ثمنها، بغض النظر عن كيفية استخدامه لهذه المياه، في ظل الندرة التي تعاني منها مصر، فضلًا عن أنه لا يجوز رهن حق الحصول على المياه إلا لمن يستطيع توفير ثمنها أولًا، مشددًا على ضرورة تقنين سياسات عادلة تضمن وصول المياه إلى المواطنين بشكلٍ متساوٍ.

أزمة مياه الشرب لا تتوقف على الأسباب الخاصة بشبكات المياه فقط، ولكن أزمات أخرى تزيد من عمقها مثل انقطاع الكهرباء. يرى أحمد القاطن بالطوابق أن انقطاع المياه يرجع إلى أزمة انقطاع الكهرباء، ما يؤدي إلى تعطل عمل محطات المياه. في 16 يونيو الماضي، نوّهت شركة مياه الشرب بمحافظة بني سويف إلى أن تخفيف الأحمال من قِبل شركة الكهرباء، أدى إلى عدم استدامة خدمة مياه الشرب ببعض المناطق. وقال رئيس شركة مياه الشرب والصرف الصحي بمحافظة المنيا، المهندس رجب السعيد، إنه عقد لقاء مع  رئيس منطقة كهرباء مصر الوسطى، لمناقشة عدم انتظام الجهد الكهربي بمحطة مياه المطاهرة المرشحة بأبو قرقاص مما يؤثر على انتظام الخدمة وضعف المياه بمركز أبوقرقاص.

أزمة انقطاع المياه تتفاقم مع الوقت، يسكن إبراهيم السيد في الطوابق منذ عام 2017، وكانت المياه تنقطع من الثانية ظهرًا حتى الثامنة مساءً يوميًا، واستمر ذلك حتى عام 2020، عندما أصبحت المياه تقطع طوال اليوم ما عدا ثلاث ساعات بدءًا من الخامسة فجرًا، لكن حاليًا لم تصل المياه إلى الشارع الذي يسكن به لمدة 15 يومًا قبل عيد الأضحى الماضي، باستثناء مرتين وصلت فيهما «مختلطة بمياه الصرف»، ما اضطره إلى الانتقال أحيانًا للعيش بمنزل والده. لا يُعول إبراهيم على سيارات المياه التي تدفع بها شركة المياه إلى المنطقة لقضاء احتياجات أسرته من المياه، حيث يسكن بالدور الخامس ولا يستطيع حمل أكثر من قارورة مياه واحدة. 

محمد ممدوح، أحد سكان منطقة المجزر الآلي باللبيني في الهرم، قال لـ«مدى مصر» إن المنطقة التي يسكن بها توجد بها أزمة مياه دائمة، بسبب أن مواسير المياه الواصلة إلى المنطقة هي مواسير أهالي (تم توصيلها بالجهود الذاتية للمواطنين) وليست حكومية، موضحًا أن المياه تصل إليهم فقط خلال الليل منذ عشر سنوات، ويعتمد سكان المنطقة على الخزانات لتدبير احتياجاتهم من المياه. إلا أنه مع بداية فصل الصيف الحالي، انقطعت المياه عن منطقته وكذلك عن المنطقة التي يصلها مرفق المياه الرسمي، وتتراوح مدة وصول المياه إلى منطقته حاليًا لساعتين فقط في اليوم على الأكثر، تكون خلالهما ضعيفة ولا تصل الى الأدوار العليا. يقول ممدوح إن رد شركة المياه بعد تقديمهم للعديد من الشكاوى أن الشركة تشغل المرفق بالحد الأقصى للضغط.

تفاقم أزمة المياه له أسبابه التي أوضحها رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، ممدوح رسلان، في تصريحات سابقة، مؤكدًا أنه يرتبط بشكل أساسي بالمناطق غير المخططة، حيث إن السبب الرئيسي في أزمة نقص مياه الشرب ببعض مناطق محافظتي الجيزة والقاهرة يتمثل في التوسع العمراني بشكل أفقي ورأسي غير مخطط. فيما قال رئيس شركة مياه الجيزة وقتها إن عدد محطات المياه ثابت والزيادة السكانية خاصة بالمناطق الساخنة (التي تنقطع عنها المياه باستمرار) تتزايد بشكل عشوائى ودون أن تواكب الزيادة السكانية توسعات كافية بالمحطات.

أصدرت محافظة الجيزة الجمعة الماضي، بيانًا أشارت فيه إلى رفع الطاقة الإنتاجية من المياه من 2.3 مليون متر مكعب إلى 3.3 مليون متر مكعب فى اليوم، وذلك لمجابهة الأزمات المتعلقة بضعف وانقطاعات المياه بالمناطق الساخنة، فيما قال المحافظ إنه على مدار الخمس سنوات المقبلة سيجري تنفيذ عدد من المشروعات لزيادة الطاقة الإنتاجية اليومية وإضافة حوالي 942 ألف متر مكعب من المياه لتلبية الاحتياجات المستقبلية كافة حتى 2030.

أزمة توافر مياه الشرب المستعصية منذ سنوات على الحل، تحاول الحكومة مواجهتها وكذلك المواطن على قدر استطاعته. تعمل الحكومة على خطة لتحلية مياه البحر، وخاصة في المحافظات الساحلية مثل مرسى مطروح، والتي تواجه مشكلة متكرر مع توافر مياه الشرب، والتي تفاقمت منذ مايو الماضي. 

أحد أهالي منطقة الكيلو 4 بمحافظة مطروح قال لـ«مدى مصر» مفضلًا عدم ذكر اسمه، إن مشكلة نقص المياه تصاعدت مع حلول فصل الصيف، مضيفا أن الأهالي بانتظار تشغيل محطة الرميلة للتحلية للقضاء على الأزمة بحسب تصريحات المسؤولين. قبل ثمانية أشهر من تفاقم الأزمة في مطروح، أعلنت هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة في سبتمبر الماضي، انتهاء معاناة أهالي محافظة مطروح من شح مياه الشرب بعد تدشين العديد من محطات تحلية مياه البحر بتكلفة تخطت أربعة مليارات جنيه، أسفرت عن توفير المياه النقية لجميع مدن المحافظة فضلًا عن القرى الصحراوية التي كانت تعتمد على مياه الأمطار في الشرب. ونقلت الهيئة عن محافظ مطروح، اللواء خالد شعيب، أن إنتاج المياه في مدينة مرسى مطروح قفز من 30 ألف متر مكعب يوميًا إلى 90 ألف متر مكعب يوميًا.

تصل تكلفة إنشاء محطة التحلية الواحدة إلى أربعة أضعاف تكلفة إنشاء محطة تنقية المياه العادية، فيما يصل تكلفة إنتاج متر مياه واحد من محطة التحلية إلى 15 ألف جنيه وهي تكلفة باهظة لتوفير مياه الشرب للمواطنين من هذه المحطات، ولكن مبرر الحكومة للاتجاه إليها هو أنها أوفر عند المقارنة بتكلفة ومشاكل نقل المياه، كما أن محطات تحلية المياه داخل مصر تستخدم للشرب فقط، وليس للزراعة، فالهدف من إنشاء محطات تحلية المياه هو ترشيد استهلاك مياه نهر النيل، وتوفير مياه النيل للاستفادة منها فى الزراعة .   

انقطاع مياه الشرب أدى إلى ظاهرة الإتجار بالمياه. تجوب سيارات محملة بخزانات للمياه في محيط منطقة المجزر الآلي بالجيزة. ويصل سعر بيع جركن المياه لخمسة جنيهات، في حين يصل سعر ملء خزان المياه إلى 200 جنيه على الأقل ويزداد حسب سعة الخزان، فيما يجوب آخرون الشوارع لبيع مياه مفلترة، حسب ممدوح الذي لا يثق في أن هذه المياه «مفلترة» من الأصل.

انقطاع المياه عن منطقة الطوابق دفع السكان إلى حفر طلمبات لتلبية احتياجاتهم من المياه، لكنها غير صالحة للشرب، بحسب إبراهيم السيد، الذي أوضح لـ«مدى مصر» أن إحدى الطلمبات في منطقته اختلطت مياهها بمياه الصرف.

إسماعيل قال لـ«مدى مصر» إن الطلمبات التي يحفرها الأهالي غير خاضعة لأي من المعايير البيئية أو الصحية، حيث يؤدي التعامل العشوائي مع مورد المياه الجوفية إلى تجريفه وإهداره. ومن المفترض ألا تقل المسافة بين كل طلمبة وأخرى عن 40 فدانًا، فضلًا عن التأثيرات الصحية بالغة السوء لهذه المياه.

أمام حلول المواطنين المكلفة أو غير الفعالة، أرسل «مدى مصر» رسالة نصية إلى الرقم الخاص بتلقي الشكاوى لشركة مياه الشرب والصرف الصحي بالجيزة، دون أن يتلقى ردًا عن سبب انقطاع المياه عن منطقة الطوابق بفيصل. مدير المركز الإعلامي لرئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، أحمد رياض، نفى لـ«مدى مصر» انقطاع المياه عن منطقة الطوابق بفيصل طوال تلك الفترة، بالنظر إلى الامتداد الجغرافي الكبير لهذه المنطقة، طالبًا تحديد الأماكن التي بها انقطاع للمياه، لإرسال فني من الشركة لتحديد المشكلة وحلها. وأرسل «مدى مصر» رسالة نصية بأسماء لبعض الشوارع التي تنقطع بها المياه بمنطقة الطوابق-فيصل إلى رياض، لتحديد المشكلة بناءً على طلبه. وأشار رياض إلى أن انقطاع المياه عن مناطق معينة قد يكون له عدة أسباب، منها أن المياه قد لا تصل إلى الأدوار السكنية العليا، أو أن تكون شبكة المياه بمنطقة معينة قد تمت بجهود ذاتية وذلك دون أن تحل المشكلة منذ سنوات.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن