تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مهرجان نجيب محفوظ: سينما تواجه التربية العسكرية للمواطن

مهرجان نجيب محفوظ: سينما تواجه التربية العسكرية للمواطن

كتابة: محمد عمر جنادي 21 دقيقة قراءة
من فيلم الاختيار

قدمت سينما زاوية بين 15 فبراير الماضي و2 مارس الجاري، برنامج أفلام بعنوان «مهرجان نجيب محفوظ»، حيث احتفت بالدور المؤثر لكاتب نوبل في إثراء السينما المصرية من خلال قيامه بـ«كتابة السيناريوهات لعدد من أبرز الأفلام التي تم إنتاجها خلال فترة الخمسينيات والستينيات، بالإضافة إلى الأفلام المقتبسة عن أعماله الأدبية الخالدة». عرض البرنامج سبعة أفلام روائية من كلاسيكيات السينما المصرية، منها أربعة مقتبسة من أعمال نجيب محفوظ: «بداية ونهاية»، «السكرية»، «ثرثرة فوق النيل»، «الكرنك»، وثلاثة أفلام أخرى شارك في كتابة السيناريو أو الإعداد السينمائي الخاص بها، «أنا حرة»، «بئر الحرمان» و«الاختيار».

 يُفترض في أي برنامج سينمائي أو ثقافي أن يكون متنوعًا، عن طريق تحديد محور أو ثيمة ثرية وجدلية، ثم التنويع في اختيار الفعاليات المقامة خلال فترة البرنامج. وهذا ما تحقق بالفعل في برنامج زاوية عن نجيب محفوظ والسينما. بالطبع تتحكم في الاختيارات حالة الأفلام نفسها، من حيث الترميم والجودة ومدى ملاءمتها للعرض. لكن العنوان نفسه «مهرجان نجيب محفوظ»، يشي بالتنوع.

 تتشابه كلمة «المهرجان» مع «الكرنفال» في دلالة كلٍ منهما، مع اختلافات بسيطة تتعلق بالطبيعة المؤسسية أو التنظيمية للأولى، والطبيعة الطقسية الشعبية للثانية، كتقليد قديم في الثقافة الأوروبية قبل «الصوم الكبير».

يصف الناقد الروسي ميخائيل باختين «الكرنفال» أو «المهرجان»، كظاهرة فنية وأدبية، بأنه احتفال بـ«تعدد الأصوات» الذي «لا يجعل لصوت سلطانًا على غيره من الأصوات». يؤكد باختين أن الكرنفال يُعد انتصارًا لنوع من «التحرر المؤقت على الحقيقة السائدة» وإلغاءً للعلاقات التراتبية والامتيازات والقواعد. لهذا استخدمه في دراساته الأدبية كمفهوم للتعبير عن «الحوارية» كمبدأ شعري وأسلوبي داخل العالم الروائي.

لكن، الحديث عن التشابه بين كلمتي «مهرجان» و«كرنفال» ليس مناورة لغوية غايتها إثبات مفهوم التنوع أو التعدد. كانت المواكب والمهرجانات، وأيضًا السرادق الخاصة بفعاليات الثقافة الجماهيرية أدوات نظام الضباط لـ«ملء الفراغ السياسي»، كما يوضح المؤرخ شريف يونس، في كتابه «الزحف المقدس: مظاهرات التنحي وتشكل عبادة ناصر». يقول يونس إنه في العيد الثاني للثورة، بعد أزمة مارس بشهور قليلة، «أقام الجيش احتفالًا تحركت فيه مواكب الشعلة من القيادة العامة للقوات المسلحة لتلتقي بالشعب في ميدان الجمهورية، كأنها مراسم تسليم 'السلطة' للشعب». ويضيف: «على هذا النحو [تسلم] الشعب، بصفته جمهرة محتشدة في مهرجان، [سلطة] كرنفالية، بغير أية مؤسسات، فلم يوجد آنذاك ولو برلمان صوري».

لم تكن علاقة نجيب محفوظ بالسينما، كاتبًا لسيناريوهات وقصص الأفلام، ومشاركًا في الإعداد السينمائي لها، لتصبح بهذا الثراء لولا مرحلة الصمت الروائي التي عاشها عقب الانتهاء من الثلاثية وقيام ثورة/انقلاب الضباط الأحرار عام 1952. كأن السينما كانت ترياقًا للصمت المُقلق خلال التحولات التاريخية والاجتماعية العديدة. 

تكشف علاقة محفوظ بالسينما عن علاقة أكثر عمقًا، تتعلق بتحول السينما إلى إحدى الأجهزة الأيديولوجية للدولة في الحقبة الناصرية، واستخدامها كأداة تعبئة، وفي الوقت نفسه، سبيلها إلى مقاومة تلك الشروط السياسية والاقتصادية. ربما يمكننا كذلك أن نفهم الحالة الحرجة للسينما المصرية في لحظتنا الراهنة. وهل حقًا يتلخص الحل السحري للخروج من أزمتها في «دعم الدولة» لها، كما يقول البعض؟

 بالتتبع الزمني لتواريخ إنتاج الأفلام المعروضة خلال برنامج زاوية، سنجد أن أولها فيلم «أنا حرة» 1959، وآخرها الكرنك 1975. وبين التاريخين زمنًا حافلًا بالأحلام والانتصارات والهزائم والوهم. والأهم أن تلك الأفلام في مُجملها تُعتبر انتصارًا لنوع من التحرر المؤقت على الصوت الواحد، احتفاءً بالتنوع والتعدد في زمن البروباجندا والتعبئة الأيديولوجية الناصرية، كما سنبين لاحقًا. 

ويمكن أيضًا أن يساعدنا تناول حالة السينما بعد قيام جمهورية يوليو، وتحولاتها بين الحقبتين الناصرية والساداتية، على فهم الاتجاهات والتغيرات السينمائية خلال العقد الماضي. فرغم اختلاف السياق التاريخي والاجتماعي، والتحولات السياسية والاقتصادية العنيفة، هناك تماثل جوهري بين العصرين؛ إذ يحفل كلاهما بالأحلام المجهضة والبروباجندا وعود الجمهورية الجديدة.  

العصر الذهبي: حقيقة «دعم الدولة»

لو أردنا الحديث عن «عصر ذهبي» للسينما المصرية، على غرار التسمية الشائعة «عصر هوليوود الذهبي»، فإن عقد الخمسينيات يعتبر ذروة صناعة السينما المصرية على المستويات كافة، الاقتصادية والفنية، منذ نشأتها مع بدايات القرن حتى يومنا هذا.

إضافة إلى القوة الاقتصادية والقدرة على توزيع الأفلام المصرية المصرية داخل صالات العالم العربي وخارجه، كان الفيلم المصري في منتصف الخمسينيات منافسًا في المهرجانات الأوروبية الكبرى ومسابقاتها الرسمية. شاركت أفلام صلاح أبو سيف، كمال الشيخ، ويوسف شاهين في مهرجانات «كان» و«برلين»، و«فينيسيا».

قد لا تعتبر المشاركة في المهرجانات الأوروبية معيارًا وحيدًا للجودة الفنية، لكن نظرة أولى إلى عناوين الأفلام المصرية المشاركة وقتها، ربما تكون كافية للدلالة على جمعها الفريد بين «الفني» و«الجماهيري»، خلافًا لما هو شائع الآن عن مفهوم أفلام المهرجانات.

بالنسبة للمشاركة، مثلًا، في مهرجان «كان»، شارك المخرج صلاح أبو سيف بفيلميه «الوحش» و«شباب امرأة» في دورة عامي  1954 و1956 على الترتيب. إلى جانب ترشحه لجائزة الدب الذهبي في مهرجان «برلين» عن فيلم «الفتوة» عام 1957. وشارك كمال الشيخ في مسابقة «كان» الرسمية عام 1955 بفيلمه «حياة أو موت» (ولاحقًا عام 1964 بفيلم «الليلة الأخيرة») أما يوسف شاهين، فقد شارك في العامين 1952 و1954 بفيلميه «ابن النيل» و«صراع في الوادي»، على الترتيب. وترشح أيضًا عن «باب الحديد» إلى جائزة الدب الذهبي في دورة عام 1958 من مهرجان «برلين»1

من فيلم باب الحديد

غالبًا ما يتبادر إلى أذهاننا أن السبب الرئيسي وراء تلك الريادة السينمائية يرجع إلى «دعم الدولة» لصناعة السينما، إلا أن السنوات الأولى من الخمسينيات لم تشهد تدخلًا من الدولة في الصناعة نفسها. كانت الدولة «مهتمة» بالسينما ومُقدرة لدورها بالطبع، لكنها بدأت تستشعر خطورة السينما «كأداة توجيه للرأي العام بعد نجاح السينما التسجيلية فى تغطية أحداث العدوان الثلاثى 1956، وإبراز تضامن الجيش والشعب فى الصمود والمقاومة، وأوضحت للرأي العام العالمي وحشية المعتدين، وتميز فى هذا الصدد فيلم المخرج سعد نديم 'فليشهد العالم' الذى عُرض فى لندن أثناء العدوان»2.

كانت بداية العلاقة الرسمية بين الدولة والسينما بإصدار قرار إنشاء أول مؤسسة عامة للسينما في مصر والوطن العربي عام 1957 باسم «مؤسسة دعم السينما»، وتحددت أهدافها في «رفع المستوى الفني والمهني للسينما»، «تشجيع عرض الأفلام العربية داخل وخارج البلاد»، «إقراض المشتغلين بالإنتاج السينمائي الهادف»، «منح جوائز للإنتاج السينمائي» والاهتمام بشؤون المشتغلين بالصناعة، «إيفاد بعثات لدراسة السينما» و«مبعوثين لدراسة أسواق الفيلم العربي»، «الاشتراك في مؤتمرات ومهرجانات السينما العالمية»، وإقامة أسابيع للأفلام المصرية في الخارج وأسابيع للأفلام الأجنبية في مصر. 

وبعد خمس سنوات أخرى، في 1962، وعقب الإعلان عن تأسيس التنظيم الاشتراكي العربي وصدور القوانين الاشتراكية صدر قرار جمهوري بإدماج مؤسسة دعم السينما في المؤسسة «المصرية العامة للسينما والإذاعة والتليفزيون»، وبناءً عليه قامت الدولة بإنشاء عدة شركات للإنتاج والتوزيع باعتبارها «امتداد للقطاع الخاص» حسب نص القانون، كما يوضح الناقد السينمائي، عصام زكريا. واكتملت سيطرة الدولة على السينما بصدور قرار جمهوري بإنشاء المؤسسة العامة للسينما، وفصلها عن الإذاعة والتليفزيون، ودمج شركات السينما في شركتين فقط، واحدة للإنتاج وأخرى للتوزيع.

هكذا يتبين لنا أن ثمة أوجه عديدة لمفهوم «دعم الدولة»، إذ تختلف سبل الدعم من التشجيع والإقراض إلى السيطرة المطلقة.

محفوظ وعبد القدوس: ثنائية المقاومة  

يمثل فيلم «أنا حرة» (1959) تعاونًا فريدًا بين ثلاثة من أهم الشخصيات الأدبية والفنية في تاريخ مصر. الفيلم من إخراج صلاح أبو سيف عن رواية للكاتب إحسان عبد القدوس، وكتب نجيب محفوظ سيناريو الفيلم بالتعاون مع السيد بدير.      

والفيلم رحلة بحث عن حقيقة «الحرية»، ومن خلال حياة أمينة (لبنى عبد العزيز) يخلُص الفيلم إلى أن الحرية الحقيقية لا تتحقق إلا بالبحث عن المعنى، والإيمان بـ«فكرة». ويُضفي سيناريو محفوظ البُعد الوجودي المألوف لبعض شخصياته في رحلاتها من أجل تحرر ذاتها.

تنتقل أمينة من تمرد المراهقة على تقاليد وأعراف الطبقة المصرية المتوسطة كما صورها الفيلم في حي العباسية، إلى الدراسة في الجامعة الأمريكية ثم العمل بوظيفة مرموقة. وفي كل مرحلة من حياتها تكتشف نوعًا جديدًا من القيود، قيود الأعراف الأسرية، قيود الزواج ومتطلباته، وقيود الوظيفة. وتكتشف أن الحرية في «جوهرها» مسؤولية كبرى، على الإنسان أن يدرك أبعادها.

ورغم أن أحداث الفيلم تدور في سنوات ما قبل ثورة يوليو، فإنه لا يركز على انحلال أو فساد عالم ما قبل الثورة كما دأبت بعض الأفلام، وإنما يؤكد على أن حرية الفرد لا يمكنها أن تتحقق دون حرية الوطن من المستعمر.

من فيلم أنا حرة

وبالطبع، لا يخلو الفيلم من بعض آثار الخطاب الذكوري، فأمينة كادت أن تفقد بوصلتها في الحياة لولا توجيه عباس (شكري سرحان)، جار العباسية القديم والصحفي المناضل ضد الاستعمار والملك. وتَجسد ضمير أمينة أو الأنا العليا لها في صوت عُلوي رجولي لا يظهر صاحبه، وصُورت مشاهده من زاوية «عين الرب»: أمينة ضئيلة في مواجهة بهو مظلم فسيح تستمع إلى الصوت الذي يؤنبها ويعاتبها.

لكن المعنى النبيل للفيلم يسمو به فوق البروباجندا نحو أفق أكثر إنسانية. تُساعد أمينة عباس في طباعة المنشورات وتوزيعها، ونتيجة لذلك يقبض عليها البوليس السياسي وتُسجن. إلا أنها رغم الزنزانة وأسوار السجن تشعر بأنها  غير نادمة وبأنها قد نالت حريتها كاملة غير منقوصة.

ربما يُفيدنا الإسهاب السابق في معرفة الخط الرفيع الفاصل بين الفن والبروباجندا. فالفيلم، رغم بعض تنميطاته، لا يتبنى خطابًا سياسيًا محددًا، قدر تصويره للعلاقة بين الفرد والمجتمع. وإذا كانت الثورة، بمعناها العميق، ترسم «جغرافية جديدة للمجتمع والذات الفردية، وتعين أيضًا مكان الالتقاء فيما بينهما»3، فإن الفيلم يكتشف ملامح تلك الجغرافيا في نشوئها وتكونها. جغرافيًا يرسمها الشعب لا الضباط.        

أما فيلم «بئر الحرمان» (1969)من إخراج كمال الشيخ، فيُمثل ثاني تعاون بين محفوظ وعبد القدوس.  قام محفوظ بالإعداد السينمائي للفيلم عن قصة عبد القدوس. وفي رأيي، لهذا التعاون روابطه التضامنية الأكثر عمقًا. فالكاتبان قد خاضا أزمة الأديب ومصادرة حقه في التعبير: محفوظ بعد إصداره «أولاد حارتنا» مُسلسلة في جريدة الأهرام عام 1959، وتحول عبد القدوس من أديب إلى متهم أمام بوليس الآداب. ولهذا التحول قصة نحتاج إلى ذكر سياقها.

من فيلم بئر الحرمان

شخصية ناهد/ميرفت التي جسدتها سعاد حسني في «بئر الحرمان» ربما تكون معروفة للكثيرين. والفيلم دراما نفسية تُصور ازدواج الشخصية الذي تعاني منه البطلة، فهي ناهد نهارًا، وميرفت اللعوب ليلًا. ويحاول معالجها النفسي الكشف عن عقدة الطفولة أو صدمتها لمعرفة أصل مرضها.

يمكن أن نرى «بئر الحرمان» مجرد فيلم يصور أثر البيئة والظروف الأسرية على الشخصية وسلوكها، وهو كذلك بالفعل. لكن السياق السياسي والثقافي العام الذي صدر خلاله الفيلم يكشف عن طبيعته المقاوِمة للوصاية والرقابة، وربما دون إرادة واعية  أو قصدية منه. 

تجلت وصاية الضباط الأحرار على الثقافة ومُجمل الإنتاج الفني والفكري من خلال عدة إجراءات. كان منها إنشاء وزارة «الإرشاد القومي» وتأميم الصحف والمسارح، وإصدار «ميثاق شرف للفن والأدب والعلم». كانت الغاية المُعلنة من الوصاية والتوجيه الدعائي للثقافة والفنون «حماية عقل الشعب وروحه» ودفع الجماهير إلى معركة التحرير وإيقاظ روحها.. إلخ.

لم يكن التوجيه الأخلاقي للفن قائمًا على رؤى أيديولوجية محددة منذ البداية. 

يوضح المؤرخ شريف يونس أن مبدأ التوجيه والوصاية في السنوات الأولى بعد الثورة كان سابقًا لأية مقولات «اشتراكية»، وبالتالي لم ترتبط الوصاية على الأدب والفن بنظرية الواقعية الاشتراكية مثلًا. يقول يونس: «كان مضمون الفن والأدب السياسيين في الخمسينات 'ضباطيًا' وطنيًا شعبويًا. فقضاياه كانت تدور حول: فساد الباشوات أخلاقيًا وماليًا.. تجرد الضابط ووطنيته وحبه للشعب؛ تمجيد الطبقة الوسطى بصفة أنها هي الشعب، وتأكيد اتحاد هذا الشعب مع الضباط. وباختصار إحلال عبادة الشعب، بقيادة الضباط، محل الأرستقراطية».

تبلورت هذه الوصاية بعد ذلك في أطر إيديولوجية، شعارها الاشتراكية، من خلال عدة مواثيق. وتعددت أجهزة الدولة الثقافية، ومثقفيها الذين تبنوا تحديد وتوجيه الأدب «الجاد» ودور الفن «الهادف».

 فرضت الستالينية رؤية أحادية على الإنتاج الفني والثقافي للمبدعين، والسيطرة عليهم. كانت المدرسة الفنية الوحيدة المقبولة سياسيًا لدى العديد من الشيوعيين بالاتحاد السوفييتي وغيرهم من التابعين لإملاءات الحزب الشيوعي، هي ما عرف بالواقعية الاشتراكية. كان للأديب أو الفنان، دور محدد، دعائي في جوهره، وموضوعات بعينها للتناول الفني. ونتيجة لذلك هوجمت الأعمال الفنية الطليعية والأساليب الفنية الحداثية كأعمال كافكا وجويس وبيكيت وبيكاسو وبروست. ولعل المشكلة الأكبر كانت في نفي حرية الفنان وحرمانه من حرية اختيار أبطاله أو شخوص أعماله.

 انعكست هذه الرؤى الستالينية في كتابات العديد من رموز اليسار العربي، أبرزها كتاب «في الثقافة المصرية» لمحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس، حيث صارا فيه على خطى الستالينية في رفض الأعمال الحداثية الغربية، وأيضًا في الاختزال العنيف والرؤية الأخلاقية للأدب المصري4، طبقًا للعالم وأنيس، فإن نجيب محفوظ هو روائي البرجوازية الصغيرة المصرية. وفي رؤية تقارب الوعظية الدينية، يتناول الكاتبان أدب إحسان عبد القدوس، ويتسائلان باستنكار: «لماذا يختار عبد القدوس كل أبطال قصصه أفرادًا في طريق الهاوية إلى الانحلال الأخلاقي والتعفن النفسي وتدهور الضمير؟ لماذا كانت الدعارة وبيع الأجساد بالمال موضوعًا عامًا في إنتاج إحسان الأدبي؟» ويضيف الكاتبان أن هناك «مصرًا أخرى» على الكاتب أن يختار منها أبطاله.

هكذا يمثل الثنائي، نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، نوعًا من الأدب غير المرغوب فيه.

لم يقتصر الأمر على ذكر عبد القدوس أنموذجًا -كما يُقال- للأدب المرفوض. تعرض عبد القدوس لحملة تشويه بعد نشر روايته «أنف وثلاث عيون» مُسلسلة في مجلة روز اليوسف. خرجت الحملة من الصحف إلى ساحة مجلس الأمة، وتطوع البعض إلى تقديم بلاغ ضد عبد القدوس في النيابة للتحقيق معه. وحققت معه النيابة بالفعل ثم أحيل التحقيق إلى نيابة الآداب.

يكشف عبد القدوس في رسالة منه إلى عميد الأدب العربي طه حسين، بتاريخ الرابع من مارس عام 1966، تفاصيل ما تعرض له وعن حالته النفسية السيئة نتيجة ذلك. ويقول عبد القدوس فيما يشبه النبوءة: «لم أحتمل أن يحاسب أديب في عصرنا هذا أمام نيابة الآداب كالعاهرات والقوادين، واتصلت بالأستاذ يوسف السباعي وقلت له إني لو ذهبت إلى نيابة الآداب فسيذهب بعدي كل الأدباء»5.

أصدر عبد القدوس رواية «بئر الحرمان» عام 1962. وربما لم يكن رمسيس نجيب ليقدر على إنتاج الفيلم لولا مناخ الحرية النسبي بعد نكسة يونيو 1967. هل تسامح حراس السياسة الثقافية للنظام وقتها مع «الانحراف» داخل «بئر الحرمان» لأن انحرافًا أكثر خطورة وجسامة كان قد وقع بالفعل، وكانت نتيجته هزيمة مدوية لكل الشعارات والأحلام؟

الاختيار: تصدع الذات وانهيار الأحلام

كتب محفوظ القصة السينمائية لفيلم «الاختيار» 1971، وشارك يوسف شاهين في كتابة السيناريو. ومرة أخرى، يوظف الفيلم ثيمة فصام الذات كما في رواية روبرت لويس ستيفنسون «دكتور جيكل ومستر هايد»، لكنه يكتفي في «بئر الحرمان» بالأبعاد النفسية، بينما  يتناولها في «الاختيار» من منظور أكثر فلسفية. فالفيلم لا يدرس حالة عقلية مرضية، وإنما يقدم تمثيلًا لذهنية الفرد في عالم ما بعد سقوط الأحلام. مأساة الأخ الذي يقتل أخاه، يقتل نقيضه الذي كان يحلم أن يكونه. الصراع الموجود داخل النفس الإنسانية، بين التقيد بالأعراف والنظام أو البوهيمية والحرية الفوضوية. ويقدم الاختيار نوعًا من «الميتا- فيلم»، أي وعي الفيلم بذاته، ومساءلة الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال.

من فيلم الاختيار

ثمة حالة مكثفة من الاغتراب وغياب اليقين، لا يمكن إحالتها بشكل مباشر إلى أجواء ما بعد النكسة، لكن في الوقت نفسه يتمثل الفيلم صدمة الحقيقة، إن جاز التعبير. صدمة الذات التي تعرف حقيقتها، ربما تتماثل مع صدمة «الوطن» الذي روع بحقيقته بعد وهم طويل. ويمكننا أن نقارن بين أجواء «الاختيار» وفيلم سابق أخرجه شاهين بمعالجة سينمائية من نجيب محفوظ؛ وهو فيلم «الناصر صلاح الدين» 1963 الذي يُمثل ذروة إنتاج المؤسسة العامة للسينما. ولم تكن المؤسسة جهة الإنتاج الوحيدة، بل تشاركت معها جهات إنتاجية من عالم ما قبل يوليو 52، مُمثلة في المنتجة آسيا داغر واستوديو مصر بعد تأميمه عام 1960.

في «الناصر صلاح الدين» نرى صورة «الوفاق» رغم الحروب والمعارك. الوفاق مع «الآخر»، وحتى «الوفاق» مع العدو كذلك. أما في «الاختيار»، فإن سقوط صيغة «الوفاق الاجتماعي» و«الوئام الطبقي»، بالأدق، ضياع الإيمان بها بعد النكسة، يجد أقصى تعبير له في فصام الذات نفسها. وهنا لا تجد الذات الحرية في نهاية الرحلة كما في «أنا حرة» مثلًا ، وإنما تتصدع بصراعاتها الداخلية.

فالتاريخ كما يقول ماركس «يخيم فوق رؤوس الأحياء كالكابوس».      

«ثرثرة فوق النيل» و«السكرية»: مناضلون ومساطيل

 لعل «ثرثرة فوق النيل» هي الرواية الأكثر سياسية ضمن روايات نجيب محفوظ. وقد يبدو هذا الادعاء غريبًا خاصة إذا نظرنا مثلًا إلى «الثلاثية»، ومنها «السكرية» التي يصور فيها محفوظ الحراك السياسي والحالة الفكرية في مصر خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها. وليست «ثرثرة..» الأكثر ارتباطًا بالسياسي لأن بها سجالات سياسية وفكرية أغزر من روايات محفوظ الأخرى، بل لأن «السياسي» هو شرط كتابتها. فهي استجابة جمالية للاستبداد السياسي بعد الوصاية العسكرية والانفراد بالحكم؛ إقصاء «الشعب» واستبعاده ثم الحكم باسمه وإدعاء تمثيله.

من فيلم ثرثرة فوق النيل

 هناك رؤية جمالية مشتركة في الروايات التي اقتبست منها الأفلام المعروضة في مهرجان زاوية؛ إذ يرى محفوظ السياسة من خلالها بوصفها «طريقة تنتظم بها حياتنا الاجتماعية». لهذا تظل لها قدرة تعبيرية مهما اختلف زمن قراءتها. فالسياسة في رواياته ليست مجرد تعليقًا على أحداث جارية أو ماضية، بل هي توق إلى الحرية ورفض للطغيان، ومحاولة الفرد للخلاص من الاستبداد. نجحت بعض الأفلام في التعبير عن المعنى السياسي في أدب محفوظ، وفشلت غيرها لأنها اتخذت من «السياسي» داخل النص المحفوظي وسيلة دعائية أو أداة لتصفية الحسابات.

وإذا كانت «السكرية» تعبر عن نشوء «الوعي» وتشكله في جيل الأحفاد، فإن «ثرثرة فوق النيل» تعبر عن غيابه، أو بالأدق تغييبه. غيابه الطوعي بالحشيش، وتغييبه القسري باستبداد السلطة. و«الحراك» في «السكرية» يقابله «الرقاد» في «الثرثرة». وتأملات كمال عبد الجواد الفلسفية تقابلها هلوسات أنيس زكي وضلالاته. «السكرية» نفسها كعمل فني كانت مسكونة بالجانبين: جانب الهزل والأنس وجانب الفكر والهم الاجتماعي. وكأن الصراع امتد حتى كانت الغلبة لجلسات الأنس في «ثرثرة فوق النيل»، مع فساد النخبة وسلبيتها.

 والفيلمان ليسا من إنتاج المؤسسة العامة للسينما، رغم إنتاجها لعدد من الأفلام المقتبسة عن نصوص أدبية متميزة، وأيضًا عن روايات محفوظ مثل «ميرامار» الذي انطوى على انتقاد ساخر لثورة يوليو ورجالها، «القاهرة 30» و«السراب». 

من فيلم القاهرة 30

«بداية ونهاية» و«الكرنك»: الصورة الأخرى للضابط

صدرت رواية «بداية ونهاية» عام 1949، وأخرج صلاح أبو سيف الفيلم المأخوذ عنها بنفس العنوان عام 1960. يحكي الفيلم مأساة أسرية، تراجيديا واقعية لأسرة فقدت عائلها. الآن، أفكر في صورة الضابط حسنين (عمر الشريف)، وكيف تُناقض السمات المتعارف عليها لضابط الحربية من يوليو 1952 حتى الآن.

تُدين الرواية حسنين، لكنها إدانة أدبية إنسانية في جوهرها. فهو لم يتاجر في المخدرات مثل أخيه الأكبر حسن، ولم يمارس الدعارة مثل أخته نفيسة، لم يرتكب جريمة يعاقبه عليها القانون. إلا أنه مُذنب «إنسانيًا»، ووحده «الأدب» القادر على إبراز جرمه، لأن للفن كذلك أخلاقه وأنساقها المغايرة ربما للأعراف والقوانين المجتمعية.

في مواجهة «تجرد» ضابط الحربية و«حنوه» على أهله والمجتمع الناس -ومثاله الأبرز الضابط علي في «رد قلبي»- نرى حسنين المتمركز حول ذاته. خطيئته الأصلية هي الأنانية، ومعها نكران الجميل، التكبر، وعدم تقديره لكل التضحيات التي قدمها الأخوة في سبيله. ينتحر حسنين بنهاية الرواية في مفاجأة درامية. وتُمثل النهاية مُقامرة محفوظية ناجحة. أو ربما نراها كذلك الآن.

كتب محفوظ رواية «الكرنك» في أول السبعينيات، وعندما أنهى كتابتها ذهب بها إلى محمد حسنين هيكل، رئيس تحرير الأهرام وقتها، لينشرها مُسلسلة على صفحات الجريدة. قرأ هيكل الرواية فثار واعترض عليها ورفض نشرها، واستدعى توفيق الحكيم ليشكو إليه، وقال له: «شوف نجيب جايب لى إيه؟!».

تحولت الرواية إلى فيلم عام 1975، من إخراج علي بدرخان. ويقول نجيب محفوظ إنه استلهم شخصية خالد صفوان من اللواء حمزة البسيوني، مدير السجن الحربي في الحقبة الناصرية. وبات معروفًا أن «الكرنك» هي أقل أعمال نجيب محفوظ فنيًا، ربما بسبب ما لقيته من حذف الرقيب، كما يقول محفوظ في حديثه مع رجاء النقاش. وينفي محفوظ أنه أراد استخدام الرواية كأداة لتدعيم الجناح الساداتي ضد الناصريين، أثناء المناوشات التي كانت قائمة بين يمين جمهورية يوليو ويسارها، وإنما أراد أن يوثق قضية التعذيب داخل السجون والمعتقلات.

حقق الفيلم نجاحًا كبيرًا ودشن لبداية موجة «الكرنكة» في السينما المصرية، أي الأفلام التي تتناول التعذيب وانتهاك آدمية المواطن ومراكز القوى. ولاقت تلك الأفلام ترحيبًا من نظام السادات، لأنها تهاجم عصر عبد الناصر ونظامه وإرثه.

صراع الضابط والفنان

لا يبدو أن تأثير «الكرنك» قد انحصر في العصر الساداتي. شهد عصر مبارك استمرارًا لتصوير السينما التعذيب والانتهاكات ضد حقوق الإنسان، مع اختلاف بسيط، فقد حل ضابط الشرطة محل ضابط الجيش.   

صارت شخصية الشرطي الفاسد، في سنوات ما قبل يناير 2011، حجر الزاوية في العديد من الأعمال السينمائية والتليفزيونية. شخصية نمطية وكلاسيكية مثل «مجذوب القرية» و«رجل الدين الأفاق».

كانت كثافة حضور شخصية الشرطي الفاسد موازية أو مكافئة لكثافة الأخبار عن انتهاكات الداخلية المستمرة لحقوق الإنسان، وعن ضحايا التعذيب في أقسام الشرطة ومقرات أمن الدولة. وتمثلت ذروتها المباشرة في آخر أفلام يوسف شاهين «هي فوضى» (2007). وتناولت أيضًا السينما المستقلة العلاقة المحتقنة بين الضابط والمواطن. مثلما قدم إبراهيم البطوط صورة للخوف والقمع الطاغيان على الفرد لحظتها في فيلمه المستقل «حاوي» (2010).    

من فيلم حاوي

في أعقاب الثورة المصرية في 25 يناير 2011، سارعت الدراما المصرية إلى اغتنام مناخ الحرية النسبي المتحقق بعد خلع مبارك. تناولت معظم الأعمال الرمضانية عامي 2011 و 2012 موضوعات الفساد والتعذيب ومحاولة سبر آليات السلطة السياسية وكشف كواليسها. اتجه التيار السائد وقتها في الإعلام إلى لعن العهد البائد ورجاله وممارساته، فكان من المضمون والطبيعي مسايرة «الموجة» حتى من صناع وفنانين عرف عنهم انتمائهم إلى النظام القديم، أو معارضتهم الضمنية للثورة عبر آرائهم وتصريحاتهم. انتشرت بوسترات تامر حسني (من مؤيدي مبارك) بالغترة الفلسطينية وهو يؤدي دور «آدم»، شاب يتم اضطهاده من قِبل ضابط كبير، يعذبه هو وأفراد أسرته، ويقتله في النهاية داخل مكتبه. جاءت أغلب الأعمال فجة في مباشرتها.

لكننا شاهدنا كذلك مسلسلات مثلت فيها العلاقة بين السلطة السياسية ورأس المال الخلفية الرئيسية للحدث  مثل « نيران صديقة»، «خاتم سليمان»، «الهروب»، «موجة حارة»، و«تحت الأرض»، وتطرقت أعمال أخرى بشكل فرعي إلى الأحداث الجارية وقتها، وجرائم التعذيب وتلاعب أجهزة الأمن. وقدم إبراهيم البطوط فيلمه «الشتا اللي فات»، ويسري نصر الله «بعد الموقعة» الذي شارك في مسابقة الرسمية لمهرجان «كان» بعد انقطاع دام 15 عامًا.

من فيلم بعد الموقعة

 من التحالف إلى الإملاء المباشر

 لكن «30 يونيو» 2013، وما بعدها، شكلت مرحلة مغايرة في المجال العام المصري. ووسط الخطاب الشعبوي وتهم العمالة والتخوين وسحق الآراء المخالفة وأصحابها، صارت القنوات الخاصة والمنابر الإعلامية جميعها كجوقة واحدة، في تماهٍ تام مع خطاب الدولة. لذلك جاءت المسلسلات الرمضانية في السنوات التالية كأنها محاولة لغسيل سمعة أجهزة «الدولة العميقة»، والأمنية منها بالذات. تقلص هامش الحرية إلى حد التلاشي، وتلاشت مساحة النقد هي الأخرى، فلجأ صناع الدراما إلى المسايرة من جديد، وإلا كان مصيرهم المنع أو النفي، كما حدث مع مسلسل «أهل إسكندرية» (تأليف بلال فضل وإخراج خيري بشارة ومن بطولة عمرو واكد وبسمة)، الممنوع من العرض بسبب موقف عدد كبير من صناعه من النظام.  

شاهدنا مسلسلات مثل «تفاحة آدم» و«الخروج» و«القيصر»، و«7 أرواح» و«شهادة ميلاد». اختلفت فيها ملامح الضابط القديم لتصير أكثر شهامة ونزاهة وإنسانية، فهو الباحث عن العدالة وصاحب التضحيات اليومية والمستمرة. هذا التغير الحاد في سلوك الضباط على الشاشة لم يصحبه تغيرات حقيقية في الشارع المصري.

 كل ما سبق كان قبل أن تأتي الثلاثيتان «كلبش» و«الاختيار»، مع احتكار شركة «المتحدة» التابعة لجهات أمنية سيادية إنتاج الدراما المصرية.

من أجل خلق البروباجندا المرجوة، ركزت الدولة جهودها على صناعة الدراما التليفزيونية، ويأتي ذلك مسايرًا الصعود العالمي للدراما التليفزيونية مقابل السينما في السنوات الأخيرة.

وبمراجعة فيلموجرافيا الشركات المُنتجة للأفلام الأنجح تجاريًا والأعلى إيرادات في السنوات الأخيرة، سنرى أن «سينرجي»، التابعة لمجموعة المتحدة، أنتجت 17 فيلمًا منذ توجهها للإنتاج السينمائي في 2018. وأعلاها من حيث الإيرادات: «الفيل الأزرق 2»، «كازابلانكا»، «ولاد رزق 2» عام 2019،  و«كيرة والجن» عام 2022.

 أما شركة «الماسة» مثلًا، فلم تنتج إلا خمسة أفلام فقط خلال عشر سنوات، وأشهرها فيلم «الممر» 2019.  ومثلها شركة «أوسكار»، أنتجت خمسة أفلام في عشر سنوات، وأعلاها من حيث الإيرادات فيلم «نادي الرجال السري» 2019.

مع تقلص ملحوظ في الإنتاج والتوزيع السينمائي لكل من «أروما»، ومجموعة «السبكي»، و«دولار فيلم» و«نيو سينشري».

ربما يُبرز النجاح التجاري أزمة السينما أكثر مما يُبشر بتجاوزها. فالأفلام المذكورة التي تخطى كل واحد منها حاجز الخمسين مليون جنيه، تكشف عن «الاحتكار» واقتصار البطولة على أسماء بعينها، وعدم اضطلاع النجوم الكبار حاليًا بأي دور في دعم الصناعة، كالمشاركة في الإنتاج والكتابة ومساندة المخرجين في بداياتهم، على النحو الذي عرفته السينما مع أنور وجدي مرورًا بـ فريد شوقي ونور الشريف.

لا يعتبر بعض النقاد والمنشغلين بالسينما المشاركة في المهرجانات دليلًا على نجاح أو نهضة السينما، لكننا شهدنا في السنوات الأخيرة عددًا من الأفلام المصرية تُشارك في مهرجانات عالمية، وبعض التجارب ذات طموح فني مغاير. وتعتبر شركة «فيلم كلينك» القاسم المشترك بين هذه الأفلام. إلا أنها لا تحظى بالتوزيع المطلوب في دور العرض، وأحيانًا تواجه تعنتًا وهجومًا ومحاولة للمنع من العرض، كما حدث مع «اشتباك» و«ريش» و«آخر أيام المدينة». 

 لا يمكن تلقي أي عمل فني إلا ضمن شروط إمكانه التي هي شروط تاريخية وأيديولوجية وشكلية، كما يوضح الناقد الماركسي، إعجاز أحمد. إلا أن إعادة النظر في سينما نجيب محفوظ تخبرنا بعدة أمور. أهمها أن للعمل الفني كذلك طبيعة مقاومة، وبإمكانه إظهار بعض علامات الاستقلال عن الوضع القائم، وأننا حين نصف إحدى روايات محفوظ بأنها رواية عظيمة، أو نقول عن الفيلم المُقتبس عنها إنه من الكلاسيكيات الرائعة، فإننا لا نقول ذلك لأننا نقر إيديولوجيتها، بل بسبب فهم محفوظ الدقيق والمتقن للأيديولوجيات السائدة في زمنه.

يقول الناقد والمُنظِّر السينمائي، سيجفريد كراكاور، أن أفلام أمة أو شعب ما تعكس ذهنيته ونمط تفكيره بطريقة أكثر مباشرة من الوسائط الفنية الأخرى، لأن الفيلم لم يكن يومًا نتاج عمل فردي وإنما محصلة نهائية للعمل الجماعي بين جهات متعددة. وأيضا لأن الأفلام تتوجه إلى الجمهور العريض وتخاطبه، لذلك يبين كراكاور أن «المواضيع المفضلة في الأفلام بشكل عام تُلبي رغبات الجمهور المتوفرة أصلًا».

 هل ما نشاهده الآن هو ما نطلبه أم ما يُفرض علينا حتى نسينا ما عداه؟ هل يُمثل رغبة قطاع كبير من المشاهدين، أم هو دلالة على عملية تخليق مستمرة لرغبات زائفة؟

الأمر الذي دفع المخرج الكبير، داود عبد السيد، إلى القول صراحةً: «تستطيع معرفة هل يوجد لدى الشخص همّ أم لا من اختياراته؛ فمن يذهب ليشاهد أفلامًا مسلية مثل أفلام الأكشن، أو عن عظمة الشرطة المصرية في القبض على تجار المخدرات هم أناس ليس لديهم أي هم». ثم استكمل موضحًا: « في الماضي، كان لدينا أفلام لها أبعاد أخرى غير التسلية، مثل فيلم ’السقا مات إخراج صلاح أبو سيف أو ’حياة أو موت’ إخراج كمال الشيخ، ولكننا نصنع اليوم أفلامًا أمريكية في نسخة مصرية فقط لا غير، وهي أفلام منزوعة الدسم والهم».

الآن، تجول في ذهني فرضية: «ماذا لو أعلنت جهة إنتاجية ما، أو منصة من منصات العرض، عن نيتها تقديم عمل مقتبس عن رواية محفوظ «أولاد حارتنا»؟ ببساطة، فإن القيامة ستقوم. ربما كان صلاح نصر (رئيس المخابرات العامة من 57 إلى 67) ليشعر بالفخر من ضراوة الهجوم. وستتحقق له غلبة مؤقتة بفضل أقرانه الحاليين. غلبة حلم بها في الماضي طويلًا ولم يستطع تحقيقها.

هوامش:

  1.   استمر أبو سيف والشيخ في المشاركة بالمهرجانات الكبرى خلال الستينيات، أما يوسف شاهين، فتعددت مشاركاته حتى عقد التسعينيات. 
  2. الدولة والسينما بعد 38 عامًا من القطيعة: الشر الذى لابد منه، «المصري اليوم»، دون اسم، 4 أغسطس 2009 
  3.   علاء خالد، افتتاحية مجلة أمكنة، وعددها المخصص عن الثورة بعنوان : مسارات الثورة.
  4. سامح نجيب، «قراءة نقدية لكتاب في الثقافة المصرية»، مجلة أوراق اشتراكية، العدد 21 – خريف 2009  
  5. أُعيد نشر نص رسالة إحسان عبد القدوس إلى طه حسين، وعنوانها «ولكنهم يسألون عن رأي الحكومة»، في مجلة عالم الكتاب، العدد 94/95 ديسمبر 2015
عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن