من عرق البلح للملابس الجاهزة.. حكاية قرية صناعية
ننشر هذا النص ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة بـ«الأكاديمية البديلة للصحافة العربية»، حيث نعمل عن قرب مع كُتّاب وكاتبات من المنطقة في تطوير مهاراتهم الصحفية. الأكاديمية هي برنامج زمالة مُكثف مدته عام، يشجع على الإبداع والتفكير النقدي في الصحافة وتشرف عليه «فبراير»: شبكة وسائل الإعلام التقدمية المستقلة الرائدة في الشرق الأوسط: مدى مصر | الجمهورية | معازف | ميغافون | صوت. على مدار عامٍ كاملٍ من القراءة والنقاش والممارسة والعمل في هذه المؤسسات الصحفية، تحاول الأكاديمية تجريب واختبار مساحات جديدة وخلّاقة للسرد والتعبير، والاشتباك مع الكثير من المسلمات في سياقنا العربي، والتدرب على نهج مختلف في طرح الأسئلة والاستقصاء والبحث، ومناقشة علاقة الصحافة بالتاريخ والمكان والتراكمات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

مع غروب الشمس، أغلق مينا باب ورشته الصغيرة للحدادة، الواقعة على أطراف قريته، تحت سفح الجبل الشرقي لنيل مدينة ملوي بمحافظة المنيا. استقل دراجته البخارية المتهالكة، واتجه إلى ناحية مختلفة عن تلك التي يتجه نحوها عند العودة كل مساء إلى منزله في قرية «البرشا»، حيث اتجه هذا اليوم، إلى قرية «دير أبو حنس»، التي تبعد عن قريته عشرة كيلومترات شمالًا، بموازاة النهر، ليشتري «جركن عرق»، كما أوصاه والده لمجاملة ضيوفه في ليلة حنّة شقيقته العروس.
لا يفهم مينا سر إصرار والده على شراء «عرق البلح» لضيوفه، رغم توافر أنواع أخرى من الخمور «المحترمة»، كما يصفها، وتُباع في المحلات بشكل رسمي، بدلًا من المغامرة في شراء «العرق» بهذا الشكل السري مثل المخدرات. يقول: «كل الخلق في ليلة الحنّة تجيب بيرة وبراطيش زبيب وفودكا مصري، إلا أبويا مزاجه طول عمره في عرق البلح، مايفرقش معاه ريحته اللي مَحدش يطيقها».
خمس عشرة دقيقة تقريبًا قطعها مينا بدراجته في الصحراء، ليصل إلى وجهته. ظهرت واحة من النخيل في قلب الصحراء، وهي أولى الإشارات على اقترابه من قرية «دير أبو حنس». الغيوم السوداء فوق رأسه مع آخر أشعة شمس نهار بارد تنذر بليلة سينزل فيها الصقيع مبكرًا: عليه إنجاز مهمته سريعًا والعودة، للاستعداد لليلة شاقة يتمنى أن تمضي على خير، ويفرح الجميع بعرس شقيقته.
دير أبو حنس، التي سُميت على اسم القديس الراهب يوحنس القصير الذي عاش بالقرية وله كنيسة تحمل اسمه، هي أحد أكبر التجمعات المسيحية في محافظة المنيا، حيث يقطنها نحو 35 ألف مسيحي مصري تقريبًا، وتقع على أطراف النيل. عاشت القرية طوال تاريخها بالعمل في الزراعة كأغلب قرى الصعيد، لكنها تميزت أيضًا بتصنيع منتجات النخيل، ومنها عرق البلح، إلى جانب تربية الخنازير. شهدت القرية عدة تحولات، تشابك فيها المجتمع والدين مع السياسة، والضرورة الاقتصادية، لتتحول لمركز لصناعة وبيع الملابس في ربع القرن الأخير.

يرن موبايل مينا في سيّالة جلبابه. يخرجه وهو يعلم مَن الذي يهاتفه. يرد سريعًا، ليتأكد أن بائع العرق هيثم (اسم مستعار) في انتظاره في الحقل الواقع تحت سفح الجبل، ليعطيه الكمية التي يحتاجها، حسب اتفاق مسبق بينه وبين والده.
يشغل مصباح موبايله، ومن بعيد يظهر نور مماثل. يتجه ناحيته ليجد هيثم في انتظاره: شاب في منتصف الثلاثينيات، طويل القامة، تظهر نحافته الشديدة رغم ارتدائه بالطو طويل فوق جلبابه، ويلف رأسه بتلفيحة محكمة. يقف بجوار غرفة صغيرة تم بناؤها بالحجر البلوك الأبيض، سقفها نصف مسقوف بأفرع الأشجار الضخمة وجريد النخل. داخل الغرفة، يقع معمل هيثم البدائي لتصنيع مشروب العرق. تغيّر المكان أكثر من مرة، بعد مداهمة الشرطة له أو حتى خشية أعين المرشدين، حسب تعبير هيثم.
يقوم هيثم بتعبئة جركن سعة 20 لترًا أحضره مينا معه، يصب السائل الأبيض ذا الرائحة النفاذة. سعر اللتر 25 جنيهًا، وهو سعر ضئيل مقابل قوة المشروب وجودته، حسب هيثم، لكنه لا يأخذ حقه بسبب عدم وجود تراخيص، وصناعته بطرق بدائية جدًا، دون أي معالجة لرائحته النفاذة، أحد أكبر عيوب مشروب العرق المصري المحلي بشكل عام.
لا يعرف هيثم مهنة غير صناعة وبيع عرق البلح الذي يزيد الطلب عليه في المواسم، كعيد الميلاد ورأس السنة، فحسب قوله «شرب العرق في الشتاء بيدفي». كما يبيع سعف النخل في موسم «أحد السعف». ثمانية عشر عامًا قضاها في طبخ العرق جعلته محترفًا في صنعته.
«مش أي حد يعرف يطبخ. الشغلانة عايزة تدريب وصنعة بالشعراية. أي غلطة تخلي الطبخة تبوظ. نجمع البلح آخر القياضي (الصيف)، وننشره في شمس ييجي 10 أيام، بعدها نسربه (ننقيه). ولازم تكون البلحة حلاها تقيل، مش أي بلحة تنفع. بعد كده نحمص البلح في فرن بلدي، ونحطّه في براميل ميّه يومين تلاتة، ونهرسه وننقي منه النواة، ونسيبه ييجي 10 أيام يتخمر. يكون الصقيع دخل في شهر أكتوبر. نصفيه ونعلقه في الدماسة (برميل كبير)٬ ونولع تحتيه على الهادي. خلال 4 ساعات يبتدي العرق يسيل في الجراكن من الناحية التانية».. هكذا يسرد سرّ الصنعة.
ويتابع هيثم مقادير الطبخة: نحو 20 كيلوجرامًا بلح تصنع خمسة لترات فقط، وبعدها يتم التخلص من السائل المحروق وتُعاد العملية من جديد. «أنا بشتري البلح من عالنخل وهو لسه بيطلع، عشان يبقى أرخص عليّ وأجمع بمعرفتي واشتغل. لكن فيه غيري بيعمل بالنخل بتاعه بس في الشتا. وفيه ناس بسبب غلو سعر البلح بتشتغل في البلاسة اللي هي مصاصة القصب اللي بتطلع من عصارات القصب، وتطبخه وتبيعه على أنه عرق، لكن مابيبقاش زي البلح أكيد وعمري ما اشتغلت فيه».

كانت ليالي الشتاء لا تحلو إلا بكوز العرق الذي يدور على الرجال حول نار الراكية. كان أهالي القرى المجاورة يأتون لشراء العرق من القرية، قبل أن يقلّ الطلب على المشروب في السنوات الأخيرة، واعتباره مشروب سيء السمعة بسبب قوته وتركيز الكحول الكبير فيه (65% تقريبًا)، ما يُغيب البعض عن الوعي في كثير من الأحيان، وتقع المعارك لاسيما في الأفراح والموالد الشعبية الكثيرة في المنطقة، وهو ما حدث قبل سنوات، فحرم رجال الدين شرب العرق أو أي مشروبات كحولية في الأفراح، ومنعت الشرطة شرب العرق في الموالد وطاردت بائعيه. وتشابكت الجهود لمحو الصورة الذهنية عن القرية لدى الأغراب، بأنها «بلد عرق البلح وتربية الخنازير»
يعلق هيثم: «من بداية الخليقة والناس تعمل العرق هنا وتشربه. كانت الناس كلها تشرب، بس من ييجي 10- 15 سنة قلّ عدد الناس اللي بتشرب العرق. وفيه اللي بيحرمه على الناس. والشباب الصغيرة دلوقت اتضربت بالبرشام والحشيش المغشوش».
بحسب هيثم، حتى ربع قرن مضى، كان يوجد في القرية أكثر من مائة معمل بدائي لتصنيع العرق، لكن تقلص عدد مُصنّعي العرق، وكذلك جمهوره.
الأسباب الهيكلية لتراجع شرب عرق البلح، يتحدث عنها أيمن صِديق، 40 عامًا، ويعمل في قطاع السياحة بالغردقة، لكنه في الأصل من قرية دير أبو حنس، وعاد واستقر بالقرية مؤخرًا بعد تدهور قطاع السياحة إثر جائحة كورونا منذ عامين. يرجع صِديق عدم وجود معمل مرخص لإنتاج «عرق البلح» يعمل بشكل رسمي إلى صعوبة الحصول على الترخيص في الأساس من الجهات المعنية.
في المقابل، سيطرت الشركات الكبرى لإنتاج الخمور في مصر، وأهمها الأهرام للمشروبات، ما ساهم في سهولة الحصول على الخمور المحلية المصرح بها، ومنها العرق المحلي.

ونسبة للتوزيع، يوضح صديق أنه لا يوجد سوى محل واحد فقط مصرح له ببيع الخمور في مركز ملوي بالكامل، يعمل منذ أكثر من مائة عام، ويخدم مدينة ملوي وقراها العديدة. وقد أُغلقت باقي المحال القديمة على فترات متتابعة منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، مع تصاعد موجات الإرهاب والعنف الديني في ملوي، واستهداف الكنائس ومحال الأقباط وممتلكاتهم، فضلًا عن عدم وجود أي مكان في المدينة يقدم الخمور. لذلك انتشرت في القرى منافذ البيع السرية للخمور المرخصة في الأساس.
المهندس عادل خشبة، رجل تجاوز الستين من عمره، يجلس خلف ماكينة كاشير لمحله الضخم في شارع وسط مدينة ملوي، المحل الوحيد الذي يبيع الخمور بترخيص رسمي منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وهو وريث عائلة خشبة العريقة في المدينة والمهنة. يجيب خشبة عن سؤال حول عدم وجود مصنع لتصنيع الخمور المحلية في المدينة بقوله: «الخوف هو المانع الأول. إحنا قادرين نفتح ونبيع بالعافية في الظروف دي». يرجع الخوف من عدم تقبل الأهالي والسكان وجود مصنع خمور في المدينة، حتى لو كان على أطرافها. ويضيف سببًا آخر لعدم وجود مصنع وهو القدرة المالية والإمكانات التي يحتاجها مصنع حديث، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على التراخيص والتصاريح الرسمية لمصنع خمور. «هتلاقي 100 واحد وقف لك في المشروع، لو مش لتحريم الفكرة، يبقى لطلب رشوة كبيرة».
يحكي إيدن زكريا أمين، 35 سنة، صاحب عمل خاص في قرية البرشا القريبة، أن والده باع رخصة محل لبيع الخمور بثلاثة آلاف جنيه فقط في تسعينيات القرن الماضي. «دلوقتي أنا لو حاولت أحصل على رخصة محل لبيع الخمور بشكل رسمي ممكن الرسوم لا تتعدى 50 ألف جنيه، ولكن مع الاكراميات والرشاوي يصل الرقم لملايين الجنيهات».
ومع العقبات السابقة أمام تصنيع عرق البلح ومحدودية عائد غيره من الصناعات القائمة على النخيل المتوفر في القرية، ظهرت صناعة من نوع آخر.
يشرح صديق: «ثمة تغيرات لاحظتها على القرية، لم أكن أرصدها في زياراتي لها وقت عملي بالسياحة طوال عشرين عامًا. فقد كانت القرية تشتهر بصناعة منتجات النخيل، نظرًا لوجود عدد كبير من النخل في القرية، وكانت صناعة يعمل بها قطاع كبير من المواطنين من الرجال والنساء». تتضمن هذه المنتجات أثاث المنازل من طبالي ومقاعد ومناضد بيوت الصعيد المصنعة من جريد النخل، وأقفاص الطيور، وحبال من الليف، وأطباق كبيرة ومشنات مصنعة من سعف النخيل. تضم أيضًا التمور بعد جمع البلح وتجفيفه، وكذلك عرق البلح.
بحسب صديق، تراجعت هذه الصناعة «لصالح مصانع الملابس التي انتشرت بشكل مكثف في القرية في العقد الأخير. عشرات المصانع لتفصيل وبيع الملابس، ساهمت في القضاء على البطالة في القرية تقريبًا».
رأفت نبيه، مسؤول الوحدة الإقليمية للتعليم المزدوج في ملوي، يشرح لنا هذه القفزة تجاه صناعة الملابس في القرية والتحول من النشاط الزراعي. «بسبب الدخل المتدني للفلاح من الزراعة والعمل في منتجات النخيل، مقابل تعبه ومجهوده، كذلك القضاء على مزارع الخنازير (في 2006)، بدأت موجة هجرة داخلية لشباب ورجال قرية دير أبو حنس للعمل كباعة ملابس جائلين في محافظة الشرقية، والدقهلية، وذلك منذ تسعينيات القرن الماضي. وفي الألفية الجديدة، انتشروا في مدن العاشر من رمضان وبلبيس والزقازيق، وقراها، والبعض الآخر عملوا باعة جائلين في قرى المنيا». ثم عادوا إلى قريتهم وأسسوا مشاغل تفصيل. ويتابع نبيه: «انتشرت الفكرة ولاقت رواجًا، وكبرت الورش الصغيرة، وأصبحت مصانع كبيرة، تعمل فيها أكثر من مائتي فتاة وسيدة على ماكينات التفصيل، بخلاف الورش والمشاغل الصغيرة».
روماني إسحق، 38 سنة، أحد هؤلاء الشباب الذي يشير إليهم نبيه. بدأ حياته بائع ملابس متجول في محافظات الشرقية والدقهلية والسويس، وبعد سنوات من الترحال، تعلم فيها كل شيء عن بيع وصناعة الملابس، عاد لقريته، وأقام مشغلًا كبيرًا لتصنيع الملابس، وأصبح أحد التجار الشباب في أبو حنس. يروي إسحق قصته بفخر: «بدأت بياع سريح، فانلة وقميص وشورت وغيارات، بعد كام سنة بقى ليّ زبون، ونزلت السويس وخدت مخزن وبدأت أشتري البضاعة جملة وأشغل سريحة معايا. عرفت كل حاجة عن تصنيع البواقي اللي بتيجي من المصانع الكبيرة أو المستوردة. عرفت السكة وبدأت أشتري البواقي وأعمل منها الملابس وأبيعها. بعدين ربنا كرمني واشتريت 3 ماكينات تفصيل، وتعلمت التفصيل، وتصليح ماكينات الخياطة، وعرفت كل تفصيلة عن الشغلانة. وبعد سبع سنين، قررت أرجع وأعمل المشغل في بلدي، وكنت الأول بشتغل في بواقي القماش، ولمّا سوق الاستيراد وقف، وبقى فيه حالة كساد في البيع، بقت نص مصانع البلد بتشتغل في البواقي. ودلوقتي بشغل معايا شباب كتير في إجازات المدارس، وفيه الستات اللي بتشتغل تفصيل بالقطعة من بيتها وتبيع لي إنتاجها».
الوحدة المحلية للتعليم المزدوج المسؤول عنها نبيه تابعة لوزارة التربية والتعليم، وهي التي تشرف على الجانب العملي للفتيات اللاتي يدرسن التفصيل والتطريز بالمدرسة الزخرفية للبنات في مدينة ملوي.
«يوجد أكثر من 50 مصنعًا بالقرية خلاف المشاغل الصغيرة. وتم إنشاء مدرستين خاصتين لتعليم التفصيل داخل مصنعين في القرية، تلتحق بها الفتيات بعد المرحلة الإعدادية، ويدرسن خمس سنوات، وتعملن في المصنع بمقابل مادي، ويحصلن على شهادة معتمدة من وزارة التربية والتعليم. لكننا نسعى لإنشاء مدرسة حكومية للمرحلة الثانوية للفتيات، على غرار المدرسة الزخرفية في ملوي، لتعليم فتيات القرى المجاورة لدير أبو حنس، مثل دير البرشا والشيخ عبادة وتل العمارنة، اللاتي يدرسن في مدينة ملوي الجانب النظري في المدرسة الحكومية، ويتلقين التدريب في دير أبو حنس، ما يشكل مشقة عليهن، وزيادة خوف الأهالي من سفر بناتهم وابتعادهن عن القرية».
تقارير ذات صلة
محمود أبو الريش.. ماذا يخبرنا «مستريح أسوان» أبعد من النمط؟
اتفقت مصادر القرية على أن نشاط أبو الريش بدأ بالوساطة (السمسرة) في بيع سيارات المستعملة منذ 2017.
تجاهل «الترميم» يقتل أسرة سكندرية تحت سقف «الإيجار القديم»
بعض المُلاك يتعمدون ترك العقارات تتدهور
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن