تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
محمود أبو الريش.. ماذا يخبرنا «مستريح أسوان» أبعد من النمط؟

محمود أبو الريش.. ماذا يخبرنا «مستريح أسوان» أبعد من النمط؟

كتابة: معتز حجاج 12 دقيقة قراءة

ننشر هذا النص ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة بـ«الأكاديمية البديلة للصحافة العربية»، حيث نعمل عن قرب مع كُتّاب وكاتبات من المنطقة في تطوير مهاراتهم الصحفية. الأكاديمية هي برنامج زمالة مُكثف مدته عام، يشجع على الإبداع والتفكير النقدي في الصحافة وتشرف عليه «فبراير»: شبكة وسائل الإعلام التقدمية المستقلة الرائدة في الشرق الأوسط: مدى مصر | الجمهورية | معازف | ميغافون | صوت.  على مدار عامٍ كاملٍ من القراءة والنقاش والممارسة والعمل في هذه المؤسسات الصحفية، تحاول الأكاديمية تجريب واختبار مساحات جديدة وخلّاقة للسرد والتعبير، والاشتباك مع الكثير من المسلمات في سياقنا العربي، والتدرب على نهج مختلف في طرح الأسئلة والاستقصاء والبحث، ومناقشة علاقة الصحافة بالتاريخ والمكان والتراكمات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

caption

في الخامس من فبراير الماضي، قضت محكمة قنا الاقتصادية، بحبس محمود فتحي النجار وشقيقيه 15 عامًا، وتغريمهم 20 مليون جنيه لكل منهم، على خلفية اتهامهم بالاستيلاء على أموال المئات من أهالي أسوان والمحافظات المجاورة، مع إلزامهم برد الأموال.  

ذاع صيت محمود أبو الريش، بدايةً من 2019، في مجال تجارة السيارات بمحافظة أسوان، من خلال معرضه الواقع في مدخل قريته التي يحمل لقبها، قرية أبو الريش، على الطريق الزراعي بين عاصمة المحافظة وباقي مراكزها شمالًا. افتتح أبو الريش معرضًا آخر داخل القرية مع أخويه، محمد ومصطفى النجار، كما أسسوا عددًا من الشركات خلال عام 2021، منها شركة النجار للتوريدات العمومية، والنجار للمقاولات، والنجار للنقل البري، وساهموا في شركة السلام للنقل البري، بالإضافة لامتلاكهم أرضًا في بني سويف، مساحتها حوالي 300 فدان، ورصيدًا في البنك، وعدد من العقارات والسيارات، تحفظت عليها النيابة.

تعود هذه الثروة إلى القصة الشهيرة إعلاميًا بقضية «المستريحين» التي احتال فيها 37 متهمًا على أموال قُدّرت بنصف مليار جنيه، تعود لأربعة آلاف مواطن من أهالي أسوان، وفقًا لبيان النيابة

هنا نروي حكاية محمود أبو الريش، أول «المستريحين» وأبرزهم، لرصد نمط وشكل التربح/العمل الاقتصادي، والعلاقة مع المودعين والمجتمع والدولة، في شبكة معقدة من الفاعلين، تتجاوز ثنائية محتالين وبسطاء التي ركزت عليها معظم التغطية الإعلامية. 

محمود أبو الريش

ولد محمود نهاية الثمانينيات في إحدى قرى أسوان المحرومة من شبكة الصرف الصحي، قرية أبو الريش، المحفورة في الهضبة الشرقية للنيل، شمال المدينة. دفع ضيق النشاط الاقتصادي بالقرية العديد من شبابها للعمل في الخليج. وتعمل الأغلبية الباقية في مجال الزراعة والأنشطة المرتبطة، والحرف التقليدية، كصناعة الأثاث من خوص وجريد النخل، وفي الأنشطة الخدمية بمدينة أسوان القريبة، ومؤخرًا أنشطة صيانة وخدمة السيارات. 

إلا أن أسرة أبو الريش ترقت اجتماعيًا عبر التعليم. صارت أسرة موظفين في جيلها الأخير، حسبما يشير بعض جيران العائلة، ممن تحدث معهم «مدى مصر»، وطلبوا عدم ذكر أسمائهم. 

ورغم شهادة أبو الريش المتوسطة، استثناءً بين إخوته الحاصلين على شهادات عليا، إلا أنها أمّنت له وظيفة حكومية، سائق بشركة مياه الشرب والصرف الصحي، يفرّغ خزانات بيوت قريته من صرفها، مثلما سيفعل مع أموالها لاحقًا، لأن شخصيته طموحة، كما يقول محاميه محمد نعيم: «لا يولد المرء رجل أعمال، لكنه طموح يولد في الشخص، أيًا كان عمله السابق».

اتفقت مصادر القرية على أن نشاط أبو الريش بدأ بالوساطة (السمسرة) في بيع سيارات المستعملة منذ 2017.

يروي أحد التجار المتعاملين مع أبو الريش وجاره في القرية، طلب عدم ذكر اسمه، أن «الوساطة في بيع السيارات كانت لمحمود نشاطًا مربحًا حتى قرر التوسع، فتراكمت الديون، وكاد أن يُسجن، لكن فجأة سدد ديونه، وأغلقت القضايا بنهاية 2018، ثم بدأت تجارته تتشعب في مجالات عديدة».

في البداية، تفادى أبو الريش تلقي أموال نقدية من غير الموثوقين، رغم إلحاح بعضهم، حسبما ذكر ثلاثة عملاء كبار لدى أبو الريش، تحدثوا لـ«مدى مصر». ركز على السيارات والعقارات والأراضي، في دورة مدتها 90 يومًا، يحصل العميل في نهايتها على قيمة الأصل المودع لدى «المستريح» نقدًا، مضافًا إليها الربح. 

كما تجنب أبو الريش الترويج لأنشطته باستخدام حساباته الشخصية على فيسبوك، بخلاف باقي «المستريحين»، الذين ظهروا بعده. ترك الدعاية لحسابات لا تتبعه مباشرةً، سواء كانت حسابات شخصية لمشاهير المحافظة، أو صفحات محسوبة على قرى ومبادرات وجمعيات وحتى مؤسسات حكومية، جميعها حذفت تلك الدعاية بعد القبض على أبو الريش. 

حاز على ثقة الأهالي حتى ضحاياه، الذين أكد معظمهم ممن تحدث معهم «مدى مصر»، أنه ليس كباقي «المستريحين»، وأن ما حدث معه ذريعة من الدولة للاستيلاء على أمواله، معللين ذلك بالتزامه في دفع أموال المودعين حتى يوم القبض عليه في 18 مايو الماضي.  

كما اتبع أبو الريش استراتيجية أعمال الخير المعروفة، فساعد في زواج الأيتام، وفرش المساجد، وأخرج الغارمين من السجون، كما أعلن عن التبرع لتأسيس شبكة صرف صحي لقريته، وفقًا لمصادر بالقرية.

بمرور الوقت، تخلى أبو الريش عن حذره، ورحب بكل أنواع الأصول والنقود أيًا كان حجمها، حتى بلغ عدد المجني عليهم وفقًا لأمر الإحالة، الذي حصل «مدى مصر» على نسخة منه، قرابة الألف ضحية، بإجمالي أموال قُدّرت بحوالي 113 مليون جنيه في البلاغات المجمعة، بالإضافة لأكثر من ثمانية ملايين جنيه في قضايا مستقلة. 

يشرح أحد محاميّ الضحايا في القضية المجمعة، علي أيوب، أنه مع توسع نشاط أبو الريش، اتسعت فكرة توظيف الأموال من حوله. بداية 2019؛ بعد شهر واحد من افتتاح معرض أبو الريش، نشط جواره على طريق أسوان الزراعي، مستريح آخر يدعى حسن عباس، يتصل مع أبو الريش بصلة قرابة، ثم مستريح يلقب بـ«الزعامة» في القرية المجاورة. 

بعد ذلك انتشر «المستريحين» في المدينة، احتكروا أسواقًا كاملةً، بدايةً من سوق السيارات والتكاتك، الذي أولوه اهتمامًا كبيرًا، وتوسعوا في تجارة العقارات والأراضي، ومعدات النقل الثقيل، كما حاولوا مشاركة بعض تجار المدينة الكبار في أنشطتهم التجارية. ثم اتجهوا نحو باقي مراكز المحافظة شمال المدينة، منذ منتصف عام 2021، ولأنها مراكز يقوم نشاطها الاقتصادي على الزراعة، توغلوا أكثر في تجارة المواشي والأراضي الزراعية، قبل انتهاء فترة تغافل الدولة عن الظاهرة في مايو 2022.

وفقًا لأحد الضحايا، كان الأهالي يودعون لدى «المستريحين» أموالهم، ثم ينتظرون فترة تتراوح بين 21 يومًا، إذا كانت الوديعة مواشي، وثلاثة أشهر، إذا كانت أصول ثابتة أو منقولة (مشغولات ذهبية، سيارات، أراضٍ، عقارات، ونقود). في نهاية المهلة، يسترد المودع أصل المبلغ، مضافًا إليه أرباح تبدأ من 30% لدى أبو الريش، وتصل لدى غيره إلى الضعف.

يذكر أحد كبار عملاء أبو الريش ممن تحدث معهم «مدى مصر»، أنه اختلف عن باقي «المستريحين»، الذين بدأوا نشاطهم بأرباحٍ تتجاوز نصف أصل المبلغ، حيث وعد أبو الريش بالثلث فقط، قبلما يزداد عدد «المستريحين» في المحافظة، ويضطر إلى رفع نسبة الربح إلى النصف، ثم التعهد بمضاعفة رأس المال. 

يفسر محامي المتهم الفجوة بين ما تحفظت عليه النيابة والمُقدّر في المحاضر، بأن نسبة من حجم أعمال أبو الريش بحوزة شركاء كانت تجمعه معهم معاملات تجارية، بناءً على عقد مبدئي أو كلمة شرف، كما هو متعارف عليه في السوق، ولم تُحصر من قبل النيابة. 

يدلل على ذلك بـ«شراء أبو الريش شركة أرابيسك ترافيل للسياحة، شركة مساهمة مصنفة فئة (أ)، وهناك شهود على واقعة دفع الثمن المتفق عليه مع مالكيها، لكن لم تنقل أسهمها إليه قبل القبض عليه». ويكمل: «لكنني حصلت على شهادة من المجلس الأعلى للاستثمار، تفيد بأن أبو الريش كان آخر رئيس مجلس إدارة للشركة بعد التعديل في مارس 2022، بصلاحيات رئيس مجلس إدارة منفردًا».

تواصل «مدى مصر» مع رئيس مجلس إدارة الشركة وأحد مساهميها، قاسم سلامة، والذي أقر بالتفاوض الذي جرى بين المُلاك وأبو الريش في يناير 2022، لكن الصفقة توقفت. مع ذلك أرجأ الإجابة عن أي أسئلة إضافية من «مدى مصر» لحين لقائه في موعد قام بتحديده، لكنه لم يفِ به، كما تجاهل الرد على أي محاولات تواصل جديدة حتى كتابة القصة. 

يُؤكد نعيم أن موكله تاجر كبير وليس مجهولًا للسوق، ولم توجه ضده شكوى واحدة قبل هروب مصطفى البنك الملقب بـ«مستريح المواشي»، أشهر «المستريحين» الذي تسببت مطاردته في «تعرض سيارة شرطة لحادث أودى بحياة لواءين، مما أثار حفيظة الجهات الأمنية ضد عدد من التجار، سواء ثبت دعوتهم لتوظيف الأموال أو لم تثبت، وهي من وجهت الأهالي لتحرير محاضر ضد أبو الريش»، بحسب المحامي. 

حسبما يوضح محامي أبو الريش، فموكله هو «المتهم الثاني في القضية، لأنه لم يوقع [شيكات أو مستندات] إلا لمن تربطه معهم حجم تجارة كبير، وهؤلاء لم يتقدموا ببلاغات». ويضيف: «جميع من تقدموا ببلاغات من صغار المتعاملين»، الأمر الذي أكدته غالبية من تواصل معهم «مدى مصر».

أحد كبار التجار من عملاء أبو الريش، طلب عدم ذكر اسمه، قال لـ«مدى مصر»، أنه أودع لدى أبو الريش «سيارات وأموال نقدية بقيمة 12 مليون جنيه»، إلا أنه لم يحرر محضرًا، ليس تجنبًا للتندر على تاجرٍ معروفٍ في المجتمع المحلي، إنما «خوفًا من سؤال الجهات الأمنية عن مصادر الأموال». ويؤكد «أموالي حلال، لكنك تعلم، لا أحد يرغب في الاحتكاك بالدولة لأي سبب». فكر للحظات ثم عاود الحديث: «وأيضًا لأنني ربحت من وراء أبو الريش، حيث أنني من أوائل من استثمروا معه، فقلل الربح من خسارتي، الخسارة الضخمة لحقت بمن استثمروا مؤخرًا، أو راهنوا برؤوس أموالهم وليس مدخراتهم».  

وكما يقول العميل، لم يربح الجميع من أبو الريش. يحكي سائق ميكروباص في موقف المدينة الرئيسي: «امتلكت هذا الميكروباص الذي أمامك»، وأشار نحو ميكروباص حديث الصنع، ثم استرسل يحكي قصة خسارته إياه: «اشتريته بمدخرات عدة سنوات عملت خلالها في الخليج، كان مصدر رزقي الوحيد، قبل أن أبيعه إلى أبو الريش دون الحصول على ثمنه. انتقل الآن إلى يد أحد مالكي الميكروباصات بالموقف، والذي يشارك في معرض سيارات كذلك، بينما انتقلت للعمل كسائق ميكروباص يملكه زميلي، مقابل أجر يومي». وتابع: «كثير من السيارات تكدست لدى عدد محدود من التجار، بعضهم خارج المدينة وآخرون داخلها»

اقترب أبو الريش من رجال أعمال ومشاهير محافظة أسوان، وظهر في مراسم المحافظة المتعددة لاستقبال ضيوف آخرين، ومع مجلس إدارة نادي أسوان، وفي جامعة المحافظة مُكرمًا طلابها، وصولًا إلى درع وصورة مع المحافظ. 

فقط، قبل ثلاثة أشهر من القبض عليه، حصد أبو الريش درع المحافظة من محافظ أسوان، اللواء أشرف عطية. الواقعة يبررها محامي أبو الريش بمساهمة موكله في «إنجاح فعالية زيارة الرئيس السيسي للمحافظة لتفقد أحوال متضرري السيول، نهاية نوفمبر 2021، لذلك كرمه المحافظ مع رجال أعمال آخرين، تقديرًا لمساهمتهم في إظهار المحافظة بصورة مشرفة أمام الرئيس وضيوفه». 

ورغم عدم معرفته بطبيعة مساهمة موكله وحجمها، أكد المحامي تبرع أبو الريش بالفعل لصندوق تحيا مصر، كما أُشيع.

حاول «مدى مصر» مرارًا التواصل مع المسؤول الإعلامي لمحافظة أسوان، للسؤال عما أُثير حول علاقة أبو الريش بالمحافظ، وزيارة الرئيس، وصندوق تحيا مصر، لكنه لم يرد على اتصالاتنا. 

خرج مخطط أبو الريش عن السيطرة، عندما انتشر الوسطاء بين «المستريحين» والمودعين السمسرة، في ظاهرة أقرب إلى التسويق الشبكي. لحظتها استيقظت جهات الدولة الرقابية، بعد شهور من احتكار «المستريحين» للعديد من الأسواق أمام أعينها، ووضع اليد على أراضي الدولة، وتحويلها لمعارض سيارات، وتجريف أراضٍ زراعية لإقامة حظائر للمواشي، تلك الأراضي، التي امتدت لمساحات شاسعة، ظلت صفحة المحافظة الرسمية على فيسبوك تعلن عن إزالة التعديات على آلاف الأمتار المربعة منها، قبل أيام من القبض على «المستريحين»، واستمرت لأيام بعدها. 

بحسب محامي أبو الريش، لم توجه النيابة لموكله أي اتهامات، وكذلك باقي «مستريحين» أسوان، حول وضع اليد على أراضي الدولة، أو تجريف بعضهم للأراضي الزراعية. ولم يُستدعَ أيًا من رجال الدولة والمشاهير، التي ذُكرت أسمائهم في الأزمة، ولو حتى للشهادة.  

بينما انطلق الخيال الشعبي ليسد فجوات القصة، حيث يتصور معظم من تحدث «مدى مصر» معهم، أنها عملية سطو على أموالهم أدارها النظام، بعضهم يبالغ ويتهم الرئيس شخصيًا، بحجة حديث الإعلام المقرب من النظام عن أن «البلد فيها فلوس» دائمًا، كما على لسان الرئيس نفسه

يقول أحد الأهالي: «علم أن أسوان بها فلوس فأرسل من يسرقها». شطحات مغالية، لكن ماذا يصنع الخيال الشعبي أمام حدوتة مليئة بالفجوات؟

أهالي قرية أبو الريش كانوا الأكثر تضررًا. فبعد دعوات أطلقها المتضررون على مجموعات عبر فيسبوك، نظم البعض وقفة احتجاجية أمام معرض أبو الريش. وعقب انتهاء الوقفة، قبضت الشرطة على 26 مواطنًا من أهالي القرية والقرى المجاورة. حصل «مدى مصر» على نسخة من محضر ضبطهم. 

ذكر أحد أهالي القرية، طلب عدم ذكر اسمه، أن «الشرطة ألقت القبض على المواطنين من قريتي أبو الريش بحري وقبلي، من أمام المقاهي، والمنازل، والنواصي، جميعهم من أهالي القرى وليسوا غرباء. ولم يكن أي منهم مودع أمواله لدى محمود أبو الريش، باستثناء أحدهم، والذي لم يحرر محضرًا. القبض كان عشوائيًا: قُبض على العائدين من أعمالهم إلى القرية أثناء عبورهم مدخلها، حيثوا نصبت الشرطة كمينًا ثابتًا». يُكمل: «أحد من ألقي القبض عليهم قاصر»، وهو ما تأكد منه «مدى مصر» بحصوله على نسخة من الصحيفة الجنائية المرفقة بمحضر الضبط. 

حسب رأيه، لا ينكر المصدر انتفاع بعض سكان القرية من وراء نشاط أبو الريش، لكن باستثناء المناديب والسماسرة، كانت المنافع بسيطة لباقي أهالي القرية، لم تتجاوز غسيل السيارات المصطفة أمام المعرضين، والانتفاع من رواج البيع الذي أحدثه زخم الزبائن أمامهما.  

يضيف: «العديد من أهالي القرية هجروها مؤقتًا لحين استقرار الأمور، وتجنب الاحتكاك بقوات الشرطة، التي تتواجد بشكل شبه دائم في القرية، وتشدد قبضتها عندما تقترب مواعيد محاكمة أبو الريش وإخوته، أو عودة دعاوى الاحتجاج في مجموعات المتضررين على فيسبوك».

انتشرت شركات توظيف الأموال في مصر خلال السبعينيات، مدفوعة بالدعاية الرائجة في ذلك الوقت بشأن تحريم فوائد البنوك باعتبارها ربا. وبعد تراجع الظاهرة منذ التسعينيات، عادت مؤخرًا عبر قضية أحمد مصطفى، الملقب بـ«ريان الصعيد»، في 2015، والذي جمع أموالًا تقدر بـ2 مليار جنيه من بعض أبناء محافظتي قنا والأقصر. بعدها، توالت قضايا «المستريحين» في جميع محافظات مصر بوتيرة متسارعة، أو على الأقل زاد التركيز الإعلامي عليها، والذي حصرها في ثنائية محتالين وبسطاء.

يُدين الكاتب والسياسي، محمد نعيم، في حديث مع «مدى مصر» التفسيرات الثقافية لظاهرة «المستريحين»، التي تلوم الضحايا على جهلهم، باعتبارها «تفسيرات لا ترغب في تحمل المسؤولية على المستوى الذهني، ومناقشة مسألة إدماج اقتصاديات الريف والأطراف في عملية رسمية، باعتبارها أزمة اقتصاد وطني، وطريقة إدارته، وإدارة موارده، وعلاقته بالتنظيم الاجتماعي، الذي يجعل الناس تدير أموالها وفقًا لآلية حديثة، نتيجة أن هناك أزمة عقد اجتماعي وتحديث قديمة في مصر». 

يضيف نعيم: «بدلًا من مواجهة مشكلة التخلف ذاتها، تلوم تلك الخطابات المتخلفين على حالهم بخطابات استعلائية من نوعية: إنهم لا يفهمون أسس الاقتصاد، أو إنهم فلاحون جهلاء، أو صعايدة اعتادوا شراء ميدان العتبة الخضراء٬ دون تعامل جاد مع مشكلة تخلف البنية الاقتصادية ككل، والتبادل السلعي داخل المجال الوطني للتبادل، وعملية تنظيمه. وهذا بالتعريف مسؤولية من يديرون الاقتصاد، أي السلطة المباشرة، والطبقة الاجتماعية المهيمنة، والمركز الجغرافي المهيمن».  

يرى نعيم أن تقديم الدولة لرواد أعمال محاطين بالسرية، أو رعاية عمليات تبادل اقتصادي غامضة قد يعزز ظاهرة «المستريحين» في الأقاليم، لأن مشكلة هذا النظام أنه «لم يخلق طبقته الرأسمالية المعلومة للمجتمع، فمثلًا رجال أعمال عهد السادات، أو مبارك، أو رجال مشروع توريث نجله جمال مبارك، كانوا معلومين للمجتمع خلال سنوات محدودة، معروفين من خلال استثماراتهم، وحضورهم في الحياة العامة، والأعمال الخيرية. بينما مر على النظام الحالي ثماني سنوات ولم يبلور طبقة رجال أعماله الجدد، هذا على مستوى الكبار، أما بالنسبة لقطاعات أبسط من الناس، يصبح اقتراب شخص ما في مجتمعهم المحلي من رجال السلطة كافٍ للاستحواذ على ثقتهم، ومن ثم أموالهم، ولو كانوا مجهولين لهم كتجار كبار».  

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن