تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
فهرس المقال
من رام الله وبيروت ومقديشو: الحرب كما لم يروِها الذكور 

من رام الله وبيروت ومقديشو: الحرب كما لم يروِها الذكور 

قراءة في 3 أفلام من الدورة الثامنة لـ«أيام القاهرة السينمائية»

كتابة: ناهد نصر 26 دقيقة قراءة

في عالم على حافة الانهيار، تتحمل النساء العبء الأكبر، كونهن في قلب العاصفة، يدفعن الثمن مرتين: مرة عن أنفسهن، ومرة عن الجميع. في ثلاثة أفلام مختلفة السردية، متشابهة في البنية العاطفية والاجتماعية، تبرُز النساء ليس كضحايا، بل كفاعلات يواجهن المنظومات القامعة بوعي يتشكل في قلب الألم. «شكرًا لأنك تحلم معنا» للمخرجة الفلسطينية ليلى عباس، و«القرية المجاورة للجنة» للمخرج الصومالي مو هراوي، و«مثل قصص الحب» للمخرجة اللبنانية مريام الحاج.

هذه الأفلام، التي عُرضت في الدورة الثامنة لأيام القاهرة السينمائية، تقدم منظورًا نسويًا للبطولة، حيث لا تُطرح قضية المرأة بمعزل عن المجتمع، بل كعدسة لفهم آليات تشكيل القيم وتغييرها. ففي حين تُرسم البطولات في أفلام الحروب عادةً على هيئة رجال يحملون السلاح، ليحصدوا المجد، تخوض النساء حربًا يومية صامتة في مجتمعات ترفض الاعتراف بهذه المعركة.

النساء في هذه الأفلام يحملن الحكايات كناجيات يسعين لإبراز وجودهن الكامل في عالم يعاقبهن على رغبتهن في النجاة. يتسللن إلى عمق الخراب ليكشفنه، ويقفن في مركز الصراع كراويات، مقاومات، وشاهدات.

لا تكتفي هذه الأفلام بتصوير معاناة النساء، بل تُفكك المنظومات الذكورية التي تجعل هذه المعاناة مستمرة ومقبولة. ورغم اختلاف الجغرافيا والتفاصيل، يظل الخيط النسوي رابطًا قويًا يجمع هذه القصص.

«شكرًا لأنك تحلم معنا»: المقاومة تبدأ من الداخل

من فيلم «شكرًا لأنك تحلم معنا»

في فيلم «شكرًا لأنك تحلم معنا»، تتخذ المخرجة الفلسطينية ليلى عباس من قضية ميراث معتادة، ذريعة لتفكيك النظام الأبوي المتجذر في تفاصيل الحياة اليومية. شقيقتان تحاولان نقل تركة والدهما قبل أن يعلم أخوهما بوفاته، لأن القانون يمنحه نصفها بصفته ذكرًا. لكن الحكاية لا تدور حول المال بقدر ما تدور حول الذنب، التواطؤ، والتحول. حصد الفيلم جائزة النجمة الذهبية في مهرجان الجونة، وجائزة أفضل إخراج في مهرجان سالونيك، وتُوّج مؤخرًا بجائزتي أفضل فيلم وأفضل مخرجة في جوائز النقاد العرب على هامش مهرجان كان 2025. الفيلم من بطولة ياسمين المصري، كلارا خوري، وكامل الباشا، ومن إنتاج حنا عطا الله.

يُقدّم الفيلم أكثر من مجرد استعراض لقضايا الشريعة والميراث، بل هو غوص مؤلم وعميق في وجود النساء داخل منظومة ذكورية صُمّمت بعناية فائقة لحماية مصالح المستفيدين منها. هذه المنظومة الأبوية المتجذّرة لا ترى المرأة ككيان مستقل بذاته له حقوقه ورغباته، بل تختزلها في «وظيفة» أو دور اجتماعي محدد سلفًا ومفروض عليها. تجسّد الشقيقتان، نورا الصغرى ومريم الكبرى، كغيرهما من نساء الفيلم، قمة العطاء والرعاية التي تُقدّمها المرأة غالبًا، لكن لحظة «القسمة» الحاسمة، المتمثلة في الميراث، تكشف عن الحقيقة الصارخة والتشوه الأعمق: فمبدأ «للذكر مثل حظ الأنثيين» ليس مجرد قانون جامد، بل هو أساس لظلم بنيوي متأصل. تتجسّد هذه الصورة النمطية للأم الحنون والزوجة الصابرة في نسخ يُعاد إنتاجها باستمرار في المجتمع، وكلما حاولت امرأة الخروج عن هذا النمط المفروض، تُصبح متّهمة بالتمرد والعصيان.

تختار ليلى عباس أن تحكي عن الذل العميق، والميراث المسروق، والعائلة المُفككة، من خلال نبرة ساخرة وذكية. هذه السخرية لا تنكر الوجع، بل تُعمّقه بتأجيله، فالكوميديا هنا ليست تهربًا من المواجهة، بل خطة ذكية لتهريب الحقيقة المُرة إلى عقل المشاهد دون مقاومة أو رفض مباشر. في مجتمع لا يحتمل صوت المرأة حين تشكو بصراحة، غيّرت عباس نبرتها لتستفز الوعي دون أن تنفّر المتلقي. اختيارها للكوميديا ليس تنازلًا عن القضية، بل طريقة مبتكرة لقول الحقيقة في زمن لا يسمح بقولها صريحة، ما يجعل الفيلم ممتعًا ومسليًا للوهلة الأولى، لكنه يترك أثرًا عميقًا ومستمرًا في الوعي.

تُظهر ليلى عباس ببراعة كيف يرى المجتمع المرأة عبر هذا الإطار الموروث والتقليدي، ليس فقط من الخارج في شكل نظرات وأحكام، بل يتسلل هذا التشويه ببطء وقسوة إلى وعيها الداخلي. حتى النساء أنفسهن، وبشكل لا إرادي أحيانًا، يشاركن في تأبيد هذه الصورة النمطية، يتجلى ذلك بوضوح في مشهد الجارة التي تحرض مريم على الإكثار من «السمن البلدي» بدلًا من الطلاق للتعامل مع زواجها الخانق، في إشارة إلى القبول الضمني بالخضوع للمنظومة أو الاستسلام للنظرية الدارجة «قوة النساء في ضعفهن»  بدلًا من مواجهتها بشكل مباشر وصريح.

آليات القمع

يتعمق الفيلم بشكل مؤلم في آليات القمع المعقدة التي تستخدمها المنظومة الذكورية لإخضاع المرأة: ازدواجية المعايير الفاضحة، شعور الذنب الذي يُزرع فيها، والتواطؤ الناعم الذي تُجبر عليه. في واحدة من أكثر لحظات الفيلم رعبًا وهدوءًا في آن واحد، يقول الخال لنورا عبارته: «الشرع يمشي على الجميع، واللّي يمشي على الجميع ما بيزعل حدا»، هذه الجملة تبدو نموذجًا مثاليًا للعدالة لكنها في الحقيقة رأس حربة الهيمنة الذكورية المقننة. ومثالًا نموذجيًا على الطريقة التي يُستخدم «الشرع» بها كمبرر جاهز ومقنّع لإقصاء النساء عن تقرير مصيرهن، مع إخلاء مسؤولية الرجال تمامًا عن أي ظلم يقع. فالذكورة لا تظهر في الفيلم كعدو واضح وصريح، بل كمنظومة كاملة مغلفة بعبارات مثل «هذا هو العدل»، و«هذا ما أمر الله به»، و«هذا قانون الأرض والسماء».

لكن الفيلم، ومن خلال شخصية نورا الثائرة، يفتح كوة أمل صغيرة في هذا الجدار الصامد. فنورا، التي تدرك تمامًا من أين تأتي الهيمنة وتعرف مصادرها، لا ترد على الخال بخطاب ديني مضاد، بل تفضحه ببساطة لغتها الفطرية: «ما بيزعلش المستفيد منه، خالي». وهنا تنقلب الآية وتتغيّر المعادلة. فالشرع لا «يمشي على الجميع» بالعدل، بل يمشي على النساء فقط حين يكون لصالح الرجال. الفيلم يضعنا أمام واقع سياسي وديني واجتماعي معقد، حيث الذكر يرث الأرض والثروة، والمرأة ترث الذنب والثمن.

الذنب هنا ليس شعورًا عابرًا أو لحظيًا، بل هو نظام متكامل لإخضاع النساء وترويضهن. فهو لا ينبع من فعل خاطئ ارتكبته المرأة، بل من وجودها نفسه: ذنب تجاه الزوج إن لم تكن تكفيه، أو لم تحتفظ به، أو لم تتحمل نزقه وخيانته وصراخه. ذنب تجاه الأب إن لم ترعه كما يجب، أو حتى إن رعته، أن تطالب بشيء من ماله بعد وفاته، فتُتَّهم بالجحود والنكران. وذنب تجاه الوطن إن تساءلت عن تركة أو طلبت الطلاق بينما فلسطين لم تتحرر بعد، فتُصبح هي نفسها الخيانة الصامتة التي تضعف المعركة الكبرى. تسأل الشقيقة الكبرى مريم بوضوح ساخر: «لازم أستنى تتحرر فلسطين علشان أتطلق؟»، في سؤالها هذا تلخّص كيف يتحوّل الوطن بقدسيته إلى حاجز إضافي أمام النساء، يُستخدم لتأجيل حريتهن إلى أجل غير مسمى. نورا، من جهة أخرى، تحمل ذنبًا من نوع مختلف: ذنب الوعي. تعرف أن محاولتها كسر نمط الاستنزاف «غير مقبول» مجتمعيًا، لكنها تفعله بشجاعة. الذنب الذي تحمله نورا ليس شعورًا بسيطًا، بل تكلفة معرفية باهظة. كلما عرفت أكثر، شعرت بالذنب أكثر، لأنها ترى الوهم الذي عاشت فيه أمها الراحلة، وتعيشه أختها الكبرى، وزوجة خالها، وجارتها، لكنها لا تستطيع إنقاذ الجميع. يلمّح الفيلم طوال الوقت أن هذا الذنب مُلقّن، مبرمج، ومتوارث عبر الأجيال. كل امرأة تحمل شيئًا منه، وهو لا يُستخدم كوسيلة تأنيب فقط، بل كوسيلة تأجيل: تأجيل الطلاق، تأجيل المطالبة بالحقوق، تأجيل الانفجار في وجه الظلم. وهكذا، يُصبح الذنب ليس شعورًا عاطفيًا، بل أداة سيطرة اجتماعية ناعمة وقاتلة.

تقول مريم لابنها بعد قرارها الجريء بالطلاق: «من اليوم ورايح، ما في صراخ، ولا تسكير أبواب»، هي لا تتحدث فقط عن تغيير نظام داخل البيت، بل عن قرار بكسر دورة الذنب المزمنة. أن تتوقف عن تحميل نفسها كل ضجيج الحياة ومعاناتها، وتبدأ في رسم حدود جديدة للسكوت وللكرامة وللحب. وفي النهاية، الفيلم لا يلوم النساء على شعورهن بالذنب، كما لا يعتبره جزءًا من فطرتهن، بل يقول إن المجتمع يدرّبهن على الإحساس بالذنب، حتى لا يطالبن بما لا يُسمَح لهن أن يطلبنه. وأن أول خطوة في التحرر هي أن تنتبه المرأة للحبل الملفوف حول عنقها وتقطعه بشجاعة.

مشهد العزاء في «شكرًا لأنك تحلم معنا» لا يُقدَّم كحدث اجتماعي مألوف للعزاء التقليدي، بل كلحظة معلّقة بين الخوف والانتظار الذي يُنذر بالسوء. الكاميرا لا تلتفت إلى الفقيد، بل إلى النساء اللاتي يتحرّكن داخل البيت كأنهن على وشك الطرد المفاجئ. المكان مزدحم بالمعزّين، لكن التوتر يسكنه بعمق. النساء كثيرات، لكن الوحدة المطلقة تطل من عيونهن. كل واحدة تمشي بحذر شديد، كأن الأرض تحت أقدامهن قابلة للانهيار في أي لحظة. الإضاءة خافتة، والظلال تملأ الزوايا، والأجساد تتنقّل بتردد وخوف. الجو يوحي بكارثة لم تحدث بعد، لكنها قادمة لا محالة. المخرجة تستدعي مناخ لوحة «الجورنيكا» لبيكاسو دون قول ذلك حرفيًا. في اللوحة كما في المشهد، الخوف ليس من شخص محدد أو عدو ظاهر، بل من فقد السيطرة الكامل، من انكشاف الحقيقة، من قرار يمكن أن يُقصيكِ من مكانك تمامًا. حين تسأل الجارة: «هل ممكن يطردوني؟»، فهي لا تعني البيت فقط، بل مكانتها ووجودها ككل في هذا النظام الذكوري. مريم ونورا لا تبدوان صاحبتَي العزاء الحقيقيتين، بل من ضيوف هذا المجتمع القابل للطرد والنبذ. عودة الأخ المرتقبة تهدد موقعهن، لا لأنه يملك الحق الأخلاقي، بل لأنه ببساطة يستطيع فعل ذلك بالقانون والقوة. المشهد يختنق بالصمت المطبق، لا أحد يصرخ، لكن كل شيء يوحي بأن الصرخة موجودة، ومحبوسة في الأعماق. وهذا هو الرعب الحقيقي: أن يكون العزاء ليس على الأب المتوفى، بل على ما تبقّى للنساء من هامش وجود وحرية.

التواطؤ الناعم مع القهر

من فيلم «شكرًا لأنك تحلم معنا»

لا يقع الفيلم في فخ تبسيط الثنائية التقليدية: رجال ظالمون ونساء مظلومات. بل يذهب أبعد من ذلك، إلى المساحة الرمادية المعقدة التي تتواطأ فيها النساء –عن وعي أو عن جهل– مع قهرهن الخاص. هذا التواطؤ لا يأتي من خُبث أو سوء نية، بل من التكرار المستمر للظلم، من الإرث الاجتماعي الثقيل، من الخوف العميق، ومن الضربات المتتالية التي جعلت النساء حارسات للنظام الذي يجرحهن ويؤلمهن. مريم نفسها، قبل تحوّلها الدرامي، تُمثل هذا التواطؤ الناعم. ترى نفسها جزءًا من القصة الكبرى: الزوج، الأبناء، الوطن. تقول لأختها: «إسرائيل هاتمنعنا بعد شوي نطلع راسنا برة رام الله... التمانين ألف هدول اللي حيظبطولي حياتي؟» جملة محمّلة باستهانة ذاتية، وكأن مريم تقول: «ليس من حقي أن أطالب بأمور تافهة ونحن في منتصف حرب كونية كبرى». هذا التواطؤ القاسي، المقنع بالتواضع والتضحية، هو ما يقصف عمر النساء بصمت مروع. لكن الفيلم لا يدينهن، هو فقط يضع المرآة أمامهن، ويترك للنساء أن يرين أنفسهن داخلها ليكتشفن دورهن حتى دون قصد في إعادة تدوير الكارثة. التحوّل لا يبدأ من رفض الخارج فقط، بل من كسر هذه الحلقة الداخلية. وهذا ما تفعله مريم بشجاعة. ولهذا، فإن الفيلم لا يقدمها ضحية مستنيرة من البداية، بل امرأة وعت مشاركتها في الخضوع، وقررت أن تنهي هذه الوراثة المؤلمة.

أما الرجال في «شكرًا لأنك تحلم معنا» فلا يُقدمون كخصوم مباشرين يمكن محاربتهم، بل كظلال ممتدة لمنظومة أعمق وأكثر تعقيدًا من أي شخصية فردية. كلهم يشكّلون لوحة فسيفساء من أنماط الخذلان الذكوري، لا بالصراخ والعنف المباشر، بل بالبُعد، الصمت المطبق، الاستحقاق الدائم، والنظرة الفوقية. الخال هو النموذج الأكثر سكونًا وخطورة. جلس في بيته برام الله يشاهد نشرة الأخبار يهز رأسه تعاطفًا، ويردد: «لا إله إلا الله»، لكنه يخذل ابنة أخته حين تلجأ إليه طلبًا للمساعدة، بحجة الشرع. يرى الظلم الواقع على الفلسطينيين ويشجبه، لكنه لا يرى الظلم الذي يرعاه بنفسه داخل بيته. أما زوج مريم فيشارك بنشاط في تقويض زوجته، يسخر من تربيتها لأبنائها، يخونها، ويتعامل مع بيت الزوجية كأنه نزل مؤقت. لا يشرح، لا يعتذر، لا يفسر. بينما الأخ الغائب فعليًا عن المسؤولية الحاضر باستحقاقه الوراثي فيقول لأخته عبر الأثير ساخرًا من رغبتها في الطلاق: «هي أمك عمرها كانت مبسوطة؟»، وكأن البؤس وراثة حتمية، وكأن على النساء أن يكتفين بالحد الأدنى من الحياة لأنه ما من بديل أفضل. أما عشيق نورا فهو الأكثر شفافية في انحطاطه، يخون زوجته، ويحتقر مطالبة الأختين بحقهن في الميراث. هو المثال الصارخ للذكورة التي تعيش بكل تناقضاتها بلا خجل، وتطلب من المرأة أن تكون فاضلة ومثالية حتى وهو يخونها علنًا.

الفيلم لا يُساوي بين كل هؤلاء الرجال، لكنه يقول بوضوح: خذلان الرجال ليس واحدًا في طبيعته، لكنه دائم التكرار في صوره وأشكاله. الوجوه تتغير، لكن الآلية ثابتة: الرجل لا يحمي، لا يسمع، لا يعترف، لا يتنازل عن امتيازاته. وما تفعله ليلى عباس هو أنها تقصّ هذه الوجوه مثل أوراق الكوتشينة: كل واحد له دوره المحدد، لكن اللعبة واحدة والنتائج متشابهة. النساء وحدهن يلعبنها بحذر وخوف بينما الرجال يستريحون على الأرائك المريحة، في الظلال، مستفيدين من كل شيء، دون أن تُلطّخ أيديهم بشيء من المعاناة.

جيل جديد: أمل يتشكل من رحم المقاومة

في «شكرًا لأنك تحلم معنا»، لا ترفرف أعلام المقاومة الوطنية بوضوح، ولا يظهر المحتل الإسرائيلي صراحة على الشاشة، لكن رام الله حاضرة بقوة كجرح مفتوح ينزف ويسري في خلفية كل مشهد. الاحتلال الخارجي غائب كفعل مباشر، لكنه موجود كظل ثقيل يُلقي أثره على كل تفاصيل الحياة. هذا خيار واعٍ ومقصود من المخرجة لعدم السماح للاحتلال بابتلاع السردية الرئيسية التي تخص النساء، لتتناول بدلًا من ذلك احتلالًا من نوع آخر: احتلال الجسد، والميراث، والصوت. يقيم الفيلم توازيًا دقيقًا ومؤثرًا بين نظامين قمعيين: أحدهما يحمل السلاح ويحتل الأرض بالقوة الغاشمة، والآخر يرتدي عباءة الشرع ويصادر الإرث والقرار من الداخل. إنها ليست مقارنة عاطفية سطحية، بل رسم دقيق لخط مواز يوضح أن المرأة الفلسطينية تُقمع من داخل منظومتها الاجتماعية، وتُمنع من امتلاك صوتها الحر حتى في غياب المحتل الظاهر.

الإدراك والمقاومة يتجاوزان القمع الخارجي وينبعان من الداخل، فعلى الرغم من الشك العميق الذي يزرعه الواقع القاسي، لا تبقى النساء في هذا الضعف. يبرز التحول عبر أفعال بسيطة لكنها رمزية وعميقة: فعندما تمسك مريم بمفاتيح السيارة وتقودها، لا تخص القيادة المركبة فقط، بل هي استعادة لسلطة داخلية ضائعة، وكأنها تستعيد زمام حياتها نفسها. أما نورا، الأخت الصغرى، فتتحرك بثقة من يفهم اللعبة جيدًا ويلعبها بشروطها الخاصة، حين تطلب من الشباب المتجمهرين احتجاجًا على الاحتلال السماح لها بالمرور بعبارة «بدي أروح عالحمام»، يفسحون لها الطريق فورًا، لا احترامًا لشخصها، بل حماية لرمز «الأنوثة» الذي يدّعون وصايته عليه. هنا، تستعير نورا هذا الرمز بذكاء خارق لتخترق الحائط وتفكك النظام من داخله باستخدام أدواته الخاصة. مثال آخر للمقاومة الناعمة يظهر عبر موظفة البنك التي تعترف لمريم بهمس شخصي ومؤثر: «أنا عندي أخوات بنات، ما عنّا أخوة... لما مات أبوي، طلعولنا عمي وأولاده متل الدبان». هي لا تخرق القانون بوضوح، لكنها تخلخل سلطته، وتفتح نافذة تضامن نسوي غير معلن، يعتمد على لحظة فهم عميق لا يحتاج إلى شعار أو خطابات. إن التحول الحاسم في الفيلم يحدث داخل النساء أنفسهن، إذ يتغير وعيهن بالواقع، بينما يظل العالم الخارجي على حاله، رافضًا أن يتغير. هذا التحول لا يبقى حبيسًا داخلهن، بل ينجب جيلًا جديدًا من الذكور المختلفين، كابن مريم الذي لم يعد مجرد انعكاس لأب قاسٍ أو نموذج ذكوري تقليدي، بل مؤشر على لحظة وعي جديدة، واعترافه لخالته نورا بمقاومته للاحتلال يكشف عن حقيقة أعمق، ويجعل نورا، التي لم تعد ترى في الذكور إلا خذلانًا متكررًا، تسمح لنفسها ببعض الأمل والرومانسية المكبوتة. هذا الجيل الجديد ليس بطلًا تقليديًا يرفع السلاح، لكنه علامة طريق واضحة: التحول في النساء لا يغير العالم الخارجي فحسب، بل يغير من سيرثه أيضًا. وهنا يكمن المعنى الأعمق للبطولة النسوية: ليس بالصراخ أو انتزاع الحق بالقوة الغاشمة، بل بإعادة تربية الحياة نفسها، وتشكيل جيل جديد أكثر وعيًا وإنسانية.

«القرية المجاورة للجنة»: صناعة الأمل في حضرة الموت

من فيلم «القرية المجاورة للجنة»

«القرية المجاورة للجنة» للمخرج الصومالي مو هراوي، أنشودة بصرية شديدة الرهافة عن عائلة صغيرة في قرية صومالية تبحث عن حياة كريمة وسط العواصف الجغرافية والاجتماعية. مامارغادي حفار قبور محطم، يرعى سيجال الذي ماتت أمه، بصحبة شقيقته المطلقة أراويليو، التي تفتش عن الأمل في أحضان الموت. 

هنا، لا تتصارع الشخصيات مع الحرب فقط، بل مع خيبة المجتمع نفسه. ففي قرية نائية تُدعى «الجنة» ولا تُشبهها في شيء، يبني الفيلم عالمًا تهيمن عليه رائحة الموت، وتغلفه غارات الطائرات المستمرة، وتهدده قسوة الجغرافيا وعشوائية الأقدار التي لا ترحم. ومع ذلك، وسط هذا الركام والخراب، تنبعث النساء كأصوات الحياة الوحيدة التي لا تخفُت في مواجهة الفقد والألم. إنهن لا يواجهن الحرب المباشرة، بل يواجهن ما تبقّى منها: الخيبة والخذلان والخراب اليومي، الذي يتسرب إلى تفاصيل الحياة، مُثبتات حضورهن كجوهر للبقاء.

يُخيم الموت على كل مشهد في الفيلم، لا بوصفه حدثًا مفاجئًا وصادمًا، بل كظل يومي يلازم كل قرار وحوار ونَفَس. السؤال هنا ليس عن «وجود الموت» الذي أصبح أمرًا مسلمًا به، بل عن معناه وتأثيره، وكيفية التعامل معه من منظور هؤلاء النساء الصامدات. فالموت ليس النهاية المطلقة، بل الإطار العام الذي يجعل الحياة فعلًا نادرًا واستثنائيًا يستحق الكفاح. كل خطوة صغيرة نحو البقاء، من مشروع مشغل الخياطة حلم بطلة الفيلم، إلى قرار التعليم الذي يفتح آفاقًا للأجيال القادمة بدافع من العَمة ومديرة المدرسة، إلى الانفصال عن شريك مؤذٍ، تصبح بطولية فقط لأن البديل الوحيد هو الاندثار والفناء، مؤكدة بذلك دور النساء المحوري في نسج خيوط الأمل وسط العدم. 

مو هراوي لا يستخدم الموت لاستدرار العطف من الجمهور، بل كخلفية فلسفية عميقة تبرز قوة الإرادة النسائية. وكما يقول في أحد لقاءاته: «أردت أن أُظهر كيف يعيش الناس في بلد مثل الصومال وهم يدركون أن الموت في كل زاوية، لكنهم لا يتحدثون عنه. فقط يتنفسونه». هذه الجمالية الحزينة تُحوّل الفيلم إلى مرآة حقيقية لبلد بكامله. أنه لا ينكر الحزن الذي يلف البلاد، لكنه لا يسمح له بأن يكون النهاية المطلقة، مؤكدًا أن بصيص الحياة دائمًا ما ينبض بفضل إصرار وقوة النساء.

قيادة أراويليو وصمت مامارغادي

في قلب هذا الواقع القاسي، فإن أراويليو، شقيقة مامارغادي بطل الفيلم، والبطلة الحقيقية التي تبرز رغم ظهورها المتأخر، لا تكتفي بالحلم المجرد، بل تخطط وتتحرك بفاعلية. تطلب الطلاق بإرادتها الحرة، تنشئ تجارة من العدم، تسترجع ديونها بالقوة والعزيمة، وتفكر في مشروع مشغل الخياطة كخطوة أساسية نحو استقلال مادي ومعنوي حقيقي. في مواجهة مع شقيقها الذي يسرق من صندوقها، لا تبكي ولا تتوسل، بل تهدده بالمغادرة قائلة بصلابة: «سأرحل إذا لم تتوقف عن سرقتي». هو يرد بلامبالاة قاتلة: «اذهبي إن شئت». هذا الحوار القصير والمكثف يختزل ديناميكية القوة والخذلان في علاقتها مع الرجال: هي تصر على حقها، وهو يستسلم لسلوكه السلبي.

حتى الطفل سيجال، رمز الجيل الجديد، فإن النساء وحدهن يدفعنه نحو الحياة بشتى الطرق. فمديرة المدرسة التي تضطر لإغلاقها بعد اختفاء جميع المعلمين، وحدها تدرك ما يملكه الفتى من قدرات كامنة. تنصح والده إرساله للمدينة ليواصل تعليمه «هنا لا مستقبل» تقول له، ليتحول مصير الطفل 180 درجة. ورغم غيابها، تبقى الأم الراحلة لسيجال واحدة من أكثر الشخصيات المؤثرة. هي لا تظهر في الأحداث بشكل مباشر، ولا نعرف عنها سوى من حكاية زوجها مامارغادي الذي اختارت الزواج منه لا عن حب رومانسي، بل كوسيلة لحماية ابنها، لتمنحه أبًا بديلًا يوفر له الأمان. لم يكن قرارها عاطفيًا، بل استراتيجي بحت، يعبّر عن عقل امرأة تفكر أبعد من حاضرها المباشر. وحين قررت مغادرة القرية، فعلت ذلك بحثًا عن مستقبل أفضل لابنها، وعندما حانت لحظتها الأخيرة في بلاد الموت المحقق لم تفكر إلا فيه. 

في قرية مكلومة مثل «الجنة» لا يُمثل الزواج خيارًا رومانسيًا، بل استراتيجية بقاء ضرورية. إنه صفقة غير متكافئة تسعى النساء لتعديل شروطها القاسية قدر الإمكان. فتتزوج بعض النساء في الفيلم سعيًا للخروج من المنزل، أو لحماية أطفالهن، أو لضمان مورد مادي تحجبه مؤسسات الدولة عن غير المتزوجات. الفيلم لا يُدين هذا «التحايل» بل يعرضه كذكاء اجتماعي تمارسه النساء بمهارة ضمن حدود منظومة لا تمنحهن الكثير من الخيارات البديلة. المنظومة الذكورية تُبارك الزواج التكتيكي لأنه يكرّس صورة المرأة ككائن تابع، لكنها قد تعاقب عليه بشدة إن كشف عن استقلالية المرأة الحقيقية، كما حدث مع أراويليو. عندما طلبت الطلاق، اكتشفت أن المرأة بلا رجل لا تملك حق التمتع بحقوق المواطن الكاملة. فالزواج هنا يصبح أداة تفاوض في نظام ظالم تستخدمه النساء، ليس لإيمانهن به كمؤسسة غرامية، بل كممر محتمل للنجاة، أو للتحرر، أو على الأقل لتأجيل السقوط المدوي. هكذا فعلت الزوجة الراحلة والدة سيجال، والشقيقة التي تحاول جاهدة التشبث بالأمل الأخير، مُظهرات قوة إرادة وقدرة على التكيف في وجه الظلم.

على الجانب الآخر، تتجلى شخصية مامارغادي كرمز للأبوّة التي فقدت بوصلتها تمامًا. لا يظهر بوصفه الحامي أو المعيل التقليدي، بل كرجل محطم من الداخل، يتوارى خلف مهنته كحفار قبور يدفن الموتى، بينما يدفن داخله قدرته على التواصل، والتفسير، والمواجهة مع الواقع. عندما قرر إرسال ابنه سيجال إلى المدرسة الداخلية، لم يخبره بالحقيقة الكاملة، فقط اصطحبه في سيارة، تركه هناك، وعاد بصمت. وعندما نصحته شقيقته أراويليو قائلة: «الصراحة أفضل، الولد له حق يعرف»، ردّ بجملة تلخص كل شيء: «هذه هي الطريقة الوحيدة التي أعرفها».

 الصمت في شخصية مامارغادي ليس خجلًا أو ضعفًا، بل سياسة راسخة، آلية بقاء قديمة تُفضل الإنكار على الشفافية. يشرح المخرج مو هراوي مقاربة لهذا النموذج الأبوي قائلًا: «لم أرد أن أُدين شخصياتي. أردت أن أفهمهم. مامارغادي مثل كثير من الرجال الذين لا يملكون لغة للتعبير عن مشاعرهم، فيستخدمون الصمت كدرع واقٍ». لكن حين يتحول الصمت إلى أداة هيمنة ناعمة وقاسية، فإن النية الطيبة لا تكفي لتبرير أفعاله. مامارغادي لا يمارس ضد ابنه عنفًا جسديًا لكنه يخذله عاطفيًا. لا يصيح في وجهه، لكنه يحجب عنه الحقيقة. لا يمنع الحب، لكنه لا يمنح الأمان النفسي. وعندما يعترف لأخته: «كلما ظننت أنني أفعل شيئًا جيدًا، أكتشف أنني أزيد الأمور سوءًا».

 يكون الاعتراف متأخرًا جدًا، وصوت الرجولة التقليدية قد صار مجرد صدى لا يُنقذ أحدًا. لا يقدم الفيلم نقدًا مباشرًا للأب كفرد، بل يقدم فشل نموذج بأكمله: نموذج الأب الذي لا يفهم نفسه، ولا يفهم أبنائه، لكنه مستمر في الإنكار والهرب. ومن هذا الفراغ العاطفي والخذلان، تبحث الشخصيات الأخرى، خاصة النسائية، عن طرق بديلة للبقاء، وللحب، وللبدء من جديد.

جدلية الستر/الدفن - الصراحة/ حياكة المستقبل 

من فيلم «القرية المجاورة للجنة»

في قلب السرد، يتقاطع محورا التربية والسلطة بعمق، ليطرح الفيلم سؤالًا حادًا: هل التربية بالستر حماية أم إخفاء للحقيقة؟ الأب في الفيلم يربي ابنه على «إغماض العينين» وتجاهل الفقد وتجميل الكذب، حتى في أكثر لحظات الصدمة قسوة، متعاملًا مع الموت كطقس يومي ومع الخوف كشيء يجب كتمه. على الجانب الآخر، تتجه أراويليو في الاتجاه المعاكس تمامًا، مُظهرةً وعيًا نسائيًا قويًا. تخبر ابن شقيقها الحقيقة كما هي، وتدعمه في واقعه الجديد بالمدينة، مُصرّةً على أن مواجهة الواقع شرط ضروري لفهمه. إنها تعيد تعريف الحماية لا كحجب للحقيقة، بل بإشراك الابن في فهم واقعه. فالصمت الأبوي ينتج الذعر والانفصال العاطفي، بينما الصراحة الأنثوية تفتح بابًا للثقة وتُعد وسيلة للتحرر والنضج العاطفي. يُلمّح المخرج مو هراوي إلى هذه النقطة الحاسمة، قائلًا إن الصراحة شكل من أشكال الحب العميق. في هذا السياق، تصبح الصراحة الأنثوية أكثر من مجرد فضيلة أخلاقية، بل خيارًا سياسيًا وتربويًا بامتياز، يكسر حلقة التواطؤ والخذلان ويفتح أفقًا لتربية جيل جديد لا يخاف الحقيقة، بل يواجهها بشجاعة، مُشكّلًا بذلك أساسًا لمستقبل مختلف.رغم أن الفيلم لا يرفع شعارات نسوية صاخبة، فإنه يرسم شخصية أراويليو كقلب نابض للفعل والقرار المستقل. إنها امرأة عادية تُمارس الوعي اليومي وتخوض معاركها الصغيرة بإصرار لا يتزعزع. تحوّلِها من عَمة مُحبة إلى قائدة ومحفزة يتشكل تدريجيًا عبر تراكم مواقفها الشجاعة: من طلب الطلاق، إلى تحدي شقيقها، إلى دعم سيجال وتعليمه، وصولًا إلى تأسيس مشروع مشغل الخياطة الذي يعد بالأمل. كل خطوة تقطعها تُحوّل وجودها من فردي إلى جماعي، من امرأة تسعى لحماية نفسها إلى امرأة تؤسس لبقاء أوسع للمجتمع. استقلال أراويليو المالي ليس رغبة في التحرر الشخصي فقط، بل مشروع بقاء جماعي شامل، يجمع بين الرعاية والمقاومة وخلق بدائل حقيقية. هي لا تواجه النظام كمعارضة صاخبة، بل كفاعلة تعرف كيف تتلاعب بقواعده لتفتح نافذة أمل في جدار مغلق بإحكام.

يقول مو هراوي عن شخصيتها: «أراويليو تمثل الأمل الذي لا يحتاج إلى صراخ. هي تفهم العالم، لكنها لا تستسلم له في ذلك». البطولة النسوية هنا ليست في المواجهة العنيفة، بل في الاستمرار والصمود، لا في كسر الجدار بالكامل، بل في شق طريق خلاله ببطء وثبات، يمر منه الأبناء، والبنات، وربما المستقبل كله، بفضل رؤية وقيادة نسائية.

في الفيلم، تتحول المهن من مجرد وظائف يومية إلى رموز عميقة للهوية والانتماء والمقاومة. حفر القبور ليس فقط وظيفة يمتهنها مامارغادي، بل استعارة مكثفة لنظرته الكئيبة إلى الحياة: كل شيء قابل للدفن، للصمت، للنهاية الحتمية. في المقابل، يظهر مشروع مشغل الخياطة الذي تقوده أراويليو كفعل حياة، كإرادة قوية لترميم ما انهدم. الانتقال من دفن الموتى إلى حياكة الأمل ليس انتقالًا ماديًا فحسب، بل تحوّل جذري في المنظور. حفر القبور يعني قبول الواقع والاستسلام، بينما مشغل الخياطة هو محاولة لإعادة تشكيل الواقع، وخلق نسيج جديد من أشلاء الحياة المتناثرة. هذا المشروع، وإن بدا متواضعًا في حجمه، هو في جوهره بيان مقاومة صريح: أن نبني داخل الركام، أن نحيك المستقبل بإبر صغيرة لا تُرى بالعين المجردة، أن نحوّل المعاناة إلى إنتاج. تقول أراويليو في أحد المشاهد: «أريد أن أفتح هذا المشغل ليكون لنا جميعًا».

هنا، يتضح أن استقلالها الاقتصادي ليس نزوة شخصية، بل تصور جماعي للبقاء تخلقه النساء. مشغل الخياطة لا يصنع فقط ملابس، بل يصنع عالمًا بديلًا، فيه عمل، وعلاقات إنسانية، وكرامة. يمكن اعتباره نموذجًا مصغرًا لفكرة الوطن البديل: وطن لا تحكمه الأسلحة ولا الهويات المفروضة، بل التعاون والمعنى. وفي هذا، تخلق أراويليو مساحة ثالثة، لا هي قبر، ولا هي جبهة قتال، بل ورشة حياة نابضة بفضل قيادتها النسائية.

سيجال: رجولة بديلة تنبع من الفضاء النسوي

من خلال شخصية سيجال، يرسم الفيلم ملامح أولية لرجولة بديلة،  ليست صاخبة ولا بطولية بالمفهوم التقليدي، لكنها قابلة للتشكّل في فضاء نسوي واع. سيجال ليس بطلًا خارقًا، لكنه ليس نسخة من أبيه أيضًا. إنه صبي يتأثر بصمت الأب الذي يخفي عنه الحقائق، لكنه يتعلم من صراحة عمته التي تدفعه نحو التعليم والمواجهة. هذه التناقضات تصنع رجولته على مهل، وتتيح له أن يختار طريقه. وجوده في نهاية الفيلم داخل مشغل الخياطة، بجوار أراويليو، لا يظهره كوريث للأب، بل كامتداد للمشروع النسائي. سيجال لا يُربّى على الإنكار، بل على الوعي. لا يُعدّ ليقود، بل ليفهم العالم من حوله بعمق. من هنا، لا يمثل سيجال قطيعة تامة مع النموذج الأبوي فحسب، بل هو ثمرة تربية أنثوية تؤمن بالمشاركة لا الهيمنة، وبالمعنى لا السطوة. هو ليس مجرد أمل، بل مؤشر: أن الرجولة، مثل الأنوثة، يمكن أن تُربّى من جديد. وهذا هو جوهر التحوّل الذي يطرحه الفيلم: ليس فقط أن النساء يصنعن الحياة، بل صنعن رجالًا مختلفين أيضًا، أكثر إنسانية ووعيًا.

«مثل قصص الحب»: حارسات الذاكرة

من فيلم «مثل قصص الحب»

في «مثل قصص الحب» للمخرجة اللبنانية ميريام الحاج، لا تبدأ البطولة من الشارع بل من داخل الذاكرة. نتابع ثلاث شخصيات: جمانة، جورج، وبيرلا جو، في سنوات الانهيار اللبناني بين الثورة والانفجار والكورونا. الفيلم لا يحتفي بالمقاومة الصريحة، بل بالبقاء. لا يقدّم المرأة كأيقونة، بل كذات تبحث عن صوتها بين الحطام. عرض الفيلم لأول مرة في قسم البانوراما بمهرجان برلين 2024، وهو من إنتاج ميريام ساسيني، وبطولة جمانة حداد، جورج مفارج، وبيرلا جو معلوف.

لا تظهر الثورة هنا بوصفها انفجار لحظة عابرة أو حدثًا تاريخيًا يُطوى، بل تتجلى كارتجاج مستمر لجسد منهك، يبحث بضراوة عن نبض حياة جديد يبعث فيه الروح بعد الانهيار. تبدأ الحكاية من انتخابات تُسرق علانية، لتمر بعد ذلك بثورة تُخمد ببطء وقسوة، وتنتهي بانفجار مرفأ مدمر يُشبه نهاية كل شيء، لكن المفاجأة تكمن في أنه ما من نهاية فعلية يمكن إعلانها في هذا السياق اللبناني المضطرب. فالمخرجة ميريام الحاج لا تسأل «من انتصر في هذا الصراع؟»، بل تطرح سؤالًا أقسى وأكثر عمقًا يلامس جوهر الوجود: «كيف نواصل البقاء ونتمسك بالحياة بينما كل ما حولنا ينهار ويتداعى؟» الفيلم لا يقدم الإجابة على هذا السؤال الملح كصرخة مدوية أو شعار جاهز، بل كمحاولة متجددة، مؤكدًا أن البقاء في حد ذاته فعل بطولي عظيم، يتطلب إصرارًا لا يتزعزع وعزيمة لا تلين.

داخل هذا السياق المؤلم والمقاوم، تتحول البطولة من حدث خارق أو إنجاز استثنائي يتم الاحتفاء به، إلى فعل يومي بسيط يتكرر بتفاصيله الصغيرة والكبيرة. فلا أحد يقف على منصة ليُتوج كبطل قومي، بل تمشي النساء بهدوء وثبات في الشارع، وفي عمق البيت، وفي حوار دائم مع ماض لا يموت أبدًا ومستقبل لا يولد بعد، كأنهما عالقان في فضاء زمني مجهول. 

جمانة حداد ليست بطلة لأنها فازت بمقعد انتخابي ثم أُقصيت منه، بل لأنها رفضت أن تصمت في وجه الظلم، وبيرلا جو ليست مجرد رمز للهتاف في التظاهرات الصاخبة، بل لأنها اتخذت قرارًا مصيريًا بالعودة إلى الشارع في لحظة حرجة كاد فيها الجميع أن ينكسر ويستسلم، حتى المخرجة نفسها، التي أوشكت أن تتخلى عن مشروعها السينمائي بعد انفجار المرفأ المروع، عادت إلى الكاميرا عندما خاطبتها جمانة بكلمات مؤثرة وعفوية: «تعالي، صوري، شوفينا وإحنا بنحاول نرجع من تحت الركام». الفيلم بذلك ليس وثيقة سياسية جافة، بقدر ما هو توثيق حسي وعميق لمشاعر أجيال كاملة تبحث عن مكان آمن لها وسط الركام الذي خلفته الأزمات المتتالية.

لا يقدّم الفيلم سردًا خطيًا تقليديًا يسير في اتجاه واحد، بل هو أشبه بموزاييك فني معقد من الحكايات المتشابكة والمتصادمة. تلعب فيه النساء دور المحفز الأساسي على الفعل، وعلى التذكر بعمق، وعلى المكاشفة الصادقة، بهدف البدء من جديد، في مواجهة محاولات التعتيم الممنهج وبناء مستقبل زائف على جروح موبوءة بالتجاهل والصمت المدمر. 

تلك الجروح التي يمثلها جورج، المحارب القديم، الذي يعيش حبيسًا في متحف ذكورته المتآكلة، حاملًا الماضي كسيف خشبي مكسور، يلوّح به في الهواء لكنه لا يضرب به أحدًا. يعيش في تبرير دائم لأفعاله، يبكي على ساقه المفقودة أكثر مما يعترف بضلوعه في عنف ماضٍ لم يُحاسب عليه أبدًا. يستدر التعاطف لكنه لا يقدّم توبة حقيقية أو اعترافًا بالمسؤولية. 

جمانة، في المقابل، سلاحها الفعال هو اللغة، تترافع عن جيل بأكمله، تكتب وتتكلم وتصرّ على الحضور الدائم، من قلب التغييب الإضطراري. هي لا تسأل «كيف» سنفعل ذلك، بل فقط «تفعل» بكل إصرار. لكن الأمل الذي تحمله جمانة هش بطبيعته، وفي لحظة ما، تهتز وتتعب وتكاد تسقط. وهنا يأتي دور بيرلا جو الحيوي. بيرلا، ابنة الانتفاضة بامتياز، هي صوت الشارع الصارخ، لا تقرأ من نص مكتوب، بل تصرخ بقوة من عمق الجرح. تمثل جيلًا أكثر غضبًا وربما أقل تنظيرًا، لكنه بالتأكيد أكثر حضورًا وفعالية، تتقدّم بشجاعة حين يتراجع الآخرون، تعيد الأمل حين يسقط كل شيء. ليست امتدادًا لجمانة وحسب، بل هي إجابة حية على سؤال المخرجة الأساسي الذي يتردد صداه: «من سيتكلم حين نصمت جميعًا؟»

 وحين تبدأ الكاميرا في التردد والخوف من المواجهة، تظهر بيرلا وكأنها تذكر الجميع أن الثورة ليست فقط حدثًا تاريخيًا، بل هي شعور عميق يجب أن يُعاد اختراعه يوميًا وبشكل مستمر. التركيب الثلاثي لهذه الشخصيات لا يخلق مقارنة سطحية بينها، بل مفارقة عميقة، فكل شخصية من هذه الشخصيات تقول شيئًا أساسيًا ومختلفًا عن بلد معلّق بين ندم الماضي، وغضب الحاضر، وأمل المستقبل.

التوثيق فعل مقاومة 

من فيلم «مثل قصص الحب»

على الجانب الآخر لا تقف المخرجة ميريام الحاج خلف الكاميرا كمجرد مراقب خارجي أو فنان محايد، بل تضع نفسها داخل المعادلة المعقدة للفيلم، وإن كان ذلك بصمت لافت ومؤثر. حضورها هو توتر مستمر وعميق بين رغبتها الملحة في الفهم الشامل للأحداث والخوف الكامن من التورط الشخصي فيها. حين تنفجر بيروت، تفكر بجدية في التوقف عن التصوير، وكأنها فقدت الثقة في جدوى الحكاية وسط ذلك الكم الهائل من الدمار. لكنها تستجيب لدعوة جمانة وتعود لتصبح الكاميرا ليست فقط أداة للتوثيق بل وسيلة لإحياء الأمل، وفعل مقاومة. وتتحول المخرجة نفسها إلى شخصية تتطور من الداخل مع كل مشهد، تتنقل بين جورج وجمانة وبيرلا، لا بوصفها مراقبة محايدة، بل بوصفها شاهدة أساسية وضامنة أن كل ما يقال ويُرى لن ينسى أبدًا. هي لا تسأل الأسئلة الفلسفية فقط، بل تعيشها بكل جوارحها.

في العلاقة المتوترة بينها وبين جورج، نرى صراعًا يبرز بوضوح: صراع الأجيال القديمة والحديثة، وصراع السرد التاريخي. جورج يريد أن يُحكى تاريخه المجيد كما يراه هو. تمجيد بلا نقد، ودموع بلا اعتراف بأي خطأ أو مسؤولية. لكنه يواجه مخرجة قوية لا تمنحه تلك الشرعية المبتغاة، فلا غفران يمكن أن يناله، ولا محو لماضيه، فقط مواجهة صامتة ومؤلمة مع ذاته. بينما تبني النساء حوله الحاضر بسكون وإصرار لا يتزعزع. 

يشبه جورج شخصية مامارغادي في القرية المجاورة للجنة، من حيث كونه الرجل الذي سُلبت منه أدوات الفعل فاستسلم لليأس، لكنه لم يتخلَّ عن امتياز السرد والحديث عن ماضيه. وكحال الرجال في «شكرًا لأنك تحلم معنا»، يواصل تبرير نفسه باستمرار بينما يغرق في لوم الآخرين بلا نهاية. كلهم رموز لذكورة تبحث عن تعاطف زائف لا استحقاق حقيقي. لكن الأهم من ذلك أن الفيلم لا ينتقم من جورج بطريقة مباشرة، لا يسخر منه ولا يفضحه علانية، فقط يضعه في مواجهة صامتة ومكثفة مع حاضر لا يخصه، مع نساء لا ينتظرن منه شيئًا.

شبكة القيادة النسائية 

في قلب «مثل قصص الحب»، لا تسير البطولة في خطٍ مستقيم ومنظم، بل في دائرة متواصلة تشبه دورة التنفس الطبيعية: تنهار واحدة وتسقط، فتمد الأخرى يدها لترفعها. تسقط جمانة في لحظة يأس عميق لكن بيرلا دون قصد أو تخطيط مسبق  تعيد إليها الأمل من جديد، بصوتها القوي، بجسدها الذي يملأ الشارع بالحركة، وبجرأتها الخام في مواجهة الردة. وبينهما، تقف المخرجة بثبات، تُوثق كل لحظة، تتأثر بما تراه، تتراجع أحيانًا، ثم تعود بحزم. هي لا تمسك بالكاميرا فقط، بل تمسك بقوة بحبل السرد الجماعي، وتشده نحو الاستمرار مهما كانت الصعوبات. 

هذا الفيلم لا يعيد فقط توزيع أدوار البطولة، بل يعيد تعريف القيادة النسائية بشكل جذري، ليست قيادة «الفرد البطلة» المتفردة، بل قيادة «الشبكة» المتكاملة، حيث يُحتمل الضعف وتُقبل الهشاشة، وتُعاد القوة بالتناوب بين الأفراد. النساء، في فيلم «مثل قصص الحب»، لا يهربن من الماضي المؤلم أو يتجاهلنه، بل يحولنه إلى أداة قوية للفهم والمساءلة. هن حاملات الوعي، صانعات الرواية، وناقلات معناها الأصيل. البطولة ليست صفة لصيقة بكل واحدة منهن على حدة، لكنها تنشأ من تراكم الأدوار، ومن انتقال السرد بانسيابية بين ثلاث نساء يرفعن بعضهن من الرماد إلى الكلام المعبر. النسوية في هذا الفيلم ليست عداءً للذكورة أو حربًا عليها، بل هي رفض قاطع لاستفرادها بالسرد التاريخي. ليست حكرًا على النساء فقط، بل هي دعوة مفتوحة للجميع رجالًا ونساء لإعادة التفكير بعمق في من يملك الحكاية، ومن يحق له روايتها الحقيقية الخالية من التشويه.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن