تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
من جراج الأوبرا إلى السعودية.. هوامش على حفلة «مشواري»

من جراج الأوبرا إلى السعودية.. هوامش على حفلة «مشواري»

هنا صنعنا قائمة موسيقية بديلة من تسجيلات قديمة لمحمد منير

كتابة: شريف حسن 9 دقيقة قراءة

دفعت الحفلة الضخمة الاستعراضية لمحمد منير في السعودية شريف حسن لمحاولة تذكر تسجيلات من حفلات منير الأخرى التي أحبها. ومع كل أغنية قدّمها منير في حفلة «مشواري»، لم يملك إلا أن يتذكر تسجيلًا لها، يحمل الكثير من الخصوصية والجمال، سواء من حفلة أو برنامج تلفزيوني. وصنع لنا منها هذه القائمة الموسيقية.

أقام تركي آل الشيخ حفلة تكريم للمطرب محمد منير تحت عنوان «مشواري»، تكريمًا لمسيرته الطويلة والهامة في تاريخ الأغنية المصرية. الحفلة استمرار لحفلات التكريم والاحتفاء بمطربين وملحنين مصريين، مثلما حدث مع هاني شنودة وبعده الراحل محمد الموجي، بجانب الحفلات التي يشارك بها عشرات من نجوم الصف الأول في الوطن العربي.

بالطبع يستحق منير التكريم والاحتفاء بمشواره المهم، والممتد لأكثر من 40 عامًا، تقديرًا لما قدمه من أعمال فنية قيمة، والعمل المستمر والمغامرة منذ البداية والصدق في الغناء، وبكل تأكيد الذكاء في الاستمرار والتجديد. لكن هل هذه الحفلة هي ما يستحقه منير؟ 

بعيدًا عما يستحقه منير كشخص في حد ذاته، ليكن السؤال هل هذه الحفلة تليق بأعمال منير والمشاركين في صنعها من ملحنين وموزعين، وجمهورها، والأجيال المتعاقبة على سماعه طوال رحلته الغنائية، بداية من «علموني عنيكي» ونهاية بـ«للي»؟ 

عانى منير في الفترة الأخيرة من بعض التعب، ورحيل أصدقاء العمر والعمل المقربين، مثل مدير أعماله وزوج أخته محمود أبو يزيد في 2020، ثم رومان بونكا في 2022، بالاضافة إلى إصابة رفيقه عازف الكَوَلة عبد الله حلمي بسرطان الحنجرة واستئصالها، وتغير أغلب فرقته القديمة، حتى رئيس الفرقة شريف نور -الذي حل محله الموسيقار فتحي سلامة صاحب التجربة المهمة معه في البدايات، كما في ألبوم شبابيك 1981- كل تلك الأمور تجعل من الطبيعي أن تقل جودة وحماسة الحفلات. لذلك مع كل أغنية قدّمها في حفلة السعودية، لا أملُك إلا أن أتذكر تسجيلًا لها، يحمل الكثير من الخصوصية والجمال، سواء من حفلة أو برنامج تلفزيوني. 

caption

يُقدر جمهور منير تسجيلات الحفلات والتسجيلات الخاصة، بشكل كبير، عن تسجيلات الاستديو. فمنير مميز في تقديم أغانيه، بشكل أكثر حيوية، خارج حدود الاستديو والكاسيت، بشكل يجعل المستمع يقع في حب الأغنية مرة ثانية، ومع كل حفلة أو تسجيل خاص يكتشفه محبوه، تُكتشَف رؤية جديدة للأغنية، غير مختلفة تمامًا، لكنها تنبض بروح كل مَن على المسرح، وعلى رأسهم بالطبع القائد وصاحب الأغنية بالأساس، منير. 

أما مسرح السعودية الشاسع، والشاشات الضخمة خلف عازفي الأوركسترا، بصحبة أعضاء فرقة منير، يقودهم المايسترو هاني فرحات، مع ظهور خاص لثلاثة عازفين من مشاهير فرقة الموسيقار اليوناني يانّي، وعازف الهارب هو فيكتور إسبينولا من باراجواي، وعازفة الكمان اليابانية ساياكا كاتوسكي، وأخيرًا عازف الكمان الأرمني  الشهير سامفيل يرفينيان.. كل ذلك لم يقدر على خلق حالة النشوة والصدق على المسرح بالشكل الكافي والمتعارف عليه، عند جمهور منير. 

يدخل منير المسرح مرتديا بدلة! ذلك الشاب المتمرد على ملابس الفنانين الرسمية في الحفلات، الذي يلف رقبته بعدة لفات من سلك الميكروفون، يعود الآن بعد كل تلك السنوات، في شكل رسمي ليتم تكريمه. ارتدى منير بدلة في قليل من حفلاته، مثل حفلة تكريم عادل إمام في دار الأوبرا أو حفلته في دار الأوبرا أيضًا، مع المطربة الإسبانية ماريا ديل مار بونيت، والتي غنى معها موشح «لما بدا يتثنى».

بمناسبة الأوبرا؛ على مدار سنوات، ظل المكان الأجمل لحضور حفلة منير هو جراج الأوبرا، لا داخل المسرح الكبير أو المكشوف، بل في «الطَل»، في ساحة الجراح العملاقة. يأتي الجميع للاستماع إليه والرقص معه وبدونه أحيانًا كثيرة. كانت حفلات الأوبرا تحديدًا -وحفلات منير عامة- حالة خاصة تختلط فيها الموسيقى بدخان السجائر ورائحة الكحول، مع الرقص المستمر. كلٌ في فلك يسبحون. الجميع هنا جاء للترفيه الحقيقي الصادق بعيدًا عن خلق حالة مزيفة أو غير واقعية.

caption

كلما شاهدت حفلة من حفلات الرياض، أجد شيئا ناقصًا في تلك الخلطة. عدم التفاهم بين النجوم وقلة البروفات توقعهم في أخطاء كثيرة. التقدير لـ«الشو» و لعدد النجوم المشاركين والحاضرين، أكبر من التقدير لقيمة العمل الفني. كيف يجمع مكان واحد كل هؤلاء النجوم، بشكل أقرب إلى أجواء المباريات الودية ومباريات الاعتزال؛ نجوم معتزلين وحاليين، لكن بلا متعة كُروية حقيقية. كل ما في الأمر حقًا لحظة ترفيه وسعادة بهذا الجمع الغفير، دون إضافة قيمة فنية، بمقدار هذا التجمع الضخم.

بدأ منير حفلته بـ«الليلة يا سمرا». أتذكر في مطلع الألفينيات وحتى ثورة يناير في 2011، كانت حفلة منير لها قواعد ثابتة، مثل دخوله الحفلة على أغنية «هيلا هيلا»، والتي قدمها في ألبوم «اتكلمي» عام 1983، من كلمات عبد الرحيم منصور وألحان أحمد منيب. كان الجمهور يعلم مع دقات الدفوف والإيقاع أن الحفلة بدأت مع واحدة من أغاني منير الثورية الوطنية الصادقة، «لانزل سلالمك برجلى وأطاطى لاجل أعلى مش لجل حيلتى القليلة».

أما «الليلة يا سمرا» من ألبوم «شبابيك»، أحد أشهر أغاني منير، والتي تحمل طابعًا وطنيًا أيضًا، فقد غنّاها منير في أغلب حفلاته، ولها عدة تسجيلات من حفلات وجلسات، مثل جلسة خاصة في برنامج «كوك استديو»، أو تسجيلها الرسمي من البرنامج مع فرقة «ذا ويلرز»، وتقديم توزيع أقرب إلى موسيقى الريجي. وهناك أيضًا فيديو كليب من التلفزيون العراقي، بالإضافة للعديد من التسجيلات من الحفلات داخل مصر وخارجها، مثل حفلة مهرجان الدانوب (2003). لكن يظل تسجيل حفلة ألمانيا (2007)، هو التسجيل الأجمل للأغنية، خاصة مع صولو عبد الله حلمي على الكَوَلة في منتصفها، الصولو المتماشي مع الأغنية، والذي يجعلك مستمر في حالتها، بعكس أغلب صولوهات «مشواري». يمكنك أن تضع أي صولو في أي أغنية، ولن تشعر بأي اختلاف، لأنها -رغم جمالها- غير متناسقة مع الأغنية.

جاءت الأغاني التي لم يتدخل فيها عازفو فرقة يانّي أجمل وأقرب لأغاني منير كما هي، دون تدخلات غير مفيدة عليها، مثل تلك التدخلات على أغنية «رزقنا»، والتي رغم أنها مقبولة، إلا أنه لم تشبه نكهتها الأصلية. لا أتذكر حفلة لم تٌقدم فيها الأغنية، مثل حفلات الأوبرا في 2006 و 2008، وتسجيل حفلة كازبيانكا 2009، وهو من أحلى تسجيلات الأغنية، ومعنا صولو عبد الله حلمي الدائم في كل تلك التسجيلات. وحتى في التسعينيات، هناك ذلك التسجيل من حفلة «من حقنا نغني»، في مدينة بنها. يقدم منير الأغنية، وتشاركه عازفة كمان غير عربية لم أتعرف على اسمها، لكن وجودها واضح على المسرح، وتقدم صولو بسيط، متماشي مع الأغنية وأجواءها، ولا يفصلك عن اللحن الأصلي. أيضًا تسجيل حفلة مهرجان الدانوب في ألمانيا 2003 من أحلى تسجيلات الأغنية، ويمكننا الاستماع إلى الأغنية الأصلية النوبية من منير أيضًا.

جاءت و«أنا بعشق البحر» جميلة في الحفلة، ولكني توقعت أن يهديها منير إلى روح زميله رومان بونكا، كما انتظرت شكره لرفيقه عبد الله حلمي في الحفلة، لكن لم يحدث. تذكرني الأغنية بكل تأكيد ببونكا، فغناء منير للأغنية على عوده بكل صدق وحزن، يجعلك تقع في براثن الشجن الجميل، «وضاع فيه الصديق ده أنا بعشق الطريق».

caption

 سنجد ذلك في حفلة مارينا 2000 وحفلة قرطاج 2002 وحفلة كازابيانكا 2009، والتي جلس فيها منير على بالونة كبيرة، وبدأ الغناء مع بونكا، في واحدة من أجمل لحظات الشجن لمنير. هناك أيضا تسجيل ظهر جديد على الإنترنت من حفلة تكريم عادل  في الأوبرا، وفيه غنى منير «أنا بعشق البحر» بصحبة عازفة الهارب ياسمين حربي.

و«برة الشبابيك» كانت جميلة أيضًا، لكن كانت أجمل في حفلة أكاديمية أخبار اليوم 2008، و«أشكي لمين»، والتي كانت الأغنية المعتادة لنهاية حفلاته لسنوات طويلة، مستغلًا النهاية الموسيقية للأغنية لتحية أعضاء الفرقة بأسمائهم. وهنا أعود لتسجيلها من حفل الأوبرا صيف 2008.

تغاضى منير عن ذكر فلسطين، في حديثه عن أغنية «شجر الليمون»، مع أنه كان يفخر بأنه غنى لفلسطين قبل الجميع، وقت أغاني الانتفاضة، وعن دور المطرب المُحرض للمجتمع، وكل تلك الأحاديث الإنشائية. مع «شجر الليمون» دائمًا أتذكر تسجيل حفلة ألمانيا 2007، وصوت الكولة من عبد الله حلمي، ولمساته البسيطة المهمة في تعبير عن الحزن الكامن في تلك الكلمات.

من ناحية أخرى، شارك منير المسرح الكثير من المطربين والفنانين طوال مسيرته، لكن تظل المشاركة الأجمل لعلي الحجار، ومحمد الحلو، مع منير فى حفلة الاوبرا (2007)، وفيها غنى منير معه أغنيته «بحبك وانطلق عصفور» ثم غنى الثلاثة أغنية «أشكي لمين»، والتي كانت أغنية محمد الحلو في البداية، وقد صورها فيديو كليب. وقبلها في 2006 شارك الحلو منير في الأوبرا أيضًا، وغنى «ياليلة عودي تاني». وهناك أيضًا غنائه «تحت الياسمينة» مع لطيفة في حفلة الأوبرا 2008.

من المشاركات المهمة أيضًا، غنائه مع الشاب خالد في حفلتهما في أكاديمية أخبار اليوم عام 2010، وغناء منير «شمندورة» مع إقحام سلس وجميل لأغنية «افتح قلبك». وأيضًا مشاركاته مع مطربين من ألمانيا أو مع المطرب الجزائري حميد بارودي.محمد منير و على الحجار و محمد الحلو ,, من حفل دار الاوبرا 2007

في «مشواري» كانت مشاركة أحمد سعد أو فرقة «كايروكي» مشاركة غير منطقية، فلا أحد فيهما يتقاطع مع طريقه ومشواره الفني. لا توجد نقاط مشتركة غير أن منظمي الحفلة قرروا ذلك. توزيع كايروكي لـ«الكون كله بيدور»، واحدة من أهم وأجمل أغاني منير، كان توزيعًا سيئًا، كما أن صوت أمير عيد غير مناسب للأغنية.

 أما فقرة أحمد سعد، فكان أسوأ ما فيها هو ارتجالات سعد غير المنطقية، إما بمحاولة غنائه وارتجاله مع عازف الكمان سامفيل يرفينيان، والتي كانت دليلًا على عدم الفهم بينهما وعدم التجهيز للحفلة بشكل كافي، أو حتى غنائه موال إهداء وتقدير لمنير بطريقة مفتعلة مثل عناوين الموضوعات الصحفية، التي تستخدم اسم عمل أو أغنية في العنوان، كنوع من أنواع العبقرية المصطنعة.

caption

ختم منير الحفلة بواحدة من أجمل وأهم أعماله «حدوتة مصرية». فقد منير الكثير من حماسه في الغناء من آثار التعب والسن. يحب منير تلك الأغنية وفي أوقات المزاج والسلطنة يضيف لها الأغنية القصيرة «دنشواي».. «بين المخاض والألم من تاني بنتولد، الحكمة بتتولد والغنوة بتتولد، كل اللي عدى وراح لسه في عنيكي بيتولد»، ويكمل بعدها «حدوتة مصرية». فعل ذلك في الأوبرا عام 2006، وبها بدأ حفلة في الساحل بعد ثورة 25 يناير.

منير ذكي بكل تأكيد، حتى في حديثه عن تركي آل الشيخ، جاء تصريحه في ظاهره مديحًا لتركي، لكنه في باطنه يحمل الكثير من الذم المهذب، «لما اقتربت من تركي آل الشيخ حسيت بالمعنى الكبير لكلمة ترفيه». ويكمل بإسهاب وكلام مبهم لا معنى له «ولكن ترفيه عن العقل من العمل وعن الوجدان والروح، وإحنا في حاجة ليه، لأننا نستشف روح جديدة، ونعبر مراحل أكتر وأكتر، وربنا يوفقه ويوفق المملكة للخير».

في النهاية كانت الحفلة أقرب إلى مباريات الاعتزال في كرة القدم، تحمل الكثير من الأجواء والاحتفالات والحب، لكن لا يوجد بها كرة قدم حقيقية. لم تكن تلك هي حفلة منير الحقيقية، بداية من الأوركسترا الكبير، فتجربة منير قائمة على الغناء وكأنه في جلسة سمر. الغناء كأنك تجلس في جلسة نوبية تحمل الكثير من الغناء والصدق والعشوائية الجميلة والارتجالات في سير الأغنية والحالة، وهو ما لم يكن موجودًا في حفلة «مشواري». بجانب إجهاد منير في صوته وحركته وانفعالاته، والجمهور نقطة مهمة أيضًا، لا أتصور أنني أحضر حفلة لمنير في مسرح رسمي جالسًا على الكرسي، وكأني في  حفلة طربية، تلك الأجواء لا تناسب ذكرياتنا وعلاقتنا مع أغاني منير. ربما كانت الحفلة سببًا مهمًا في محاولتي لتذكر تسجيلات من حفلات منير الأخرى التي أحبها، مثل ذلك المزيج الجميل بين أغنية «أفريقيا» للموسيقي الألماني وصديق منير «Hubert von Goisern» وأغنية منير «يا أنا».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

خلاصة الكتب

#265| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

بلال حسني 5 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن